أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد العليمى - الحراك الشعبى والمزاج الجماهيرى - حزب العمال الشيوعى المصرى















المزيد.....


الحراك الشعبى والمزاج الجماهيرى - حزب العمال الشيوعى المصرى


سعيد العليمى

الحوار المتمدن-العدد: 5554 - 2017 / 6 / 17 - 21:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الناشر سعيد العليمى
الانتفاض – جريدة حزب العمال الشيوعى المصرى – عدد ( 41 ) فبراير – شباط 1982
في ذكرى انتفاضة 18-19 يناير
فى يناير من كل عام لابد وأن يثار الحديث ، وتكتب المقالات وتثور الآمال في أن هناك يناير قادم فى مصر ، يناير الانتفاضة الشعبية 77، يحدث تغييرا ، يعود بها مجددا للعب دورها القيادي فى معاداة الاستعمار والوقوف في مواجهة الزحف الصهيوني وفي قيادة الشعوب العربية للتصدى للقوى الرجعية ، ولابد وان يرتفع في هذا النقاش المتكرر ، السؤال التقليدي ، أين ذهبت جماهير يناير 1977؟ هل ارتدت طاقية الإخفاء ؟ أم أنها كانت جماهير مستوردة مثل كل شيء فى مصر الآن ؟ هل هى نفسها الجماهير التى أستقبلت عودة السادات من زيارة القدس المشؤومة بالطريقة الاسطورية على حد وصف الصحافة ، بعد شهور قلائل من انتفاضتها ؟ هل جماهير الشعب المصرى التى استقبلت موت السادات بالنكات ، وبالاحتفال العادى بأعيادها ، هى نفسها التى منحت خليفته السائر على دربه ، رغم كل أوهام الواهمين ، ما يطلبه من مهلة ثمينة ؟
لكى نجيب على هذه التساؤلات جميعا ، وكى لا نقع فريسة للتفاؤل العنيف أو الاحباط العميق فور سماعنا خبرا جديدا من مصر وعنها ، لابد وان نعود قليلا لاستعراض الاوضاع فى مصر ، الى الفترة المحيطة بحرب اكتوبر ، ثم نتقدم معا عبر يناير 77 إلى أن نصل الى يناير من هذا العام ، ولكن بالتركيز ، ومن الناحية الأساسية ، على موقف الشعب المصرى من النظام الحاكم ، وكى نصل الى الحقيقة الواضحة لكل مطلع على حقيقة الاوضاع في مصر من الداخل في ان النظام ، سواء في ظل حياة السادات أم فى ظل حكم خليفته، لم يحظى ابداً بأى تأييد جماهيري حقيقي ، مثل ما حظى به نظام ناصر مثلا ، وفى ان تتضح لنا دوافع سلوك الجماهير الشعبية المصرية فى انتفاضاتها العارمة واستقبالاتها الاسطورية ، أى أن نصل الى فهم صحيح للكيفية التى يتغير بها المزاج الجماهيري الشعبي في مصر وحدود هذا التغيير ودوافعه . وبحيث يبتعد بنا هذا الفهم عن التفاؤل المتسرع كلما هل علينا خبر انتفاضة شعبية او مظاهرة من مصر . وكذلك ومن باب أولى عندما تختفى الاخبار الساخنة عن مصر من الصفحات الاولى للصحافة لا نقع في التطرف المضاد بالوصول للاستنتاج المتسرع بأن لا شئ يحدث في مصر وأن الشعب المصرى ميت لا يتحرك بما يعنيه هذا سواء من اهانة حقيقية لشعب عظيم وعريق او من فهم خاطئ للكيفية التى يتغير ويتحرك بها المزاج الجماهيري الشعبى فى مصر ، فكيف هذا ؟

*حرب اكتوبر والهدنة الجماهيرية
لقد كانت حرب أكتوبر البداية الاولى ، التغيير الأول في المزاج الجماهيري الشعبى في مصر ، فمن المعروف أن الفترة السابقة على الحرب شهدت اصطدامات جماهيرية واسعة النطاق بين النظام والجماهير ، وبالذات قطاعاتها الاكثر تقدما . حيث شهدت الجامعات المصرية نشاطا جماهيريا بارزا تمحور حول مطالب سياسية ذات أهداف وطنية وديمقراطية واضحة كما شهدت المناطق العمالية نشاطا اضرابيا متعاظما وبالذات في مناطق التجمعات العمالية الكبرى والأكثر أهمية فى حلوان والاسكندرية حيث كانت الدعاية السياسية للتيارات والقوى الوطنية والديمقراطية تلقى تأييدا وترحيبا واسعى النطاق . وبرغم أننا لا يجب أن نساوى بين حالة المزاج الجماهيري وبين الفعل والنشاط الجماهيري باعتبارهما شيئاً واحداً. فالفعل الجماهيري هو الخطوة التالية الاعلى ، للمزاج الجماهيري . ومشروط بوجوده والعكس غير صحيح فلا فعل بدون تهيؤ المزاج الجماهيري في اتجاه هذا الفعل بالذات ، وعندما نتحدث عن الاعمال الجماهيرية الكبرى في القطاعات الاكثر تقدما والتى حظيت بالتأييد والتعاطف من قبل الجماهير الشعبية خارجها ، فاننا نقصد بذلك التدليل على أن المزاج الجماهيري كان معاديا للنظام ويتضح ذلك فى أن الجماهير كانت تدفع الوطنيين والديمقراطيين الى مقدمة الصفوف فى كافة المنظمات الجماهيرية والاتحادات الطلابية والنقابات العمالية والمهنية ، وكانت تستجيب لدعايتهم وتتبنى شعاراتهم .بل أن هذه الحركة الجماهيرية كانت تخلق وللمرة الأولى منذ 52 أشكالها التنظيمية الخاصة بها خارج أطر المنظمات الرسمية المعترف بها قانونيا ، حيث شهدت هذه الفترة ، اى منذ انقلاب مايو ، وحتى حرب اكتوبر العديد من المنظمات الجماهيرية المستقلة ، كاللجان الوطنية للطلاب ، ولجان المندوبين العمالية وغيرها ، وكان السماح باستمرار الاوضاع خطيرا على بقاء النظام ، فذلك يعنى مزيدا من تعاظم السخط والنشاط الجماهيريين ومزيدا من تبلور قيادة جماهيرية شعبية جديدة ترفع العداء الجذرى للاستعمار وكل المتهاونين في التصدى له ، لقد كان حتميا قطع الطريق أمام استمرار وتجذر هذا المزاج الجماهيري ، ولم يكن هناك طريقة سوى الحرب ، فهى المطلب الشعبى الاساسى لاسترداد الكرامة الوطنية المهدرة تحت نعال الجيش الاسرائيلي . وجاءت حرب اكتوبر ، ومن ضمن اهدافها تحقيق هذا الهدف الغالى للنظام ، أى تعديل المزاج الجماهيري ، والحصول على هدنة جماهيرية لالتقاط الانفاس ، وترتيب بيت النظام من الداخل ، وتحقيق الفصل بين حركة الجماهير ونشاط الطلائع السياسية الوطنية والديمقراطية ، ولقد احيطت الحرب بكم هائل من الدعاية من زاوية النتائج التى ستحققها ، فهى ستعيد الحق الوطنى والقومي كاملا ، وستوقف استنزاف الاقتصاد الوطنى . والكرامة الوطنية والقومية قد تم استردادهما . وتحت ضغط الدعاية وفى ظل اجراءات ادارية وبوليسية في مواجهة المعارضة الوطنية الديمقراطية تم فعليا تعديل المزاج الجماهيري من العداء الى الانتظار والترقب ، أى انتظار النتائج ، وليس أبدا التأييد ، وهو ما سيكشف عنه تطور الاحداث اللاحق .
ولان النظام ومنذ حرب اكتوبر كان قد انتقل فعليا الى صف اعداء الشعب المصرى ، والشعوب العربية ، وحركة التحرر العالمية فلقد كان أعجز في ظل سياسة التفريط والخيانة الوطنية عن أن يحقق المطلوب ، ولوتحسنا صغيرا ملموسا في مستوى المعيشة المتدهور دائماً. بل كان يستغل فترة الهدنة لتحقيق المزيد من الشروط والمطالب الاستعمارية . فلقد شهدت هذه الفترة اعلان الانفتاح الشامل سياسة رسمية ، وعودة للعلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية ، وغيرها من الاجراءات . ولأن طبيعة الهدنة الجماهيرية التى منحتها الجماهير للنظام لم تكن الا انتظارا للنتائج فلقد كان من الطبيعى ان تكون مظاهرات عمال حلوان في يناير 75 ، ثم معارك عمال المحلة الكبرى في شوارع المدينة العمالية الهامة في مارس من نفس العام ، هى الاعلان المدوى الذى اعلنت به الجماهير انتهاء هدنتها ، أى عودة مزاجها الى العداء الصريح للنظام ، ولكن لم يكن ممكنا ولا متوقعا عوده بسيطة للاوضاع السابقة على حرب اكتوبر فالحركة السياسية للقوى الوطنية الديمقراطية كانت مازالت في بداية سنواتها الاولى ، وكذلك الحركة الجماهيرية ، بما يعنية هذا من هشاشة الالتحام بينهما ، وما يهمنا هنا هو أن مزاج الجماهير قد انقلب من جديد على النظام .
• الهدنة الثانية
وباحداث عام 75 اكتملت تكتيكات النظام فى مواجهة المعاداة الجماهيرية فكلما أدرك خطورة الأوضاع أى بتحول المزاج الجماهيري من الترقب والانتظار الى المعاداة والحركة كان يتخذ سلسلة مترابطة من الاجراءات . فلقد كانت الخطوة الأولى دائما هى شن حملة بوليسية على مراكز التأثير في المزاج الجماهيري ، وعلى رأسها القوى والاتجاهات والشخصيات والمنظمات الثورية الوطنية الديمقراطية واليسارية ، وتعديلات في مؤسساته ذاتها، وعلى رأسها قيادة الصحافة المسماة بالقومية ثم يعقب ذلك تغييرا وزاريا تحمل فيه الوزارة القائمة دون النظام مسئولية النتائج السلبية لسياسته ذاتها ، ولأن الأوضاع لا يمكن لها أن تستمر دون أن يتم تعديل المزاج الجماهيري ودون أن يتقدم النظام خطوة في اتجاه حل مشكلاته وترتيب أوضاعه مع القوى الاستعمارية الضاغطة عليه باستمرار الاحتلال الاسرائيلي ، ولان القضية الوطنية كانت دائما الشبح الجاثم خلف كل الاحداث الجماهيرية في مصر. خلف كل تغيير وتبديل في المزاج الجماهيري ، مهما كانت المسببات المباشرة لهذا الحدث أو ذاك ولأن الجماهير الشعبية كانت مستعدة دائماً لاعطاء مهلة للنظام مادامت ترى في حدود وعيها أنه يتقدم في اتجاه حلها بما يحفظ الاستقلال والكرامة الوطنيين ، ولم يكن من شأن اى خطوة جديدة سوى أن تكون مزيدا من الاستجابة للضغوط والشروط الاستعمارية وكانت هذه الخطوات تحاط بحملة اعلامية هائلة ومدروسة بحيث تثير مع الاجراءات السابقة وخصوصاً باستغلال غياب المعارضة الثورية أو على الأقل اجزاء منها داخل السجون تأمين استمرار حياتها غباراً كثيفاً من ضباب الوهم لدى الجماهير بما يجعلها تقبل بهدنة جديدة .
لقد كان هذا ما أسفر عنه الأمر بالضبط في ذلك العام (75) ، حيث شنت حملة بوليسية واسعة النطاق على القوى الثورية واطيح بوزارة عبد العزيز حجازى التى اتهمت بالتورط فى فضائح الفساد وجاءت وزارة ممدوح سالم بدعوى نسف عوائق الانفتاح ولانه ومنذ الاعلان الخجول فى عام 71 عن سياسة الانفتاح ثم اعلانها سياسة رسمية شاملة للنظام فى أعقاب حرب اكتوبر . كانت تتبلور مصالح طبقية جديدة داخل اطار النظام كان من الطبيعي أن تبحث لها عن مساحة للتعبير السياسي المستقل . فلقد أعلن النظام عن السماح بتأسيس المنابر السياسية داخل اطار التنظيم السياسي الوحيد، الاتحاد الاشتراكي ، وسط اقوى القيود السياسية كي تشكل هذه الخطوة من جانب التفافا على المطلب الشعبى الاصيل الذى رفعته الحركة الوطنية المصرية منذ البدايات الاولى للسبعينيات . من جانب آخر استجابة لحقيقة نمو مصالح رأسمالية جديدة داخل اطار النظام ،وباكتمال حلقة التضليل كان الطريق ممهداً لخطوة جديدة وضرورية ضمن سياسة النظام، حيث وقعت الاتفاقية الثانية للفصل بين القوات ، هذه الاتفاقية التى مثلت فى تقديرنا علامة بارزة على طريق الحل المنفرد الساداتى .
لقد اسفرت هذه الاجراءات المترابطة عن حصول النظام على هدنة جديدة ، هدنة جماهيرية طابعها الاساسي الترقب والانتظار ولكنها ليست نفس الهدنة السابقة ، فالجماهير تتعلم من خبراتها الخاصة ، وردود الافعال تتوقف على مدى الآمال الخائبة ، وهو ما سنراه فيما بعد ، أما الآن فاننا نحتاج تفسيراً للكيفية التى نجح بها النظام في الحصول على هدنته هذه ، فمن ناحية كانت القوى الثورية الحقيقية اعجز من أن تقطع الطريق أمام تغلغل الاوهام ، أوهام الدعاية المكثفة للنظام ، وأن تقود الجماهير فى اتجاه رفض الهدنة والنضال من أجل الاطاحة بالنظام الخائن ورموزه وسياساته وركائزه . ومن جانب اخر لم يكن النظام قد اكمل بعد مسيرة الخيانة الوطنية والقومية بكامل حلقاتها المترابطة ونتائجها المرة ، بحيث أن بعض القوى الثورية كانت تقع فريسة للأوهام حول مكاسب محدودة يمكن أن يقدمها النظام ، برغم رفضها لاجراءاته وسياساته من الناحية الاساسية ، وهو ما كان يضعف من تأثيرها المطلوب على المزاج الجماهيري وفي نفس الوقت فان الازمة الاجتماعية العامة لم تكن حلقاتها قد ضاقت بما يكفى لمحاربة تغلغل الاوهام ، وهو مأادى لتحقيق ما يريده . ولأن النظام كما سبق أن أوضحنا لم يكن لديه ما يقدمه سوى الوهم ، فمن الممنطقى ان يتوقع أن يتغير من جديد المزاج الجماهيري ، ولكنه لا يعود الى نفس النقطة السابقة ، بل يعود الى نقطة أعلى ، بحكم ان النظام من جانب كان يستغل فترة الهدنة لتحقيق مزيد من الشروط والمطالب الاستعمارية وهو ما يعنى نتائج معاكسة لآمال الجماهير ، ومن جانب آخر فان مقدار النتائج التى يطلبها الجمهور كان يزيد باستمرار بحكم احتدام الازمة وتعمقها ، ولذلك فعندما اقدمت السلطة المصرية على اتخاذ قرارات رفع الاسعار كان المزاج الجماهيري قد تغير منذ شهور سواء لان صبر الجماهير كان قد نفذ أو لأن النتائج ، أى نتائج المهلة ، كانت عكسية ام لان جهد المعارضة الثورية في تغيير المزاج الجماهيري عبر سلسلة من المعارك الانتخابية من النقابات العمالية والمهنية في انتخابات مجلس الشعب وعبر مجموعة من المؤتمرات الجماهيرية كان مثمراً ، او على وجه الدقة لتفاعل الاثنين معاً ، ولذلك فلقد كان انفجار السخط الشعبى عارما ، فهذه المرة لم يتخذ الامر شكل المظاهرات في منطقة أو مدينة عمالية مهما كانت أهميتها ، بل امتد ليشمل كافة أرجاء البلاد ، وشاركت في المظاهرات العارمة كل الطبقات الشعبية ، ولم تكن الشعارات مجرد شعارات تطالب بالغذاء والكساء على طريقة اين الفطور يابطل العبور، بل كانت الاستجابة الجماهيرية عالمية للشعارات السياسية التى رفعتها القوى الثورية والوطنية والديمقراطية وكان الاصرار الجماهيري عاليا في مواجهة قوات الامن المركزي ، الاتحاد الاشتراكي الذى لم يكن قد لفظ أنفاسة بعد ، وأقسام الشرطة ومنازل المسؤولين ، واضطر النظام لاستخدام اخر قواه المدخرة ، القوات المسلحة ، مع ما يحمله هذا الاستخدام ذاته من مخاطر جسيمة ، لان القوات المسلحة فى مصر غير مهيأة بعد لان تلعب مثل هذا الدور القمعى المباشر ، فلقد تربت على معاداة الاستعمار عبر فترة طويلة من الزمن وعلى انها جزء من الشعب قوامها الاساس من المجندين القادمين من صفوف الطبقات الشعبية يعانون ماتعانى .
• القضية الوطنية الشبح الخفي
لقد اسفرت الانتفاضة عن تراجع صريح للنظام عن قراراته الاقتصادية المسبب المباشر لها . وكالمعتاد كذلك شنت حملة بوليسية شرسة واسعة النطاق تتناسب مع عمق واتساع الانتفاضة ذاتها وبعد شهور قلائل أطيح بوزارة ممدوح سالم على مذبح المصالح الأنانية للنظام . وثم أغلقت صحيفة المعارضة الشرعية ، الاهالى . صحيفة حزب التجمع فان ذلك كله في سياق ترتيب أوضاع النظام للإقدام على مواجهة الشبح الخفى خلف الاحداث ، القضية الوطنية ، بالزيارة المشؤومة للقدس ، وسط حملة دعائية لم يسبق لها مثيل ، ونقلت الصحافة الغربية وسط تهليل واسع النطاق ، الاستقبال الاسطورى لبطل العبور عند عودته ، وفي حقيقة الامر فان استقبال الشعب المصري للسادات لم يكن استقبالا لقيادته الحكيمة وزيارته التاريخية .....الخ بقدر ما كانت انتظارا وترقباً عميقين للنتائج التى روج لها النظام بديماغوجية خادعة ، وكانت تنذر بالويل والثبور وعظائم الامور ، فالقبول بالزيارة برغم مرارتها لم يكن الا انتظارا لحلاوة النتائج ،التى يجب ان تزيل كل مرارة.
لقد أسفر الامر عن هدنة جديدة ، ولكن النظام كان قد استهلك كل اوراقة وقدمها كلها على مذبح الامبريالية، فماذا تبقى له بعد توقيع المعاهدة كى يتلاعب به ؟ وماذا تبقى بعد أن اتضح ديكورات البناء الديمقراطي الذى بناه ، وماذا بعد أن اكتملت حلقات السيطرة الاستعمارية واتضحت نتائج الانفتاح الشامل؟ ، لقد بدأت تتكشف للجماهير مرارة النتائج المنتظرة ، ومنذ منتصف 79 ، أى في أعقاب توقيع المعاهدة بشهور قلائل ، والمدقق يلاحظ تغييرا ملموسا ومتسارعا فى المزاج الجماهيري . فلقد اسفرت انتخابات النقابات العمالية عن نجاح كل من تقدم لها من المعارضة اليسارية ، واتخذت انتخابات مجلس الشعب فى ذلك العام شكل الصدامات الجماهيرية الواسعة . ولقد استمر هذا التغيير في المزاج الجماهيري فى التقدم بخطوات سريعة بحيث أن أحزاب المعارضة البورجوازية ذاتها ، اضطرت للاستجابة لهذا المزاج الجديد فانتقلت من موقع التأييد المتحفظ لموقع الرفض المراوغ، واشتد عود معارضة حزب التجمع ، وانتقل الاخوان المسلمون عبر جريدتهم ، الدعوة ، من الصمت المتواطئ للمعارضة المتعصبة ، أما الجماعات الدينية المتطرفة فلقد انتقلت من موقع العداء للنظام وتكفيرة لأسباب تتعلق بالتشريع والعقيدة الاسلاميين لموقع المعارضة السياسية .
لقد كان الموقف عصيبا فعلا . فمن ناحية اشتدت مظاهر الازمة العامة للنظام وانكشفت النتائج المرة لسياساته وتعاظمت رائحة الفضائح السياسية والمالية بحيث باتت تزكم الأنوف ومن ناحية أخرى تعاظم فى السخط الشعبى كنتيجة لهذا كله ، ومزاج جماهيري يزداد عداءا يوما بعد يوم ، ويظهر ذلك في شكل مظاهرات جماهيرية ، محدودة نسبيا احتجاجا على امتهان الكرامة القومية والوطنية ، مثل ما حدث فى مواجهة ضرب العدو الاسرائيلي للمفاعل الذرى العراقي ، وفى نفس الوقت فان الجميع يقفزون من سفينة النظام الغارقة وينضمون للمعارضة بحيث بات الجميع ينفخون فى كور حداده السخط الشعبى وفي نفس الوقت انتهاء كل اوراق النظام فى تغذية أوهام الجماهير . فلاخطوات كبرى لحل القضية الوطنية ولا رخاء موهوم بقدوم عام 1980 ، ولم يبق للنظام سوى القمع المباشر الفج العارى وهو ما سيؤدى لمزيد من تأجيج السخط الجماهيري وترسيخ المزاج المعادى .

لقد كان الخطر الكامن خطيراً هذه المرة فالاوضاع مهيئة لشرارة قد تشعل السهل كله ولن تكون انتفاضة يناير سوى البروفة المصغرة لها . فى وقت حساس للغاية فلقد يهدد ذلك اكمال الانسحاب الاسرائيلي ، ويصبح كل ماراهن عليه النظام على وشك الاطاحة به ويفقد النظام التوازن الاخير لوجوده ، ولذلك يصرخ السادات قبل اغتياله بأن النظام في خطر.

• موت السادات ... خدمة لنظامه
لقد قدم اغتيال السادات للنظام فرصة جديدة ، هامش للمناورة ، فعندما كانت الامور تحتدم ، كانت هناك دائما خطوة جديدة كبيرة في القضية الوطنية تثير غبارا من الاوهام سرعان ما ينكشف . اما الان فنحن فى خاتمة المطاف ، ولكن باغتيال السادات حدثت المعجزة ، لقد قدم السادات بموته خدمة عظيمة لنظامة دفعة جديدة من دم الحياة ما كانت لتوجد لو ظل حيا ، فلقد كان السادات قد ذهب ابعد مما يجب حين اتخذ قراراته الاخيرة باعتقال قادة المعارضة ، كل معارضته ، البورجوازية والشعبية ، وأغلب صحفها وضيق الخناق عليها ، وشن حملته على اساتذة الجامعات والصحفيين والاذاعيين وعم ببركة اجراءاته الجميع وهو ما لم يكن ضروريا بالمره من زاوية مصالح النظام ، فلقد كان ممكنا ان يكتفى بمصادره مصادر نهج الرأى العام ، مصادر التأثير فى المزاج الجماهيري وأن يكتفى بذلك ، وكانت مظاهر الفساد واستغلال النفوذ والرشاوي قد استفحلت واصبح السلوك الشخصي للسادات والمجموعات المرتبطة به مصادر اساسية لتأجيج السخط الشعبي وكلها غير ضرورية في ظل نفس السياسيات ، وبموته قدم السادات الفرصة لنظامة القديم الجديد ان يتراجع عن كل ما هو غير ضروري . عن كل ما يثقل سفينه النظام وقدم المبررات فى نفس الوقت لشن حملة بوليسية جديدة ، لم تكتفى بأن تنال من الاتجاهات الدينية المتطرفة ، بل امتدت لتشمل بطبيعة الحال أنشط عناصر المعارضة الشعبية .
أن النظام يناور الان بنفس التكتيك القديم، ولكن هذه المره بتقديم خطوة محل أخرى، ولكنها نفس الملامح القديمة .الحملة البوليسية ، التغيير الوزارى ، الانفتاح الديمقراطي ، أى التراجع المحدود عن عدد من الخطوات وخصوصا ان المعارضة البورجوازية وبعض التيارات الدينية ، الاخوان المسلمون ، قد غيروا من مواقفهم ، فى اتجاه النظام ، بحيث بات هذا لا يشكل خطرا على ما يريد النظام الحفاظ عليه ،أى الهدنة الجديدة ، تعديل المزاج الجماهيري ، كل ذلك وسط دعاية مكثفة وابتزاز واضح بالانسحاب من سيناء.

ولقد حصل النظام على هدنة مؤقتة جديدة ولكنها وكما كانت دائما، اساسها الترقب والانتظار ، ولكنها وكما حددنا من قبل تقف عند نقطة أعلى من كل ما سبقها ، فكما بينت الاحداث أن كل هدنة كان يعقبها مزيدا من العداء والمواجهة، ولاننا نعلم جيدا ان النظام ليس لديه ما يقدمه سوى الاوهام ، فلاخطوات كبرى ولا تغييرات أساسية فالإزمة الاجتماعية قائمة ومستمرة طالما مصر باقية في شبكة التبعية الاستعمارية فمن حقنا ان نتوقع ان هناك يناير ويناير فى الطريق ، ومهما كانت مناورات الانظمة ومهما ضاق واتسع هامش المناورة ، فالشعوب لا يمكن خديعتها للابد، ولكنها فقط تحتاج لوقت، تحتاج لخبرتها الخاصة، وعندها لن يكفيها ان تحول شهور العام ليناير واحد متصل .



#سعيد_العليمى (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فى ذكرى حرب العاشر من رمضان ( ملاحظات حول حرب أكتوبر 1973)
- عن بعض وثائق حزب العمال الشيوعى المصرى فى المكتبات العالمية
- كارل كاوتسكى ونظريته عن العرق اليهودى
- آليات خطاب السلطة الحقوقى - سامى ادلمان ، كين فوستر
- علم النفس السياسي البورجوازى - نقد العقل القمعى وميتافيزيقا ...
- المقولات القانونية ونشأة الراسمالية - يفيجينى ب . باشوكانيس
- حول مفهوم تأويل النص القانونى - بول ريكور
- بعض المنظورات الماركسية حول الدولة والايديولوجية القانونية - ...
- القانون واستبطان العنف - جاك دريدا
- حدود مفهوم استقلال القضاء فى المجتمع الرأسمالى - بيير بورديو
- فى ضرورة تهيئة الشعب للثورة - تشرنيشفسكى - ترجمة فيتولد ليبو
- فى معنى المقاطعة الايجابية للانتخابات
- العجز والتشوش ف . ا . لينين ( ملاحظات )
- المفاهيم النظرية والسياسية وانعكاس امزجة الثورة المضادة فى ص ...
- التفسخ الايديولوجى والانقسام فى صفوف الاشتراكيين الديموقراطي ...
- من ارشيف حزب العمال الشيوعى المصرى - الكارثة الوطنية فى لحظت ...
- من ارشيف حزب العمال الشيوعى المصرى - ليس كل مايلمع ذهبا ! - ...
- الاخوان المسلمون ومسألة التصنيف الطبقى ( من ارشيف اعوام الثو ...
- رسائل بلاعنوان - الرسالة الاولى - تشيرنيشيفسكى ( كاملة ) ترج ...
- هيدجر والثورة الاجتماعية والفلسفية بقلم: إبراهيم فتحى


المزيد.....




- السيناتور ميرفي يدافع عن زيارته لقطر.. ويصفها بـ-شريك معقد- ...
- توثيق نادر لمشهد حميمي يجمع بين ذكر وأنثى حوت
- أفضل المواد الغذائية لتعزيز منظومة المناعة
- دراسة: بريكست فاقم نقص الأطباء في بريطانيا
- أربعة قتلى في حصار فندق فيلا روز في العاصمة الصومالية
- مصر.. حبس مسؤول بسبب رئيس الوزراء الأسبق
- الولايات المتحدة الأمريكية تناقش الإفراج عن سجنائها مع روسيا ...
- مصر.. اختفاء ثروة قومية من إحدى الوزرات يثير ضجة في الحكومة ...
- فليرحل العرب إلى روسيا!.. مستوطنون إسرائيليون يضايقون مراسلة ...
- وفاة رجل الأعمال الروسي فياتشيسلاف تاران في تحطم هليكوبتر


المزيد.....

- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب
- جريدة طريق الثورة، العدد 68، جانفي-فيفري 2022 / حزب الكادحين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد العليمى - الحراك الشعبى والمزاج الجماهيرى - حزب العمال الشيوعى المصرى