أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أكرم شلغين - الفن والأيديولوجيا: أيام الولدنة وبقية الجوائز















المزيد.....

الفن والأيديولوجيا: أيام الولدنة وبقية الجوائز


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 2471 - 2008 / 11 / 20 - 10:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في خبر لافت، نقلته إحدى الصحف العربية التي تصدر من لندن، أن نيل المسلسل التليفزيوني السوري "أيام الولدنة" (حكم البابا كتابة، مأمون البني إخراجاً، باسم ياخور ودريد لحام وغيرهم تمثيلاً) على خمس جوائز في مهرجان القاهرة للإعلام أثار سجالاً حاداً "كاد ينذر بأزمة ... إذ هدد الوفد السوري الرسمي الذي يمثل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في سورية بالانسحاب من المهرجان، إذا حصل مسلسل ’أيام الولدنة’ على أية جائزة..." وسبب ذلك هو "خلفية المضمون السياسي والانتقادي الحاد الذي تضمنه المسلسل" وفقاً لما جاء في كلام رئيس الوفد السوري، ومن معه، إلى المهرجان. واللافت أكثر هو أن مشاورات واتصالات وشخصيات تتمتع بـ"حس وطني" أوقفت "المعركة الإعلامية" المحتدمة. اعتماداً على هذا الخبر، تناسيت سلم أولوياتي لذلك اليوم وبدأت بالبحث عن مقاطع من المسلسل على الانترنت فوجدت ضالتي، ووجدت في مواقع إليكترونية متحمسة للخبر ما تعتبره الأجدر بالعرض من المسلسل المذكور. وخلاصة ما شاهدته من حلقة من ذلك المسلسل أن مسؤولاً مخابراتياً (أو أمنياً) من الدرجة الثانية (باسم ياخور في المسلسل) يحاول تعلم لعبة الشطرنج، إلا أن مقدراته تبدو أصغر من استيعاب لعبة بهذا الشكل وقواعدها، لعبة تحتاج لصبر وتفكير بالاحتمالات وتوقع ما هو غير متوقع، وفي الحقيقة يبدو أنه ليس فقط بالعاجز عن تعلم ألف باء اللعبة (إذ لا الكتاب ينفعه، ولا مجموعة الجلادين والسجانين من حوله تعرفها...) بل أيضاً لايستطيع حتى نطق تسميتها بالشكل الصحيح [فيقول: سطرنج مستبدلاً الشين بالسين ومضيفاً (ما يشبه "الصوت المركزي المتحرك Schwa") بين الصوت الذي يدل عليه حرف النون والصوت الذي يليه ويدل عليه الجيم في الكلمة]، ما يراد منه إثارة "ضحك" المشاهد في هذه الكوميديا السياسية، وكذلك استخدام اللهجة الجبلية التي ينطق بها معظم العاملين في الأجهزة الأمنية. ونتيجة صعوبة تعلم المسؤول الأمني يقرر، في النهاية، أن هذه اللعبة مغرضة وقد وضعها الاستعمار أو "المعارضة" إلخ ... ويذهب لرئيسه في هرم الفرع الأمني (والذي يتربع على قمته في المسلسل دريد لحام) ليشرح له ما توصل إليه عن معرفة للعبة المغرضة وما في كامنها من تخريب لأسس التفكير السائدة في المجتمع ، فيتفاجأ رئيسه الأمني ويلوم نفسه على حث مرؤوسه لتعلم لعبة تحتاج لأكبر من إمكانيات الأخير العقلية. بكلام آخر، يخبرنا المسلسل بشكل غير مباشر أن مدارك ومستويات الطاقم الأمني تتنوع حتى ضمن نفس الفرع الأمني، فهناك رئيس الفرع المتنور والذي يفهم ويعي وأما العناصر الأمنية الأقل أهمية منه فهي من تمثل بؤرة الجهل والتخلف وتحارب العلم حين لاتفلح به حتى ولو كان ذلك في لعبة شطرنج وتعتبره خطراً عليها. هذه هي الخلاصة لحلقة من مسلسل كوميدي أثار "السجال" و"احتدام المعركة" وأزعج ممثلي النظام السوري لأنه نال خمس جوائز من مهرجان القاهرة. في الواقع، لا أستطيع أن أتبين إن كان الوفد الرسمي السوري إلى المهرجان "يمثل" ، ولأسبابه، مصطنعاً السجال! وإن كان ذلك حقاً هو الواقع فإنه بذلك يثبت تمرساً خاصاً على قدر عال من التعقيد في حرف النظر عن صلب الموضوع أم أنه (أي الوفد "الرسمي" السوري) فعلاً على درجة عالية من الغباء إلى حد أنه لايعرف ماذا يخدمه! لأن المسلسل المذكور يستحق ضعف تلك الجوائز لا من مهرجان القاهرة فحسب بل من حكام دمشق أنفسهم نظراً لمحتواه الأيديولوجي وما يخدمهم كشريحة أو كطبقة سياسية حاكمة. وهذا ما سنبحث به في السطور القادمة.

لو أخذنا برؤية لويس ألثيسير (وكذلك إي بي تومسون، و ما ليباند وغيرهم من المفكرين...) من أن الأيديولوجيا السائدة، في المجتمع الطبقي، هي أي "خطاب" أو "لغة" أو "ممارسة عملية" تشرعن للتوضع الطبقي القائم وتدافع عنه في المجتمع، فإن ذلك سيقودنا لا محالة إلى المشكلة الصعبة في قراءة العمل الأدبي أو (العمل الفني) بصفته شكل من أشكال "الخطاب" من حيث محتواه الأيديولوجي. لانأتي بالجديد حين نتطرق للعلاقة ما بين "العمل الأدبي أو الفني" و"السياسة"، وندرك أن سلعة الأقوال من نوع: الأدب من أجل الأدب أو "الفن من أجل الفن" لم يعد لها الكثير من الشارين في عصرنا، إلا أن ما يجب أن يشغلنا حقاً هو طبيعة العلاقة ما بين العمل الأدبي أو الفني والمؤسسة السياسية. يمكن تصنيف العمل (الأدبي أو الفني) تحت واحد من ثلاثة أنواع وفقاً لموقعه وعلاقته بالأيديولوجيا المهيمنة الممأسسة: أولاً، ذلك الذي يقف بقوة ويدافع عن الأيديولوجيا ويعيد إنتاجها بأشكال وأنماط متعددة، ثُانياً، ذلك الذي يعارضها ويتحداها عبر خطاب هدام (subversive discourse) ويخالف خطوطها وخرائطها السياسية، والثالث، ذلك الذي يبدو وكأنه يعارض الأيديولوجيا السائدة إلا أنه، بشكل أو بآخر، لايستطيع التملص من نفس الأيديولوجيا التي يزعم مناوأتها وذلك عبر ما يسمى سياسياً بالاحتواء (containment). وقد شكلت التصنيفات الثلاثة، آنفة الذكر، أحد أهم محاور النقاش في العقد الأخير من القرن العشرين بين نزعتين نقديتين واحدة بريطانية وتدعى "المادية الثقافية"، كانت قد بدأت مع المفكر الماركسي الراحل ريموند ويليامز (وتابع بها من بعده كل من تيري إيغلتون، جوناثان دوليمور، آلان سينفيلد وغيرهم) والأخرى أمريكية وتدعى "التاريخانية الجديدة" (ومن روادها ستيفن جرينبلات، لويس مونتروز ، جانيت آدلمان...) حيث رست النقاشات المختصة بهذا الجانب على تناول الخط الأيديولوجي للأعمال الأدبية وطبيعة الدور الذي تلعبه: الهدم أم الاحتواء (subversion, containment). ففي حين ركزت المادية الثقافية على أن ما "يحتسب" أيديولوجياً للعمل الأدبي أو الفني هو تجاوزه للخطوط السائدة وانتهاكه أو طرقه للمحرمات، كان للتاريخانية الجديدة رأياً آخر وهو أن الأمور تقاس بنتائجها، أي أن ما يحتسب حقاً هو خاتمة العمل وليس كل ما يدور قبل النهاية (حتى ولو كانت الخاتمة قد قُسرت اعتباطياً على أن تناقض ما قبلها وذلك لأسباب براغماتية بحتة). هذا ما سنأتي إليه عند عودتنا إلى المسلسل السوري المذكور أعلاه. يتعقد الموضوع، بشكل خاص، عندما يأتي الأمر إلى المشاهد ونظرية التلقي ( Reception Theoryمن روادها: فولفجانج إيزر، روبرت ياوس) إذ أن الدور الأيديولوجي للعمل يقاس أيضاً بمدى، ونوعية، تأثيره على المشاهد أو المتلقي. وتكمن الصعوبة بالتحديد لأن التلقي يعتمد ليس فقط على نوعية العمل المقدّم تمثيلاً بل أيضاً على التركيب النفسي الاجتماعي للمشاهد نفسه (لن نفصّل أكثر هنا).

عملاً بهذه المقدمة المكثفة جداً لتعقيدات علاقة العمل الفني أو الأدبي بالسياسة نعود لنطرح بعض القضايا الهامة المتعلقة بتلك الحلقة من المسلسل السوري حاصد الجوائز بحدة انتقاده ولخلفيته السياسية النقدية ـ كما قيل. نعم، إن ما يقدمه المسلسل بمعظمه هو تصوير لمأساة ابتلاء السوريين بأجهزة أمنية طواقمها مجموعة جهلة هو نحت فني للواقع السوري [مع تباين ضئيل (nuance) تحدده حقيقة أنه يبقى عملاً أدبياً (Genre) أو فنياً]، إلا أن ما ينفي وبحدة هذا الخط النقدي في النهاية هو : أولاً، تقديم المأساة (التراجيديا) على شكل ملهاة (كوميديا) بحيث يشاهد المرء معاناته على شكل مزحة وهو يضحك فيتلاشى العزم في ميدان الضحك، وبالتالي يلعب العمل الفني هنا دوراً أيديولوجياً أقرب ما يكون إلى ما يسمى بــ"تنفيس الاحتقان"، ليس من زائد القول هنا أن معظم النكات السياسية كانت تصدر بالتحديد من فروع الأمن في سوريا ولم يكن بمأمن منها لاموظفاً أمنياً ولا وزيراً ولا رئيس وزراء ـ ما دام رمز السلطة بمنأى عنها؛ ينتفي الخط النقدي المعترض أو المعارض ثانياً، حين يدرك المشاهد أن ما به معاناته ليس إلا نتيجة ممارسات تأتي من بعض الجهلة في فرع الأمن... وأما المسؤول الأمني "الكبير" (دريد لحام في المسلسل) فهو متنور وبعيد عما يجري... وقد يقول قائل إن الدور الإيجابي للمسؤول الأمني الكبير قد صمم على هذا الشكل ضماناً للسلامة... إلا أن ذلك الدور يتناغم في الحقيقة، سواء أقر البعض بذلك أم لا، مع ما كانت أجهزة الأمن السورية سبّاقة في الترويج له منذ السنوات الأولى للأسد الأب من أن الممارسات الغلط هي من نتاج الصغار وأما الكبير فهو لايدري بتفاصيلها (مع العلم أن المثل الشعبي يصح وبدقة في الحالة السورية وهو أن "الخط الأعوج من الثور الكبير"). والسؤال الجدير بالطرح، وفي بالغ الأهمية، خلاصة حول التأثير الأيديولوجي للعمل الفني هو هل يضحك المشاهد بعد رؤيته أم أن العمل قد حرضه إلى درجة استعداده للمشاركة بعمل ما أو لعب دور يبحث جاداَ في تغيير الواقع!؟ ربما تلعب الكوميديا السياسية دوراً إيجابياً في البلدان الديمقراطية التي تحدد حكامها صناديق الاقتراع وأما في البلدان العربية فأعتقد أن الضحك يلعب دوراً سلبياً في التفاعل مع قضايانا.








اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل لتفاؤل العرب بنتائج الانتخابات الأمريكية ما يبرره؟
- إلى متى يستمر الشعب السوري في الصمت؟
- لا نور في نهاية نفق سنوات الضياع
- إيران في نظر العربي المغبون
- ليت أخوتنا في شمال إفريقيا يعرفون نظام الأسد أكثر!
- أيهما الوحش هنا؟
- في انتظار المنقذ تُضيَّع قضايا الشعب السوري
- السوريون وأمريكا: المصالح والثقة المفقودة
- بعد اللقاء الهزيل لجبهة الخلاص في برلين: أين المعارضة الحقيق ...
- الامتحان السوري الصعب
- هذا الابن من ذلك الأب: سوريا والأسود ما بين حزيران 1967 وحزي ...
- على من تكذب مافيات الأسد؟
- وهل تدمر سوريا الأسد هي إلا مكسرة عظام الشباب!؟
- !الغادري غريب، أما الخطاب الطائفي فيجب التحذير منه
- أين أنتم من حقوق الإنسان عندما تساهمون في اضطهاد المرأة؟
- المشهد السوري: وقفة سريعة مع المصاعب
- مؤتمر باريس وتصنيع الجواسيس
- ما بين لقاء باريس وإعلان دمشق: القديم يحتضر والجديد ولادته ع ...
- ما أبعد يوم الأسد عن أمسه وكم يختلف عن غده!
- الأزمة السورية وفانتازيا الحلول


المزيد.....




- ماذا يحصل عند تناول حبة كيوي كل يوم؟
- الاتفاق النووي الإيراني: إسرائيل تدعو لوقف المحادثات لأن طهر ...
- -النواب الأميركي- يوافق على ميزانية مؤقتة والجمهوريون يلوحون ...
- مصر.. تامر أمين يعرض فيديو لسيارة تسير -بالهواء- على الطريق ...
- التشيك.. إحباط محاولة لاغتيال القائم بأعمال رئيس الوزراء
- القومي للبحوث يكشف حقيقة تعرض مصر لهزة أرضية خلال الساعات ال ...
- الأجهزة الأمنية المصرية تعتقل دجالا ضرب شابا حتى الموت في ال ...
- بولسونارو يعلن قبوله دعوة بوتين لزيارة روسيا
- النووي الإيراني.. بينيت يطلب من واشنطن -وقفا فوريا- للمحادثا ...
- شاهد: العثور على هيكل رجل من ضحايا بركان هركولانيوم عام 79 م ...


المزيد.....

- الملك محمد السادس ابن الحسن العلوي . هشام بن عبدالله العلوي ... / سعيد الوجاني
- الخطاب في الاجتماع السياسي في العراق : حوار الحكماء. / مظهر محمد صالح
- ضحايا ديكتاتورية صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- حزب العمال الشيوعى المصرى ومسألة الحب الحر * / سعيد العليمى
- ملخص تنفيذي لدراسة -واقع الحماية الاجتماعية للعمال أثر الانه ... / سعيد عيسى
- إعادة إنتاج الهياكل والنُّظُم الاجتماعية في لبنان، من الماضي ... / حنين نزال
- خيار واحد لا غير: زوال النظام الرأسمالي أو زوال البشرية / صالح محمود
- جريدة طريق الثورة، العدد 49، نوفمبر-ديسمبر2018 / حزب الكادحين
- أخف الضررين / يوسف حاجي
- العدالة الانتقالية والتنمية المستدامة وسيلة لتحقيق الأمن الم ... / سيف ضياء


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أكرم شلغين - الفن والأيديولوجيا: أيام الولدنة وبقية الجوائز