أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - الواقع الفلسطيني بعد أوسلو في رواية -آخر القرن- أحمد رفيق عوض















المزيد.....



الواقع الفلسطيني بعد أوسلو في رواية -آخر القرن- أحمد رفيق عوض


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 4957 - 2015 / 10 / 16 - 10:14
المحور: الادب والفن
    



الواقع الفلسطيني بعد أوسلو في
رواية "آخر القرن"
أحمد رفيق عوض
الكثير من الكتاب الفلسطينيين يتناولون في اعمالهم الادبية الواقع الفلسطيني، فهم ما زالوا ضمن عملية التحرر، من هنا وجدنا "غسان كنفاني تحدث عن الهم الاقتصادي للفلسطيني من خلال رواية "رجال في الشمس، وتحدث توفيق فياض في رواية "حبيبتي مليشيا" عن أحداث ايلول الأسود وتحدث رشاد ابو شاور في راوية "البكاء على صدر الحبيب" عن بيروقراطية المكاتب الذي بدأ يصيب قيادات الثورة الفلسطينية، وتحدث يحي يخلف في "نشيد الحياة" عن المقاومة الفلسطينية في لبنان.
وهناك العديد من الروايات والقصص التي تحدثت عما يمر به الفلسطيني، إن كان في الداخل أو في الخارج، فبعد دخول السلطة وجدنا العديد من الكتاب تحدثوا عن واقع الفلسطيني في ظل السلطة، ووجدنا /مشاهد/رصد/حالة الرفض للواقع الجديد وكنها الى تصل الى فكرة المقاومة كما عهدنا في الكتابات الادبية الفلسطينية، وهذا يتمثل تحديد في القصص الصادرة بعد دخول السلطة، فوجدنا القاص محمد اسماعيل رمضان يتحدث بسخرية عن واقع السلام في قصة "حمامة" وكان زياد خداش قد شارك في هذا الرفض من خلال ما كتبه من قصص.
أحمد رفيق عوض من الروائيين الذين اصروا على الكتابة عما يمر به الوطن الفلسطيني، ومن خلال حديثه عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية السياسية والفكرية التي واكبت اتفاقية أسلو.
في رواية "آخر القرن" يسرد لنا الكاتب بكل جرأة السلبيات التي جعلت الفلسطيني يعيش في حالة من التناقض والصراع بين ما آمن به وما عايشه من الاحتلال من جهة، وبين حالة وجود السلطة وما ترتب عليها من وجود الوزارات والمراكز الرفيعة وتكسير العديد من المفاهيم الوطنية والأخلاقية التي تعامل معها الفلسطيني كمسلمات وكمبادئ لمواجهة الاحتلال.
الفلسطيني
فعملية التناقض بين ما حمله من افكار وبين ما يمارسه المسؤول جعله يعاني من حالة عدم الوضوح وغباش الرؤية، سنحاول تناول بعض ما جاء في رواية "آخر القرن" من هذا الواقع، وبما أن الرواية تتحدث عن الفلسطيني سنبدأ به، فيصف لنا هذا الفلسطيني الذي كان مطارد من الاحتلال ومطلوبا لأجهزته الامنية والعسكرية بهذا الشكل، "وجدت إني محاط بالكثير من الشخصيات الامريكية والأوروبية الإسرائيلية همست لنفسي أنني الوحيد المحتل بين هذا الجمع" ص12، "محمود السلوادي" لم يتعود مرافقه مثل هؤلاء القوم، فكلهم كانوا أعداء له ولشعبه، ويتعاملون معه بشراسة وعنف، لكن واقع أسلو جعلهم يقبلون الجلوس والحديث معه.
ويصف لنا حال الفلسطيني الذي يعيش في يافا بهذا الشكل، "فهو رغم وجدانه العربي إلا أنه يمارس "إسرائيليه" أيضا، وهو مضطر الى اعتبار أن "اسرائيل" دولته ليستطيع من خلال ذلك تثبيت "عروبيته" " ص13
، بهذا يكون الواقع قد فرض بقوة على الفلسطيني لكي يتعايش/يتأقلم/ينسجم مع حال الاحتلال، إن كان في الضفة أم في فلسطين ال48.
وهناك حديث عن حالة التناقض الذي يقوم به الفلسطيني في "الضفة الغربية" من خلال محاربة الاستيطان والعمل في المستوطنات وتعميرها، فهذا الامر يعد حالة غباش/اختلاط الفكرة مع الممارسة، إلا أن "ماجد اخ الراوي محمود السلوادي" يقول لضابط أمن المستوطنة: "ـ ... ولكني مقتنع تماما الاقناع أنكم ستخلون هذه المستوطنات، لولا ذلك لما قبلت أن ابني فيها حجرا واحدا" ص114، في المشهد السابق الفلسطيني يبني لنفسه وليس للمحتل، وهو على يقين بأن ما يبنيه سيكون له، ولبس للمحتل.
أما حال الفلسطيني "أبو يزن" العائد الى الوطن ، والذي شارك في العديد من الحروب والمعارك، وتنقل لأكثر من مكان وفي اكثر من دولة فيصف لنا مشاعره في الغربة بهذا ألشكل "آخر بيت كان لي في أليمن على قمة جبل يطل على صنعاء.. كنت أصحو صباحا والندى يغطي كل شيء.. وأفكر بالإسرائيلي الذي يعيش في وطني بدلا مني" ص107، هذا كلام "ابو يزن" المحارب الذي عاش حياته في الحروب والتشرد والهجرة من دولة إلى أخرى، فالوطن هو الحلم الذي سعى إليه ولم يغب عن مخيلته.
وكأن "احمد رفيق عوض" في هذا المشهد أراد أن يبرر لنا التسرع وعدم وضوح اتفاق أوسلو، فالفلسطيني مل من الهجرات والترحال والتنقلات والحروب، ويرد أن يرتاح في آخر أيامه، فهو لم يجد سوى الخذلان ممن يدعون مساندته والوقوف الى جانبه.
أما وجهة نظر الغربي للفلسطيني فجاءت على لسان الدكتور "جون ماكلين" الذي قال: "إن كل كتلة فلسطينية خلقت لنفسها صورة مختلفة، وجسدت الارض الضائعة قاسما مشتركا واحدا ووحيدا لها، رغم أنها كانت أحيانا كثيرة أرضا متخلية" ص143، فهنا جعلت "ماكلين" الارض هي جامعة وهي البوصلة التي توجه الفلسطيني نحو الهدف، فهو يقدم لنا أرض فلسطيني كالجنة التي يحلم بها كل المومنيين.
العربي
غالبا ما تكون الصورة السلبية هي السائدة للنظام الرسمي العربي، ليس على المستوى الفلسطيني وحسب بل والعربي، فمن مهام الكاتب أن يعري الفساد وأن يفضح الفاسدين، وهذا ما أشار إليه "محمود السلوادي" عندما سأل وزير حربي عربي عن صناعة حاملة طائرات عربية فرد عليه: "تبسم الوزير كمن يبتسم لطفل في العاشرة لا يدرك شيئا، هز رأسه وابتعد بنظره وقال لا اعتقد أن من الحكمة في هذه المرحلة البدأ بالتصنيع الحربي" ص6، هذا الموقف للوزير يبين الهوة بين ما يطمح به المواطن وما يفعله الحاكم، الأول يرد التعامل مع الواقع والاعتماد على الذات لتأكيد قدرة الامة على الابداع والابتكار والمواجهة، والثاني يتعامل بآنية وتلكؤ وكأنه بعيد عن خطر المحتلين والطامعين.
أما وجهة نظر الاسرائيلي "شلومو" للعربي فهي تمثل رؤية واقعية وتعكس حالة الانتصار الذي حققه على ارض الواقع: "... كان يعرف بالضبط أن الحوار مع العربي يعني استثارة تاريخه الطويل المليء بالفخر، كان يعرف أن هناك منطقة في روح العربي يجب أن تبقى نائمة وغير مستثارة،... تذكر دائما أنك تشكل له إهانة فعلية، عليك دائما في هذه الحالة إقناعه بأن وجودك معه انتصار له، وأيضا بقدرية ألواقع العربي يميل عموما الى هذه ألقدرية ويميل الى رؤية التاريخ باعتباره عقابا او ثوابا، وبما أنه ينظر إليك "كعقاب إلهي فعليك في هذه الحالة ايضا أن تكون عقابا متفهما" لاحتياجاته الروحية العميقة" ص18، من خلال هذا المدخل يمكننا أن نتفهم العقلية العربية التي جعلت التعامل/الصلح/السلام/الاتفاقية/الهدنة مع الاحتلال مقبولة وكأنها أمرا طبيعيا، فهناك اسلوب/طريقة يتعامل فيها المحتل مع العربي يجعله يقبل بطواعية هذا المحتل.
الاسرائيلي
الرواية تتحدث عن المفاوض الفلسطيني "محمود السلوادي" الذي يفاوض المحتل، وهنا لا بد من أن يظهر كل طرف قوته للآخر فيقول "حاييم" عن شهر حزيران "... يحب هذا الشهر جدا، ... نحن ننتصر دائما" ص15، فهنا كان تذكير الفلسطيني بخسارته لكامل تراب وطنه، وتأكيدا على قدرة الجيش الذي لا يقهر الذي يحقق الانتصارات.
الحرب بين الفلسطيني والمحتل على الارض يأخذ شكل صراع وجود، بمعنى أن الأرض سيرثها من ينتصر، وسيخسرها المنهزم، كما أن أرض فلسطين من البحر الى ألنهر فكلها للفلسطيني، لكن الاسرائيلي يعتبرها له أيضا فيقول "حاييم" تأكيدا لهذا الأمر "... ولكنكم انتصرتم أيضا إن اتفاق اوسو انتصار اكيد لكم.
...إن هذا الاتفاق جعل منكم شعبا موحدا، ومنحكم ايضا ارضا من ارض اسرائيل الكاملة، وهذا يعتبر عند اكثر من نصف الشعب اليهودي اكبر انتصار يحققه الفلسطيني في هذا القرن" ص16، من المفيد أن نعرف يكيف يفكر المحتل، وكيف يرى الأمور، فها هو يتفضل على الفلسطيني "محمود السلوادي" بجزء صغيرا جدا من ارض فلسطين، وكأنه يكرم من مال ابيه.
يحدثنا الراوي عن الطرق التي ينتهجها الاحتلال اتجاه الفلسطيني، فهو يسعى دائما لتقوية مكانته لصالح المتعاونين معه، فجاء في التقرير السري الذي كتبته المخابرات الاسرائيلية عن محمود السلوادي "...خطة وزير الدفاع الذي رغب بتقوية مكانة المتعاونين والعملاء، وبين خطة المطبخ السياسي الذي رغب بتقوية مكانة القيادات التقليدية والمقبولة في المجتمع الفلسيطيني لإمكانية تمرير الصيغ المقبولة علينا" ص29، فهذا التقرير يوضح الطرق التي يتبعها الاحتلال لتحقيق أهدافه فهناك اتجاهان مختلفان، وكلاهما يخدم الهدف الذي يصبوا إليه المحتل، وهذا يشير الى قدرته ألتحليلية والعمل على اكثر من جبهة، وأكثر جهة في ذات الواقت.
ومن الطرق التي يستخدمها الاحتلال لزرع التفرقة بين المجتمع الواحد، وأيضا لضرب الافراد الذي يرفضون التعاون معه هذا الاسلوب القذر " ... وعلى الرغم من الحكاية التي اطلقناها حول الفتاة المشار إليها ومفادها أنها تمارس الدعارة وتتاجر بالحشيش، وأن أباها عميل لنا (ملف 60/53/ل م)، إلا أن الشخص موضوع التقرير تزوجها رغم كل ذلك" ص30، السارد يركز على النهج القذر والقبيح الذي يسلكه الاحتلال بحق الفلسطيني، فهو يسعى جاهدا لتمزيق هذا المجتمع، وبث الفساد والسفالة والقذارة فيها، فهو يتآذى كثير عندما يكون هذا المجتمع منسجم وسوي، ويفرح عندما يكون حالة في الويل.
فالكاتب هنا يحذرنا مما يسعى له المحتل، وأيضا يحاول أن يحصننا من الداخل، وأن نتجاوز عن جرائرنا ونصفح عمن ظلمنا، لكي لا نفتح للاحتلال بابا لا يمكن أن يغلق ابدا.
ومن مظاهر الفساد الذي يبثه ألاحتلال قتل المتعاونين معه على يد المستوطنين ثم نسب ذلك لأفراد من الفلسطينيين، "ملاحظة للكابتن يعقوب: مقتل سمسار الارضي احمد سعيد تم قتله على أيدي الحاخام سوسكين نفسه، الذي اشترى أرضا من القتيل، وذلك على خلفية نزاعات مالية بين الطرفين، وقد تم عدم نشر هذه المعلومات منعا لإحراج المستوى السياسي او احراج الجهاز نفسه" ص39، في هذا المشهد ايضا الطرق الشيطانية التي يسلكها المحتل، فهو يعمل بكل الوسائل لتمزيق المجتمع الفلسطيني، وفي ذات الوقت تبرئة الاحتلال من كل ما يقترفه من جرائم بحق الارض الفلسطينية وبحق الفلسطيني.
أما فيما يتعلق بالمفاوضات مع المحتل فالراوي يسرد لنا خلاصة تجربته فيقول: "الاسرائيلي ماهر جدا في المفاوضات، فهو يختار الشكل المناسب لطرح القضية التي يود طرحها، ... والإسرائيلي يميل الى تجزئة كل قضية الى عناصر أولية ويناقش كلا على حدة، ... يجعل الحقائق أوهاما ومن المسلمات قضايا لا تملك وجها واحدا، أو ان للتاريخ وجهة محددة" ص69، بهذا الطرق استطاع المحتل أن يجعل من الخمس السنوات لتطبيق اسلو الى زمن مفتوح يمتد الى الأبد، فهو مراوغ وفهلوي ويجيد اللعب بالآخر.
"كلما تشدد الاسرائيلي كلما كان اقرب الى ألكسر ص77، اشارة الى المأزق الذي يعاني منه ألمحتل فهو عندما يكون متشددا يعني أنه في أزمة.
" لا تفاوض الاسرائيلي إلا وأنت قوي!! فالإسرائيلي يعبد القوة ويسعى اليها ويربط نفسه بمصدرها" ص78، دولة قامت بالقوة السلاح التي تعتمد عليها وحسب، فالمسائل الأخرى تبقى أقل أهمية مقارنتا بالقوة العسكرية.
"إسرائيل تريد أن تتفاوض بالموضوع الذي تختاره هي وليس الذي نختاره نحن" ص103، لعبة التفاوض والخوض في صراع أيهما الاسبق الدجاجة أم البيضة؟.
"إسرائيل ترغب بوضع معقد، تريد شبكة معقدة من المصالح والممرات والدهاليز، إن الاستيطان يشكل حملا ماليا وأمنيا ثقيلا على إسرائيل ولكنها مستمرة في مصادرة الارض واستيطانيها" ص104، كلما كانت الامور اكثر تعقيدا كلما احتاجت الى مزيد من الوقت لحلها، فالزمن يهم الاحتلال لتحقيق اهدافه التي ستكون امرا واقعيا من المستحيل تغيره بالطرق السلمية والمفاوضات.
لعبة اليسار واليمين في اسرائيل يفهمها الفلسطيني جديدا، فهما يختلفان في الوسيلة لكن هدفهما واحد، ".. أن حكومة العمال اليسارية هي من بدأت عمليات الاستيطان وكثفتها ودعمتها، وأن حكومة اليمين لم تنافس حكومات اليسار بهذا الصدد وتهمس احزاب اليسار بموافقتها على اقامة دولة فلسطينية، بينما تعارض الفكرة احزاب أليمين ص105، لا شك أن القهر الذي يعيشه الفلسطيني ناتج عن تبادل الادوار بين المعسكرين الصهيونين، فكلاهما يتكالب على الفلسطيني والأرض الفلسطينية، فالراوي هنا يقدم لنا مشهد مصغر من المسرحيات التي يقوم بها الاحتلال لكي يمد في عمره، ويستولى على مزيد من الارض.
طرق الخداع الاعلامي الذي يمارسه الاحتلال يأخذ هذا ألشكل "أما ما يعرض من افلام قديمة تظهر فيها مجموعات يهودية من الشباب والشابات الاقوياء وهم يرفعون سارية او يثبتون سياجا فهو لا يعكس حقيقة ألوضع ويمكنني القول وأنا مرتاح الضمير أنه لولا العامل العربي الذي يعيش هنا ما كان لإسرائيل أن تصل الى ما وصلت إليه" ص124، العربي هو من يبني ألبيوت والإسرائيلي هو من يدعي البناء ويلغي/يشطب/يمسح من قام بالبناء والتعمير، كتأكيد على تفوق (شعب الله المختار) على الفلسطيني الخائن والخامل!.
ومن الطرق القذرة التي استخدمها المحتل لكي يستولي على الارض الفلسطينية حكاية "ماكس" اليهودي الالماني الذي ادعى الاسلام وحج الى مكة ثم تبين أنه جاسوس للاحتلال، فكان يرصد ويراقب ويرسل التقارير لجيش، فما كان من أهل سلواد إلا أن ثاروا لهذه الخيانة وقتلوا العميل "ماكس".
تغير التاريخ وتزويره نهج واضح في مسار ألاحتلال فهو يسعى بشكل دائم الى التزوير لكي يثبت له شيئا على الارض الفلسطينية، هذا ما فعله بخصوص شجرة الحاجة خضرة التي كانت مزارا للفلسطينيات قبل ألاحتلال "يؤسفني أن اقول لكي يا سيدتي أن هذه القرية التي تقولين أن أمنون بن داود بناها، ما هي إلا قرية صغيرة بناها بدوي يدعي راشد أبو رقبة، وهو بالمناسبة جدي، أما هذه الشجرة، فهي شجرة الحاجة خضرة التي قيل أن روحها حلت فيها، فقام جدي ببناء هذا حول الشجرة تخليدا لذكرى زوجته" ص174، سرقة التاريخ وتحوليه الى تاريخ اسرائيلي يعد جريمة أضافية تضاف الى ما يقوم به من جرائم، فهو يسعى لإلغاء كل ما هو فلسطيني واستبداله بالإسرائيلي.
المكان
تشبث الفلسطيني بالمكان يأخذ اهمية تتوازي مع اهتمامه بالإنسان فهو بلا جغرافيا ضائع، والجغرافيا بدون الفلسطيني لا تعني شيئا، من هنا نجد الكتاب دائما يتعمدون بالجغرافيا، فهي من سيظهر اعمالهم الادبية ويجعلها فلسطينية عربية خاصة، هذا حال العديد من ألكتاب فبدون الجغرافيا وحضور المكان يبقى العمل الادبي غير ظاهر غير مكتمل، لا يلبي طموح الفلسطيني الروحي والعقلي، من هنا نجد الراوي يؤكد هذا التعميد من خلال "وقالت رقية أن مغيب الشمس في حيفا كانت اكثر هدوءا وصمتا وفيه انفعال. وسألت: لماذا تختلط البلدان بعضها ببعض في بعض الاحيان أمشي في سلواد كأنني امشي في حيفا، لكن أين وجوه الأحبة؟!" ص41، المكان للفلسطيني يعد الهواء الذي يتنفسه، فهو العنصر الأهم بالنسبة له، وقد نجح الراوي عندما ربط الجغرافيا بالإنسان من خلال آخر مقطع من الاقتباس السابق.
"وهذا الجليل الساحر، يستطيع الواحد أن يلمس السماء بإصبعه من هناك، ... السماء قريبة بشكل لا يصدق" ص43، في هذا المشهد الرائع، يجعلنا الراوي نتخليل/نسرح/نحلم/نتأمل المكان الفلسطيني، فالجليل والذي يحمل معنى الكبير/العظيم/المقدس/ يتناغم مع المضمون، العالي والمرتفع والشاهق الجميل.
واعتقد بان الكاتب هنا كان في ذروة عطاءه الادبي حينما جعل الواقع والخيال والرمز كلها تجتمع في هذه ألمشهد، فهو يجعلنا نتقدم من فلسطين أكثر، فنجعلها جنتنا التي نحلم/نأمل/نسعى إليها.
فلسطين
كلمة فلسطين تجمع ما بين الجغرافيا والفلسطيني، فلسطين تعني مكان وإنسان جغرافيا واجتماع "ولكن فلسطين بلد عجيب، لا تهدأ، تتعب ولا تتعب، تأكل ولا تؤكل، تقتل ولا تقتل، تغلب ولا تغلب، خصها الله بالبركة دون سائر الأرض ص43، فهنا أخذت فلسطين الصفة ألمقدسة صفة ألربة المعبودة التي لا تتعب وتؤكل ولا تقتل بل تبقى حية رغم كل ما يصيبها من اوجاع وجراح، فهي تأخذ الصفة ألإلهة التي لا يمكن ان تقهر او تهزم.
"...هذه الارض لا تقبل الكافر ولا تقبل القاتل" ص56، كتأكيد على قدسيتها، وعلى ربانيتها، وعلى إنسانيتها وجتماعيتها.
"تراب فلسطين يفيد في الشجاعة وقوة ألقلب ص64، الارض المقدسة تمنح الانسان القوة الجرأة.
الفساد
أخذ موضوع الفساد مساحة جيدة في الادب الفلسطيني، خاصة بعد دخول السلطة، وكأن الكاتب الفلسطيني مستمر بوضع المسار الصحيح لقيام المجتمع الذي يطمح له من خلال محاربته لفساد والمفسدين، هذا الموضوع تناوله العديد من ألكتاب فهو موضوع مهم وحيوي ويخدم بناء الوطن/الحلم الذي سعى إله كافة الكتاب في الوطن والشتات، من هنا نجدهم يتعرضون بقسوة لهذا الفساد ولهذه الظاهرة غير السوية في مجتمع قدم الكثير لنيل حريته وبناء مجتمع نظيف وصحيح.
من مظاهر هذا الفساد استخدام الوظيفة من قبل البعض لتحقيق ثروة على حساب الوطن، "..نعم .. نعم هو .. سفيان الآن موظف كبير وتاجر كبير وشخصية كبيرة... وعندما دخلنا شعرنا أنه استغرق وقتا حتى تذكرنا.
ـ نصف ساعة حتى تذكركما!!
ـ لا، نصف ساعة حتى دخلنا عليه.
وهل نسي أننا انقذناه عدة مرات من أن تحقق معه التنظيمات الأخرى داخل سجن الخليل والجلمة.
... الأدهى من ذلك أنه تحدث معنا وكأننا جئنا إليه لتدبير أمورنا" ص82و83، الرجل الفاسد غير ألنظيف الملوث بالعمالة والخيانة، يصل الى مستوى عاليا في السلطة، وأيضا يستخدم هذا المركز لتطوير عمل خاص به يتناقض مع وظيفته، و يتعامل بفوقية مع من قدم له العون. مثل هذه العناصر تكون وبالا على الوطن والمواطن معا، وعلي الانقياء أن يقفوا بوجه الانتهازيين من امثال "سفيان".
من مظاهر الفساد التنظيمي بعد دخول السلطة، تحويل التنظيم الى ما يشبه ألعشيرة ألقبلية وهذا يعد تراجعا الى الوراء وتقهقرا للخلف، "...كيف انسحب من منظمة الشبية، وقبل وظيفة كبيرة في إدارة الاحتلال المدنية، .. وبدعم من عائلته الكبيرة تبوأ مراكز قياديا، كالعادة، عشيرتنا تتقدم على ثورتنا، ثورتنا تطيع عشيرتنا باعتبارها جزءا من الموروث ألاجتماعي ص83، الراوي هنا يرفض فكرة التكيف مع الواقع، ويطالب بأن تبقى المبادئ فوق أي اعتبار، حتى لو ذلك الى فقدان بعض مراكز القوى ألاجتماعية، يجب أن يعرف كلا حجمه ودوره، فلا مجال للمهادنة العملاء والمتنفذين.
المجتمع الفلسطيني مجتمع يعتمد كثيرا على العائلة/الحمولة، ولا يعترف بالمواطنة إلا نادرا، من هنا نجد "محمود السلوادي" رغم عطاءه غير المحدود إلا أنه كان ضحية فساد المجتمع الذي تعامل بمنطق العشيرة معه، "وقالوا أن زواجي من فاتن ما هو إلا تغطيه لسرقاتي من أموال الصمود، ... وإنني محترف في خلق التحالفات وحرق ألخصوم قالوا أني غضضت البصر عن ممارسات سيئة لبعض العائلات القوية المتنفذة لخوفي من الاصطدام بهذه ألعائلات كوني لاجئا لا عائلة لي في سلواد" ص198و199، المجتمع الفلسطيني القابع تحت الاحتلال لقمة صائغة للشائعات، والفكر القبلي يساهم بشكل كبير في تقبل مثل هذه الأمور فكأن هناك تحالف/انسجام بين القبلية والاحتلال فالأولى تخدم ألثاني والثاني يستفيد من خدمات الأولى.
الفساد لم يتعلق بالرجال وحسب بل هناك منظمات فساد تقودها ألنساء فهن اكثر نجاحا من الرجال، لما لهن من تأثير على الآخرين، فظاهرة "نهى سليمان" تعد احدى المظاهر المتفشية في المجتمع، والتي استطاعات أن تصل الى الشرفاء وتلوثهم، والى سواهم فتزيدهم سوءا، "...اختفت مئة ألف دولار مرة واحدة، .. أجبرت نهى سليمان على الاستقالة، فطارت الى لندن، حيث أدارت شركة للاستيراد والتصدير من والى مناطق السلطة الفلسطينية، فكان أن صارت من عداد المليونيرات، وقيل أنها تفكر بافتتاح بنك جديد في رام الله" ص206، من مفارقات الواقع الفلسطيني أن السارقون يفلتون من العقاب ويكافئوا في ذات والوقت، وهذا لم يحصل في أي مجتمع آخر سوى مجتمعنا.
الاب
يكاد ينفرد "أحمد رفيق عوض" بطرح الصورة الايجابية الأب على مستوى الرواية العربية، ولعل الكاتب يماثل الاب بماضي فلسطين ألبهي أيام كانت عروس الشرق، بمدنها الساحلية أم بقدسها، "كان ابي اعظم الرجال قاطبة، أجمل الرجال، اطول ارجال وأشجع الرجال، ولما استوى ابي شابا، كان زنده يشبه ساق شجرة بلوط، كانت له رائحة تشبه رائحة شجرة البلوط، وابتسامته كزهرة القنديل في ألصيف وكان يمسك الثور الهائج من قرنيه، وكان يصيب الحدأة وهي محلقة في السماء بطلقة واحدة" ص44، العديد من هذه الصفات يمكننا أن نأخذها بالصورة الرمزية إضافة الى المعني الواقعي أيضا وكأن الراوي اراد بذلك تمجيد القيادات الفلسطينية السابقة، التي قدمت نفسها لفلسطين، ولم تنحرف عن مبدأها كما هو حال عبد القادر الحسيني، والحاج امين الحسيني، الكاتب بهذا يناقض/يحارب الانتهازية والفساد الذي اقترن بوجود السلطة، والتي بدخولها فتح بابا واسعا لهؤلاء الفاسدين.
الترميز
هناك بعض التميز في الرواية، فالرمز يتماثل مع تناول الفاكهة بعد ألدسم، الكاتب قدم لنا صورة رائعة عن هذا الترميز من خلال هذا ألمشهد "...من مياه تلك العين، أغتسلت اول مرة، ومن عنب تلك المعروشة شربت اول سائل في حياتي، لأني لم اسيتطع الرضاعة من ثدي أمي لمدة ثلاثة أيام" ص45، بهذا المشهد يقترب الراوي من "انكيدو" الذي لم يتأنسن إلا بعد "أن أغتسل وشرب الشراب القوي" بعدها تم قبوله في المجتمع "وفارقته حيوانات البر" بهذاين الوصفين يتماثل الراوي مع انكيدو، كما نجد بأن انكيدو لم يرضع من أمه، فهو خلق مرة واحدة دون أنثى/أمي بقرار من الإلهة، والراوي يذكر لنا بأنه لم يقبل الرضاعة من امه.
بهذا الشكل يقربنا الكاتب من فكرة ملحمة جلجامش والصراع الذي خاضه ضد الفناء، وهو يتماثل مع الصراع الذي خاضه "محمود السلوادي" ضد الاحتلال والفساد معا.
وهناك مشهد رمزي سلبي يقدمه لنا الراوي عندما تحدث عن "سهى سليمان" فجعلها تتماثل مع مصطلح/مفهوم العولمة فيقول هنا "ـ ولكن ذكائي يغادرني الآن، وجرائتي تذوب أمام نهى سليمان
ـ هذه امرأة قوية وغنية.
ـ بيضاء ... تتكلم بلفات الارض ألحية وأنا اعمل عندها وكذلك أسامة.
ـ هل تخشاها؟
ـ نعم ..لا .. لا اعرف.
ماذا تريد بالضبط يا ولدي؟
ـ لا اعرف يا أمي لا أعرف ولكن إلى اين نحن سائرون؟" ص242و423، بهذا الشكل يحمل المعنى الواقع والرمز معا، وكانت المرأة وما تحمل من أغراء وإغواء للرجل مصدر من مصادر سلب الذات والتماهي/التعايش مع الواقع الجديد.
الثقافة الدينية
هناك مجموعة من الاقتباسات اقرآنية يستخدمها الكاتب كعوامل مساعدة لإيصال فكرته، وأيضا كتجميل للغة الروائية، وأيضا تمثل هذه الاقتباسات دعوة للتقدم من النص القرآني لما فيه من جمالية وافكار تخدم حالة المواجهة مع الواقع، وهناك بعض المشاهد تصور لنا شخصية المتعبد المؤمن الهائم في ملكوت الله كحال أبيه "فوالدي كان يصلي تحت الشجرة الوارف، وعلى قمم الجبال، وفي السهول الممتدة، كان دائما يصلي في امكان فسيحة ومترامية، وسمعته يبكي ذات مرة عندما قرأ على مسمعه آية "يوم يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا" ص44، بهذا المشهد يقدمنا الكاتب من الصورة الايجابية للعبادة والمتعبد وأيضا من النص القرآني، فكلهما كان يخدم الفكرة الدينية ويقدمها لنا بانسيابية، فنتقبلها ونحترمها ونحاول التقرب منها محاولين التماثل مع صدقها وإيمانها.
وهناك استخدام لسبي للدين، عندما يكون يقرن الفكر الديني بالتواكل والخمول والسكون، "...ألم تقرأ يا جاهل أن كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" ص168، فكان هنا استخدام الآية كدعوة لتسليم والقبول بما هو حاصل، حيث أن الله هو من سينهي كل ما على الارض.
الانجليزي
العمل الواقعي لا بد أن يتناول شيئا من الأحداث التاريخية، فالرواية الفلسطينية لا يمكنها أن تتجاهل الدور القذر الذي اقدم عليه الاحتلال الإنجليزي فهو بشكل مطلق يقدم بصورة سلبية، فهو من يقف وراء مأساة الفلسطيني، "وقيل أن البريطانيين الذي يحكمون البلاد معنيون بخدمة اليهود الذين قدموا من اقاصي الدنيا لإقامة دولة لهم على هذه الأرض ص50، فهذا تذكير بالجريمة التي اقترفها الانجليز بحق فلسطين وشعبها، ولا يمكن لنا أن نتجاهل هذا الدور الاجرمي لهم.
وهناك دور سلبي آخر قامة به الانجليز من خلال مطاردتهم ومحاربتهم للمقاومين الفلسطينيين، "وكان مطاردا للبريطانيين حكام البلاد الذين اعلنوا عن جائزة كبيرة لمن يساعد في إلقاء القبض عليه" ص52، هذا المطلوب هو "ابو محمود السلوادي" الذي لم يسلم من بطش الاحتلال الانجليزي وبقية متخفيا عنهم الى أن أنتقل الى مكان جديد.
الرواية من منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين، القدس طبعة أولى 1999.








حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التجربة الأولى في ديوان -سجينيوس- جمعة الرفاعي
- إلغاء الأخر في رواية -أمهات في مدافن الأحياء- وليد الهودلي
- هيمنة الثقافة الشخصية في رواية -الشعاع القادم من الجموب- ولي ...
- عبور الزمن والجغرافيا في رواية -بلاد البحر- احمد رفيق عوض
- الهروب من الماضي في رواية -القادم من القيامة- وليد الشرفا
- الابداع النثري في -من طقوس القهوة المرة-
- مسرحية -الهنود- أرثر كوبيت
- تألق الشاعر فراس حج محمد في ديوان -وأنت وحدك أغنية-
- قصيدة -في حضرة الإمام- منصور الريكان
- -لا شيء يشبه المسيح- سعيد حاشوش
- الاعتذار من الأستاذ سامي لبيب
- تقمص شخصية المراهق في -رسائل إلى شهرزاد- فراس حج محمد
- سامي لبيب ملكي أكثر من الملك
- العقل العربي والردة
- الهم الاقتصادي للمواطن العراقي في رواية - خسوف برهان الكتبي- ...
- كتاب كبار صغار
- أخطاء الحكيم البابلي
- -دوائر العطش- فراس حج علي
- سقوط طفل يوازي سقوط بغداد
- صراع المقدس والإنساني في مسرحة -أهل الكهف- توفيق الحكيم


المزيد.....




- فيلم وثائقي ألماني حول التطعيم في إسرائيل يثير جدلا إعلاميا ...
- مصممة أزياء سورية -الزي بالنسبة لي هندسة معمارية والأعمال ال ...
- لأول مرة.. الرواية التونسية تمثل اللغة العربية في جائزة الات ...
- مادورو يعتزم تصوير فيلم مشترك مع ستيفن سيغال
- الاتحاد الأوروبي: مستعدون لمناقشة رفع الحماية الفكرية عن لقا ...
- بالفيديو.. حورية فرغلي تكشف عن وجهها بعد إجراء 4 عمليات جراح ...
- شاهد.. الإعلامي المصري مدحت شلبي يرد على خبر وفاته
- الفنان السعودي حبيب الحبيب وفيديو تقليده محمد رمضان بلحظة ال ...
- باسم ياخور يؤكد شفاءه
- كاريكاتير -القدس- لليوم الخميس


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - الواقع الفلسطيني بعد أوسلو في رواية -آخر القرن- أحمد رفيق عوض