أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد كاظم غلوم - حديث عيسى بن هشام المعاصر














المزيد.....

حديث عيسى بن هشام المعاصر


جواد كاظم غلوم

الحوار المتمدن-العدد: 5713 - 2017 / 11 / 29 - 23:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حديث عيسى بن هشام المعاصر

جمعتني صدفةً جلسةٌ مع رجلٍ كبير السنّ في احد مقاهي بغداد أحدثت شرخاً كبيرا في عقلي وكأني ظفرت بشخصية عيسى بن هشام أيام كنّا نقرأ مقامات الهمذاني في فتوتنا وصبانا ، هذا الرجل خبرَ الحياة ؛ حلوَها ومرّها وعايش أنظمة عديدة وأدرك سوءاتها وأخطاءها ولم ينسَ شيئا من بعض حسناتها وكأنني ازددتُ علما وتجاربَ لا تعدلها سنوات من صحبتي مع الكتب وعقوداً من العمل الذي كنا نسميه نضالا وأدركت أخيرا انه كان هزءاً ومضيعة للعمر ووبالاً ؛ ولا أغالي لو قلت انه لم يثمر تلك الثمار التي نبغيها وكأنها مرّت سدىً وأضاع من فتوتنا وشبابنا الكثير من الهدر والخيبة ، وكأن لقائي بهذا الرجل اختزل كل ماعشته من تجارب وقراءات ومعايشة معظم الأنظمة التي مررت بها وقرأت عنها وأعجبت ببعضها وكرهت بعضها الآخر .
قال لي منذ اول وهلة تعارفنا ان كل الأنظمة السياسية والاقتصادية في عالمنا العربي وغير العربي وحتى في العالم المتحضّر نسبيا فشلت وعجزت عن إراحة الإنسان وتحقيق السعادة والهناء ودعة العيش والطمأنينة المرجوّة ، وما الأحلام التي صاحبتنا منذ الفتوة والنضالات التي ضيّعت أعمارنا الاّ ان نعدها مجرد سدى وكأننا نحرث في بحر وندقّ الماء دقّا أملا كاذبا ليتحول الى ماء من نوع مميز وغير ما ألفنا .
صفّـقنا للأنظمة الاشتراكية وحلمنا بالشيوعية ورقصنا على وقع الانقلابات ضد رؤساء الحكم البائد انتظارا لحلم لم يأتِ إلاّ مرعبا وندمنا على مافعلنا من انزلاق كاد ان يطيح بنا ثم مرت السنون وحسبنا اننا نضجنا وبعدنا عن التحجّر الفكري وقلنا اننا لابد من ان نلين قليلا ونستفيد من تجارب الغرب المدنية وننعطف نحو الليبرالية ونقتنع بما تقدمه بعض سمات الرأسمالية لعلها تزرقنا بمصلٍ ناجع حتى لايقال عنا اننا مازلنا في حالة جمود عقائدي .
وبعد ان بلغ بنا اليأس مبلغا خطيرا ؛ رحنا ننبش في الإرث الديني والعقائدي عسى ان نجد هيكلا سياسيا نافعا فتشبثنا بالسلف وسميناه صالحا فإذا بالطالح يلاحقنا حين قمنا بتدوير هذا الإرث وخرجنا بإسلام سياسي ملوّن بالدماء والاحتراب نافثا الكثير من رياح الكراهية الخانقة للأنفاس .
كل هذه الانظمة لم تأتِ أكلها ؛ فلم تعد الا وسيلة واحدة نلجأ اليها وهي اليوتوبيا فزاد مخيالنا وظللنا نسكر ونطرب الى مجتمع خال تماما من المنغّصات والأهوال والكوارث وخلّيناه يلعب بأذهاننا ويمرح في عقولنا بعد يأسٍ مرير مما نلقاه على أرض الواقع خلاصا من الديستوبيا البشعة التي ترافق حياتنا في اية انظمة عشناها وعرفناها .
ومن أطرف ما سمعت عن جليسي العاقل المليء بالحكمة وسداد الرأي انه قال لي مازحاً قبل ان يودّعني :
ياصديقي اذا كان لديك بقرتان تدرّان حليبا وتعيش تحت ظلّ حكومة اشتراكية فاعلم ان إحدى بقرتيك ستغتصب منك وتوهب الى جارك وتُبقي على واحدة لديك كي تتساوى أنت وهو في الأجر والتحصيل وتقلّ الى حدّ كبير الفوارق الطبقية بينك وبين جارك وأخيك المواطن .
ولو كنت رازحا تحت نظام شيوعي فسوف يتم أخذ البقرتين منك ولم تنل الاّ حاجتك من كؤوس الحليب قد يسدّ رمقك ورمق أسرتك .
ولو كنت مواطنا ترزح تحت حكم النظام الواحد أو تحت وصاية دكتاتور متسلّط فاعلم ان البقرتين ستذهبان الى حضائر الدولة وماعليك إلاّ ان تقف في الطابور وتنتظر دورك لشراء الحليب وتدفع ثمنه من جيبك الخاص .
وإذا حالفك الحظّ واستقررت في دولة رأسمالية فسوف تبقى تمتلك البقرتين في حضيرتك وتبيع الحليب بالسعر المتعارف عليه في السوق وتحتفظ لنفسك بما يكفي ليغطي احتياجاتك لكنك سوف تفاجأ بان الدولة قد استحوذت على كل ما جنيتَه من مال ليعود الى الدولة بشكل ضرائب قد تساوي او يفوق ثمن البقرتين وحليبهما وسوف تدرك ان جيبك سيكون خالي الوفاض ، وكل جهدك وتربيتك ورعايتك لما تمتلك سيضيع في غمضة عين .
اما لو عشت في ما يسمى بالأنظمة الفوضوية الغريبة الأطوار ولا تعرف هويتها ومنحاها ويختلط عليك الحابل بالنابل والعالي بالسافل ولا تدرك رأسها من رجليها كما نعيش معظمنا -- ومنهم أنا -- فسوف تتوجه الأبصار إليك وتؤخذ بقرتاك منك عنوةً وترى الآخرين يحلبونهما أمام أنظارك وأنت ساكت خوفاً دون ان تنالَ لترا واحدا ، وكل ماعليك ان توّلي الأدبار هاربا خوفا من يحلبوك أنت أيضا وربما يستأصلوا ضرعيك تماما حتى لاتمتلئا حليبا مستقبلا .

جواد غلوم
[email protected]



#جواد_كاظم_غلوم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصائح النائح
- السفارة في العمارة أم في وسط المنطقة الخضراء ؟
- باكورة تعليم الشعوب خطوةَ النهوض الاولى
- تَنَحَّي أيتها النقاهة لأرقصَ بقامتي الفارعة
- طائرٌ في سوق الغزل البغداديّ
- صباحٌ مغمّسٌ بريشةٍ سوداء
- بعض مسالك ومهالك الحبّ في التراث الادبي العربي
- لُقَىً بخِسة في خَرِبة وطن
- العقيدة الدينيّة من التقليد الى العقلنة
- مرثية بعنوان -- مَلَلٌ و عِلَلٌ --
- أخطبوط الفساد في العراق
- زيارةٌ لها في الليلة الأربعين
- ليتني أعيش مع أقوام الهونزا
- الاوطان الحبيسة في كيس الفئران
- لماذا نتقن تشويه وجه الحرية ونطمس جمالها ؟
- حينما تنقلب الحركة الى صمتٍ هائل
- قبلاتٌ بشفاهٍ ريّا لوطنٍ بلا وجه
- الحياةُ حينما تأنسُ الموتَ
- الاشجار وتعلّقها بالموسيقى الراقية
- حصّالة مدّخرات شاعر


المزيد.....




- بلدة -لبنان- في أمريكا.. كيف تبدو الحياة في مركزالولايات الم ...
- تحاكي أحداثًا شهدناها.. لعبة -أركيد- مستوحاة من الحرب الإيرا ...
- صور معدلة ودعوات للملاحقة القضائية: ترامب يشعل -تروث سوشيال- ...
- عشية المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.. غارات وإنذارات وتفجيرات ...
- -طلقة واحدة إصابة واحدة-: الجيش الأمريكي يتزود بأنظمة ذكاء ا ...
- كنزُ أم ممتلكات مسروقة؟ طفل يعثر على ثروة كبيرة في روضة بألم ...
- كيف مات جيفري إبستين.. انتحر أم قُتِل؟ تفاصيل جديدة
- استراتيجية الصمت التكتيكي .. هكذا غيّر الألماني فليك وجه برش ...
- بريطانيا: عاصفة سياسية تطالب ستارمر بالتنحي بعد النتائج الكا ...
- العوا يتحدث للجزيرة نت حول: وهم الحماية الأمريكية والردع الإ ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جواد كاظم غلوم - حديث عيسى بن هشام المعاصر