أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - قاسم حسين صالح - ما افسدته السلطة في الشخصية العراقية (2-2)















المزيد.....

ما افسدته السلطة في الشخصية العراقية (2-2)


قاسم حسين صالح
(Qassim Hussein Salih)


الحوار المتمدن-العدد: 4478 - 2014 / 6 / 10 - 11:18
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    




ما افسدته السلطة في الشخصية العراقية (2-2)
أ.د.قاسم حسين صالح

اشرنا بالحلقة الأولى،ان النظريات التي تؤكد ثبات سلوك الفرد واتساقه عبر الزمن وعبر المواقف (يعني الطيب يبقى طيب طول حياته) لا تنطبق على الشخصية العراقية،وان هذه النظريات التي ما تزال معتمدة بالمناهج الجامعية تجاهلت تأثير (السلطة)في الشخصية،وأن متابعتنا لتحولات الشخصية العراقية يقدم اضافة معرفية نصوغها بما يشبه النظرية:(ان الشخصية تتغير عبر الزمن وعبر المواقف وان النظام السياسي له الدور الرئيس في هذا التغيير)..ونتناول الآن ما جرى لها بعد التغيير (2003).
اخطر ما احدثته السلطة (السياسة) في الشخصية العراقية بعد التغيير هو خلخلة المنظومة القيمية بداخلها.ولأن عبارة (المنظومة القيمية) قد تمر عابرة فان الأمر يتطلب التوقف عندها..لتبيان انها اهم قضية نواجهها الآن.
شغلت (القيم Values) اهتمام الفلاسفه وعلماء الاجتماع والاقتصاد والسياسة والدين وعلم النفس،لدورها الرئيس في صناعة الانسان وتحديد سلوكه.ومع انهم تنوعوا في تحديد مفهومها الا انهم اتفقوا على ان القيم تعمل على التحكّم بالسلوك وتوجيهه نحو اهداف معينة:مادية ،علمية،اجتماعية،اخلاقية،دينية،وجمالية. ولك ان تشبه القيم بـ(داينمو) السيارة..فكما انك ترى السيارة تتحرك (وحركتها سلوك) ولا ترى الذي حرّكها( الداينمو) كذلك فانت لا ترى (المنظومة القيمية) التي تحرّك سلوك الانسان.
والأهمية الثانية للقيم،انها نظام متكامل من الاحكام والقواعد الاخلاقية والمعايير يخلقه المجتمع في نسق مميز ويعمل على اعطائه اساسا عقليا يستقر في اذهان افراده،ويزودهم بمعنى الحياة والهدف الذي يجمعهم من أجل البقاء،ويقوم بترتيبها في مستويات بحسب اهميتها بما يشبه الهرم،لتكون القيم الأكثر قدسية والزامية في قاعدة الهرم كالقيم الدينية والالتزامات الأسرية..وتنتهي بالقيم الجمالية المتعلقة بما يفضله الفرد من طعام وشراب والوان.
بهذا المعنى فان القيم أشبه بـ" اللاصق" الذي يربط الاشياء أو " الاسمنت" الذي يربط "طابوق" العمارة. فاذا كانت مادته اللاصقة ضعيفة انهارت العمارة ان تعرّضت لهزة ارضية. ويصح القول على المجتمع الذي تكون قيمه ضعيفة ،فان ما كان يتمسك به من اخلاق وروابط دينية واجتماعية تنهار أو تتفكك حين يتعرض لاحداث سياسية تدخله في صراعات بين مكوناته القومية والدينية والمذهبية.
وما نريد أن ننبه اليه،ان اعادة اعمار المنظومات القيمية للناس (الاخلاق،الضمير،النزاهة..) اصعب من اعادة اعمار وطن لا سيما اذا انتهكت بالمجتمع ثلاث قيم اساسية:الحياة والمال العام والملكية الشخصية. ومع انها استبيحت الآن بشكل غير مسبوق فاننا(الحكومة والبرلمان والمثقفون) لم نهتم بها قدر اهتمامنا بالقضايا السياسية..بل نسيناها لأننا والسياسة صرنا بحالة ادمان..ومن يدمن على شيء..يصير شغله الشاغل.
سنوجز ما احدثته السياسة(السلطة)من تخلخل،تهروء،صعود قيم نزول اخرى..في الشخصيةالعراقية بالآتي:
1.تراجع قيمة الحياة.
اخطر ضربة وجهتها الحرب العراقية الايرانية للمنظومة القيمية تلك التي استهدفت "قيمة الحياة". فلقد كانت هذه القيمة المقدسة تحتل المكانة العليا في البناء القيمي للمجتمع العراقي.ولكن ما ان بدأت حالات تشييع شهداء الحرب تزداد في شوارع مدن العراق مصحوبه بالمشاهد البشعة التي تعرض يوميا في التلفزيزن عبر برنامج(صور من المعركة) حتى بدأت قيمة الحياة تتراجع لدى جيل الشباب الذي شهد في طفولته هذه الحرب.ولأبناء هذا الجيل تحديدا يعزى توجيه ضربة اوجع لقيمة الحياة بارتكابهم جرائم بشعه عامي (2006- 2007 ) تجاوزت استسهال القتل الى التمثيل بضحاياه.وكانت السياسة(السلطة)هي المسؤولة عن اثارة الفتن الطائفية،فضلا عما ينسب لبعض فصائلها تهم التورط في الارهاب،واخرى التصفيات الجسدية بالخطف وكاتم الصوت..والسجون السرّية.
وليس دقيقا تشبيه الانسان الذي تتراجع لديه قيمة الحياة بالحيوان..فاذا تعارك كلبان وانبطح احدهما على ظهره رافعا ارجله فان الكلب الآخر الأقوى يتوقف معتبرا ذلك اشارة استسلام..فيما لم يحدث مثل هذا لدى العراقيين الذين صاروا يستسهلون القتل ويسترخصون الحياة، فنجم عنها هروب ملايين بين هجرة وتهجير.
2.عدم الالتزام بالقيم الدينية.
اشرنا بمقالة سابقة ان الشخصية العراقية تلتزم بالعبادات(صلاة،صوم..)غير انها لا تلتزم بالقيم الدينية كالصدق وقول الحق مثلا.والذي حصل بعد التغيير انها تخلت اكثر عن هذا الالتزام..وهذه قضية خطيرة لأن المجتمع ،خاصة الاسلامي،الذي لا تسوده القيم الدينية فانه يبيح لأفراده ارتكاب الافعال التي تؤذيه وتفككه.
ان السبب الرئيس لعدم الالتزام هذا هو تبادل الاتهامات بالفساد بين رجال دين صاروا مسؤولين،وتورط رجال دين آخرين باعمال تحسب على الارهاب،وتناقض افعال مسؤولين (دينيين)في السلطة مع اقوالهم،وعدم امتثالهم لتوجيهات ونصائح المرجعيات الدينية..اوصل الفرد العراقي الى حوار داخلي مع النفس:(اذا كان اهل الدين ومن يفترض بهم ان يكونوا قدوة،غير ملتزمين بالقيم الدينية فما الذي يدعوني انا الانسان البسيط الى الالتزام بها..وقد ضاقت بنا سبل الحياة؟).ما يعني نفسيا،ان الشخصية العراقية وجدت التبرير العملي لأن (تخدّر،تميت )الوازع الديني وتبيح لنفسها عدم الالتزام بالقيم الدينية،أدى الى شيوع الكذب،النفاق،التزلف،واللاحياء.
3.تهرؤ الضمير الأخلاقي
تعرض ضمير الشخصية العراقية الى ضربات موجعة من ثلاثة:النظام السابق ،والاحتلال،والحكومات "الديمقراطية" التي تهرأت في أزمنتها معظم الخيوط المتبقية من نسيج الضمير الاخلاقي..بالرشا والفساد ونهب المال العام.
والمفارقة ان احزاب الاسلام السياسي التي تعتمد الاسلام عقيدة ومنهجا وسلوكا،فاقت جرائم الفساد في زمن توليها السلطة اضعاف ما كانت عليه زمن الانظمة الدكتاتورية..حتى صار الناس يتداولون بسخرية مرّة:كان لدينا علي بابا واحد واربعين حرامي فيما الآن صاروا أربعين علي بابا وألاف الحرامية.
ومع ان العراق فيه ما لايعد ويحصى من المساجد والجوامع،وأن عدد الزائرين لكربلاء عام(2013) بلغ (14)مليونا،واكثر من خمسة مليون زائر لمناسبة استشهاد الامام موسى الكاظم عام (2014)،ومئات البرامج والخطب والمواعظ والتعاليم الدينية،فان الناس صاروا في حال وكأنهم قرءوا السلام على الضمير والأخلاق.
سئل رئيس دولة اوصل بلاده للدرجة التاسعة بين اغنى دول العالم بعد ان كانت في المرتبة 111..عن السبب فاجاب بكلمتين: لا أسرق..ما يعني أن الرعية تنمذج سلوكها على سلوك راعيها،ولنا في ذلك شاهد هو الراحل عبد الكريم قاسم الذي كان انموذجا للنزاهة ونظافة اليد والضمير..فكان ان انتعش الضمير الاخلاقي لدى الموظفين والعامة في زمنه.
وما حصل الآن من فساد،مشابه في آليته السيكولوجية لما حدث من عمليات النهب بشهر السقوط،مع اختلافين:ان ما سرق من ثروات البلد..مليارات الدولارات(يعني ترليونات بالعراقي وكل ترليون امامه 12 صفر!!)،وان الذين نهبوا كانوا لصوصا وفقراء،فيما الفسدة الآن مسؤولون كبار لدرجة ان رئيس الحكومة صرّح مرّة (لدينا ملفات فساد لو اننا كشفناها لأنقلب عاليها سافلها!)..ما جعل المواطن يتساءل:اذا كان الجميع يقرّون بوجود فساد ما شهده العراق في تاريخه..فانه لا يمكن لحكومة فاسدة ان يكون رئيسها نزيها.ومع فداحة ما سببته حكومات ما بعد التغيير من اشاعة قيم رذيلة،فان اوجعها انها صيرت الفساد شطارة بعد ان كان خزيا،فكان (الأرضّة) التي نخرت قيما اصيلة في الشخصية العراقية.
غير ان نظريتنا:(الشخصية تتغير عبر الزمن وعبر المواقف والنظام السياسي له الدور الرئيس في هذا التغيير) تمنحنا التفاؤل بأن مجيء سلطة تعتمد المواطنة والعدالة الاجتماعية والكفاءة والتخصص،يرأسها حاكم قدوة..كفيل باصلاح ما افسدته سلطتا ما قبل التغيير وبعده في الشخصية العراقية..غير انه سيحتاج زمنا قد لا يشهده جيل الكبار.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاختلاف والكره..تحليل سيكوبولتك
- وسائل السيطرة على التشاؤم لدى العراقيين
- ما افسدته السلطة في الشخصية العراقية (1-2)
- عذر عبد الآله الصائغ..العراقيون اجهضوا فرحتك!
- حقائق جديدة عن الشخصية العراقية:(3) الوعي الانتخابي واحياء ا ...
- حقائق جديدة عن الشخصية العراقية 2:التعصب للهوية والوصولية وا ...
- الطائفية والعشائرية والاأبالية هي الفائزة!. 1:خصائص جديدة عن ...
- من سيفوز في الانتخابات العراقية..؟تحليل سيسكوبولتك
- قاسم حسين صالح - كاتب وباحث، ورئيس الجمعية النفسية العراقية ...
- لو كنت برلمانيا..ما هي أولوياتك؟
- الدعايات الانتخابية -تحليل سيكولوجي للمرشح والناخب (1-2)
- ثقافة نفسية (116): ثقافة الاعتذار
- الاعلام..يتصدره الفاسدون
- التغيير ممكن..والمطلوب هو...؟
- الأفكار اللاعقلانية..وسيكولوجيا الغالب والمغلوب
- لأن العراق اصبح أشبه ب(المنهوبة)!
- ثقافة نفسية(115):السمنة عند الأطفال
- ثقافة التسامح
- خطاب (ماكو غيرهم)..وهم وتضليل
- حوار مع الدكتور قاسم حسين صالح- حاوره: قاسم موزان


المزيد.....




- هاتف 5G جديد يتحدى بمواصفاته أفضل الهواتف الحديثة
- تعبئة واسعة في الجزائر للمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي
- شهادات شباب يكافحون لانقاذ العالم من تغير المناخ في أكثر الب ...
- شهادات شباب يكافحون لانقاذ العالم من تغير المناخ في أكثر الب ...
- تعبئة واسعة في الجزائر للمطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي
- واشنطن وطوكيو تتفقان على مواجهة الصين
- عدوان تركي: هل تواجه قبرص حربا جديدة؟
- لماذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات مباشرة بعد محادثة بايدن م ...
- إيران نحو تعاون أعمق مع الصين وروسيا
- الصاروخ الروسي متعدد الاستخدام يزوّد بعجلات وزلاجات


المزيد.....

- بوصلة صراع الأحزاب والقوى السياسية المعارضة في سورية / محمد شيخ أحمد
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - قاسم حسين صالح - ما افسدته السلطة في الشخصية العراقية (2-2)