أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميشيل حنا الحاج - الأوكراني -نيكيتا حروتشوف-، هو باني -اوكرانيا- المثيرة للأزمات لروسيا الاتحادية















المزيد.....


الأوكراني -نيكيتا حروتشوف-، هو باني -اوكرانيا- المثيرة للأزمات لروسيا الاتحادية


ميشيل حنا الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 4387 - 2014 / 3 / 8 - 20:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الأوكراني "نيكيتا حروتشوف"، هو باني "اوكرانيا" المثيرة للأزمات لروسيا الاتحادية
================
اذا كان "جوزيف ستالين" خليفة "لينين" في بناء روسيا الثورة.. روسيا الشيوعية، ومن ثم الاتحاد السوفياتي، هو من أبناء "جورجيا"، احدى أبرز الجمهوريات السوفياتية، فان خليفته في قيادة الاتحاد السوفياتي "نيكيتا خروشوف"، كان من أبناء الجمهورية "الأوكرانية". وهو باني هذه الجمهورية من خلال تحريرها من الحكم البولندي في عام 1939 والسعي فورا الى ضمها الى الاتحاد السوفياتي، اضافة الى قيامه بضم شبه جزيرة القرم الروسية الى أوكرانيا في عام 1954، وهو ما أدى الى ظهور "أوكرانيا" الحديثة التي تشهد الان الصراع الكبير حول مستقبلها .
تولى "نيكيتا خروتشوف" السلطة في الاتحاد السوفياتي في عام 1953 اثر وفاة "جوزيف ستالين". وبقي في السلطة حتى عام 1964. وشاهد عهده الكثير من التطورات التي كان البعض منها لمصلحة "الاتحاد السوفياتي" كاضطراره "الولايات المتحدة" لوقف تحليق طائرات "يو2 " التجسسية فوق الاتحاد السوفياتي وذلك في منتصف عام 1960، واجبارها أيضا في عام 1963 على التعهد بعدم غزو الحليفة "كوبا" مع التعهد أيضا بنزع الصواريخ الأميركية من مواقعها على الحدود التركية السوفياتية.
وقضية "كوبا" كانت قضية شهيرة، وبدت في حينها أن "الاتحاد السوفياتي" قد هزم أمام التهديد الذي أطلقه الرئيس "جون كينيدي" وأرفقه بفرض حصار بحري يقتضي تفتيش السفن المتوجهة الى "كوبا" منعا لوصول مزيد من الصواريخ اليها. وكانت هناك سفينة سوفياتية تسير في ذاك الاتجاه. وكان يفترض بها أن تصل الى نقطة التفتيش الأميركية التي فرضتها سفن أميركية في عرض البحر. وحبس العالم أنفاسه يومئذ خوفا من حصول المواجهة لدى اقتراب السفينة الروسية من نقطة الحصار البحري، حيث كان يتوقع أن ترفض السفينة السوفياتية التفتيش، مما كان من المحتمل أن يؤدي الأمر الى نزاع مسلح قد يتطور الى حرب عالمية ثالثة. لكن العالم فوجىء بأن السفينة الروسية قد تراجعت فجأة وعدلت مسارها عائدة على أعقابها قبل الوصول الى نقطة التفتيش الأميركية. وقدر المراقبون عندئذ أن "الاتحاد السوفياتي" قد هزم هزيمة شنيعة. ولكن الحقائق بدأت تظهر تدريجيا، وكان مفادها حصول اتفاق سري بين الرئيسين" كنيدي" و"خروشوف"، تعهدت فيه "أميركا" بعدم التعرض قط للدولة الكوبية ،حليفة الاتحاد السوفياتي، وعدم محاولة قلب نظام الحكم فيها، مقابل أن يفكك الاتحاد السوفياتي الصواريخ السوفياتية التي نصبت أو كادت تنصب على الشواطىء الكوبية التي تبعد عن الشواطىء الأميركية 140 كلم فقط. وذاك الجزء من الاتفاق، قد تسرب بعد فترة قصيرة. ولكن كان هناك جزء آخر في الاتفاق، وكان الرئيس كنيدي قد اشترط ابقاءه سرا، حفاظا على هيبة وكبرياء الولايات المتحدة. حيث اقتضى ذلك الجزء السري في الاتفاق، قيام الولايات المتحدة بنزع صواريخ أقامتها على الحدود التركية السوفياتية مقابل قيام السوفيات بنزع الصواريخ السوفياتية في "كوبا". ولم يجر الكشف عن ذلك الجزء السري من الاتفاق الا مع بدايات عام 1971. وكان الرئيس "كنيدي" قد أصر على ابقاء هذا الجزء من الاتفاق سرا رغبة منه في ظهور "أميركا" بمظهر المنتصرة، وما يستتبع ذلك من ظهور "الاتحاد السوفياتي" بمظهر من هزم، وذلك في عملية اخراج "هوليوودية" ربما قادها "هتشكوك" أو "سيسيل دي ميل" مخرج الروائع في "هوليوود". الا أن التاريخ قد أثبت فيما بعد أن من قدم التنازلات فعلا هو "الولايات المتحدة"، فهي قد تعهدت والتزمت حتى الآن، وبعد انقضاء خمسين عاما، بل وبعد انقضاء "الاتحاد السوفياتي" ذاته، باحترام استقلال "كوبا" وعدم محاولة قلب نظام حكمها، كما فعلت قبل فترة، عندما حاولت بالتعاون مع المهاجرين الكوبيين وفشلت، في معركة "خليج الخنازير". وها قد رأينا أن الرئيس "أوباما"، وبعد قطيعة طويلة، وجد نفسه يتقدم من "راؤول كاسترو" رئيس الجمهورية الكوبي، وقدم له يده مسلما عليه أثناء جنازة المرحوم "نيلسون مانديلا" في جنوب افريقيا.
وهناك أعمال أخرى وقعت في عهد "خروتشوف" ومنها اجتياح "بودابست" و"براغ" لترسيخ سلطة الحزب الشيوعي فيهما عام 1956. ولكن كان له أيضا تصرف نادر في تاريخ الأمم المتحدة، وهو قيامه بخلع حذائه في 12 تشرين أول عام 1956،وذلك أثناء خطاب لمندوب الفلبين تهجم فيه على "الاتحاد السوفياتي" متهما اياه بسلوك معايير مزدوجة. فطلب منه "خروتشوف" الذي ترأس الوفد السوفياتي الى الأمم المتحدة في ذلك الوقت، التوقف عن هذه الأقوال، لكن ممثل "الفلبين" مضى في خطابه. وهنا انتزع "خروتشوف" حذاءه وبدأ يضرب فيه على الطاولة بهدف التشويش على خطاب مندوب الفلبين.
لكن الحدث الأهم في عهده جرى في 25 كانون أول عام 1954، وذلك أثناء اجتماع للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي. حيث تقرر في ذاك الاجتماع، ضم "شبه جزيرة القرم" الروسية الى "أوكرانيا". وقد استغرق مناقشة انتزاع شبه جزيرة القرم من جسم الاتحاد الروسي وضمها لأوكرانيا، مدة خمسة عشر دقيقة فقط، اذ تمت الموافقة على الاقتراح الذي قدمه "نيكيتا خروتشوف"، أحد رعايا أوكرانيا، للجنة المركزية للحزب، بدون اعتراض جدي من أي طرف.
واذ كان "خروتشوف" هو المسؤول عن ضم شبه جزيرة القرم الروسية الى "اوكرانيا"، موسعا مساحتها ومطورا اقتصادها بضم منطقة صناعية هامة لتلك الدولة، فيها الموارد الهامة من نفط وغاز وصناعات هامة، اضافة الى كونها تتضمن موانىء على "البحر الأسود" الموصوف بالمياه الدافئة، فان "خروتشوف"، هو الذي كان أيضا وراء ظهور "أوكرانيا" على الخريطة الجغرافية منذ عام 1939. ففي السابع عشر من أيلول عام 1939، قامت القوات السوفياتية بمهاجمة شرق "بولندا". ورافق "خروتشوف"، بناء على طلب من "ستالين"، القوات السوفياتية المهاجمة. وتم تحرير شرق بولندا (التي اصبحت تشكل الآن غرب أوكرانيا) من السيطرة البولندية. ورحب سكان شرق بولندا،وكانت نسبة عالية منهم من الاوكرانيين، بقدوم السوفيات على أمل الحصول على الاستقلال لمنطقتهم. ولكن "خروتشوف" كانت لديه مهمات ونوايا أخرى، وهي تشكيل "جمهورية أوكرانيا" على أن تنضم الى جمهوريات "الاتحاد السوفياتي" لتصبح واحدة من تلك الجمهوريات. وفي خلال شهرين من تحرير شرق بولندا من السيطرة البولندية، تم اجراء انتخابات لاختيار جمعية وطنية لأوكرانيا المحررة، على أن يكون الفائزون في تلك الانتخابات موالون ومرحبون بفكرة الانضمام الى "الاتحاد السوفياتي". وهو ما جرى فعلا في الأول من تشرين ثاني عام 1939، عندما صوت المجلس الأوكراني المنتخب بالموافقة على الانضمام لجمهوريات الاتحاد السوفياتي، فباتت "أوكرانيا" منذ ذلك التاريخ واحدة من الجمهوريات السوفياتية.
وهكذا يبدو تدريجيا الدور السوفياتي في ظهور "اوكرانيا" على الخريطتين السياسية والجفرافية، ثم في توسعها بضم "شبه جزيرة القرم" الروسية اليها دون استفتاء الشعب الروسي في ذلك الوقت حول موافقته أو عدم موافقته على انتزاع جزء من أراضيه وضمه الى جمهورية أخرى. ففكرة وحدة أراضي الجمهوريات السوفياتية كانت سائدة في ذلك الوقت، ولم يبد حينئذ أنه كان هناك انتزاع أراض وضم أراض، اذ كانت كل تلك الجمهوريات، تشكل دولة واحدة هي اتحاد "الجمهوريات السوفياتية".
وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي، واستقلال جمهورياته المتعددة الى جمهوريات مستقلة، بما فيها جمهورية "الاتحاد الروسي" الذي شكل الجزء الأكبر من الاتحاد السوفياتي، أعلنت جمهورية "أوكرانيا" استقلالها فرحب بها المجتمع الدولي في عام 1994 دولة مستقلة خصوصا بعد موافقتها على اتلاف المخزون النووي على أراضيها. وكانت "روسيا الاتحادية" من بين المرحبين باعلان استقلال "اوكرانيا" دون المطالبة باستعادة "شبه جزيرة القرم" التي انتزعت منها. وكان السبب في ذلك أن من كان في يده السلطة آنئذ في جمهوريات الاتحاد الروسي، هو "بوريس يلتسن" الذي ساعد على تفكيك "الاتحاد السوفياتي" لأسباب قد يكون مردها تنسيق بينه وبين جهات غربية أبرزها "الولايات المتحدة"، اضافة الى طموحه الشخصي لأن يصبح رئيس دولة مستقلة هي "الاتحاد الروسي"، أكبر الجمهوريات وأكثرها ثراء في اتحاد الجمهوريات السوفياتية.
ولكن "أوكرانيا" عوضا عن اظهار بعض الامتنان ل"روسيا الاتحادية" التي شكلت قواتها الجزء الأكبر من القوات السوفياتية التي حررت شرق بولندا من سيطرة البولنديين في عام 1939 مشكلة الجمهورية الأوكرانية، اضافة الى عدم اعتراضها - في حينه - على ضم جزء هام من أراضيها الى "أوكرانيا" بغية توسعة مساحة الدولة الأوكرانية، قامت بطعن جمهورية الاتحاد الروسي في ظهرها أكثر من مرة.
ففي أوائل التسعينات، لدى انهيار الاتحاد السوفياتي، حاول "ميخائيل جورباتشوف" الأمين العام للحزب الشيوعي الحاكم آنئذ، انقاذ ما يمكن انقاذه بالحفاظ على وجود اتحاد سوفياتي مصغر يضم كل من "روسيا الاتحادية"، و"روسيا البيضاء"، و"اوكرانيا". ونظرا لوجود تقارب، بل تشابه بين شعوب هذه الدول الثلاث، حيث أن سكان كل من "روسيا الاتحادية" و"روسيا البيضاء" هم روس، وجزء هام من سكان أوكرانيا (يبلغ قرابة الأربعين بالمائة) هم أيضا روس، فقد توجه "جورباتشوف" للسعي لايجاد اتحاد سوفياتي مصغر يوجد تناغم بين شعوب دوله. ورحبت "روسيا البيضاء" بذلك. ولكن "أوكرانيا" بعد موافقة مبدئية على المشروع، تراجعت عنه، ربما نتيجة تشجيع أو تحريض من الدول الغربية، واختارت الاستقلال التام الذي أعلن وكرس رسميا في عام 1994.
وجاءت الطعنة الأوكرانية الثانية لروسيا الاتحادية، عندما قام الأوكرانيون في عام 2004، بثورتهم البرتقالية التي قادتها "يوليا تيموشنكا"، مطالبين بالتخلي عن التعاون الروسي الأوكراني، رغم كون قرابة الأربعين بالمائة من السكان الأوكرانيين هم من الروس، ورغم اعتماد "أوكرانيا" على الغاز الروسي الذي تحتاجه أوكرانيا كثيرا، معلنة رغبتها في التنسيق والتوجه نحو تعاون مع الدول الغربية. وكان أكثر المتحمسين لهذا الابتعاد عن الروس، هم الخمسون بالمائة الكاثوليك من سكان أوكرانيا الغربية، خلافا لنسبة أربعين بالمائة من السكان الروم الأورثوذوكس (ذوي الأصل الروسي) الذين يقطنون غرب أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، حيث يقدر نسبة الروس المقيمين في شبه الجزيرة وحدها، بثمانية عشر الى عشرين بالمائة من مجمل سكان "أوكرانيا"، مع وجود عشرين بالمائة آخرين من الروس يقطنون "اوكرانيا" الغربية.
واختلف الوضع مرة أخرى عندما جرت انتخابات رئاسية في أوكرانيا، وفاز فيها برئاسة الجمهورية "فيكتور يوكانوفيتش" الذي كان صديقا لروسيا الاتحادية. ولكن سكوت الأوكرانيين عن هذه النتيجة لم يدم الا لفترة ما، انتفض بعدها الأوكرانيون في "ميدان الاستقلال"، الميدان الرئيسي للعاصمة "كييف"، مطالبين برحيل "يانوكوفيتش" والتوجه غربا نحو دول أوروبا الغربية رغم عرض روسي بتقديم خمسة عشر مليار دولار لأوكرنيا كقرض طويل الأجل للتغلب على مصاعبها المالية والاقتصادية، وعرض اضافي بتزويدها بالغاز الروسي الذي تحتاجه "أوكرانيا" بسعر تفضيلي مخفض.
لكن الأوكرانيين رفضوا العرض الروسي متمسكين بالرغبة في التوجه غربا لا شرقا. وهناك أربعة عناصر شجعت على هذا التشدد ، وهي: 1) الفكر الكاثوليكي لدى نسبة هامة من سكان أوكرانيا، وهو الفكر الرافض تقبل الفكر الأورثوذكسي السائد في روسيا. 2) وجود "حزب الحرية الأوكراني" بين المجموعات الرافضة للتوجه نحو روسيا، وهو حزب وصف بالتوجه الفاشي المتعصب، وشبهه البعض بكونه حزبا أقرب الى الفكر النازي منه الى الفكر الديمقراطي. وقد أطلق هذا الحزب شعارات معادية لليهود أثناء الفوضى التي سادت ميدان الاستقلال في "كييف"، بل ويعتقد البعض أنه كان وراء الضحايا الذي سقطوا في ميدان الاستقلال، نتيجة لاستخدام هذا الحزب قناصة كانوا يعملون ضد المتظاهرين لاثارة الرعب بينهم ولتوجيه الاتهام لرجال "يا كانوفيبتش" باستخدام مفرط للقوة. وهذا الحزب المسمى بحزب "اسفابودا"، له ثلاثة وزراء في الحكومة الجديدة التي شكلها المتمردون، كما أن نائب رئيس البرلمان هو من أعضاء ذلك الحزب، مما يعكس مدى قوته وتأثيره على مجريات الأحداث في "اوكرانيا". 3) تشجيع دول أوروبا للمتمردين في أوكرانيا على رفض التوجه نحو روسيا، وربما على رفض الرئيس "يانوكوفيتش" والتنكر لسلطته رغم كونه رئيسا منتخبا في انتخابات ديمقراطية حصل فيها على نسبة جيدة كرسته لأن يصبح رئيسا شرعيا لأوكرانيا. والغريب في الأمر، أن الدول الأوروبية ووراءها الدولة الأميركية، يتنكرون لرئيس انتخب بطريقة ديمقراطية واستجابة لشرعية صندوق الانتخاب، في وقت يلومون فيه "مصر الثورة" على ابعادها رئيسا وصف بأنه قد انتخب بطريقة شرعية عبر الصندوق العتيد. فهل بات هناك صندوق شريف يعتد به كما في مصر، وصندوق شرير كذاك الصندوق في أوكرانيا؟ 4) يتردد الآن أن من بين من ساهموا في اشعال الاضطراب في "أوكرانيا"، وشجعوا على تحويل المظاهرات الى مظاهرات دموية، هم الاسرائيليون الذين رغبوا في تشجيع "يهود أوكرانيا" على الهجرة الى "اسرائيل" التي بدأت تشهد هجرة مضادة من "اسرائيل" الى الخارج. وساعدها على ذلك، ظهور "حزب الحرية" الأوكراني بتوجهاته الفاشية، واطلاقه شعارات ضد اليهود.
لكن الغريب في الأمر، أن الدول الأوروبية، والولايات المتحدة من ورائها، التي تشجع أوكرانيا المتمردة على الابتعاد عن روسيا، لا ترغب في ضم "اوكرانيا" الى الاتحاد الأوروبي الذي بات ينوء بحمل أعضائه من الدول المتعثرة. وقد أكد ذلك أكثر من محلل سياسي شاركوا في العديد من المناقشات حول "أوكرانيا". فما تريده الدول الغربية هو مجرد التعامل الاقتصادي بينها وبين "أوكرانيا"، أي فتح أسواق جديدة لمنتجاتها على الأراضي الأوكرانية، دون تحمل الكثير من أعباء الاقتصاد الأوكراني المتعثر الذي يحتاج الى 35 مليار دولار، كما تقول حكومة المتمردين، لانقاذ البلاد من أزمتها الاقتصادية، في وقت تعرض فيه الدول الأوروبية حتى الآن احد عشر مليار دولار فحسب، مقابل خمسة عشر مليار دولار، قابلة للزيادة، عرضها الاتحاد الروسي على "أوكرانيا".
وازاء تفاقم الأزمة خصوصا بعد توجه "شبه جزيرة القرم" الروسية نحو الانفصال، نتيجة استفتاء شعبي قريب يرجح أن يطالب بانفصال عن "أوكرانيا" والعودة الى الوطن الأم، الى روسيا الاتحادية، ورغم تأكيدات الرئيس الروسي "بوتين" بأنه لن يستخدم القوة في "أوكرانيا" ، أي أنه لن يتعامل مع "كييف" عاصمة "أوكرانيا" بالأسلوب الذي تعامل فيه السوفيات مع التمرد في كل من "بودابست وبراغ" عام 1956، فان الولايات المتحدة وكذلك ألدول الأوروبية تهدد روسيا بفرض عقوبات عليها قد تلحق الضرر بالدولة الروسية. ولكن "لافروف" - وزير الخارجية الروسي، يذكرها بأن الضرر الذي سيلحق بأوروبا سوف يكون ضررا أكبر كثيرا. ذلك أن ثلث الغاز الذي يصدر للدول الأوروبية هو غاز روسي، وتوقف روسيا عن تصديره، قد يلحق ضررا كبيرا بالاقتصاد الأوروبي وخصوصا بالصناعة الألمانية التي سيؤدي توقف تدفق الغاز الروسي عليها، الى تعطل ثلث مصانعها ، مما سيؤدي الى وضع عبء ثقيل على دافع الضرائب الألماني ، كما سيؤدي الى عجز "المانيا" عن تسديد العجز المالي الذي ينشأ في بعض دول أوروبا، كما حصل مع "اليونان وقبرص واسبانيا". والأهم من ذلك أنه سينتج أيضا عجزا اقتصاديا المانيا، يحول بينها وبين مساعدة أوروبا على تقديم العون المالي الذي ترجوه "اوكرانيا" المتمردة، كثمن لدخولها في مواجهة مع روسيا. فالدولة الأوروبية الوحيدة القادرة عادة على تسديد فواتير الدول الأوروبية المتعثرة، هي عادة "المانيا" بالتعاون مع "فرنسا". لكن "فرنسا" باتت بدورها أو كادت، أن تتحول الى دولة متعثرة نتيجة تراكم الديون عليها مما اقتضى البنوك الأوروبية مؤخرا للنظر ببعض الحذر الى التعاملات الاقتصادية الفرنسية. ولهذا السبب تبدو "المانيا" أقل الدول حذرا في توجهها نحو فرض عقوبات على "روسيا"، خوفا من أن تصبح هي الضحية الحقيقية لتلك العقوبات.
وأخيرا يصعب تفهم الموقف الأوروبي ازاء توجه"شبه جزيرة القرم"، التي تتمتع أصلا بحكم ذاتي اعترافا من "أوكرانيا" بخصوصية شبه جزيرة القرم، نحو الانفصال عن "أوكرانيا". الا يعني ذلك عودة الفرع الى الأصل؟ وهل سيتم ذلك بقرار "روسي" أم نتيجة استفتاء شعبي متوقع سوف يجري تحت أنظار الاعلام الدولي؟ فاذا تبين أن تلك هي الرغبة الشعبية لشبه الجزيرة، فلماذا الاعتراض عليه، بل لما الاعتراض على مطالبة رسمية من روسيا، لو حصلت، باستعادة الفرع الى الأصل استنادا الى مبدأ قانوني واضح أن روسيا ذاتها، لم تتنازل قط عن شبه الجزيرة، ولم توافق أبدا على الحاقها "بأوكرانيا". فلم يجر استفتاء "روسي" وافقت فيه "روسيا" على انتزاع"شبه جزيرة القرم" منها، أو استفتاء لسكان شبه الجزيرة، يرفض او يوافق بموجبه على الانضمام الى "اوكرانيا". فمن فعل ذلك هو "الاتحاد السوفياتي"، وبانقضاء "الاتحاد السوفياتي"، وهو الانقضاء الذي سعت اليه الدول الغربية بل وباركته، ينبغي أن تتلاشى بانقضائه كل الآثار التي رتبها في مرحلة حكمه. ومن ابرز تلك الآثار،الحاق "شبه جزيرة القرم" الروسية "بأوكرانيا". فالاتحاد الروسي لم يتنازل رسميا عن تلك الجزيرة، وهو اذا تاخر في المطالبة باستعادتها، انما كان ذلك بسبب ظروف الضعف الخاصة التي عانى منها نتيجة تفكك الاتحاد السوفياتي، ومساعي روسيا الاتحادية لاعادة بناء بيتها الداخلي. وها هي عندما اكتمل اعادة البناء، تطالب بعودة الفرع الى الأصل، الذي هو حق طبيعي وقانوني للدولة الروسية الاتحادية. أدرسوا القانون الدولي يا سادة قبل التورط في فرض عقوبات على روسيا الاتحادية نتيجة توجهها لاستعادة "شبه جزيرة القرم" التي خسرتها دون تنازل رسمي منها عنها، وخصوصا عندما تتحقق هذه الاستعادة نتيجة استفتاء شعبي يقر العودة الى الوطن الأم. والا فأين مبادىء الأمم المتحدة حول حق الشعوب في تقرير مصيرها؟ هل يصبح هذا المبدأ الأممي فجأة، مرفوضا وغير مقبول من شعوب أقرت منذ الثورة الفرنسية، مبادىء حقوق الانسان، ومبدأ الحق في تقرير المصير؟
على كل حال، ان أكثر ما يهمنا في هذه المنطقة العربية، هو محاولة اشغال "روسيا" ب"اوكرانيا" عن القضية الكبرى التي يعاني سكان هذه المنطقة منها، وهي انتشار الارهاب فيها وخصوصا في "سوريا"، حيث يتنامى الارهاب يوما بعد آخر فيها، مهددا بالوصول الى كل دول المنطقة، بل والى دول الغرب أيضا. فبعد أن كان يفترض بقضية الارهاب أن تكون على رأس جدول الاهتمامات الروسية الأميركية، باتت "أميركا" تطرح الآن القضية الأوكرانية باعتبارها القضية الأهم. فكأن القضية الأوكرانية وسلامة شعبها ورفاهيته، أهم كثيرا من ايجاد عالم بلا ارهاب، خصوصا وأن بعض وسائل الارهاب قد استخدمت ونفذت فعلا في ميدان الاستقلال في "كييف"، حيث نشط القناصون وبعض المتدربين على الأعمال الارهابية، بغية الحاق أكبر ضرر بالمتواجدين في الميدان، وبالتالي تعميق الهوة بين الأوكرانيين ورئيسهم "يوكانوفيتش" المنتخب شرعا. وتطالب "روسيا الاتحادية" الان باجراء تحقيق دولي متجرد حول ما جرى فعلا في الميدان، للكشف عن استخدام وسائل الارهاب في ذاك الميدان العتيد، ولتذكير "الولايات المتحدة" بأن القضية الأولى والأهم، لم تزل هي الارهاب وليس "أوكرانيا".
ميشيل حنا الحاج
عضو لجنة الشعر في رابطة الكتاب الأردنيين.
عضو جمعية الكتاب الأليكترونيين الأردنيين.
عضو تجمع (لا للتدخل الأميركي والغربي) في الدول العربية.
عضو مركز حوار للدراسات الاستراتيجية الجديدة.
عضو المجموعة الفلسطينية للدراسات الاستراتيجية (Think Tank ).
عضو منتدى العروبة - عضو تجمع مشاهير مصر.
عضو رابطة الصداقة والأخوة اللبنانية المغربية.
عضو في عدة مجموعات أخرى كثيرة.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما هي الاحتمالات الأكثر ترجيحا حول من يمول -داعش- ويسدد فاتو ...
- هل تقدم الولايات المتحدة الأميركية على حرب اليكترونية ضد سور ...
- ماذا عن اغتيال الأفكار والمبادىء، وماذا عن اغتيال الشعوب وآخ ...
- هل أصبح الصراع بين الشيعة والسنة، أكثر أهمية وضرورة من صراع ...
- الواقع الفلسطيني المؤلم على ضوء الواقع العربي البائس
- ماذا عن الصراع داخل المقاومة السورية، وهل باتت هناك مقاومة ل ...
- هل ما يجري في سوريا حرب حقيقية، أم هي حرب -دون كيشوتية-؟
- أهلا جنيف 2 ومرحبا: مؤتمر جنيف2 : ما قبله، وما بعده، والاتفا ...
- مع اقتراب مؤتمر جنيف2،هل بدأت الحرب ضد الارهاب في المنطقة، و ...
- كتاب مفتوح موجه للبي بي سي
- هل يسعى مؤتمر جنيف2 لاعلان الحرب على الارهاب بنقله للبنان، أ ...
- كتاب مفتوح موجه الى صديق
- هل تقرع أجراس -الميلاد- للمطرانين، ولراهبات دير -مار تقلا- ف ...
- من هم الرابحون ومن هم الخاسرون سياسيا في الحرب السورية؟
- هل اقتنعت دول العالم أخيرا أن -القاعدة- خطر عليهم كثر من كون ...
- هل سميت الثورات العربية الحديثة بثورات -الربيع- لكونها ثورات ...
- أين استراتيجية -نهاية المطاف- في أدمغة قادة المعارضة السورية ...
- أين استراتيجية -نهاية المطاف- في أدمغة القادة الأتراك ، وأدم ...
- أين استراتيجية -نهاية المطاف- في أدمغة القادة الأميركيين ؟
- هل تلاشى الحلم العربي بالوطن العربي الكبير، ليصبح الأردن الو ...


المزيد.....




- مشهد طبيعي يخطف الأنظار..هكذا تبدو جزر الديمانيات في سلطنة ع ...
- الأندية الإنكليزية الستة تعلن انسحابها من -دوري السوبر- الأو ...
- تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية المحتملة كارثية على العرب
- بوتين يتوجه برسالته السنوية إلى البرلمان الروسي اليوم
- 8 أشياء يجب الانتباه إليها عند شراء سيارة مستعملة
- التشاديون يبكون رئيسهم قلقين
- -جمهورية الكلب-.. رواية تقارب قضايا لجوء السوريين بأسلوب مخت ...
- مخاوف من احتجاجات -فلويد- جديدة في أمريكا بعد انتشار فيديو ي ...
- نائب روسي يحذر الغرب من مغبة -إيقاظ الدب-
- الخارجية الروسية: من السابق لأوانه مناقشة مسألة إرسال بعثة ح ...


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميشيل حنا الحاج - الأوكراني -نيكيتا حروتشوف-، هو باني -اوكرانيا- المثيرة للأزمات لروسيا الاتحادية