أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عباس الزيدي - قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 18















المزيد.....


قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 18


عباس الزيدي

الحوار المتمدن-العدد: 4705 - 2015 / 1 / 30 - 19:45
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


قيادة الحركة الإسلامية في العراق
1980 – 2003
الحلقة 18
عباس الزيدي – عبد الهادي الزيدي
يوجد تفصيل أوسع أرَّخه الشيخ محمد اليعقوبي أحد المشاركين في الإنتفاضة، والذي كان مساعداً لأهم قيادات الحركة الإسلامية حينها، وقائد الحركة الإسلامية والمرجع الديني بعد إستشهاد أستاذه الشهيد السيد محمد الصدر:
((كان الوضع الأمني في العراق متسيِّباً خلال قصف الحلفاء للعراق فيما أسموه بـ(عاصفة الصحراء) والذي بدأ بعد منتصف ليلة (17/1/1991) بهدف معلن هو تحرير دولة الكويت من سيطرة القوات العراقية، وفي الأيام الأخيرة كنا لا نشعر بوجودٍ يذكر للنظام، نعم في بعض الحالات الطارئة كان يعززالنظام قبضته أو يوحي بذلك على الأقل كما حدث في مراسم تشييع آية الله الشيخ محمد تقي آل الشيخ راضي وآية الله السيد يوسف الحكيم، حيث اعتقل مجموعة من الشباب لم يلبثوا أن أُفرج عنهم في نفس اليوم بعد توسط سماحة آية الله الخوئي (قدس سره).
وأعلن الحلفاء إيقاف الحرب يوم الخميس (28/2/1991) ومن حينه سرت في أوساط الشعب أخبار عن إنطلاق مظاهرات معارضة للسلطة والناس بين مصدقٍ ومكذب لأن الرعب الذي زرعه النظام في قلوب الشعب ما زال موجوداً نتيجة لأعماله الشنيعة وبطشه الشديد واعلن ان موعدها يوم الجمعة (1/3/1991) ثم اجلت بسبب انشغال الناس بزيارة النصف من شعبان الى مرقد ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) التي صادفت ليلة السبت وكانت كربلاء مشتعلة بالعواطف الثورية المتأججة وساهم في تصعيدها وجود السيد الخوئي نفسه في الزيارة لكنه لم يستطع الوصول الى الحرم الشريف بسبب الازدحام وترقب الناس لمجيئه فاكتفى بالزيارة من سيارته خارج الصحن الشريف، لكن عدداً من الجماهير اتخذوا من آية الله المرحوم السيد حسين بحر العلوم رمزاً لاظهار الولاء للحوزة الشريفة وكان حاضراً وسط الجموع بعد ان لم تحظ بالسيد الخوئي (قدس سره).
وقد سبقت مدينة البصرة في حصول الانتفاضة حيث حصلت مواجهات مسلحة بدأها الجيش المنسحب من الكويت بكل مهانة واحتقار والذي نجا باعجوبة من قصف الطائرات الامريكية وحليفاتها التي كانت تحصد العراقيين وهم يلوذون بالفرار حفاة منهوكين حيث اعلنت القيادة العراقية الانسحاب من طرف واحد قبل ان يعلن الحلفاء وقفاً لاطلاق النار.
وحين دخول الناجين من هؤلاء مدينة البصرة حصل ارباك وفوضى فارادت القوات المرابطة بالبصرة وقوات الأمن والجيش الشعبي التي تدافع عن النظام والسيطرة على الموقف ومنع التدهور فحصل اشتباك مسلح حتى بالاسلحة الثقيلة بين الطرفين واشتعلت المواجهة واستمرت إلى مدن البصرة الاخرى.
واما النجف فقد انطلقت المظاهرات فعلاً ظهر يوم الاحد (3/3/1991) المصادف (16 شعبان 1411) ولم يكن الشعب مسلحاً بشكل معتد به الا ان معاقل السلطة في مركز المدينة كمديرية الشرطة وبعض مراكزها ومقرات الحزب سرعان ما تهاوت امام تضحيات الشعب الاعزل فغنم المجاهدون اسلحتهم ثم اتخذوا الصحن الحيدري الشريف مقراً للقيادة وباتت الانفاس محبوسة تلك الليلة فغداً يوم المواجهة بين الشعب والنظام الذي ما زالت الكثير من أوكاره كمديرية الامن ومقر الجيش الشعبي ومقر إدارة المحافظة قائمة(1).
وما أن حلَّ صباح يوم الاثنين حتى انطلقت جماهير الشعب بموكب حسيني يردد شعارات الولاء والثأر لأهل البيت (عليهم السلام) ويتقدم الموكب مجموعة من المسلحين وقد اعتلى بعضهم سيارة إطفاء، وتابع الموكب سيره على شارع الكوفة الذي تقع عليه اكثر مراكز النظام كمديرية الأمن ومقر قيادة الجيش الشعبي ومقر ادارة المحافظة مع بعض جيوب المقاومة لأفراد الحزب المغرر بهم الذين تحصنوا في بعض الابنية لمقاومة زحف الثائرين واخذ المجاهدون يطهرون الموقع تلو الآخر حتى تمت السيطرة عليها جميعاً عصر ذلك اليوم فعاد المجاهدون الى الصحن الحيدري الشريف ليحتفلوا بالنصر وتخليص المدينة المقدسة من براثن النظام.
وهنا بدأ التساؤل عن المرحلة التالية فلم تكن الانتفاضة مخططاً لها ولمستقبلها ولم تكن لها قيادة تذكر فكان من الطبيعي ان يلتجأ زعماء الحركة الجماهيرية الى علماء الدين وظنوا انهم سيستقبلونهم بالزهور لما حققوه من نصر لكن الامر كان بالعكس فقد قوبلوا - بحسب ما نُقِل لي- بالاعراض والجفوة والاستهجان والتقريع على هذه التصرفات. (2)
واختفى كثير من أئمة الجماعة في بيوتهم ولم يبق أحدٌ منهم مستمراً على صلاة الجماعة إلا السيد الصدر فيما أعلم، حيث كان يقيم صلاة المغرب والعشاء في الروضة الشريفة، وصلاة الظهر والعصر في مسجد الهندي، وسارع الى اصدار بيان يدعو فيه الى نصرة الثورة الاسلامية المباركة في العراق، وكان الاخ زيد البغدادي احد المجاهدين المتحمسين ومن الساهرين على حماية الصحن الحيدري الشريف، ولعله الذي استصدر هذا البيان من السيد لايمانه بجدارة السيد للقيادة ولكي يطرح اسمه على الساحة، اذ لم يكن السيد معروفاً اجتماعياً او حوزوياً بشكل واضح وإن كان اسمه لم يغب عن ذهن الواعين وإن غاب شخصه عقداً من الزمان، وكان بيان السيد السبزواري (قدس سره) متحمساً أيضاً، اما بيان السيد الخوئي فقد كان متحفظاً يدعو الى الحفاظ على النظام الاجتماعي العام وصيانة ممتلكات الشعب وعدم ارتكاب مخالفات للشرع المقدس ونشرت البيانات جميعاً في العدد الاول من الصحيفة التي اصدرتها قيادة الانتفاضة واستمرت اربعة او خمسة اعداد، وكنت احتفظ بها الا انني اتلفتها مع امور اخرى حينما اقتحمت قوات النظام بيوتنا للتفتيش.
وبعد يوم أو أكثر أرسل إليَّ سماحة السيد سيارة من تلك التي غنمها الثوار من المؤسسات الحكومية وفيها ولده السيد مؤمل والاخ زيد البغدادي يدعوني للاجتماع به فذهبت فوراً والتقيت به في داره وقال ان الذي دعاني الى هذا اللقاء امران:
أحدهما : ضرورة تعيين قائد مدني أو قُلْ سياسي للثورة ولا يمكن ان تبقى الامور بلا قرار سياسي بعد استقرار الوضع العسكري في النجف.
وثانيهما : ضرورة الاتصال بايران وطلب النصرة والنجدة منهم.
وحول الامر الاول فقد رشَّح الأخ الأستاذ محمد عبد الساعدي(3) لذلك المنصب ولكنه اعتذر من قبول ذلك وكان السيد (قدس سره) متوقعاً لذلك فأمرني بتولي المنصب في حال رفض الاستاذ محمد ذلك، فابلغت السيد بالخبر وقلت له ان الخطوة الأولى هي التعرف على العناصر الرئيسية في الانتفاضة ودراسة ان كان بالامكان التأثير فيهم بهذا الاتجاه.
وذهبت الى الصحن الشريف واطلعت على الوضع عن كثب فوجدت ان فرصة السيد في ممارسة دور قيادي بعيدة، فقد كان الإتجاه العام نحو السيد الخوئي (قدس سره) ولا يمكن تجاوزه او تحييده، وأصبح القرار فعلاً بيد مكتب السيد الخوئي وبالذات السيد محمد تقي الخوئي (رحمه الله)، ومارس شيئاً من ذلك خلال أيام الانتفاضة، وأخبرت السيد بذلك وقلت له باختصار: ان دور العلماء يتسم بالحذر الشديد بانتظار انجلاء الموقف. قال : ومن الذي يجلي الموقف؟!. أي أليس العلماء هم الذين يقومون بتسيير الأمور وقيادتها نحو وجهتها الصحيحة وليس دورهم التفرج.
وفي أحد الأيام لم يحضر السيد الى صلاة الجماعة في الروضة الحيدرية، وسألته بعدئذٍ فقال : إن السيد الخوئي دعا مجموعة من علماء وفضلاء الحوزة ليخبرهم بعزمه على تشكيل لجنة لإدارة شؤون المجتمع في هذا الوضع المتأزم، ودار النقاش ست ساعات، وقد اقترح أن يكون السيد الصدر منهم إلاَّ أنه رفض. وقال لي إن السبب هو أنه علم إن هذه اللجنة يكون دورها هامشياً وإنما الأمر والنهي بيد السيد محمد تقي نفسه الذي كان سكرتير اللجنة، ورفض معه السيد حسين بحر العلوم والسيد مهدي الخرسان، ووافق الآخرون وكان بعضهم حياءً من السيد الخوئي نفسه، وهم جميعاً من تلامذته واتباعه (كالسيد محي الدين الغريفي (قدس سره) كما اخبرني هو فقد كانت تربطني به علاقة وطيدة وكان يائساً من استمرار الثورة فضلاً عن نجاحها بشكل كامل)، وضمَّت اللجنة ايضاً السيد محمد رضا الخرسان والسيد عز الدين بحر العلوم والسيد جعفر بحر العلوم والسيد محمد رضا الخلخالي والشيخ محمد رضا شبيب الساعدي والسيد محمد السبزواري.
ولما بدأت قوات الحرس الجمهوري بالزحف على كربلاء ومحاصرتها نادى منادي الجهاد من اذاعة الانتفاضة ومقرها الصحن الحيدري الشريف وانطلق الآف المجاهدين من النجف باسلحتهم من مختلف الصنوف بما فيها الثقيلة وقد غنموها من قوات القدس التابعة للحرس الجمهوري التي كانت مرابطة حول مدينة النجف وكان في قيادتهم السيد عبد المجيد الخوئي وسبقهم العلامة الشهيد السيد محسن الغريفي فقرأ بيان السيد الخوئي من مكبرات الصوت في الحرم الحسيني الشريف وقال لي (رحمه الله) (وهو صهري والد زوجتي) انه رأى خلو شوارع مدينة كربلاء الا من المسلحين المستعدين للدفاع عن المدينة ونزح اغلب اهلها نحو الجنوب مروراً بالنجف وان الوضع متوتر.
وخرجت مع قافلة غير المسلحين اذ لم اكن احمل سلاحاً ولا متدرباً على استعماله وكان معي ايضاً الشيخ قاسم الطائي (وهو زوج اختي، وكان مقيماً معنا في البيت طيلة مدة الحرب ولم يكن قد ارتدى الزي الديني)، ولا انسى الروح الثورية الجامحة والرغبة في الاستشهاد او النصر التي كانت تنطلق من حناجر الثوار وهم يقطعون الطريق من النجف الى كربلاء بالاهازيج والشعارات بمن فيهم الصغير والكبير والشيخ الفاني والشاب وكنّا على طول الطريق نشاهد النازحين من كربلاء طلباً للنجاة وهم سائرون على الاقدام باتجاه النجف في ظل برد الشتاء وليس معهم الا ما خف حمله ويلّوحون بايديهم تشجيعاً للمجاهدين وكأنهم يخاطبونهم بقوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ …) حتى وصلنا مشارف كربلاء وانتشرت القوات في مراكزها اما نحن غير المسلحين فاعادونا الى النجف لعدم الحاجة الينا في المعركة ورجع هؤلاء على مضض وكلهم شعور بالخسران وأخبرتُ السيد (الصدر) (قدس سره) ـ حيث كنت أواصل زيارته ومراجعته ـ بهذه التطورات فشعرت منه بعدم الرضا على زّج نفسي في المكان غير اللائق بي فلكلٍ دوره المناسب له ولما كتبت مقالاً حماسياً بعنوان (حيّ على الجهاد ايها العراقيون) الى صحيفة الثورة وسمعت بعض فقراته تتلى من الاذاعة المنطلقة من الصحن الشريف وسجلّت فيه بعض عواطف المجاهدين اخبرت السيد بذلك فرأيت علامات الارتياح عليه وان هذا هو العمل المناسب لي.
ولما شعر بعض زعماء المجاهدين ان الثورة بدأت تضمحل وتتميع في ظل هذه القيادة الدينية وقد جُردوا من الصلاحيات كما انهم لم يروا أي تفكير في توسيع الثورة الى بقية المحافظات والزحف نحو بغداد وتدعيمها أحسّوا بالحاجة الى قيادة (حركية) جديدة تجتمع فيها صفات الوعي والشجاعة والحزم والرصيد الاجتماعي فوجدوها متمثلة في شخص السيد الشهيد الصدر (قدس سره) ولا ادري ان كان ذلك باشعار من الأخ زيد البغدادي الذي كان معهم او غيره، المهم انهم التفتوا الى السيد (قدس سره) وعرضوا عليه الأمر فوافق عليه.
هذا وقد بدأت قوات الحرس الجمهوري بالزحف نحو مدينة النجف وبدأ قصف مدفعي بعيد يطول احياناً البيوت المتطرفة في شمال شرق المدينة (باتجاه مثلث الحدود بين النجف والحلة وكربلاء حيث عبرت القوات نهر الفرات جنوبي مدينة الكفل) كان ذلك بعد ظهر يوم الثلاثاء (12/3/1991) وفي يوم الاربعاء التالي وكانت اصوات قذائف المدفعية والدبابات تُسمع في ارجاء المدينة لكن من دون ان يطالها والشارع العام يتحدث عن معارك بالاسلحة الثقيلة وتراجع قوات الحرس الجمهوري الزاحف على النجف، أقول في ذلك اليوم صليت الظهر والعصر خلف سماحة السيد (قدس سره) في جامع الهندي وبعد انتهاء الصلاة أحيط بحماية مكثفة ورجال مسلحين وصيحات التكبير والتهليل والصلاة على النبي وآله تشايعه حتى الحرم الشريف ومذيع الانتفاضة يطلق كلمات الترحيب واستقبال الزعيم المجاهد سماحة آية الله السيد محمد الصدر وكنت ضمن المجموعة التي رافقته بعد أن صليت خلفه ولكن من دون ان اعلم بسر هذا التغيير الذي حصل اليوم رغم انه كان يخرج من المسجد يومياً بشكل اعتيادي من دون هذه الهالة والضجيج ومن غير حماية مسلحة.
وصعد السيد على سطح (الكشوانية) المواجهة لباب القبلة والناس تجتمع في الصحن الشريف وهم يقابلونه بالهتافات والقى كلمة ارتجالية مختصرة حث فيها على نصرة الثورة الاسلامية المباركة ودعمها والمشاركة فيها لعل الله سبحانه يرحم هذا المجتمع وينشر لواء الاسلام في ربوع هذا البلد المقدس.
ثم نزل السيد وركب سيارة (شوفرليت- جي.ام.سي) وصعدت معه وشخص آخر عرفني عليه السيد هو (عبد الرسول الكرمي) واكتظت السيارة بالمسلحين واوصلنا السيد الى داره وامرني بمرافقة الكرمي وقال انه سيعرفك على المطلوب، فاصطحبني الى بيته في الشارع الخلفي لدار السيد هذا وقد اشتدت اصوات القصف وبدأت بالدنو من المدينة فقال الكرمي: هذه قواتنا تحاصر قوات الحرس المهاجمة وقد امهلوهم حتى الساعة الواحدة ظهراً فاما ان يستسلموا او القضاء عليهم وبدأ الكرمي يشرح لي خطة الحركة بتشكيل مجموعة من اللجان تكون اشبه بالوزارات المصغرة واحدة للشؤون العسكرية وتشمل القوات التي بدأت الانتفاضة ولا زالت تقاتل في عدة جبهات واخرى لشؤون الدفاع المدني والمليشيات وأخرى لجنة الارتباط بالحوزة العلمية الشريفة والعلماء المجاهدين وأخرى اللجنة السياسية والاعلامية وأخرى لجمع التبرعات المالية ومساندة الثورة اقتصادياً، وكنت على رأس اللجنة السياسية والاعلامية، وأوكل اليَّ امر اختيار العناصر الكفوءة التي تنفع في هذا الاتجاه.
وغادرت بيته بعد انتهاء اللقاء والقذائف وشظاياها تنزل على المدينة كالمطر وازيزها يصك مسامعي والمسافة الى داري تحتاج الى ثلاثة ارباع الساعة بالسير الحثيث، وكنت قد تركت دراجتي الهوائية - التي كانت وسيلتي للتنقل يومئذٍ بعد خلو الشوارع من السيارات الا قليلاً بسبب نقص الوقود الناتج من قصف الحلفاء- قرب الصحن الشريف عندما رافقت السيد الى بيته، وكثيراً ما أخذت وضع الانبطاح على الارض عند سماع ازيز القذائف.
وفكرت بالاسماء التي يمكن ان تساعدني في هذه اللجنة وعرض الأمر عليهم الا ان القصف اشتد بشكل منع من الحركة واستمر الأمر كذلك صباح اليوم التالي وانا مهتم بتنفيذ الأمر فاستخرت الله تعالى في ان اقصد احدهم فكانت النتيجة غير جيدة ولم اكن اعلم ان السر في ذلك اعتقال السيد الشهيد الصدر (قدس سره) ووأد القيادة الجديدة في مهدها فقد دخل الجيش مدينة النجف من جهة شمال الشرق يوم الخميس (14/3/1991) واسترجع المراكز الرئيسية على شارع الكوفة ووصل الى جامعة النجف الدينية حيث كان السيد وعائلته مع السيد محمد كلانتر وعائلته وبعض طلبة الجامعة يختفون في السرداب تحاشياً للقصف واعتقلوا جميعاً وسيقوا الى منطقة الرضوانية في الضواحي الشمالية الغربية لبغداد حيث خصصت لاحتواء (المعارضة) وكان وفد السيد ومن معه أول الداخلين الى المعسكر المخصص لاعتقال القادمين من النجف اما المعسكر المعد لأهالي كربلاء فقد كان يغصّ بالمعتقلين - هكذا نقل لي (قدس سره) -.
وفوجئت ظهر الخميس وانا استمع الى الراديو بالمذيع يجري لقاءً مع السيد الصدر وتوقعت انه لقاء قديم اعلنوه للتمويه على المجاهدين الذين لا يزالون يقاومون حول بيت السيد الخوئي وقد حفروا الخنادق ووضعوا المتاريس لمواجهة القوات المهاجمة كما ان الصحن الحيدري وشيئاً من مركز المدينة كان لا يزال تحت سيطرة المجاهدين ولكنني لما انصتُ اليه وجدته جديداً فعلاً ويذكر احداث البارحة (ظهر الاربعاء) ويسأله المذيع عنها.
ولم تنته المقاومة الا يوم الأحد (17/3/1991) بعد ان هددوا باستعمال الغازات السامة في مركز المدينة وهددوا السيد الخوئي ان استمرت المقاومة حول داره فطلب من المجاهدين التفرق عن الدار وايكال الأمر الى مدبره الحقيقي وكنت أرى من سطح الدار الطائرات السمتية (الهليوكوبتر) وهي تحوم حول منطقة بيت السيد الخوئي والصحن الحيدري وترمي بصواريخها.
وليس هذا محل ذكر ما حل بالمدينة واهلها من فضائع، اما السيد فقد اخبرني انه أُجري اللقاء التلفزيوني معه وهو بين مجموعة من الضباط بعضهم برتب عالية ثم حققوا معه وسجلوا بيانات كثيرة وأملوا صحائف عديدة وبعد أيام أطلقوا سراح السيد فطلب منهم أمرين:
أحدهما : إعفاء أولاده من الخدمة العسكرية.
وثانيهما : إطلاق سراح جميع من اعتقل معه ففعلوا ذلك إلا (الشيخ طالب اللبناني) حسبما علمت.
وكانت نقطة القوة للسيد في التحقيق أنه مجتهد مستقل وليس تابعاً للسيد الخوئي، فهو ليس مشاركاً في قيادة الإنتفاضة، كما أنه رفض الإنضمام الى اللجنة التي شكَّلها (قدس سره)، وكل هذه المعلومات أنقلها عنه (قدس سره) بعد زيارتي له، وفرح كثيراً بسلامتنا أنا وإبن عمي الشيخ حيدر وزيد، وقد عبَّر بأسى عن أيام الإنتفاضة قائلاً : بأن الذين حولي لم يكونوا مخلصين إلا إثنين وهما: زيد البغدادي ومحمد اليعقوبي.
وبعد استقرار الوضع لصالح النظام طلبوا من المحافظات أن ترسل وفوداً الى بغداد للإعتذار من (صدّام) وتجديد الولاء، فاُجبر السيد الصدر على أن يكون ضمن وفد النجف، ولم يجد بداً من الموافقة فقد كانت حياته على خطر شديد، وهو مدان في نظرهم بما أصدر من بيان وخطاب لنصرة الانتفاضة(4))).
ولم تصلنا نسخة بيان السيد الصدر، ولكن ذكر الشيخ اليعقوبي في مكان آخر أن :
((قيادة الانتفاضة بايعت السيد الصدر ((مرشداً للثورة الإسلامية المباركة)) بحسب وصف السيد الصدر في خطابه الذي وجهه للجماهير في الصحن الحيدري الشريف في اليوم الأخير قبل بدء هجوم الحرس الجمهوري على المدينة، واعتقل على أثرها في معتقل الرضوانية في بغداد ثم أُفرج عنه. وقد خرج من هذه التجربة بنتيجة مؤلمة وهي أن الامة مازالت بحاجة كبيرة الى تربية روحية(5))).



________________________________________
(1) بتوثيق مقارب يذكر علي عبد الأمير علاوي : ((كانت الانتفاضات في الجنوب عفوية وغير منظمة الى حدٍّ كبير. ففي النجف قامت المظاهرات ضدّ الحكومة في 3 آذار، وجرى الاستيلاء على المدينة في اليوم التالي بعد أن تزايد عدد الجماهير الى الآلاف فأخذوا يحاصرون المباني التابعة للأمن والحزب. وبعد يوم واحد من قتال الشوارع تمَّت السيطرة على المدينة. وقد قتل في تمرد النجف نحو خمسمائة من رجال المخابرات والأمن العام وحزب البعث)). احتلال العراق، ربح الحرب وخسارة السلام، ص66 ـ 67.
(2) ((إن سقوط مدينة النجف، أهم العتبات المقدسة، سلَّط الضوء على مرجعية آية الله العظمى الخوئي. فبعد عقدين من التجاهل الدائب للتطورات والأزمات السياسية المتصاعدة التي أثرت في مسار المذهب الشيعي في العراق وغيره من الأقطار كان على آية الله أن يؤيد تمرداً يجري قريباً منه، إن الطريقة التي عالج بها الأمرطبعت بطابعها السنوات القليلة الباقية من زعامته الروحية لشيعة العراق. لقد أصدر آية الله العظمى (وكان عندئذ بالتسعينات من عمره) منشوراً مسالماً. لقد دعا أهالي المدينة الى الالتزام بسنن السلوك الإسلامي والى دفن الجثث التي كانت تملأ الشوارع. وقد عيَّن لجنة للإشراف على إدارة النجف ولضمان استمرار الخدمات الأساسية. إن تلك الإجراءات كانت من الغموض بحيث لا يمكن تأويلها على أنها تقدم دعماً مادياً أو معنوياً للانتفاضة أو أنها تدعو للصمود في الكفاح. غير أن لجنة عسكرية موازية قد تشكلت، ربما بعلم آية الله العظمى إن لم يكن بمباركته، للدفاع عن المدينة في حالة وقوع هجوم مضاد من قبل الحكومة)). المصدر السابق ص69.
(3) هو شخص عرفته عام 1974 عندما كنت طالباً في مدرسة الامام الجواد (عليه السلام) الاهلية التي كانت من المؤسسات الشيعية التي تحظى بتأييد السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) ودعمه وكانت شقيقته الشهيدة بنت الهدى مشرفة على مدرسة الاناث وكان الاستاذ محمد مشرفاً عاماً على المدارس وقد عرف بحسه الثوري الحركي وقد اصدر عدة كتب في هذا الاتجاه منذ ان كان طالباً في كلية القانون في منتصف الستينات ومنها كتاب (الاسلام ومعركة المصير الانساني) وبعد فراق عدة سنين اعتقل هو خلالها وجدته فجأة قاضياً لمحكمة الاحوال الشخصية في النجف فاعدت التعريف عليه واستمرت علاقتنا ومن ثم تعرف (او قل اعاد التعريف) بالسيد الصدر بواسطتي وصادف اكثر من مرة ان صحبت السيد لزيارته في داره او صحبته هو لزيارة السيد في داره. الهامش للشيخ اليعقوبي.
(4) اليعقوبي، محمد، الشهيد الصدر الثاني كما أعرف، ص43 – 52.
(5) المصدر السابق، ص360 ـ 361.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 17
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 16
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 15
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 14
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 13
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 12
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 11
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 10
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 9
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 8
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 7
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 6
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 5
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 4
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 3
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 2
- قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 1
- آدم ليس أول البشر / الحلقة 5
- آدم ليس أول البشر / الحلقة 4
- آدم ليس أول البشر / الحلقة 3


المزيد.....




- إعصار يضرب ووهان الصينية ويخلف قتلى وجرحى
- واشنطن: لقاء بلينكن ولافروف يهدف لتحقيق مزيد من الاستقرار في ...
- لقاء بين مفاوضي -طالبان- والحكومة الأفغانية في الدوحة
- الحرس الثوري يعلن القضاء على -خلية إرهابية- غرب إيران
- طالب -جميع الأطراف- بضبط النفس.. وزير خارجية الإمارات يدعو ل ...
- أحداث القدس: من هم الفلسطينيون حملة الجنسية الإسرائيلية؟
- -القسام- تقصف بئر السبع وأسدود برشقة صاروخية ردا على استهداف ...
- مقتل 8 فسلطنيين بقصف إسرائيلي يستهدف منزلا في مخيم الشاطئ غر ...
- مقتل 6 أشخاص وإصابة 218 آخرون جراء إعصار في مدينة ووهان الصي ...
- البحرين تدين -بشدة- الغارات الإسرائيلية على غزة


المزيد.....

- صفحات مضيئة من انتفاضة أربيل في 6 آذار 1991 - 1-9 النص الكام ... / دلشاد خدر
- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى
- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عباس الزيدي - قيادة الحركة الإسلامية في العراق 1980 – 2003 / الحلقة 18