أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صفوت فوزى - ثقب الابرة














المزيد.....

ثقب الابرة


صفوت فوزى

الحوار المتمدن-العدد: 4748 - 2015 / 3 / 14 - 09:50
المحور: الادب والفن
    


فيك عشرة كوتشينة ؟
وتبدأ سهرة كل ليلة ...
العتمة تسرح في جنبات الحارة
...
جدران حائلة انهارت محارتها فبان لحم الحيطان لدناً مشبعاً بالرطوبة ... نجوم شاحبة متقببة على بيوت ضمت في حناياها هجوع الخلق وسكن الأشياء ... عِرَس تمرق من تحت أعقاب بيبان ... نباح كلاب في صحن الليل ، يفزع العابرين في التواءات الطرق المظلمة ... خربشة فأر في صدع جدار قديم ، وقطط تموء قافزة من سطح لآخر .
بهاء ... الذي نام اليوم بطوله ... يصحو الآن ... محنياً ونحيفاً كفرع يابس ... يتحسس طريقه باحثاً بقدميه عن درجات تفصله عن الحارة ... يرفع بنطاله ... يمد رجلاً يضعها فوق نصف قالب في وسط بركة آسنة ... يسلمه نصف القالب إلى إطار كاوتش متهالك ... يقفز منه إلى المساحة اليابسة من الحارة ... تبتل قدمه ... يهدر صوته لاعناً أبو الدنيا والحارة ... ينتفض جسده دافعاً إلى الهواء ركلات متتابعة يوجهها لكائنات لا يراها سواه ، وبكلمات غير مترابطة ، ممرورة ... يسبها ... ثم يستدير فجأة ليوجه صفعة قوية مصحوبة بوابل من التهديد والشتائم لوجه كائن غير مرئي ...
معاك سيجارة ؟
بأطراف أنامله يخرج "جابر" سيجارتين من كم قميصه الذي تكدس الملح تحت إبطيه ، ففاحت منه رائحة جلد مدعوك ، منهك ، مخلوط برائحة متراكمة منذ عقود لسجائر " كليوباترا ".
أشعل السيجارتين وناوله إحداهما ...
بالتركيز الملائم للحظة خاصة ، سحب بهاء نفساً عميقاً من سيجارته ... دفعه عميقاً إلى قاع رئتيه ... باستمتاع راح ينفث الدخان ، ويراقب دوائره تتشكل في الفراغ كائنات شريرة تخرج له لسانها ، وتفر في الهواء .
استدار بعينين دامعتين يحدق في أعلى الدرب ... الجهات كلها ضنينة بالأمل ، مكبوسة بالصمت والعتمة ... مسدودة كل الأفاق بالمخاوف ، مسكونة بالرعب ... تعبره المواسم ، وليس من حصاد ... أجرانه فارغة ، والعمر تحول وعبر ... مترنحاً مضي ، يتعثر في مشيته ، فيما أنساب صوته أسياناً يدندن :
مخاصمني ليه يازمن والطعم أصبح مـر
كل الليــالي ألــم ولافيها شئ بيسـر
كان صوته المشدوخ يؤنس وحشة الليل ، يحفر مجرى عميقاً من شجنٍ نبيل ... ينسرب في فضاء الليل ... تحمله الريح ... يرتد صدى ملتاعاً .
يشف الصوت ... يصير نهنهة ... يتلاشي ... يبتلعه جوف الحارة ورائحة التراب العارى ... ويطبق الصمت .


* * * * * *

تحلق الرفاق أمام دكان جابر ... الخالي إلامن كفة ميزان قديم ، وكثير من تراب ... ركية نار مشتعلة ... في وسطها كوز الشاي الأسود ... فيما راح جابر يمارس هوايته الليلية في اللعب مع " هبة " إبنة الرابعة ... عينان جاحظتان ... جفناها العلويان مشدودان لأسفل ، وكأنما مابين الجفنين قد شق بموسي منثلم لم تفلح في فصل الجفنين عن بعضهما ... كانت ... إذ تمسح أنفها بكمها ... يترك ذلك مادة لزجة يابسة صفراء تمتد عبر وجهها حتي أذنها ... يظل يشاغلها ... يشدها ... يسبها ... حتي تبادله السباب ... فيستغرق في قهقهة مسحوبة لا تلبث أن تنطفئ ، ويعود الوجه واجماً منقوعاً في زيت صداً يحدق في الظلمة المتكاثفة .
الأكواب الصاج الصغيرة ارتصت أمامهم الأن ... يأتيني صوت تقليب السكر في قيعانها ... راحوا يشفطون الشاي بصوت عال فيما تتري أحاديثهم ... تتداخل الأصوات ... يعلو ضجيجهم ... صوت أجش يعلو آمراً :
- اقسم .
- قسمتك سودة بإذن واحد أحد .
- آخرك بنت .
- عز الطلب .
غشاشون ... كلكم غشاشين ... والدنيا كدابة ...
يتناهي إليهم صوت بهاء ... ينصتون ، يشرئبون متطاولين ، ويتلفتون بحثاً عن وقع خطي قادمة من جوف الحارة ... تعبر إمرأة ربعة مدكوكة القوام ... تنشط الحواس الذاهلة ... تزحف الألسنة من أمام الدكان فتشنكل المرأة ... تعتلي مؤخرتها الرجراجة الشهية ... تعريها وتحبلها وتولدها وتستغفر الله ثم تعود إلي حلوق أصحابها ... يتفجر شلال من الضحك والقهقهة حتي تدمع العيون ... يتمتم الجميع :
خير اللهم إجعله خيراً .

* * * * * *

من أغمق نقطة يجئ ... متردداً ... خجولاً ... يقدم رجلاً ويؤخر الأخري ... يمضي متلفتاً لصق الجدار كمن يستخفي ... يهذي مستريباً بكلمات خافتة لا تبين ... تحيط به هالة من الدخان المتصاعد من حريق القمامة ... يخترقها ويتقدم ، دافساً رقبته في ياقة معطفه المتهرئ ... متلفعاً بكوفية بهتت ألوانها فاستحالت إلي شئ لا لون له ... يمد يداً متأففة ... وفي حرص بالغ يفرز أكياس الفضلات ... تقع عيناه علي صدر دجاجة تبقي بها بعض اللحم المهترئ ... أو ثمرة فاكهة لم يصبها العطن ... أو كسرة خبز لم يدب العفن فيها ... يمسحها علي ركبته ، وينتحي جانباً خلف جدار قديم ... وبشهية مفتوحة ... يأكل .

* * * * * *

السماء تبدو كخيمة من غبار لا يتحرك ... خرساء ... غير مبالية ... وما تبقي من نجوم ساهرة خبا ضوؤها حتي تكاد أن لا تبين ... أضواء الشارع المرصوف كبقع باهتة لا تبين ، وصراصير الليل هوت بعدما أرهقها التحويم حول مصابيح الشارع ... بتثاقل يمضي الرفاق واحداً في إثر الأخر ، بعد أن ملوا لعب الورق ... تبتلعهم الظلمة وصمت الليل منحدرين في الطريق الضيق ... لماذا لم يعد ساراً بالمرة ماكان سبباً للسرور ؟
همهمات خافتة ولكنها تملأ سكون الليل ، كأنها طنين أسراب من الذباب ... الحارس الليلي يدب بقدميه الغليظتين أسفلت الشارع ... هواء ترابي أجرد رازح يملأ الأفق ... ومن بعيد ... من عمق العتمة ... كان الليل ينشق عن ضوء خافت يرتعش .



#صفوت_فوزى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السؤال
- عطش
- أماكن للعابرين
- الخوف القديم
- هروب
- زحمة
- مرآة
- رفع الحصير
- سمكة -قصة قصيرة
- الفرحة
- انسحاق -قصة قصيرة
- الغائب الحاضر - قصة قصيرة
- كبرياء -قصة قصيرة
- جدى
- انحناء -قصة قصيرة
- فاصل للحلم - قصة قصيرة
- سلبية الأقباط بين مسئولية الدولة ودور الكنيسة


المزيد.....




- الخارجية والاتصال الحكومي يتابعان تنفيذ خطة لتعزيز حضور الرو ...
- فنه من الخردة ورزقه من الشاي.. حكاية فنان تونسي يرفض التخلي ...
- وزارة النقل والثقافة تحتفيان بالمولد النبوي الشريف بعروض إنش ...
- مدفع القيصر.. أضخم مدفع في العالم وسر الطلقة الغامضة
- مشروع مسرحية عن عبد الحليم حافظ تُعرض في الذكرى الـ 50 لوفات ...
- معتصم النهار بطلاً لمسلسل اجتماعي كوميدي يعرض في رمضان 2027 ...
- رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور.. صاحب -جمل المحامل- يترجل ...
- رحلة فنية تعانق قمم القوقاز.. افتتاح أول مهرجان للمسارح الإق ...
- كيت هارينغتون.. بطل -صراع العروش- يشارك في الموسم الثاني من ...
- لينفيلم تفتتح معرضا بمناسبة مرور 130 عاما على أول عرض سينمائ ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صفوت فوزى - ثقب الابرة