|
|
ما تحت اللحاء...
يعقوب زامل الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 5378 - 2016 / 12 / 21 - 18:55
المحور:
الادب والفن
ما تحت اللحاء.. ....... القمر كالغيب، يدثر نفسه بغلالة غيمة طفلة لم يطل متاعها للنضوج.. القمر تدارى بين طياتها لحظات ثم أنكشف وتمشى كالمنوّم على فسحة عارية. في مشرق الصحو انحدرت طفلة أخرى، وكان بعض نيسان قد ترك مواقيته لغدير شهر آخر، غيمة أخرى انحدرت، لكنها بدلال مالت بعيدة. لا يعرف من أين ولماذا تنحدر الغيوم؟. وهو المعبأ بالروائح الحريفة، أنها لعلى ناحية القلق يمزقها كما يمزق مظلة باردة قديمة ظلت تحجب عينيه عن ملامح الأشياء الحقيقية. تذكرت أن لا معنى أن أبقى غريبا مغتربا عن نفسي، ولا كئيبا مثل خيانة عابرة. خلف القمم السود والمعتزلات الغائمة، دسست جانبا من رأسي ختاما ليوم مرهق. وفي سماء اشتعلت مثل برتقالة كبيرة بحمى لونها، تدثرتُ من برد حمى كنت أشعر بها منذ أيام، لأحتمي برائحة أحبها. ومثل منوّم همست " أحبك ". كانت رائحة البرتقال المقشّر تملأ شغافي. في مرة قلت لها : " لكِ رائحة برتقالة تقشرّت للتو" أرتعشت. ثم فاضت. وحين ألقت جسدها عليّ، تلقفتها. ثم غمنا في ظلام الحمى. وقتها أحسست صوتي يندس معي في تلافيف قشرتها الحارة. صوتي كان لذتها لكبرى وهو يندس داخل مغاور جسدها كما جناحيّ يمامة برتقالية اللوّن. " مشوبُ بالحمى. وقتها أحسست بالرغبة لو أنا بقيت ساكناً داخل هذا اللحاء اللحمي الطري الدافئ. ربما ستتكاثر النجوم على جسد يوقد أغدو مثل كرة من لقاح.. تتلامع. نصفي مجنون برائحة الحبق، ونصفي الآخر كتلة من حمى البرتقال. وداخل رأسي ستظل السماء تتناسل فيه حمحمات نجوم تشتعل ثم تنطفئ إلى وقت تمتلئ بالغبش. والبرد يقتلني. الشمعة الأخيرة المتيبسة، التي احتفظت بها لظلمة قادمة، انطفأت. لهذا أشعلت سيجارة أخرى لكي لا أموت بردا. كان عليّ أن أختار بين البرد على شمعة متيبسة قديمة انطفأت تواً، وبين نصف مشتعل بالحمى البرتقالية إلى يوم غير معلوم، وفي رأسي نجوم تتذبذب ثم تنطفئ تباعا؟!. جسمي المنحني بشكل ما أمام الآلة الالكترونية. ساقاي كانا منفرجين وأنا احتضن بينهما المنضدة الصغيرة التي على سطحها آلتي الالكترونية. الوقت كان صباحا والضوء شحيحاً كما في الخارج. المطر ظل يتساقط خفيفا منذ ليلة أمس. كنت أنتظر عودة التيار الكهربائي لأفتح جهازي الالكتروني لأتصل عبره إلى العالم الآخر. لم يكن من شيء ذا قيمة تعبيرية توحي بأهمية وجود ذلك العالم الآخر. ربما هي الآن تنتظر ظهوري، وربما أيضا. قد تكون مشغولة بترتيب أمورها الخاصة وبمشاغلها اليومية، رغم ما تتعرض له من حالات صحية سيئة أو ضيق، فهي شريك نشط في تشييد أسرة من الإلهام. شعرت بالحاجة لاحتساء كوب شاي. وجدته ما يزال ساخنا. أخذت كفايتي منه ثم تركته على سطح كاونتر المطبخ. فكرت وأنا أخذ نفسا عميقا من دخان سيجارتي، أنها ستكون موجودة وليست حاضرة. الحضور يشبه ما نتركه من أثر على وجه الرمال حين نسير عليه. أو هي رائحتنا في المكان الذي نكون فيه. بالأمس وأنا أقرا محادثاتنا القديمة التي أحتفظ بها عادة، أحسست بأن ما كان دفئاً عاطفياً بيننا، تحول بمرور الوقت أخيراً، أو هكذا أحسست، إلى ضرورة طلبه من مدفئة نفطية، أو غازية في مكان ما بعيد. النسبة المئوية التي كانت عالية من الشغف، انخفضت كثيراً في الفترة القريبة الماضية. وهذا ما كان يدفعني لشيء من الأسى وفقدان الرغبة أيضا. بوجه نصف نائم وإحساس نصف مستيقظ، رحت أدوّن ملاحظات طفيفة، ومن غير ذي بال أكيد كنت أكتب بغير الأهمية السابقة. ليس بذات المتعة التي كانت في يوم ما. كنت أشعر بأني غير مفيد كما في وقت آخر. كنت أدرك بأنها أيضا لم تعد كم كانت. كانت بعض بقايا امرأة طارحتني الهوى والعشق والحميمية. أما الآن فهي بعض مما تبقى منها. على أن شيئا ما يزال يتشبث للبقاء فترة أخرى، كأن بعض مما تبقى كان يحاول أن لا يتأخر عما فات. البعض في كله، أنها ولسبب لم يمت تماماً، كانت تحاول الحفاظ فيه للفترة القصيرة الآتية، أو لما بقي من وقت شبيه بالوقت الضائع. كان عليّ أن أشرح لها هذا الذي أشعر به الآن.. وبما يحصل بيننا. ربما أن الحقائق حين تكون غير واضحة، فهي ستغدو أشبه بيرقة بعد أن تحولت لفراشة، لكنها ولسبب ما أجهدت نفسها كثيرا حول النار، ستفقد قدرتها للبقاء على قيد الحياة طويلا. وأن كل شيء ما حسبناه تلاحماً يتحول ببطء إلى استقلال في المشاعر وجسدياً معاً.
#يعقوب_زامل_الربيعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ما يطيح بنا...
-
المعالم...
-
سجين الإلهيات...
-
نوم متقطع !...
-
فضائل المحق!...
-
استدراج..
-
خفقة للمجيء..
-
مُتسع اللغز !..
-
.. لأن !
-
لقرى التحول، أدعوك...
-
يُحكى أن .....
-
المعطف قصة قصيرة
-
شواء غابة قصة قصيرة
-
طقوس ما بعد الوحشة!
-
سعير الياقوت...
-
لفافة تبغ...
-
رفقة ..
-
مساحة حقول المتطلبات قصة قصيرة
-
لدبيب الحزن والقطار!..
-
وقيل .. قليل الرجاء!
المزيد.....
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|