أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - يوسف أحمد إسماعيل - الشفاهية ، من الإرث إلى النسق الثقافي















المزيد.....

الشفاهية ، من الإرث إلى النسق الثقافي


يوسف أحمد إسماعيل

الحوار المتمدن-العدد: 5504 - 2017 / 4 / 28 - 02:34
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


"الكتابية"، من "الكتابة "، ليست وسيلة للتواصل الاجتماعي والثقافي بين البشر عابرة للزمان والمكان، أو وسيلة لنقل الثقافة بين الأجيال وتثبيت العقود والمواثيق والتفاهمات بين الأطراف المتعاقدة، وهي ليست كل ما نفتخر به الآن ونتهم الاخر بسرقته، هي ليست كل ذلك فحسب، وإنما هي تعبير، في البدء، عن مرحلة متطورة في الوعي البشري تجاه مدركاته للعالم المحيط به، وطريقة في التفكير. ولذلك تعدّ مرحلة تالية لمرحلة سابقة، سميَّتْ عند علماء الانثربولوجيا preliterate "قبل كتابي" ، وربطها عامة الناس بـ"البدائية" أي الشعوب اللاكتابية كما يقول أشلي مونتاغيو(البدائية ،عالم المعرفة ص 14 )على الرغم من أن البدائية، كمرحلة في تاريخ البشرية، مختلفة عن ما " قبل كتابي " فالأولى تتسم بمعايير الاندماج المطلق بين الفرد والمجتمع؛ بحيث لا تتشكل لديه الأنا الذاتية إلا من خلال الأنا الاجتماعية ، ويتميز المجتمع فيها بالخشونة والبساطة المؤدية إلى عدم التمايز المناقض للمعقد ، كما تتصل كلمة "البدائية " بنقطة ما في الزمان مبكرة أو أولى (كاثرن بيرندت " البدائية ، ص21) أي ما قبل التاريخ . وفي قاموس "ويبستر، تعرّف كلمة "بدائي" كما يلي: هي " ما يتعلق بالبداية أو الأصل حتى العصور الأولى أو ما يتصف بصفات العصور الأولى أو ببساطتها أو فجاجتها "( فرانمس. ل. ك.هسو . البدائية ص45 )
أما " قبل كتابي " فهي لغةً، تشير إلى مجتمعات لا تعرف القراءة والكتابة، أي أنها تتسم بالأمية. ولكن ذلك لا يعني أنها مجتمعات بدائية وغير متحضرة؛ فالمجتمع العربي في الجاهلية كانت تسوده الأمية، وقد قال الرسول الكريم في ذلك { إنا أمَّة أميَّة لا نكتب ،ولا نحسب } ؛ ولكنه كان يتسم بقيم حضارية كبيرة تفتقرها المجتمعات المتمدينة الآن ، كالكرم والنبل والتعاضد والرحمة، بالإضافة إلى التعبير البلاغي المفضي إلى قيم فنية عالية، بمدلولاتها الجمالية.
يمكن القول، إذن،:إنّ مصطلح " الكتابية " يستدعي مصطلحاً نقيضاً هو "الشفوية "، و يندرج معه في السياق الزمني التعاقبي، ويتمايز عنه بمجموعة من السمات؛ ظاهرها هيمنة القراءة والكتابة، مقابل هيمنة الأمية؛ وباطنها هيمنة التفكير الموضوعي مقابل هيمنة تعويم الحدود، في العلاقات والتلقي والثقافة ورؤية العالم . وهذا يستدعي جوهرياً مجموعة من الاختلافات بين المرحلتين، تًميّزهما وتؤسّسُ فيهما السؤال الآتي، كيف ندرك العالم؛ هل بشكل كتابي أم شفوي، إي هل نحن، بناء على ذلك، مجتمعات شفوية أم كتابية؟
يبدو، جلياً، أنّ السؤال الأخير يتضمن بوحاً، لا يرتبط بمعرفة الكتابة والقراءة كوسيلة للتواصل مع الماضي والحاضر والمستقبل، وإنما بالوعي باعتباره طريقة للتفكير بالمدركات من حولنا؛ البيئية والاجتماعية، وخاصة ما يرتبط منها بالمنحى التداولي.
في الثقافة العربية تم تكريس فهم خاطئ للقول السابق للرسول الكريم ، إذ نقله المستدعون له من حيّز الوصف للحقبة الجاهلية إلى حيّز التعميم على الزمن الماضي والحاضر والمستقبل؛ فأصبح كأنه توصية من الرسول(ص) على التمسك بالأمية والابتعاد عن كل شكل كتابي، حتى لا يكون بدعة ، فـ {كل بدعة ضلالة } والأصل في المجتمع العربي، قبل الإسلام، هو الذاكرة، وتدريبها على الحفظ ونقل الأخبار والروايات والأنساب وديوان العرب؛ ولذلك تنقل لنا كتب التراجم والموسوعات أخباراً مدهشة عن قدرة بعض أعلام الثقافة على حفظ كل ما يسمعونه للمرة الأولى. ثم استمر الاهتمام بالشفوية، ونبذ الكتابة بعد ذلك؛ حيث تبرز المفاضلة بينهما، حتى طال ذلك الحديث النبوي الشريف، ولم يسلم من ذلك غير كتاب الله ونسخة عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ وفي تلك المفاضلة يقول الأصمعي :(سمع يونس بن حبيب رجلاً ينشد:
استودع العلم قرطاسا فضيعه/ وبئس مستودع العلم القراطيس
فقال يونس: قاتله الله ما أشد صيانته للعلم، وصيانته للحفظ، إن علمك من روحك، وإن مالك من بدنك، فصن علمك صيانتك روحك، وصن مالك صيانتك بدنك) (جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ج 1/294)وعن عمر بن الخطاب أنه أراد أن يكتب السنّة، ثم بدا له أن لا يكتبها ، ثم كتب في الأمصار " من كان عنده شيء فليمحه ")(جامع بيان العلم ج1ص275)وتدرج الاستثناء فشمل السيرة النبوية ،فيما بعد، ثم كتُب الرأي والكلام ، حتى غدا كل نسق يحتفظ بما يراه مناسبا له (حرق الكتب في التراث العربي . ناصر حزيمي ص15)
ولكن على الرغم من انتشار الكتابة والتدوين فيما بعد في كل العلوم وفي كل الأمصار، لم تنته المفاضلة لصالح الكتابية في الوعي العربي على حساب الشفوية ؛ وبمعنى آخر اكتسب المجتمع العربي الكتابة فعلا إجرائيا للتواصل، ولكنه لم يكتسب الكتابية بوصفها وعياً إدراكيا تجاه العالم ، فمارس الكتابة في تواصله التدويني وبقي شفويا في وعيه الثقافي ،وبالتالي بقينا أبناء ثقافة لا كتابية وتحولت الشفوية لدينا من إرث إلى نسق ثقافي.
وفق ذلك يمكن أن نفسر تعلق المجتمع العربي حتى اللحظة الراهنة بمظاهر الشفوية في كل المجالات الثقافية، والعلاقات الاجتماعية، وأشكال الوعي السياسي، وكذلك صور تلقي العالم الذي نعيش فيه.
ففي الحقل الثقافي نمجّد المثقف المفوّه بليغ الكلام وفصيحه، بالمعنى الكلاسيكي للبلاغة والفصاحة، بغض النظر عن محاكمة منطوقه موضوعياً، فنعجب في مجلسنا من قدرته على سبك الكلام وتوقيعه، وتزيينه بالمأثورات الشفوية الدينية والشعرية؛ وإذا حضرنا أمسية شعرية نعجب بالقصيدة الموقّعة، والنهايات المبنية على مفارقات كسر أفق التوقع، فنصفّق مشغولين بدهشتنا وإعجابنا؛ وإذا كنا في ندوة يستحوذ علينا المتحدث المرتجل دون ورقة مكتوبة، حيث يصول ويجول في حقول معرفية متداخلة، ويتحدانا في قدرتنا على ضبط تعويمه المعرفي، من خلال قدرته على التحكّم في تلقينا الشفوي المأسور من قِبَل طاقته الصوتية وتلوينها بما يناسب المقام والتلقي الشفوي. ولكننا في المقابل نشعر بالتعب والملل والشرود من ورقة مكتوبة بإتقان وعلمية؛ حيث نفقد القدرة على التركيز أكثر من بضع دقائق، فنضطر للخروج من المجلس أو القاعة أو الفضاء المرهق للعقل.
وفي حقل العلاقات الاجتماعية نركن لصورها الشفوية ونردد الأمثال والأقوال المأثورة التي تمجدها، عن طيبة القلب والبساطة والعفوية، مقابل قسوة الآخر وإنكاره وخديعته؛ ثم عدم التعلّم من التجربة، والوقوع في الحفرة ذاتها مرات ومرات إلى أن يصبح (الجحيم هو الاخرون)، كما يقول سارتر في الجلسة المغلقة .بل إن كثيرا من متاعبنا القانونية ناتجة عن لجوئنا إلى الشفوية، واحترام الكلمة المنطوقة وليس المكتوبة والموثِّقة ، بل إن جلّ الاختلافات الاجتماعية ذات البعد الاقتصادي منبتها الوعي الشفوي تجاه الآخر، حيث تتسم العلاقة معه بالحرج والخجل وعدم القدرة على مواجهته بموضوعية. وينعكس ذلك على راحة الفرد داخل مجتمعه بشكل عام حتى داخل الوجود القانوني للدولة التي تنظم العلاقات الاجتماعية في إطار الاحترام المتبادل للحقوق والواجبات، فيخضع التسيير الإداري للشفوية في الوعي، وليس للكتابية باعتبارها ممثَّلة بالقوانين الفاصلة في الخلافات الاجتماعية.
وفي الوعي السياسي نمجد السلف المفوّه، بدءا من خطبة الحجاج الشهيرة (إني أرى رؤوسا قد أينعت .. ) إلى خطب القادة والملوك والرؤساء المفوّهين في العالم العربي المعاصر ، فكلما كان القائد بليغاً ومرتجلا وفصيحا كان متماهياً مع حلمنا في البلاعة الشفوية ، بغض النظر عن عدالته على الأرض وصدقه مع ذاته ومع شعبه، بل إن معاييرنا في المفاضلة بين مقامه وجلالته وسعادته في لحظة التنافر والتنافس والغضب تعود إلى قدرته على إشباع نسقنا الثقافي في المشافهة؛ ومرجع ذلك هو الخطيب الديني الذي كان يمثل في الثقافة العربية البعدين ؛الدنيوي والديني ، باعتباره خليفة وواليا يسيّر شؤون الناس في الدنيا ، وباعتباره أميراً يعظ الناس ليصل بهم إلى الجنة في دينهم وآخرتهم. ولنجاح تلك المهمة لا سبيل له غير البلاغة الشفوية، فهي تكفل له الوصول إلى إقناع المتلقي عبر أدوات حجاجية مرتبطة بالتراث الديني من نصوص مقدسة وقصص وعظية، وبالتراث الأدبي ممثلا بالحكم والأمثال والمأثورات والأشعار.
غير أن ما يلفت الانتباه في حقل الوعي السياسي إدماج سعادته بلاغةً الخطاب الديني بالسياسي وإعجابنا بذلك ، من جهة ، وحرص سعادته على تقديم نفسه بصورة إشهارية تتماهى مع القيمة المثلى التي نحملها في وعينا الشفوي للموروث الثقافي العربي الإسلامي بشكل عام، من جهة أخرى؛ فنراه بحلة رسمية لا تتبدل ، وذات لون داكن لا ينجلي عن بياض أو لون آخر، وإذا ابتسم ، وهو نادر ، لا يخرج عن تمجيد الوقار في تقافتنا المَثَليّة ، وإذا تحرك يمينا أو شمالا فهو للوصول إلى أقصر مبتغًى في المكان، وإذا نفض مجلسه، فهو لشأن أهم وأجلّ. فهو يتقن منعرجات نسقنا الثقافي الشفوي، بل يتماهى معه إلى الحدود القصوى التي تؤمن له شعورا بالرضى والانسجام.
أما في حقل تلقينا للعالم المدرك حولنا ننزاح في كل الاتجاهات في لحظة واحدة؛ فنحن مع السلم في هدوئنا، ومع الحرب في غضبنا، دينيون وعلمانيون، نمدح ونقدح ذات المواقف وذات الأشخاص، مترددون، وتنقلب مواقفنا وفق إدراكنا الشفوي للعالم، نتخبط بين الإعجاب بالعالم الغربي وتكفيره، ونلتصق بمنجزاته لدرجة الإدمان، ويلعنه خطباؤنا في المساجد وساستنا في المنابر، ثم نهاجر إليه زرافات زرافات، بحثا عن حق ضائع، من حقوقنا الإنسانية !
نستدلّ بالعلوم التطبيقية لنثبت معجزاتنا التاريخية، ونحتكم في الوقت نفسه، للطب الشعبي، ونبخس من قيمة الطب التجريبي. نذهب للمعلم لنؤكد له أميتنا الثقافية حين ينهر ولدنا المارق على التربية والتعليم، ونؤكد له، في الوقت ذاته، حرصنا على مستقبل جيلنا، وإذا لم يتفهّم تناقضنا نبيّن له عورته وجهله.
نتحدث عن الحرية والحقوق والواجبات بأسمى الصور، ونمارس كل البشاعات التي تفرغنا من إنسانيتنا، فنهاجم كل صور انتمائنا لنخلص لذاتنا المصابة بالعصاب فنسترجع سارتر ونستذكر قول الشنفرى :
ولي دونَكُمْ أهْلُون: سِيدٌ عَمَلَّسٌ / وأرقَطُ زُهْلولٌ وعَرْفاءُ جَيْـأل
هُمُ الأهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّرِّ ذائعٌ / لَدَيْهِم ولا الجانِي بما جَرَّ يُخْذَلُ



#يوسف_أحمد_إسماعيل (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسئلة في الحاجة إلى الثورة(2) -التحرر من الصيغ الجاهزة-
- أسئلة في الحاجة إلى الثورة (1)
- التابو المحرم والثقافة المضادة- نوال السعداوي-
- لماذا إدلب؟
- دول التبعية ولعبة الشطرنج الدولية
- دون رتوش (2 )
- دون رتوش(1)
- أسئلة استنكارية
- البيئة الاجتماعية الحاضنة
- التصنيف العشوائي
- الخراب والأسئلة
- أمراء الحرب والسلطان المتحوّل
- تشويه الآخر تحت سقف الوطن
- مثقف السلطةومثقف المعارضة
- الانتصار للحرية
- الطابور الوطني الساذج
- النظام الجمهوري العربي
- الوطنية شراكة إنسانية
- حلب تحترق 2
- حلب تحترق


المزيد.....




- المستشار الألماني يدعو لتشكيل عالم متعدد الأقطاب
- التلفزيون الإيراني: انفجار ضخم في مستودع للذخيرة في أصفهان ( ...
- بيرو.. مصرع 24 شخصا على الأقل بحادث سير (فيديو)
- جدل بعد انتشار فيديو لأردني يجبر ابنه على إجراء اختبار الكحو ...
- بينها هدم منزل منفذ عملية القدس وتعزيز المستوطنات.. أبرز قرا ...
- القوات الروسية تواصل تقدمها وتسيطر على قرية جديدة في جمهورية ...
- مصر.. لجنة مكافحة -كورونا- تعلن تفشي متحور جديد سريع الانتشا ...
- وسائل إعلام: بريطانيا تخشى وقوع دبابات -تشالنجر- بيد الجيش ا ...
- السفارة السعودية في واشنطن تحذّر الرعايا السعوديين
- البحرين.. إحباط تهريب 87 كغ من الحشيش مصدرها إيران


المزيد.....

- عبد الله العروي.. المفكر العربي المعاصر / أحمد رباص
- آراء سيبويه النحوية في شرح المكودي على ألفية ابن مالك - دراس ... / سجاد حسن عواد
- معرفة الله مفتاح تحقيق العبادة / حسني البشبيشي
- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ
- الابادة الاوكرانية -هولودومور- و وثائقية -الحصاد المر- أكاذي ... / دلير زنكنة
- البلاشفة والإسلام - جيرى بيرن ( المقال كاملا ) / سعيد العليمى
- المعجزة-مقدمة جديدة / نايف سلوم
- رسالة في الغنوصبّة / نايف سلوم
- تصحيح مقياس القيمة / محمد عادل زكى
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - يوسف أحمد إسماعيل - الشفاهية ، من الإرث إلى النسق الثقافي