أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - لفافة تبغ...















المزيد.....

لفافة تبغ...


يعقوب زامل الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 5365 - 2016 / 12 / 8 - 20:51
المحور: الادب والفن
    



قصة قصيرة
..........

ـــ " .... الخط الدقيق بيني وبين نفسي، والذي في الغالب كان يفصلني عنها، أشعر به الآن مخلخلا، حتى لكأنه سيتحول إلى مجرد أثر من نزاع يطفو اللحظة فوق سطح الروح، بين رطوبة تخفيها النفس، وطقس أحسه يابسا، يسكن في الأسفل.
حدس أعمى كان يقودني لناحية متطرفة من حواس غير مرضية تماما. أحاول عبور هذا الذي يشبه مستنقع غير أمين، لناحية تريحني من هذا الامتحان المرّ والمربك".
أكد لها في محفل قوله دون أن يتوقف لحظة:
" حين ألتجأ إليكِ اتذكر كأنني أقرب مني لرجل ممسيحي بسيط التفكير أحس أنه تحت تأثير قوى غير معلومة، أخذ يهاجر معها بعيداً عن ثالوثه المقدس دونما أدراك منه عن سبب ما حصل له. ولأنني والحالة هذه، أشعر بالارتداد، وأني على غير ما يرام، فقد كنت أخشى ان أسيء لطقس، حين أكون فيه معك، أحسه كأنه أثمن من كل شيء، لذا كنت أحاول أن أتراجع بعيدا عنك لزمن أكون فيه أحسن حالا حين أعود".
وهو ينكب بغير ما عناية، لكتابة رسالته إليها، كان يتلبسه ذات الشعور، الذي تلبسه في وقت من أوقات العسر المضنية. يومها كان وحيدا في شق قتالي دون رفيق، سوى لفافة تبغ أخيرة حرص أن يحتفظ بها طويلا.
في ذلك الوقت ، فكر بأن لا بأس أن يكون مدمنا بهذا القدر على التدخين، خصوصا وأن حياته كلها غدت مجموعة إدمانات تتراكم على بعضها، مشكلّة عنصره الجديد الذي تبقى عليه بعد أن هجره عالمه الأثير الذي تسرب منه. وكان حازما أن لا يدع نفسه تتسرب من هذا المنطق المعقول فيه، لكنه قبل أن يتحول الآن لمنطق الوحدانية هذه، التي ود أن يبين لها أهمية شعوره في وحدته، وبين أهمية تلك اللفافة الوحيدة بالنسبة إليه، تلك التي كان يحاول الأستيطان معها في مكمنه أطول فترة ممكنة.
ـــ " ... حبيبتي.. الشعور ذاته يتملكني الآن تماما. ذات المسلّمة الموبوءة بالصلف والأحساس بالإمتحان على نحو غير مسبوق، يتلبس خاطري اللحظة.
أحيانا، عندما كنت أقرأ، أو أسمع، بأن شخصا ما يحس، أو يشعر، بأنه غير سعيد، لم أكن أدرك أو أعي ماهية هذا الشعور ، أو تلك الحالة، بصورتها المثلى. ربما لأنني لم أتوقف عندها أو التفكير فيها على نحو جدي في محاولة لأستنباطها بذات الشعور الذي حصل مع ذلك الشخص. بيّد أني في هذه الساعة، أعيش تلك الحالة. لأول مرّة أشعر الآن بأني غير سعيد تماما.
كل تفاصيل الحزن والانشطارات المترسبة فيّ وقتها، تتحول الآن إلى غابة من مزارات وأضرحة لمراقد تأجيل متكرر، وأحلام متيبسة، وارتحالات لا تئوب، وآمال لا تتكسر، لكنها تتكسر بصمت، ومودات تبترد على مسار لا يتوقف، وخوف من وحدة تتناسل مثل فضول دائم" .
هو، وكأن تلك اللفافة كانت تبادله حس اللحظة، كان يحس إزاءها بشيء من الألفة والصداقة. وكان يداعبها على أطراف أصابع مرتجفة. يغيّر أمكنتها كل ثانية بين هواجس أصابعه كأنه يعطيها خيارات أخرى ربما لا تتحقق، ولا تتبدل، لكنها بالتأكيد نوعا من مشاركات وجدانية بينه وبينها.
يقطب حاجبيه أمامها، ولأنها ما تزال تدور بجسدها الهش بين أصابعه، كان يغيّر تقطيبات وجهه نحوها بذات الإناءة والتمهل اللذان يحتاجهما لإكتمال حسن التعامل مع تلك الصديقة الوحيدة، التي لو أشعلها ستكون آخر ضحايا متعته الضئيلة، وإن تنفس دخانها سيكون ربما آخر عهده مع أي متعة قد لا تجيء، ولا تتكرر، لكنه لو تركها سيكون ضحية عجز في أن يتماسك إزاء الخوف المتجدد.
وكان يشعر بأنه غير طموح بمقدار ما يحصل أحيانا مع طفل يتعامل مع دمية أو طابة صغيرة.
ـــ حبيبتي.. لو تعرفي أي شعور كالزئبق في تلك اللحظات، كان يدور متنقلا بين حواسي جميعها، وبين تلك اللفافة، وكأننا واحد على مسرح وجهتنا العجائبية ؟!.
اللحظة الآن، لكأن كل ستائر نوافذ الكون قد أسدلت بتتابع غريب ومخيف، ولأننا سواسية في تلك الليلة التي تشبهنا، لم تكن اللفافة تحسن الدفاع عن نفسها. كنا، أنا وإياها، نتعاطى صمتنا العجيب بتناغم ومشاركة واحدة. وكان، لكأن للزمن عود ثقاب واحد، لو أشتعل فجأة، سيتغير كل شيء.. أنا غير سعيد حقاً".
عمود من اللفائف المستحيلة، ينتظر على أبواب محنة تسأله عن معنى أن يكون أسير دخان وصمت وبقع. كان يذكيّ قبوله على فكرة واحدة: أن الحرب مثل رواية تقريرية، أومثل رحلة على متن طائرة قديمة الصنع بلغت سن يأسها المحتوم ، فكان عليه التفكير كيف سينتهي من قراءته المملة منها، وماذا سيحصل لو انها لم تدرك أي مدرج، في مسيرها التقليدي المثير للشكوك، لتحط عليه.
الليل، في تلك اللحظات المتبعثرة، لم يكن يفسد لونه، سوى يرقات حمراء كانت تعبر فوق رأسه تحمل أزيزها المتشنج منفلتة من فوهات بنادق كانت تختفي أبدا في أمكنة شقية، خائفة، مرتجفة، مقموعة خلف سواتر وحفر وملاجئ مجهولة. وكان لصدى المحنة صوت مقموع أيضا يدور في الأرجاء، وبياض مضطرب في ممر بعيد يؤدي إلى غرفة باردة تنتظر أوبته المستحيلة لتمسي دافئة.
الإهتمام بالحزن يتشكل على هيئة دوائر ومويجات. تطفو حينا وحينا لا تترسب في قاع واضح. فالمرآة التي ما تزال حتما في مكانها معلقة على مقدمة حائط البهو قبل غيابه، تنتظر حتى الآن أبتسامته وتأنق وجهه، وحتى مقبض باب غرفة منامه، ستظل تشتهي أصابعه الولهى قبيل أندساسه بحضن زوجته الدافئ. وذلك الصوت المبهج وهو ينبعث من حجابات الشفاه والأثداء ، ومكامن المعوذات الناشطة بين الافخاذ والآباط وزوايا الخلود الناعمة في مبائت اللذة، سيظل يتمطق في فضاء سمعه. يضيف:
ـــ " أنا ولفافتي التي باتت بين اصابعي أكثر هشاشة من قبل لحظات قصار، كنا نمارس غواية المكان والرشاقة ومناوبة التلعثم ، كنا نتعاطي الإيمان بيننا أيضا. هي تغريني بجسدها الأبيض المشوب بالصفرة، وبترف ونعومة أحشاءها، وأنا أتعملق شهية وغرابة لأمتصاصها وتغوّر حريقها داخل الفم والبلعوم والرئتين. لم يكن مشتهى رأسي هو من يرغي وحدته في تلك اللحظةـ إنما كان لشفتايّ المرتعشتان حفيفاً، كما لجناحي فراشة تدنو لنار لذتها. وكان لغبار الأسرار المعتقة بالرغبة وبالحنين لسلام ينتظر في آبعد نقطة من العالم، صوتا مشمّسا بظهاري تدفع المتعبين واللاذين من خوف، إلى سكون قيلولة يباغتون بها نهارهم القلق وليلهم الكئيب المكفهر. وكان السلام قلقا أيضا.
ـــ .... عزيزتي.. عندما نحب شخصا ما، بكياسة وبلا مبالغة، ذلك أننا نعتقد أن علينا أن نتروى.. نتمهل، حتى لا نفقد عنصر الشجاعة أو الأمكانية، في أن نكون على بينة من أنفسنا قبل أن نجيش عشقا وولها فيه. أن نعرف قدرتنا، وعلى ما فينا من دوائر في بقعنا الساكنة، أو التي نعتقد بسكونها، على الإيمان به آخر المطاف هو ليس سوى صرخة استغاثة بعنصرنا السحقيق. هل من المروءة أن أسألك الآن عن الذي جعلك وأنتِ المرأة المتزوجة، والغير عادية، أن تعشقي رجلا يخشى سؤال نفسه عما يجعله يسلم حياته كلها بيد عسكريين، ربما غير عقلاء أو أسوياء، ليقاتلوا بها أشخاصا آخرين يعتقدون بأنهم أعداء؟!. قد يبدو سؤالي هذا أغبى كل الأسئلة على الاطلاق.
هذا الذي أشعر فيه الآن وأنا أبادل لفافتي النظر والهواجس والرغبات الدفينة، لا أعرف ما الذي سيعيدني بعيدا عن الوجع الحلو إلى حيث مرارة الواقع؟. كيف لي أن أخبرك عن تفاصيل ربما ستكون غبية لو حدثتك عنها الآن، وكيف ستكون كأنها منتهية الصلاحية لو أنا أجلتها لوقت ربما سأكون فيه في مكان غير هذا؟؟. كيف تمر الدقائق والساعات والأيام، وأنا في غابتي الآن مع لفافة تبغ ليس لي أنيس أومنقذ غيرها؟، وليس لها سواي يفكر بها بهذه الحميمية والوجدانية المبصرتين" ؟!.
في اللحظة التي مرقت فوق رأسه رشقة من اليراعات الحارة، والحمراء، والحساسة، لكأنها لمسات فزع غير مسبوق ينده موتى مقتولين، تركوا كل شيء على حاله ومن غير أن يتموا ما بين أيديهم من شواغل وغايات.
تقدم خطوة، وتراجع عن أخرى، كان وكأنه يقيس أحدوثة غبية على مقاسه، عليه أن يتخذ إزاءها قرارا بغاية الخطورة والرعونة أيضا.
ولأن الجو كان باردا.. بل شديد البرودة، فقد شعر بأنه مثل رجل لا مستقبل له، وأن عليه أن يختتم رسالته، ليخرج إلى فناء آخر. فكر مليا كيف عليه أن يخرج من هذا الفناء الذي تحول تحت زخات اليرقات الحمراء إلى جبانة لموتى وباء الجذام والقيح. فكر أنه سيشعل اللفافة، وسيملأ فمه ومنخريه ورئتية برحيق دخانها. وأنه لسبب ما أكثر ضرورة عليه أن يفكر بطريقة ما بعد الأنتهاء من تدخينها. أن يكون معقولا وصامدا ومتماسكا وصافيا، فليس كل الطرق التي مرّ بها في أوقات حياته، كانت تؤدي إلى نهاية المشاوير. وليس كل الأحجار الكريمة ستتعرض للتلف. وكان يراوح نظر عينيه في سماء مكفهرة خلت من نياشينها فجأة.
ـــ " حبيبتي.., ها أنا على وشك ان أرمي عقب لفافتي الكريمة، أريد أن أستعدل بقامتي على نحو كما كنت تعجبين حين تتطلعين عليها من بعيد. ها أنا أتممت ما كان يعوزني , وها أنا بعد أن شبعت من دخان رفيقتي، وشيعت ذكراها، أمتلئ اللحظة حبورا,
أنا على وشك القناعة، بأني لو نجوت من الموت الآن، سوف لن أدع نفسي تموت أبدا.











قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رفقة ..
- مساحة حقول المتطلبات قصة قصيرة
- لدبيب الحزن والقطار!..
- وقيل .. قليل الرجاء!
- الكلمة أبداً..
- حزمة اعتياد ورغيف..
- لمائدة الليل والزعفران..
- أنت.. ومزيج الأشياء !
- وجهكِ فقط !...
- الصوت فقط...
- ما تحت الجلد !...
- يا صاحب البحر..
- خلاصة خرافة !..
- قبل رحلة أخرى !..
- لانبعاث آخر ...
- لتكرار المحسوس !..
- لانبعاث آخر..
- في أحيان كثيرة، هو المنعطف !..
- بين حين وحين !..
- أتساع...


المزيد.....




- بصورة -فريدة-.. أحلام تهنئ ولي العهد السعودي بمولوده الجديد ...
- قصة الزير سالم الكبير  تأليف أبو ليلى المهلهل الكبير
- سوريا: تحديد موعد انتخابات رئاسية تصفها المعارضة بـ-المسرحية ...
- -أرقام صادمة-... الشركة المتحدة ترد لأول مرة على تقارير عن أ ...
- أول تحرك من عائلة سعاد حسني بعد أنباء تحضير عمل سينمائي عن - ...
- ممثل يهزم بطلا للفنون القتالية المختلطة بالضربة القاضية (فيد ...
- وهبي: لن أتخلى عن البكوري وسأترافع عنه متى رفعت السرية عن ال ...
- برلماني مصري يقدم قائمة -ألفاظ بذيئة-... عقوبات تطول الممثلي ...
- قناة يمنية توقف عرض برنامج مقالب رمضاني -يقلد رامز جلال- بعد ...
- سولشار: بوغبا لن يتأثر بالفيلم الوثائقي عن حياته


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - لفافة تبغ...