أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أكرم شلغين - يا كاشف الأسرار!















المزيد.....

يا كاشف الأسرار!


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 4378 - 2014 / 2 / 27 - 20:20
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


في زمن الآباء والأجداد، كان الأمر اعتيادياً فيما لو تخلل الجزء الأكبر من تسامر أطراف أحاديث الناس القضايا الخاصة الصرفة كأن يعبّر أحدهم عن رغبته في فعل شيء ما أو يشتكي همومه ويبوح عما في داخله...وكانت الناس تصغي لبعضها البعض بفضول فرضَه نمط حياة لا قيمة للوقت فيه من جهة، وعدم وجود روح التنافس والاستباق التي تفرضها ظروف حياة رأسمالية من جهة أخرى. فكان هؤلاء يستمدون متعة، يفرغون طاقات، بل ويحاولون تحقيق ذوات من خلال التعقيب والنصح وإبراز المعرفة ـ المحدودة طبعاً ـ في التعامل مع الحياة ومصاعبها في أحاديثهم.
إن التعرض لهذا الموضوع لا يعني الانتقاد وإنما يعبر عن الرغبة في إبراز أن الإنسان وبحكم اشياء كثيرة لايستطيع أن يجسّد ويروحن حقيقته وطبيعته بصفته كائن اجتماعي له ما له من أهواء، طاقات، تناقضات، هموم ، إرهاصات وإحباطات ....ولو انتفى أو انعدم مناخ التعبير عن هذه الحالات الإنسانية لاختل جانباً هاماً من حياة المرء ولراح الأخير يبحث عنه ربما في كائنات أخرى أو في الطبيعة ! وإن قرأنا أن أحد الشخوص الأدبية نزل إلى الزريبة ليهمس في أذن حماره "ابنتي الوحيدة ماتت يا حماري العزيز" حيث قبع وحيدا لعدة أيام بعد وفاة ابنته دون أن يأتيه أحد ليعزيه بمصابه فإن ذلك ليس من بنات أفكار كاتب أو نسج خيال وإنما نقلاً لبؤس الإنسان ووحدته وشعوره في قول شيء ما بداخله، ولئن حدّثنا أحدهم أنه جلس على شاطئ البحر الذي وجد فيه صديقاً يستمع إليه ويُسمعه كل شي بدون تحفظ، يراقب، ويستمع إلى، تكسر أمواجه التي يترجمها القلب تارة فرحاً وطوراً حزنا فإن دلالات ذلك لكبيرة وتحكي الكثير...
نتعلم من العيش في عالم اليوم أن عواطفنا، انفعالاتنا، احتياجاتنا، أسرارنا هي قضايا خصوصية بحتة وذلك لأكثر من سبب، ربما الحفاظ على صورتنا العامة التي نريد أن نقدمها للبشر عن أنفسنا يأتي في مقدمة هذه الأسباب، ولو اهتزت هذه الصورة قليلاً، لما عدنا في عيونهم وتقييمهم نفس الاشخاص المرسومين ضمن أطر تفكيرهم ولهذا يبقى الحرص على التنسيق ما بين العام والخاص في الشخصية حاضراً؛ من ناحية أخرى، وذلك طبقاً لطبيعة المجتمعات، ربما لا وقت للآخرين للاستماع إلى ما نحن به..! ولكل من البشر انفعالاته وعواطفه واحتياجاته ورغباته غير المتحققة وهمومه...فإن وجد الصديق المخلص والحريص لجأ واحدنا للكلام معه في الشؤون الخاصة، وخلاف ذلك يتطلب أحياناً الظرف منا التكلم مع "..." المختص والذي يعلمنا أن البوح في ما بداخلنا هو نصف "العلاج" ـ إذا صح التعبير ـ أو نصف الراحة من ضغوط أو هموم نحملها في صدورنا.
وسط هذا يجد الكثير منا الانترنت كوسيلة للتعبير عن أشياء كثيرة، خاصة وأن الانترنت وفّر لنا الكثير مؤخراً، فيعطينا بــ"كرم" و"سخاء"، من ضمن مكرماته، صفحات ندون بها مجاناً، يعطينا صفحات نكتب بها ونتواصل من خلالها مع الآخرين، ناهيك عن برامج الاتصال السمعية البصرية المجانية التي تنتشر وتزداد باضطراد مستمر. لكن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة لا يقتصر عما إذا كان الانترنت يعوض ما نفتقده على أرض الواقع للتعبير عن مكنونات أنفسنا ولقول ما نريد قوله للأصدقاء! بل ويتشعب ليمتد إلى تداعيات ما نفعله على الانترنت!؟ والجواب هنا لا يستطيع إلا أن يقع في التبسيط إذ يحتاج هذا الموضوع لندوات وليس لخاطرة نكتبها سريعا وننشرها أسرع (وللمفارقة!) على الانترنت نفسه. ليس بالجديد قولنا أن الانترنت هو المكان الخصب لتجميع المعلومات، ولكن لابأس بالتذكير أيضاً ـ أن تجميع المعلومات هنا ليس أحادي الجانب بالمطلق ولا يقتصر فقط على المعلومات التي نريدها عن الآخرين أو عن أشياء أخرى بل أيضاً يشمل ذلك المعلومات التي يريدها الآخرون عنا. وهذا ما تفعله الشركات ذات الطبيعة الرأسمالية علناً وليس سراً، وكلنا يرى الدليل حين نبحث، على سبيل المثال لا الحصر ـ عن كتاب نرى بعد ذلك كيف تبدأ الاعلانات والدعايات تصلنا مطنبة عن الكتاب وعما يشابهه من كتب وعن اقتراحات قائلة من اشترى هذا الكتاب اشترى يضاً غيره من الكتب وهذه قائمة بها..! أو أن نبحث عن مواصفات هاتف ذكي فيأتينا عروض ولوائح أسعار من أماكن وبلدان مختلفة عما نبحث عنه...! قد يقول قائل إن في ذلك خدمة مجانية... ولكن لابد من تذكير هذا القائل بأن لاشيء يأتيك مجانا من شركات رأسمالها كذا وكذا...! وكل ماتراه تراه على جانبي صفحتك في الفيس بوك أو الايميل المجانيان لا يتواجد هناك عبثاً أو مجاناً ـ وأيضاً ذلك على سبيل المثال لا الحصر ـ...بل وحتى الدعايات أو الاخبارات الواهمة أو الكاذبة التي تقول لك إن الاختيار وقع عليك وربحت كذا وكذا أو "أنا اسمي فلانة ومصادفة عثرت على بروفايلك ووجدت أنني في غاية الاهتمام بك" إلخ.. لم يوجدها أويرسلها عاطلون عن العمل وليس لهم ما يفعلونه إلا ذلك، بل، في الحقيقة، جميعها تتعلق بالمال والمعلومات. قد يستهجن أحدنا ويقول إنني أدرك كل ذلك ويقتصر استخدامي للأنترنت فقط لما يعنيني وأبتغيه وأما الباقي فأهمله... لكننا ننسى في هذه الحالة أن حتى هذا الاستخدام المحدود لا يخرجنا من دائرة المعلومات التي تدوّن عنا، فالانترنت يحكي عنا ما لانقوله بأنفسنا، يحدد موقعنا الجغرافي، يبين أين سافرنا ومع من تقابلنا وربما نوع الهاتف الذكي الذي نحمله وفوق كل هذا يبين اهتماماتنا. بالطبع لن أفرط في الحديث عن تجميع المعلومات عنا وكأن كل فرد بيننا هو محور هام لشيء تريده وتتربص له شركات كبرى أو أجهزة استخبارات عالمية ولكن بنفس الوقت لن أبسط الامور لأقول أن الامر اعتيادي.. وسواء شئنا أم أبينا فكل مستخدم للأترنت بيننا هو داخل ضمن دائرة البحث عنه إن اقتضت الضرورة والأرشفة للبحث في حال استدعت الظروف؛ والفرق بين الانترنت والواقع كبير، ففي الواقع قد نصادف اليوم فلان في الطريق وننسى ذلك في اليوم التالي، أما في الانترنت فكل ما نفعله يصبح مدونا وباقياً وشاهداً علينا حتى ولو محيناه من حاسوبنا الشخصي...
كي لا نسترسل أكثر، نعود إلى ما بدأنا به وهو التعبير عن النفس والتشارك بهمومنا وآمالنا وآلامنا، اختلاجات أنفسنا مع الآخر بصفتنا كائنات اجتماعية وبحاجة لإخراج ما بذاتنا ـ وليس دائما للمختص، ونمعن القول بأن ما نفعله في الانترنت بهذا الخصوص هو أيضاً رسم أو تحديد معالم لشخصيتنا نضعها في العلن. فعند إعجابي بأغنية أو بيت الشعر أو قول مأثور ولي رغبة بمشاركة أصدقائي بهم يجب أن أولي عناية إلى أن الأمر لايتوقف عند حدود مشاركتنا للآخرين بأغنية أو بأشعار أو بأقول مأثورة أو صور أو رسم كاريكاتوري أو إعلان عن فعالية ثقافية أو علمية أو...أو...بل يمتد ليدل الآخرين على اهتماماتنا ونشاطاتنا ويغوص أكثر ليحدد طبيعة شخصيتنا رومانسية! حالمة! جادة! مأخوذة بالماضي أم تتطلع إلى المستقبل! دينية خالصة أم تتسم إضافة بالتزمت! مضغوطة نفسياً إلى حد الانفجار أم ..! ماذا ينقصنا وبماذا نتغنى! احتياجاتنا! أمنياتنا! إلخ.. إلخ...كل هذا (وغيره) يُستدل به على شخصيتنا من خلال استخدامنا للأنترنت...فإن كنا في الماضي نغني للبحر "كاتم الأسرار" فإن علينا أن نتذكر دائماً أن الانترنت هو "كاشف الاسرار". لايفوتني قبل أن أختم أن أذكر أن ما يقدم مجاناَ للبشر لم تعد صفة البشر على وجه الأرض (بل "صفة أهل الجنة")، ولا يفوتني كذلك التذكير بأن للانترنت ليس فقط ايجابياته بل وأيضاً سلبياته، ولكن ذلك لا يعني دق ناقوس الخطر لأن رسم معالم شخصية المرء وتحديد سمتها وتمييز خطوط عرض حركتها وسبر أعماق نفسيتها لاتدعي إلى الخوف عندما لا يوجد لدينا ما نخفيه وليس دينا ما نخاف منه أو عليه.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من ذكريات الخدمة العسكرية 1983
- حجر لايستجيب وكتاب يهدد!
- هل نميز أنفسنا بالكره في يوم الحب!؟
- الآه الفاشلة
- لقد تنافسوا مع الطاغية على القتل والدمار في سوريا
- استنساخ الوحش في مقارعته
- هموم أبو مصطفى
- كتاب جديد عن علاقة الدين بالدولة
- اغتيال البوطي وخلط الأوراق
- هل نحتاج لثورة على ((الثورة))؟
- العائلة تذهب إلى السينما
- كلبهم...ومخلوقنا
- لن نكون وقوداً لمن يريد حرق سوريا
- عرف عالمي وسوفتوير عربي (software)
- شكر وتساؤل للأستاذ برهان غليون
- بين الخنوع والتمرد
- في واقع الحريات الدينية في العالم العربي والإسلامي
- أحقاً هو غياب طائفي في معارضة النظام في سوريا!؟
- إنه عبثنا ... لا غدر السنين!
- الفن والأيديولوجيا: أيام الولدنة وبقية الجوائز


المزيد.....




- بيانات جديدة تكشف: البالغون غير الملقحين ضد كورونا أكثر عرضة ...
- وزارة الاتصال الجزائرية: سنلاحق فرنسا حتى تعترف بجرائمها ضد ...
- رصد زلزال بقوة 5,1 في محافظة كرمان الإيرانية
- السيسي مستنكرا ما رآه في الشارع: -ساعات بنزل بالعربية لوحدي. ...
- ماكرون يستعد للاعتراف -بحقيقة لا شك فيها- في ذكرى قمع الجزائ ...
- ماكرون يستعد للاعتراف -بحقيقة لا شك فيها- في ذكرى قمع الجزائ ...
- الجبهة المدنية: نسبة المشاركة في الانتخابات لم تتجاوز 12 % ...
- الغنام يفجر معلومات خطيرة عن أصحاب -الزي الافغاني-
- المفوضية تعلن آخر تطورات العد والفرز اليدوي
- علاوي : ندعو لحوار وطني تفادياً لوقوع -احتراب داخلي-


المزيد.....

- الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر / أيمن زهري
- المثقف السياسي بين تصفية السلطة و حاجة الواقع / عادل عبدالله
- الخطوط العريضة لعلم المستقبل للبشرية / زهير الخويلدي
- ما المقصود بفلسفة الذهن؟ / زهير الخويلدي
- كتاب الزمن ( النظرية الرابعة ) _ بصيغته النهائية / حسين عجيب
- عن ثقافة الإنترنت و علاقتها بالإحتجاجات و الثورات: الربيع ال ... / مريم الحسن
- هل نحن في نفس قارب كورونا؟ / سلمى بالحاج مبروك
- اسكاتولوجيا الأمل بين ميتافيزيقا الشهادة وأنطولوجيا الإقرار / زهير الخويلدي
- استشكال الأزمة وانطلاقة فلسفة المعنى مع أدموند هوسرل / زهير الخويلدي
- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أكرم شلغين - يا كاشف الأسرار!