أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - رحلة في خيال وواقع الصديق المكبوت*















المزيد.....


رحلة في خيال وواقع الصديق المكبوت*


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 4463 - 2014 / 5 / 25 - 02:29
المحور: الادب والفن
    


فجأة، وبدون مقدمات، تغيرت طباع غسان واهتماماته، ووفقاً لما أخبر به غسان أصدقاءه أن اختلاط الأحاسيس التي يصعب وصفها أو فهمها جعل منه انسان آخر، إنها أحاسيس من نوع خاص تتقاطع في داخل غسان وتتأجج وقد بدأت تخرج لتظهر على الجسد الذي أصبح يغلي ويغلي. يعرف غسان أن شيئاً ما ينقصه وقد بدأ يبحث عنه. أهو الحب الذي قرأ عنه في روايات بيار روفايل عندما كان في المرحلة الإعدادية! أو ربما إنه الحب الذي سمع عنه من أولاد حارته من قبل! أو أنه ربما يحتاج للمرأة التي قرأ وسمع عنها هنا وهناك مرة على شاكلة "شكيبة" التي صورها حنا مينه ! ولربما إنه الجنس الذي سمع من الماركسيين من أبناء حارته مراراً عن الحاجة إليه فقد كرروا أن ألكسندرا كولونتاي قالت إن الإنسان بحاجة الجنس مثلما هو بحاجة الأكل والشرب ولهذا يجب ممارسته بحرية وبدون قيود! وهكذا بدأ غسان في رحلة البحث عما يحتاجه فراح يحدث هذا وذاك عن بعض مما يدور في داخله؛ وعن الليالي التي يقضيها لا هو بقادر على الدراسة ولا هو بقادر على النوم؛ وعن لحظات فرح عاشها عندما التقت عيناه بعيني ناديا فابتسمت وامتدت فرحته وتشعّبت ليعيش بعدها في سحر تلك الابتسامة، فناديا هي الطالبة بكلية الزراعة وهي وجه معروف فقد غنت في "حفل تعارف الكلية" العام الماضي أغنية نجاح سلام "رقة حسنك وسمارك" بصوت ملائكي ووسط إعجاب وطرب وتصفيق الجميع...في الليل وقبل أن ينام يبدأ غسان بتخيل كيف كانت ناديا تمشي وكيف اقتربا من بعض وكيف امتلأت عينيها بنور خاص وكيف ابتسمت له... فيفرح وينتشي ومن ثم يعيد التخيل مرة أخرى وثالثة ورابعة إلخ دون أن يشبع أو يطفئ ظمأه...وفي النهار يتحدث مع أصدقائه عما هو به.. وهكذا أصبح غسان، وهو في السنة الثالثة من دراسته الجامعية، يولي اهتماماً لما كان يخاف من قبل أن يستهلك وقته وتفكيره ويمنعه من الدراسة، أما الآن فإن نداءات الغريزة والجسد أصبحت أقوى من أي نداء آخر.
بعد مضي فترة قرر غسان أنه بحاجة لما هو أكثر من الانتشاء بتخيل عيني ناديا وابتسامتها ونظرتها، فأخذ يفكر بأن يبادر ناديا بالكلام...وبعد بضعة أيام من التفكير ذهب إلى في نفس المكان الذي رأى به ناديا وانتظر لساعتين ولما لم ير أثراً لها غادر وهو يظن أنها قد تغيبت عن محاضراتها لذلك اليوم..وأعاد الكرة ثانية وثالثة ولكنه لم يعثر عليها وفي المرة الرابعة بينما كان ينتظر في نفس المكان رأى صديقه، وابن حارته، عبود يمشي مع مجموعة من الفتيات اللواتي لابد وأنهن يعرفنها إذ أنهم جميعاً يدرسون في نفس الكلية...ترك عبود رفقته من الفتيات وتقدم من غسان وقال "صدفة غالية أن ألقاك هنا! أهي زيارة أم لعمل ما؟" لم يستطع غسان أن يخفي ما جاء من أجله وقال إنه يريد أن يرى ناديا التي غنت رقة حسنك وسمارك في حفل التعارف...فقال له صباح اليوم كانت تحضر في "العملي" وأضاف "انتظر لأسأل الصبايا إن كانت لاتزال هنا!" فرجاه غسان بصوت منخفض أن لا يثير الموضوع مع الفتيات فلربما..! فقال عبود "لا تهتم..!" وصرخ عبود: "صبايا هل تعرفون فيما لو خرجت ناديا ض..!؟" فأجابت إحداهن "بلى فقد خرجت منذ الصباح بعد العملي مع مجموعة من الفتيات ذهبن لتناول الفطور عند ( رشو تحت الكورنيش)..". شكر غسان صديقه عبود وانصرف، حاملاً كتبه التي أصبحت مؤخراً للزينة أكثر منها للدراسة، ليمضي عبر الشوارع الفرعية والأزقة الضيقة فيصل الكورنيش ثم ينزل الدرج إلى مطعم "رشو"...ولخيبة أمله لم يعثر على ناديا..ولكن النادل في المكان رحّب به وقال له تفضل هذه هي المفضلة من قبل زبائننا المثقفين مشيراً إلى طاولة بالقرب من الحافة المطلة على مياه البحر مباشرة فجلس غسان وهو متنبه جداً وعيناه تدور في جميع الاتجاهات ـ ماعدا باتجاه الغرب حيث البحرـ فقد بدأ يفكر أنها ربما بعد أن انتهت من الفطور مشت شمالاً مع صديقاتها على الكورنيش ولا بد أنها ستعود ويراها..! أو ربما مشت باتجاه الجنوب! ففي هذه الحالة ستمشي بمحازاة الكازينو والحديقة العامة ولكنها لن تعرج على محل "البطرنة" فقد تناولت فطورها هنا... بل ستعبر الشارع الى الرصيف المقابل وتمشي تحت الشجرة الكثيفة التي تتدلى من جنينة البيت المهجور الموازي للحديقة ومن ثم ستعبر من جديد لتنحدر قليلا باتجاه القوارب ثم تمشي باتجاه بوابة المرفأ...! ثم فكر ...لا... لن تذهب أبعد من ذلك وإن أرادت العودة لكلية الزراعة فستعود من الطريق الرسمي...تباً لي..! لماذا سلكت الزواريب الفرعية!؟ لو سلكت الشارع الرئيسي لكنت التقيتها..! ربما صعدت باتجاه الشرق ...! وبينما هو يفكر بالاحتمالات خاطبه النادل قائلاً: "بيرة ؟" فأجاب: "نعم"، وخلال أقل من دقيقتين كانت زجاجة "بيرة الشرق" مع صحن صغير جداً، كالذي يوضع تحت فنجان القهوة، وبه القليل من الفستق الحلبي وصحن آخر بصغره وبه جزرة مقطعة طولياً بشكل أقلام رفيعة...صب كأساً من البيرة وشربها دفعة ثم صب كأساً آخر ومعه بدأ يطقطق في الفستق الحلبي وتناول قطعة جزر استساغ طعمها إذ أنها كانت مغمسة بالحامض فتناول قطعة ثانية من الجزر ولدهشته كانت بدون أية إضافات من الحمض أو غيره وتناول ثالثة فلم يكن هناك أي طعم غير طعم الجزر...! لم يكن بوضع يخوله التساؤل عن السر الذي انفردت به قطعة الجزر تلك بالحامض... أكثر من شرب البيرة وبدأ يتيقظ أكثر ففكر بأن البيرة خفيفة جداً ولا بد من جعلها ثقيلة بالاستعانة بالملح فقد كان قد رأى ذلك مرة في بيت صديقه يوسف في "مشروع الصليبة" حيث كان يزوره بعض من أصدقائه الروس الذين تناولوا شيئاً من الملح مع البيرة لجعلها فاعلة أكثر.. ومنظر آخر مشابه كان قد رآه مرة وهو في "مقهى السويس" مقابل "مديرية التربية" حين طلب أجنبي ـ لعله روسي أيضاً ! ـ من الياس (أو ألوس كما عرفه أهل اللاذقية حينها) وهو النادل في مقهى السويس بعض الملح ليفرش به حافة الكأس فيرتشف البيرة ليسري الملح بعدها في حلقه ثم يستقر أسفلا في داخله..ولهذا مد غسان يده إلى صحن صغير ثالث موجود من قبل على الطاولة وقد رسم الملح نصف دائرة به وأكمل نصف الدائرة الآخر الفلفل فتناول بين سبابته وابهامه قليلا من الملح فرش به حافة كأس البيرة وبدأ يشرب..أعجبته وكرر ذلك ثم أنهى البيرة والفستق والجزر ونادى بصوت عال نسبياً: "يا معلّم!" فجاء النادل..حاسبه غسان وانصرف مسرعاً...عندما كان غسان يمشي في الشوراع كان لديه احساس أنه يطير فبالرغم من أن محاولته رؤية ناديا فشلت إلا أنه حقق شيئا حيث سأل عنها وتعقب أثرها وأنجز شيئاً ما بشربه البيرة ذلك اليوم....عندما وصل حارته لم يأت مباشرة إلى بيته بل عرّج على صديقه نبيل الذي قابله بنوع من الاندهاش.."ما لك تبدو مشعاً اليوم؟" ابتسم غسان وبقي صامتاً فكرر نبيل السؤال وقال غسان "أفضّلُ أن لا أتكلم ...يا لها من فرحة كبرى...!" وهذا الجواب لم يلزم نبيل بالصمت بل دفعه لأن يحاول من جديد ويصر على معرفة ماذا حصل لصديقه كي يظهر متألقا مشعاً..! وفي الواقع، لم يكن غسان يبتغي من تعريجه على نبيل إلا الكلام وليس الصمت...جال غسان بنظره ذات اليمين وذات الشمال ثم قال: "أخيراً...." توقف لبرهة وبعدها كرر كلمة: "أخيراً...أخيراً ابتسمت لي الدنيا وها أنا أعرف معنى الحب وحلاوته...". انبرى نبيل قائلا بصوت عال" "مبروك أبو الغس...مبروك يا...مبروك هكذا أريدك...قل لي: في أي مرحلة أصبحتما؟ هل نمت معها؟" شعر غسان بالانتشاء وكبر رأسه فابتسم كمن يريد أن يؤكد شيئاً ما بنكرانه الرخو المصحوب بابتسامة أرادها أن تكون خبيثة وخصيصاً حين قال: "لاتسألني هذا السؤال...!" وهي العبارة التي دفعت نبيل إلى الاعتقاد أن الأمور ربما أصبحت أكثر مما توقع...فابتسم وهز رأسه وقال: " والله ومن كل قلبي فرحت لك...لكن أريدك أن تبقى متماسكاً...أنت لا تعرف الفتيات بعد... قل لي من هي؟" فأجاب غسان: "لا...لا...لا تسألني من هي...!"، "ـ ألا تثق بي!؟ سأل غسان..."أجل أثق بك ولكن ليس الآن..."، "إذن أنت لم تنم معها ولم يطالك منها شيئاً.." هكذا استنتج نبيل أو أنه كان يحاول أن يستفز غسان ليحفزه على الكلام، فانبرى غسان وبثقة بالنفس وكأن شيئا من الكبرياء اعتمره أو ربما الغطرسة الذكورية أو ربما تأكيد الذات وقال: "إنها ناديا ض..." فانتفض نبيل وتساءل مذهولاً " ـ ناديا التي غنت في حفل تعارف الزراعة...!؟" "نعم، إنها ناديا عينها..." أجاب غسان...فازدادت دهشة وإعجاب نبيل وأثار الاسم فضوله لمزيد من الأسئلة، كيف لا وناديا معروفة بجمالها ومعروفة باجتماعيتها وبأن العديد من الشبان يريدون معرفتها عن قرب وصداقتها...تابع نبيل: "ـ أنت محظوظ يا أبو الغس...". جلس غسان ونبيل بعد هذا البوح ما يقارب الساعتين وهما يتكلمان عن الحب والفتيات والجنس والجامعة وخلال تلك الجلسة أخبر نبيل صديقه بأن صديقهم المشترك وزميلهم في الجامعة "عبد الغني استعار آلة عرض روسية وأتى بفيلمين إباحيين قصيرين بالأبيض والأسود وبدون صوت... لكنهما في غاية الروعة"، ما دفع غسان إلى الطلب، قبل أن يغادر، بأن يرتبا موعداً مع عبد الغني لرؤية الفيلمين المذكورين.
في الليل كانت مشاعر غسان مختلطة ومشوبة بالكثير مما يدفع على عدم الهدوء إذ أنه قد أعلن أمام صديقه أن هناك علاقة حب بينه وبين ناديا وأوغل في الحديث بحيث أصبح ذلك الصديق مقتنعاً أن العلاقة بلغت مراحل متقدمة لكنه، في الواقع، لم يتكلم معها بعد!! ولهذا أصبح يتوجب عليه أن يكلمها مهما كلفه الأمر من سعي وجهد وأن يحاول اجتذابها إلى مكان عام كي يراهما الناس معاً وتصبح حكاية خياله واقعاً في رأس من يراهما...ولكن الأهم أن يراه نبيل أو على الأقل أن ينقل أحد ما لنبيل رؤية العاشقين معاً...
في الصباح لم يذهب غسان إلى كلية العلوم حيث يدرس بل ذهب إلى كلية الزراعة وبدأ يزرع أرجاء الكلية جيئة وذهابا متنقلا بين مدرج وقاعة وبين مقصف الكلية والساحة الخارجية يقف تارة على يمين المدخل تحت شجيرات الصنوبر وأخرى على الدرج المؤدي لمبنى الكلية...عند منتصف النهار جاءت ناديا...نظر إليها وكأنه رأى النور...اقترب منها فنظرت إليه وابتسمت...تشجع أكثر وقال: "مرحبا آنسة ناديا اسمي غسان من كلية العلوم..أعرفك من قبل ...أنا سعيد برؤيتك وأريد أن أتكلم معك بموضوع..."، ردت ناديا بإشارات وكلمات توحي بأنها قد نشأت في بيئة علمتها التهذيب والاحترام والانفتاح والتعامل مع الناس بدون تعقيد فقد أحنت رأسها قليلاً وقالت: "ـ يسعدني أن ألتقيك أيضاً ولي الشرف بذلك وممكن أن نلتقي في وقت آخر لأن محاضرتي تبدأ بعد دقائق.." فقال غسان حسناً، سنلتقي في وقت آخر...لكن هل لك أن تحددين لي الوقت المناسب لك؟" فأجابت: "غداً بعد الثالثة سأذهب مع صديقاتي إلى مقهى (ستراند) فيمكننا أن نلتقي هناك...". عند سماع ذلك طار غسان من الفرح وقال: "إلى اللقاء غداً...". أول شيء فعله غسان بعد ذلك كان أن بحث عن نبيل وهذا ممكن لأن اللاذقية صغيرة ولذلك فإن جغرافية أو خطوط عرض تحركات الأصدقاء معروفة فإما أن يكونوا في الجامعة أو في البيت أو أن يكون واحدهم يتمشى ظهراً في شارع هنانو ومساء على الكورنيش وإن اختفى أحدهم من هذه الأماكن فلا بد أن يكون إما في مقهى "شناتا" أو في مقهى "الموعد" ...وبالفعل كان نبيل يتمشى في شارع هنانو منذ أكثر من ساعة وكأنه يقيس الشارع بالأمتار أو أنه يتعرف على المحلات أو كأنه يراها للمرة الأولى فعند مدخل شارع هنانو من ناحية اليمين كان يتوقف عند محل جبور ليرى دانيال وأخوته ووالدهم وليراقب ما يضعونه في واجهة المتجر من بضاعة وحاجيات شخصية فيبهره أكثر من أي شيء آخر منظر شامبو غادة بعلبته المستديرة وبلونه الأزرق.. ثم ينظر إلى يساره على الجانب الآخر ليرى محل الألبسة ثم يمشي ويتوقف عند بائع الحلويات فيبهره منظر البندق المصفوف في الجزرية ثم يمشي قليلا لينظر إلى داخل صيدلية "محمود فوز" وكأنه يريد أن يتأكد أنها مفتوحة وبها زبائن..فيتابع ليرى "سينما اللاذقية" التي أصبحت نادراً ما تأتي بالأفلام لعل هناك حكاية ما وراء عدم عرضها للأفلام..! ثم ينظر إلى الجانب الآخر من الشارع ليرى محل "مالك بياع العرق" ـ كما كان معروفا في اللاذقية ـ ثم يجيل بنظره إلى حلويات ومرطبات جعارة على اليمين وعلى اليسار في زقاق ضيق فلافل الفلسطيني في على اليسار ويسير باتجاه محل الفلافل قاصداً أن يأكل إلا أنه يغير رأيه.. يتابع المشي قليلاً ليرى محلات "ملبوسات فريج" ويريد أن يدخل في التفرع الذي يؤدي إلى سوق العنابة لكنه يخشى أن يفوته شيئاً من الفرجة فالجميع يأتون إلى شارع هنانو وليس غيره فيكتفي بأن يلقي نظرة على اليسار واليمين وكأنه يتفقد محل "مطر" لبياعة المشروبات الروحية أو ليتأكد من أن "أبو العوامات" مازال يقلي ويغطس عواماته أو أن "زكي قشقش" مازال هو ملك الساعات وتصليحها بعد ابن سيد رصاص المشهور تاريخياً...ثم يأتي إلى الجهة اليمنى للشارع من جديد ولا ينسى أن يلقي التحية على "أبو فريد بائع العصير" الذي كان دائماً يضع أشرطة كاسيت مسجل عليها صوته وكأني لا يطرب إلا بسماع نفسه فيقول له: "عوافي أبو فريد" فيجيب أبو فريد: "أهلين أستاذ..تفضل.." فيكمل نبيل: " أي ريتو ما يبلى هالصوت يا ملك الطرب والغناء والفن الأصيل..." فيشكره أبو فريد ويتابع مشيه فيصل إلى محل "الوزّان" الذي يبيع أعشاب وبهارات وقد وضع سؤالاً في مدخل محله كتبه بخط يده على قطعة كرتو أصبحت متشحة بالغبار والأوساخ: "إن أجبت عن هذا السؤال لك جائزة قيمة" وفي السطر الثاني "من كان يزين رأسه بالغار عندما يعود منتصراً " فيتوقف نبيل ويقول للوزّان: "إنه سؤال صعب حقاً لكن هل ستعطي جائزة بحق لمن يعرف الجواب ؟" فييجيب الوزان: "أي أتي أوول مين وما عليك (أي قل من هو ودعك من الباقي)!" فيجيب نبيل: "إنه يوليوس قيصر" فيقول له الوزان: "بحضي صرلي حاططا هون من خمساوعشرين سنة وأتي الوحيد اللي عرفا..(أي أضع هذا السؤال هنا منذ 25 سنة وأنت الوحيد الذي عرف الجواب)" فيسأل نبيل: "أين جائزتي؟" ويجيب الوزان: "أزا براغيك محلولة وركبك عم توجعك عندي عشبة جايبا من تحت جبل الأأرع اسما عشبة الشخشير هاي بتخلهني يصير متل الحديد (أي: إن كنت تشعر بضعف جنسي فلدي نوع من الأعشاب مصدره (جبل الأقرع) وهو ناجع الفائدة لذلك الأمر..)" فيقول نبيل بقهقهة: "لا فهذه لاتلزمني.." ويتابع مشيه فيقترب من بائع عصير قصب السكر على اليمين وعلى الشمال يرى "مكتبة ومطبعة الحداد" ويتذكر أن والده يشتري منها بعض الحاجيات.. يتابع المشي ليسمع الصوت المألوف مصدره عجوز أصبح علماً من أعلام تلك المنطقة حيث اتخذ من دخلة صغيرة بجانب "مكتبة عريف" موقعاً له ووضع هناك برميلاً أو برميلين أبيضي اللون لكل منهما صنبور ووضع بهما لبنا وبجانبهما وضع سطلا صغيرا من ملح البحر الخشن وربط على وسطه قطعة قماش أبيض اللون وبمعدل كل خمس دقائق يصيح بكل ما أوتي من قوة: "لبَم باااارم لبام (أي: لبن بارد لبن)، في الحقيقة أراد نبيل أن يشرب من "لبمه" لكنه فضل أن يأكل من "فلافل الحموي" على الزاوية اليمنى من نهاية شارع هنانو وقبل العبور إلى ما يسمى بـ"نقطة البوليص"...وهناك أمسك به غسان يأكل الفلافل...لم يوضح غسان أنه كان يبحث عنه بالأساس بل اكتفى بقوله: "ها أنت هنا.." جلس بجانبه حول الطاولة في مؤخرة محل فلافل الحموي وطلب سندويشة لنفسه وبعد أن انتهيا من الأكل خرجا سوية وعندها بدأ نبيل يخبر غسان عن اكتشافاته آنفة الذكر في شارع هنانو ولكن غسان لم يكن مكترثا بتلك التفاصيل بل أراد أن يُسأل عن حبه...وكان ذلك بالفعل حين سأله نبيل: "طمني هل رأسنا مرفوع..؟ واضح أنك كنت في حرب جنسية طاحنة...!" انتشى غسان بسماعه هذا النغمة وتخيل أنه زير نساء وكازانوفا. أعاد نبيل تساؤله ولكن بشكل يفيض بالوقاحة هذه المرة: " قل لي كم مرة اليوم نمت معها!؟" فأجابه: "خمس مرات...ولكنني تركتها بعد أن توسلتني لأنها لا تستطيع تحمل المزيد..." فقال نبيل: "يسلملي ربك يا جدع..هيك بدي ياك" قال غسان بلهجة الواثق من نفسه: "قالت لي أرجوك دعني أرتاح قليلاً من الجنس ...! لكنني أخوك كنت كالبلبل وأنا أدور فوقها وأقلبها في أكثر من شكل...ورجتني أن نرتاح ولو ساعة ونمارس خلالها حياتنا الاجتماعية بشكل اعتيادي..وسألتني إن كنت أمانع في اللقاء في الأماكن العامة..! فاستجبت لها وطلبت منها أن تأتي غداً بعد الثالثة ظهراً إلى مقهى (ستراند) ولكن قلت لها ألا تأتي بمفردها لأنني لا أستطيع التحمل وسأدفع بها إلى الغرفة المعهودة لأفعل ما تريد أن ترتاح منه .. فوافقت..." وعلى الفور سأل نبيل: "هل تمانع إن ذهبت إلى هنالك لأجلس بشكل عادي في المقهى وأتظاهر أنني لا أعرفك..؟"، أجاب غسان: "لا تفعل ذلك لأنها تعرفك بالشكل فقد رأيناك قبل فترة وأنت لم تنتبه لوجودنا حيث كنا في الطابق العلوي من (مقهى الموعد) وأنت تسير على الرصيف قبل صالون حلاقة (عليو) ومتجه نحو المركز الثقافي...وقلت لها هذا صديقي اسمه نبيل...لذلك لا تفعل...!" جاءت كلمات غسان وكأنها تحفيز لنبيل أن يذهب في اليوم التالي إلى الموعد والمكان المحددين.. وهذا ما اراده غسان بالضبط.
لم ينم ليلتها غسان وهو يفكر فهو متأكد من أن نبيل سيسير أمام مقهى ستراند عدة مرات جيئة وذهاباً ليراه مع حفنة صبايا...وكذلك بدا مشوشاً حول كيفية بدء الحديث مع ناديا وماذا سيقول لها؟ هل سيبوح بعواطفه أمام بقية البنات ويقول لها أحبك أم أن ذلك سيجعله مستعجلا متهورا في نظرها؟ وكيف سيشعرها أنه شخص ذو كيان و مثقف!؟ سيتكلم عن أغنية رقة حسنك وسمارك التي غنتها في حفل تعارف العام الماضي..أو ربما عليه أن يحدثها عن "عبد الوهاب البياتي" الذي قرأ له "عشرون قصيدة من برلين" أو عن الكتيب الذي حصل عليه مجانا حين اشترى مجلة "بلاد السوفييت" وهو يحكي بإيجاز حياة لينين وكيف أن لينين كانت تعجبه بالتحديد قصة ذلك الرجل الذي كان يسير على ضفة نهر خاويا جائعا وبالمقابل على الضغة الأخرى كان يسير ذئب جائع بدوره وكلاهما ينتظر أن يصلا لنقطة تجعل أحدهما طعاما للآخر إن أمسك به أو انهار الآخر...ثم بدأ يفكر ببرنامج "مرحبا يا صباح" وما يقال به من كلمات مأثورة علّ ذلك يفيده في تقديم نفسه أكثر قبل أن يبوح بحبه لها...كثيرة هي الأفكار التي انتابته ولكنه لم يعرف على أي بر سيرسي في حديثه التارخي عند الساعة الثالثة من اليوم التالي...!
في اليوم التالي ما انفك غسان عن زراعة الأرض جيئة وذهابا بين مختبر ومحل التصوير الشعاعي لنقولا قنيزح مروراً من أمام مديرية الامتحانات وشارع الأميركان ومن ثم العودة إلى جانب مقهى "الستراند" ومن ثم الذهاب باتجاه "سينما الزهراء" على الجانب الآخر ويلتفت يمنة ويسرة وإلى الخلف لمدة ساعة ونصف إلى أن أتت نادية ومعها أربع حسناوات وكأن يد فنان قد امتدت إليهن واختارتهن من بين كل الناس ليكنّ إعجازا حين يسرن مع بعض...وسيطر على سرعته لجعل دخوله إلى المقهى يتوافق مع دخولهن وبالفعل دخل الجميع إلى المقهى وبادرت ناديا بتحيته وسألت: "أي طاولة تفضل؟" أجاب: "كما تريدين" فاختارت ناديا الطاولة وجلس الجميع حولها وهنا بدأت بتقديم صديقاتها فقالت: "ليلى، سهى، رابيا، ندى" وتابعت ناظرة إلى صديقاتها ثم مشيرة إليه "غسان من كلية العلوم..." أما غسان فقد تصارعت في رأسه الكثير من الافكار والهواجس والمخاوف و الاندهاش من جمال هؤلاء الفتيات جميعهن وبين إن كان هو في حلم أم في واقع...وبين من يتمنى أن يمر نبيل من أمام المقهى ويراه على هذه الحال...بدأ غسان يفكر بنفسه ترى هل أخطأتُ حين تركتُ اختيار الطاولة لها؟ هل كانت تختبرني عندما سألتني!؟ ولماذا سألتني هل لأنها تقيم وزنا لرأي وراحة الشاب أم حقاً إنها كانت تختبرني..! ماذا سأقول ؟ وكيف سأبدأ !؟ لكن هواجسه وأفكاره قوطعت حين قالت ناديا: "عرفت أنك سألت عني من قبل في الجامعة فقد أخبروني بذلك... نحن نُعدّ لحفل الكلية القادم...على أية آلة تعزف؟" صمت ولم يعرف بماذا يجيب فهو لايعزف على أية آلة..أضافت ناديا: "هل تغني؟ وأي لون؟" صمت أيضاً لأنه لايغني...تابعت: "هل تريد أن تقدم فقرة ترفيهية كأن تقلد الدكاترة؟" تابع في صمته وتمنى لو أنه بالقادر على قول أي شيء لكنه لايستطيع فهو لم يسأل عنها من أجل حفل التعارف بل من أجل الحب...وتمنى لو أن نبيل يمر في تلك اللحظة من أمام المقهى...ثم سألته رابيا: " أظن أن لديك نكت لتقدمها..!" فقال "لا...ولكن...." لم يسعفه الكلام لأنه بدا بواد مختلف جذرياً عما هنّ به...! فقال.."لدي شيء وسيتفاجأ الجميع به فيما لو قدمته في الحفل...ولكن...ولكن...ولكن...!" وساد الصمت لدقائق بينهم جميعاً.. وعند هذا الحد تبادلت الفتيات النظرات فيما بينهن...ثم قالت سهى: "فرصة سعيدة أخ غسان لن نستطيع التأخر فلدينا موعداً آخر بعد قليل..." وفي هذه اللحظة أتت نادلة وقالت بلهجة مصرية: "عاوزين إيه..؟" فقالت سهى: "ليس الآن سنعود في وقت آخر..." وهمت الفتيات بالخروج وكأنهن يردن الخلاص منه...أما غسان فبقي وحيداً كأبله لا يعرف ما دار من حوله...أتراه أخطأ بشيء ما نطق به!؟ أتراه أخطأ في أنه لم ينطق!؟ أتراهن ...!؟ أراد أن يصفع وجهه أو يوبخ نفسه بصوت عال..في تلك اللحظة دخل إلى المقهى نبيل فقال غسان: "لقد أتيت في الوقت المناسب فأنا منذ الصباح كنت مع ناديا قبل أن نأتي هنا ..." سأل نبيل: ظننت أن اليوم راحة لها وستخصصه للأمور الاجتماعية..!" أجاب غسان بما لا يجيب به عن السؤال حين تابع: "إنها منهكة لأننا لم نرتح لدقيقة واحدة فقد كنا مثل المتسابقين في الجنس وهكذا خارت قواها بعد المرة الرابعة ورجتني أن أتركها ففعلت... وفي كل الأحوالقد التزمت بما اتفقنا عليه في أن تحضر صديقاتها حيث كن هنا وقبل قليل خرجن..." قال نبيل: "رأيتهن في الشارع بعد أن خرجن من هنا..كم أنت محظوظ! ألا تستطيع أن تعرفني على إحدى صديقاتها!؟" فقال غسان. في الحقيقة: لا تناسبك أي منهن...وناديا اكتشفت أنها لاتناسبني وأفهمتها اليوم بعد المرة الرابعة بأنني سأتركها لأنها ليست من وزني لا في الحب ولا في الجنس ولا في الثقافة….لقد قرفت من الفتيات أمثالها فلا يغرنك المظهر الخارجي...وأنا الآن أعرف ما لا يعرفه غيري عنها، لقد درستها، عجنتها وطبختها، أعرف تفاصيلها من الداخل ومن الخارج...أعرف ما وراء تنهيدتها... وأعرف ماذا تقول في سرها حين تصمت...دعني ساكتاً ولا اريد ن أتكلم عن بنات الناس...وفهمك كاف...! " قال نبيل لقد بيضت وجهنا وأنا فخور بك وأرجو ألا تأخذك رحمة بها أبداً!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• وإن كانت الأماكن وبعض أسماء المحال في اللاذقية من الواقع إلا أن أحداث هذه القصة هي بالمطلق من نسج الخيال.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جارة
- ما يتعمد إهماله أرباب نظام الأسد
- يا كاشف الأسرار!
- من ذكريات الخدمة العسكرية 1983
- حجر لايستجيب وكتاب يهدد!
- هل نميز أنفسنا بالكره في يوم الحب!؟
- الآه الفاشلة
- لقد تنافسوا مع الطاغية على القتل والدمار في سوريا
- استنساخ الوحش في مقارعته
- هموم أبو مصطفى
- كتاب جديد عن علاقة الدين بالدولة
- اغتيال البوطي وخلط الأوراق
- هل نحتاج لثورة على ((الثورة))؟
- العائلة تذهب إلى السينما
- كلبهم...ومخلوقنا
- لن نكون وقوداً لمن يريد حرق سوريا
- عرف عالمي وسوفتوير عربي (software)
- شكر وتساؤل للأستاذ برهان غليون
- بين الخنوع والتمرد
- في واقع الحريات الدينية في العالم العربي والإسلامي


المزيد.....




- منظمة السياحة العالمية تدرج القرية الحضارية للمخرج كوستاريكا ...
- أول تعليق من شيرين عبد الوهاب على نبأ انفصالها (فيديو)
- الفنانة المصرية سارة سلامة: مستاءة من أدوار الإغراء وعائلتي ...
- الفريق التجمعي بالمستشارين يجرد اختلالات حكومتي العثماني وا ...
- فتاح العلوي: لن نتردد في اتخاذ قرارات تبدو مجحفة من أجل الإص ...
- ماكي سال يشكر المغرب على مواكبة الخطوات الأولى لمعهد الدفاع ...
- وكالة الأنباء الجزائرية.. هوس مرضي بالمغرب
- وفاة الروائية الكندية ماري كلير بليس
- حفل توقيع رواية -رصاصة في الرأس- لإبراهيم عيسى
- فرقة مسرح «كاركلا» في المجمّع الثقافي في أبوظبي


المزيد.....

- أعمال شِعريّة (1990-2017) / مبارك وساط
- ديوان فاوست / نايف سلوم
- أحاديث اليوم الآخر / نايف سلوم
- ديوان الأفكار / نايف سلوم
- مقالات في نقد الأدب / نايف سلوم
- أعلم أني سأموت منتحرا أو مقتولا / السعيد عبدالغني
- الحب في شرق المتوسط- بغددة- سلالم القرّاص- / لمى محمد
- لمسة على الاحتفال، وقصائد أخرى / دانييل بولانجي - ترجمة: مبارك وساط
- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أكرم شلغين - رحلة في خيال وواقع الصديق المكبوت*