أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر الكعبي - أم غاوية 6














المزيد.....

أم غاوية 6


حيدر الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 4533 - 2014 / 8 / 4 - 23:37
المحور: الادب والفن
    




لم أكن بلغت الثالثة من عمري بعد حين حملتني امرأة عمي وذهبت بي الى بيت عمي في شارع أبي الأسود لتريني زوجة أبي الجديدة، وهي ابنة عم بعيدة لأبي— فتاة نحيفة جيء بها، مع "خشْلها" وجهاز عرسها، من مدينة المُحمَّرة. كان الوقت ظهراً، وكان الظل في مجاز البيت لذيذاً بارداً. قالت امرأة عمي: "سلّم على أمك." وحين رفعتني أمي الجديدة كنت ثقيلاً على ذراعيها النحيفتين. قالت: "ياء! يمه حيدر." واستغربتُ معرفتَها باسمي. كانت ترتدي شيلة سوداء وثوباً طويلاً مليئاً بالورد، وكان وجهها مدوراً وساذجاً، وفي جسمها رائحة صابون. وكانت عيناها طيبتين، وحين قبّلتْني مسحتُ القبلة عن خدي. كنت أرتدي دشداشة بازة داكنة اللون. و .. فجأة، اقتحمت أم غاوية البيت، وانتزعتْني بعنف من يدي زوجة أبي التي بدا عليها الذعر وهي تتخلى عني. حين خرجنا أسلمتْني جدتي الى أمي التي كانت تنتظر على الرصيف المقابل للبيت. ذهبتا بي الى سوق الدجاج، حيث يعمل أبي وعمي. كان السوق شبه خال حين دخلناه، لكنه سرعان ما اكتظَّ بالمارة حين راحت أم غاوية تهز عباءتها وتهوّس: "الشر متطشِّر بخشيمي." وهجمت هي وأمي على أبي. وقد أقعدتني أمي على قفص دجاج لتحرر يديها— قفص مستطيل من أعواد الخيزران تفوح منه رائحة ذروق ساخنة. وكالعادة فقد ضرب أبي أمي ضرباً مبّرحاً، لكن أم غاوية أفلحتْ في عضّ أذنه فأدْمَتْها. وكم أثار هذا استغرابي، فأسنان جدتي معدودة وبائدة. ولاشكَّ أنها كانت غاضبة جداً. وكان المشهد قد كسر رتابة الظهيرة وأمتع الحمّالين والعربنجية وباعة الماء (السبيل) والعاطلين عن العمل. ثم خرجت أمي من المعمعة مشوشةَ الشعر، محمرةَ الوجه، مُزاحةَ الشيلة، وخطفتني خطفاً من على قفص الدجاج، ومضت مبتعدة عن السوق وهي تتكلم مع نفسها وترتجف غضباً. فيما تبعتنا أم غاوية متغنية بالنصر، "هاي آنه والدرب بعيد." ورأيت أبي يمسح أذنه الدامية بيشماغه. وفجأة مر بائع (سمسمية) حاملاً صينية يوازنها على رأسه، معلناً عن بضاعته بصوت ممطوط مموسق لعوب. "هاي ســـمـممـ..ســـمـيييييية، عيني سمااااسييييم، سمسووووم اغااااتي، ياااااابه سمسم." ويخالسني النظر بخبث. وسال لعابي للقطع السمراء النمشاء المنمنمة المعينية الشكل من كتل السمسم المتماسك المحلى بالسكر. وطارت ذراعاي باتجاه الصينية. وقد أغضبتْ لهفتي وقلقي ونفاد صبري أمي فنهرتْني بشدة. وأشفق علي رجل من أقارب أبي، فاشترى قطعة سمسمية وتبعني مهرولاً. لكن أمي انتزعت السمسمية من يدي قبل أن أعضها، ورمتها بعيداً باتجاه الرجل. وبُهِتَ الرجل، وركض فالتقط السمسمية من الأرض وهو يضع يده فوق عقاله لئلا يقع، ثم عاد يهرول خلفنا ماسحاً السمسمية بذيل يشماغه. فاختطفتْها أمي مرة أخرى، ورمتها هذه المرة بتصميم أكبر، فانطلقتِ السمسمية من يدها كالسهم، وتحولت الى طائر سنونو بجناحين مدببين حلق في الأعالي وصار نجمة بيضاء في سماء الخضارة. أما على الأرض فكان هناك خليط من الطماطة الخائسة والبيض المكسور والقثّاء الذابل المدعوس بالأرجل.



#حيدر_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أم غاوية 5
- أم غاوية 4
- أم غاوية 3
- أم غاوية 2
- أم غاوية 1
- توطِئة - أوكتافيو باث
- بصرة عام 11 (الحلقة الرابعة)
- بصرة عام 11 (الحلقة الثالثة)
- بصرة عام 11 (الحلقة الثانية)
- بصرة عام 11 (الفصل الأول)
- المتنبي شهيداً
- كتابة على حيطان الطفولة
- المثقف محمود عبد الوهاب
- قصف
- مَرْثاة
- أحلام أدوية الملاريا (2) / براين ترنر
- في الحشائش العالية / براين ترنر
- الى النسور: يوتوبيا مضادة / براين ترنر
- أحلام أدوية الملاريا 1 / براين ترنر
- تأبين / براين ترنر


المزيد.....




- اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعرين اللبنانيين أمل ناصر ويام ...
- وفاة الممثل الأمريكي والتر كونيغ نجم -ستار تريك- عن عمر ناهز ...
- رحيل مخرج أفلام الاستغلال توم ديسيمون عن 87 عاماً
- بعد ختام دورته الثالثة.. كيف اختبر معرض طرابلس للكتاب قدرة ا ...
- مكتب الثقافة في عدن يطلق مبادرة لتعزيز التضامن المجتمعي ومسا ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين مسؤولية أخ ...
- الممثلة الأمريكية هانا آينبيندر: الدفاع عن فلسطين -الحد الأد ...
- أزمة صحية تداهم أحمد سعد وتهدد موعد طرح ألبومه الجديد
- أصول بمليارات الدولارات.. نزاعات الملكية الفكرية تعيد رسم خر ...
- الشعبة القانونية بمحور تعز: تقرير يكشف التمثيل بجثامين شهداء ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر الكعبي - أم غاوية 6