أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد رحيم - قراءة في رواية ( سانتا إيفيتا )














المزيد.....

قراءة في رواية ( سانتا إيفيتا )


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 4816 - 2015 / 5 / 24 - 01:19
المحور: الادب والفن
    


لا أحد مثل روائيي أميركا اللاتينية من أهتم بتاريخ الديكتاتوريات العسكرية.. فهؤلاء شغلتهم قضية السلطة ومغزاها.. وحين نريد أن نستعيد من الذاكرة روايات تحدثت عن الدراما المؤسية المثقلة بالظلم والدم والعذاب لممارسات السلطات الديكتاتورية، مجسّدةً بحيوات قادةٍ أشخاص فاعلين، فلابد من أن نذكر في البدء روايات (السيد الرئيس) لأستورياس، و (خريف البطريك) لماركيز، و (حفلة التيس) لماريو بارغاس يوسا، وهي جميعاً من نتاج الفضاء الثقافي الأمريكي اللاتيني.. والروائيون الثلاثة يُعدّون من أشهر أدباء تلك القارة المترامية الأطراف، المبرقشة بأنواع السلالات البشرية كلها، والمعقدة بنسيجها الاجتماعي العرقي، ونظمها السياسية، والتي تمتلك تاريخاً من الأحداث الشرسة العنيفة والصعبة.
ثمة رواية أخرى تزاحم هذه الروايات الكبيرة، وتقف إلى جانبها من حيث القيمة الإبداعية، وعمق تناولها لموضوعتها، وفيض المتعة التي تمنحها لقارئها. وأقصد رواية (سانتا إيفيتا/ ترجمة صالح علماني.. دار الحوار.. سوريا.. ط1/ 2010) لتوماس إيلوي مارتينث. وشخصياً لا أمتلك معلومات عن هذا الكاتب العظيم بموهبته وسعة ثقافته، وجمال لغته، وتمكنه من لعبة السرد الروائي. ولا أدري إن كانت هناك روايات أخرى له مترجمة إلى العربية. غير أنه يكفي أن تقرأ له (سانتا إيفيتا) حتى تتأكد مما قلناه. وماركيز نفسه يقول عنها، أي الرواية؛"ها هي، ذي، أخيراً، الرواية التي لطالما رغبت في قراءتها".
تأخذنا رواية مارتينيث إلى الأرجنتين، خلال السنوات التي حكم فيها الجنرال بيرون في نهاية أربعينيات القرن الماضي وبداية الخمسينات. غير أن بطل هذه الرواية ليس الجنرال، الذي يحضر مثل ظل، وإنما زوجته إيفيتا التي التقطها من عالم السينما، وهي الممثلة الثانوية، والمتحدرة من وسط اجتماعي وضيع، وتزوجها، لتتحول، بمجهودها الشخصي وإرادتها الحديدية المجنونة، إلى أسطورة في نظر الناس. وتساهم في صناعة فصل مثير وملتبس من تاريخ ذلك البلد القصي، المسكون بالسحر والخرافات، والمبتلى بالجوع والعنف والاستبداد.
هذه المرأة كانت من أكثر نساء القرن العشرين إثارة للجدل، بعدما انقسم حول تقويمها الآخرون بين عابد لها ومحب يراها أسطورة فذة، وبين كاره لها وحاقد عليها يراها أميّة ممسوسة استغلت جهل جزء كبير من المجتمع فتسلطت عليهم وخدعتهم.
تستيقظ إيفيتا من غيبوبة استمرت ثلاثة أيام لتوقن أنها ستموت.. هذه هي لحظة الحقيقة المرعبة التي تدركها إيفيتا، ومنها يبدأ الروائي سرد أحداث روايته.. لا شيء يدوم إلى الأبد، وحتى العظمة الناشئة في شكل أسطورة تتفتت بعد حين لتستحيل إلى ذكريات بطعم الرماد. وهذه الذكريات هي التي يبحث عنها الراوي ليكتب، في ضوئها، نصه، في عملية إبداعية تأخذها اللغة السردية على عاتقها بمساعدة المخيلة لتمزج الواقعي التاريخي بالفنطازي الخرافي.. وهي لغة تنطلق بطاقة الشعر، وبتقنيات السرد وما ورائه.
يناقش الراوي/ الباحث والمنقِّب الطريقة التي بها يكتب.. إنه يكسر بأذهاننا نحن معشر القراء الإيهام ليخبرنا أنه إنما يكتب رواية، وهي عمل تخييل حتى وإن كانت تعتمد الوثيقة والواقعة الحية، وما تحتفظ به ذاكرة الشهود الذين ما زالوا أحياء.
"كل قصة هي، من حيث التعريف، خيانة. فالواقع، كما قلت من قبل، لا يمكن أن يُروى أو يتكرر. الشيء الوحيد الذي يمكن عمله بالواقع هو اختراعه من جديد"ص98.
إيفيتا التي جعلت من نفسها أسطورة، وجعلت منها المخيلة الشعبية قديسة كان حضورها في حياة من عرفوها ومن رافقوا جثتها المحنطة بعد موتها مشؤوماً.. كانت اللعنة تلاحق أولئك الذين يجعلونها محور اهتمامهم سواءً بدافع الفضول أو الحب أو كانوا مرغمين على ذلك. وحتى الراوي الذي يسعى بحثاً عن معلومات تفيده في كتابة نصه ستقول له زوجة الكولونيل الميت الذي كُلِّف من قبل الانقلابيين (على بيرون) بالتخلص من الجثة:"فليحمك الرب. توخ الحذر حين تبدأ برواية هذه القصة. ففور بدئك بها لن تجد أنت أيضاً الخلاص"ص58. وكان هو يعرف أن الأمر ليس بالسهولة التي تُكتب فيها رواية عن أية شخصية أخرى غير إيفيتا.. يقول:"منذ حاولت أن أروي إيفيتا أدركت أنني، إذا ما اقتربت منها، سأبتعد عن نفسي. كنت أعرف ما أرغب في روايته وما هو البناء الذي ستتخذه روايتي. ولكنني لا أكاد أقلب الصفحة، حتى تضيع إيفيتا عن نظري وتتركني في الفراغ"ص61.
كان بيرون مغرماً بالتقاليد الفاشية.. باستعراضات الفاشيين وخطبهم، وكان مثله الأعلى موسوليني؛ ديكتاتور إيطاليا، وحين انتشل إيفيتا من محيطها وتزوجها وجدت هذه أيضاً في المشهد الفاشي مناسبة لتظهر شخصيتها القوية الساحرة، على الرغم من أن فكرها كان يستحضر السينما، وليس الاحتفال الفاشي:"كانت تريد لمبايعتها أن تبدو مثل حفل افتتاح هوليودي بكشافات ضوئية وموسيقى أبواق وسيول جمهور"ص95.. ورواية (سانتا إيفيتا) تحاول أن تقول لنا ما هي الميكانزمات الخفية التي يعمل على وفقها النظام الفاشي وهو يستدرج مئات الألوف طائعين إلى الضياع أو المحرقة.
يلتقي الراوي بالشخصيات المهمة في حياة إيفيتا ويتعرف عليهم عن كثب، لكنه لم يلتق إيفيتا نفسها، أو الكولونيل الذي سيُعطى مهمة التصرف بجثتها المحنطة، وهما الشخصيتان المحوريتان في الرواية.. الرواية التي تتحدث عن إيفيتا الميتة المحنطة وبدائلها الشمعية أكثر مما تتحدث عن حياتها.. رواية ولا أمتع



#سعد_محمد_رحيم (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إبريل قاسٍ
- -تمثّلات الحداثة- 4 الحداثة والمثاقفة.. الآداب والفنون والب ...
- تحت جرس زجاجي
- الإصبع الصغيرة
- -تمثّلات الحداثة- 3 المدينة والطبقة الوسطى ومشكلات التحديث
- بلاغة الجسد؛ السلطة، الثقافة، والعنف
- طفولة ناتالي ساروت
- تمثّلات الحداثة: 2 المثقفون والمجتمع والدولة، ومظاهر الاغترا ...
- قراءة في ( مراعي الصَبّار ) لفوزي كريم
- تمثّلات الحداثة: 1 النخب، وبناء الدولة العراقية الحديثة
- نساء بوكوفسكي
- سارتر في المرآة
- حتى نتجنب الكارثة ( 2 2 )
- الترنيمة الحزينة ( سابرجيون )
- حتى نتجنب الكارثة ( 1 2 )
- مثقف المدينة: بغداد السبعينات بين الشعر والمقاهي والحانات
- الانتصار على الإرهاب بالثقافة
- الكيان العراقي ليس افتراضاً تاريخياً قابلاً للدحض
- إنهم يقتلون الطبيعة: مقاربة في المحنة العراقية
- الصف الثالث، أكاذيب، طائر، ونصوص أخرى


المزيد.....




- في اختبار طريف.. مذيع يعرض على مشجعي كأس العالم في قطر صورا ...
- علي رضا: من الطبيعي ان يتمثل الفنان الحقيقي مأساة بلده
- حياة ريهانا في فيلم وثائقي قريباً
- وصف نفسه بطفل المسرح الذي لا يكبر..الناصرية تحتفي بكاتب لمسر ...
- كاريكاتير العدد 5316
- بعد مرور 19 عاما على مقتلها.. تفاصيل جديدة حول الفنانة التون ...
- مطالب بإدماج ذوي الاحتياجات الخاصة في برامج “فرصة” و”أوراش” ...
- رحيل أحد أعلام القصيدة العربية المعاصرة الأديب اليمني عبد ال ...
- تونس.. -نورمال إنتي؟- أول مهرجان كوميدي فرنكوفوني
- معرض المكسيك الدولي للكتاب يحتفي بالشارقة


المزيد.....

- المرأة والرواية: نتوءات الوعي النسائي بين الاستهلاك والانتاج / عبد النور إدريس
- - السيد حافظ في عيون نقاد وأدباء فلسطين- دراسات عن السيد ح ... / مجموعة مؤلفين عن أعمال السيد حافظ
- البناء الفني للحكاية الشعبية على بابا والأربعين حرامي (بين ... / يوسف عبد الرحمن إسماعيل السيد
- شخصية مصر العظيمة ومصر العبيطة / السيد حافظ
- رواية سيامند وخجي مترجمة للغة الكردية / عبد الباقي يوسف
- كتاب (كحل الفراشة) - ايقاعات نثريَّة - الصادر في عام 2019 عن ... / نمر سعدي
- رواية تأشيرة السعادة : الجزء الثاني / صبيحة شبر
- مسرحية حكاية الفلاح عبدالمطيع ممنوع أن تضحك ممنوع أن تبكي / السيد حافظ
- مسرحية حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الـحـاكم بأمـــــر اللـه / السيد حافظ
- المسرحية الكوميدية خطفونى ولاد الإيه ؟ / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد رحيم - قراءة في رواية ( سانتا إيفيتا )