أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طالب عباس الظاهر - معزوفة الدم الصاخب - قصة قصيرة















المزيد.....

معزوفة الدم الصاخب - قصة قصيرة


طالب عباس الظاهر

الحوار المتمدن-العدد: 4216 - 2013 / 9 / 15 - 12:56
المحور: الادب والفن
    



الوتر الأول

يتعالى أذان صلاة العصر من مكبرات الصوت في أعلى المئذنة بصوت الشيخ كهلان رحمة... إمام الجامع الجديد، خشناً متهدجاً لا أثر فيه للملائكية التي عادة ما يتصف بها صوت المؤذنين ومرتلي القرآن الكريم، وراح يزعق في محاولاته العقيمة للوصول الى مشارف القلوب المؤمنة... فضلاً عن الولوج لملامسة شغافها، والتغلغل في الأوردة والشرايين، والذوبان في النسغ الصاعد ... النازل، كحركة الحياة في العروق.
أما الأثر الذي تركه ذاك الصوت في كيان الصبيّة نجلاء بنت خضّوري الحمّال، فكان مختلف تماماً، لأن له وقعه الخاص في كيانها، وهو ما دعاها الى الاستعجال في جمع آخر قطع الغسيل المنشورة على السطح، استعداداً للذهاب الى الجامع، للتنظيف، وإسداء بعض الخدمات الشخصية للشيخ، مقابل عطاياه المغرية، وهي تدرك جيداً حقيقة واقعه الشيطاني المتستر، وقد استحوذت عليها الرغبة للخروج من البيت وسأمه، وبدأت تعدّ الأوقات لذلك اللقاء، فتتلاعب بمشاعرها شتى العواطف الغريبة... بين الأمل والتوجس، وحلاوة الترقب، والخوف منه.
نزلت بعجلة درجات السلّم المتهرئ بعدما شملها إحساس مباغت شفاف، جعلها تستشعر ذبذبات تلك الرعشة الخفيفة وهي تسري في بدنها كتيار كهربائي خفيف دافق، تماماً كما في كل مرّة تستعد فيها للذهاب الى الشيخ، بغتة كادت تهوي من أعلى السلّم منزلقة القدم عن إحدى عتباته، لكنها بصعوبة استطاعت السيطرة على توازنها... مطلقة ضحكة خوف قلقة... لكنها مكتومة، مصحوبة بتصاعد وجيب قلبها، وطفح مزيج من الانفعالات المتناقضة على سطح بركة عواطفها الفتيّة... بألسنة شبقة.

الوتر الثاني

يا ترى لماذا قدم الإمام السابق لهذا الجامع استقالته، وبهذا الوقت بالذات يا بن رحمة... لماذا؟ متعللاً بكبر سنه وعجزه عن إدارة شؤون الجامع؟ وليعتزل هكذا في بيته بانتظار الموت...أيعقل مثل هذا الأمر يا كهلان؟!
يترك العمل وكل هذا الخير الوفير... منزل جميل ملاصق للجامع، والعديد من المحلات التجارية التابعة له، وراتب شهري مجزٍ، سوى ما يحصل عليه من هبات وعطايا ومكرمات، فأين كان من ذاك القرار خلال كل تلك السنوات؟ بيد إن الذي لا يمكن فهمه - إذا سلّمت بعذره المدوّن بالاستقالة – مطاردتهم إياه ، رغم إنه مجرد شيخ كبير بالسن، ولا أظنه يقوى على خنق دجاجة، فما الذي يخيفهم منه بهذا الشكل؟ وتأكيدهم على التقارير الدورية بشأنه، والالحاح على الوكلاء السريين لتزويدهم بمزيد من المعلومات التفصيلية الدقيقة عن كل كلمة يتفوه بها ... وعن وقائع لقاءاته لحظة بالحظة، مَن ولماذا ومتى؟ الى آخرها من أسئلة حائرة، فأوكلت اليّ مهمة اللقاء بهم بعد الصلوات، وتنسيق العمل معهم وحسب التوجيهات، فما سر هذا الخوف وهم الأقوياء؟ ببساطة شديدة إن الدخول معهم كما يبدو ليست مثل الخروج... إذ لا مناطق محايدة في تعاملهم مع الآخرين، فأما صديق أو عدو... أجل، يا كهلان يا ابن رحمة.

الوتر الثالث

صرخت أم نجلاء بقوة ... مطلقة شهقة عالية وهي تضرب قبضتها على صدرها بشدة، وتنفض يديها من بقايا العجين ... أبن الكلب، ألم أقل لك لا تلعب ببرميل النفط؟
صرخ الطفل الصغير نتيجة اللطمة التي تلقاها في وجهه، وطارت عنه أعداد هائلة من الذباب، انهالت عليه بالضرب بجنون... وهو يتلوى ما بين يديها الشرستين ويبكي ... زعقت صارخة ... أنتِ أيتها القح..........! أين ذهبت وتركت أخيك؟!
انسحب الطفل زاحفاً بخوف ... تركاً الصنبور مفتوحاً نحو بركة من النفط أسفل البرميل، بينما ظل لسان السائل مندلقاً، ليفرّغ آخر ما تبقى في الخزّان من النفط.
تملكها غضب شديد نتيجة عجزها التام عن الوقوف بوجه مشاكسات الطفل المستمرة، فلطمت وجهها بكلتي يديها ... تعلقت أصابعها بشعر رأسها الكث، مقطعة إياه بجنون، وسال الدم على خديها من خدوش أحدثه انغراز أظافرها فيه، انخرطت في بكاء هستيري ... ثم تهاوت منهارة على وجهها وسط رعب الطفل وصراخه.

الوتر الرابع

خذي هذه النقود ... أعطي لأخيك الصغير منها... وهذه الورقة النقدية الكبيرة لك وحدك... لا تخبري أحداً بأني أعطيتها لك، ولو أكتشف أمرها؛ قولي لهم بأنك وجدتها في الطريق الى الجامع ... أتفهمين، إنها كثير، ولكنك تستحقين الأكثر في هذه المرّة ... أين نخبئها أين؟
أجل هنا ... إنه أفضل مكان ... لا تخافي يا حلوتي ... دعيني أضعها لك، انتظري قليلاً، آه... إنهما ينموان بسرعة، لكنهما مازالا صلبين...!
اسمعي جيداً ... إيّاك أن تخبري أحداً بأني أعطيت لك هذه الورقة النقدية... إياك، لأنهم سيشكون بأمرك حتماً ويمنعوك من المجيء ثانية، ولن تحصلي على النقود بعدها، إلا إنك ستأخذين مثلها عندما تأتين للتنظيف في كل مرّة...أتسمعين جيداً ما أقول؟!
هزّت الصبية نجلاء رأسها دلالة الموافقة.
هيا، لقد تأخرت كثيراً أيتها الشاطرة، ولقد كسبت ما لا يكسبه أبوك من دفع عربته في شهر...!

الوتر الخامس

فجأة انفتح الباب الحديدي على مصراعيه وبقوة ، مصدراً دوياً هائلاً بأرجاء البيت، لارتطامه العنيف بالجدار... فتطاير الدجاج فزعاً في كل الاتجاهات وهو يطلق الصيحات بوتائر متصاعدة... وسرعان ما تجاوب معه دجاج الجيران، وأعلنت الديّكة تضامنها، بينما ظلّت أم نجلاء مشلولة الحركة كأنها صعقت، وهي لا تعي شيئاً مما يجري أمامها ... لدخول زوجها الصاخب وهو يلهث وعيناه زائغتان ، انعقد لسانها الطويل، وفقع لونها... تمتمت بصعوبة ببعض الحروف المرتبكة، وهي تتبع بذهولها حركة أبو نجلاء وبحثه في غرفتي الدار، وبعثرته لكل ما تقع عينيه عليه... وهو يصرخ كالوحش الهائج، وقد تناثر الزبد من بين زاويتي فمه: أين هي... أين؟!
إذن، تراه حقاً ما يتهامسون به ... إنا لك يا ابن الكلب...!!
سحب (البرنو) * التي كانت معلقة على الحائط منذ زمن طويل ... نافضاً عنها الغبار، تمتم بغضب: لقد انتظرت طويلاً ... وهذا يومها...!
صرخت أم نجلاء مستغيثة، وتعلقت في زندي زوجها، لكنه دفعها عنه بقسوة ... فتلقاها الجدار ، وتهاوت جاثية أسفله شبه مغمى عليها، حينها أدركت بأن كارثة ما، واقعة بها لامحالة.

الوتر السادس

أنت ملك بلا منازع يا بن رحمّة، ولكن ... أخرس هناك حتى قوّاد لم يرضوا بك وطردوك، وهنا يقبّلون بخشوع تراب قدميك، ويقدمون لك الهبات بسخاء كوليٍّ، دخولك لبيت أحدهم تكرماً عليه، وأنت لا تصدق ما ترى عينيك وتسمع أذنيك، صرت بين ليلة وضحاها أباً مباركاً للجميع، فتنال أعجاب مرؤوسيك، ناسياً رحلة التشرد والتمرغ في الوحل حتى الهامة لعشرات من السنين، لم تدع جحراً إلا وضعت أنفك فيه خلالها... إن الناس دائماً تنتظر هبوط معجزةٍ ما ، تقضي كل حوائجهم المتناقضة... وأنا لست تلك المعجزة... !
أيا للسخرية ، حتى عليك بدأ ينطلي زيف القناع، وبدأت بمرور الوقت تقتنع بخيوط اللعبة، وتتقمص الدور جيداً أو هي الحالة بدأت تلبسك... بالحملة الإيمانية المزعومة... أما تاريخك الأسود، فلا يجرؤ أحد على مجرد السؤال عنه، لأنه أوصل بالسماء.
فأية رحمة تسامت بك من درك الفجار الى مصافي القديسين؟! رغم تلطخ يداك بدماء الأبرياء، وذاك ما رفع شأنك، وحرق أمامك المراحل، وقربك أميالاً للسلطة، إضافة الى استعداد التنازل عن أي شيء الذي لمسوه فيك في سبيل مرضاتهم، لأنه ما عاد لديك ما تخسره، وما تكليفك بهذا الواجب؛ إلا اعدادا أولياً – كما وعدوك - لما هو أكبر وأهم ... لجعلك مؤهلاً لدخول الغرف المغلقة ... المكهربة بالأسرار، لرؤوس القادة والمسؤولين.
على إنك لأول تلعبها صح ... مستثمراً آخر فرصة قبل أن تدوسك أحذيتهم كأقذر الحشرات أو تتعفن كعشرات الآلاف في الزنازين والمعتقلات السرية تحت الأرض أو تدفن حياً في المقابر الجماعية، إذ إنك دخلت مجرماً على حافة الإعدام، بعد اقتحام المدينة من قبل قوات الحرس الخاص ومرتزقة النظام، وتصفيتهم لآخر جيوب المقاومة للثورة الشعبية العارمة، فألقي القبض عليك داخل مرقد الإمام الحسين بن علي مع مجموعة كبيرة من الشباب، إلا إنك خرجت مناضلاً مقابل ادلائك بما طلبوا منك من معلومات، ومن يومها استقدموك الى العاصمة، وبدأت تنهال عليك الهبات والمكرمات والمهام، وتتسلط عليك الضواء، وترتقي بك المراتب.
يا كهلان ... الأجدر بك أن تنسى ... كي تنعم بهذا الجاه والسلطان ... هنا لا يعرفك أحداً، وحتى النساء لم يعدّن يخجلن منك أو يحتشمّن كأنك لست رجلاً، أو فقدت ذكورتك حينما تقرر اطلاق لحيتك، ووضع العمامة السحرية على رأسك العفن، وقد فتحت لك ألف باب وباب مغلق، بيد إنك لا تستطيع التقدم الى أكثر من النظر، وبعض الملامسات الطارئة، خوفاً من انكشاف أمرك وفشل المهمة، انهم يقدمون لك كل ما تحتاج وزيادة، ولكنهم يتناسون تلك المسألة، كأنك فعلاً غدوت رجلاً جليلاً، أيا السخرية، عند النظر وبعض الملامسات تقف حريتك ... وما أسخفها من حرية...بينما هم يسبحون في بحر ملذاتهم ... مما لا يخطر حتى في الخيال.
أجل لست منزلا من السماء كي أستطيع غضّ الطرف عن نيران حاجتي المشتعلة.

الوتر السابع

رصاصة محكمة اخترقت رأس كهلان رحمة... وبدت له كجمرة من الجحيم التهبت في أحشاء رأسه... لتستقر بنارها هناك، ويخرّ الجسم الضخم ... جسده عند باب الجامع ... تمرّ لحظات قبل أن يلفظ الشيخ انفاسه الأخيرة ... بعد ما أطلق آهة شاحبة كشحوب الأموات... ليبقى شعر رأسه الرمادي يسبح بالدم ، الذي راح يسوّد أكثر فأكثر عبر مرور الوقت، ثم سرعان ما بدأ يتكون غشاء غامق كثيف على سطح بركة الدم الصغيرة التي أغرقت الرأس الأشيب الملقى على الرصيف ... بينما راحت تتجمهر اعداد هائلة من الذباب بسرعة مذهلة... لتتشكّل كالغطاء السميك على وجه بركة الدم تلك ، بينما ظلّت العينان متجهتين نحو الأرض ببرود كلّي وانطفاء.

* نوع من البنادق القديمة جداً

[email protected]







الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- - كتب - قصة قصيرة
- في وداع نجيب محفوظ في ذكراه السابعة / روعة الموت المفضي الى ...
- قصة عشق آخر
- صالة العمليات
- قتلتني عطسة..!
- ليس رثاء
- نظرات في القصة القصيرة (12) والأخيرة
- نظرات في القصة القصيرة (11)
- نظرات في القصة القصيرة (10)
- نظرات في القصة القصيرة (9)
- نظرات في القصة القصيرة (8)
- نظرات في القصة القصيرة (7)
- نظرات في القصة القصيرة(6)
- نظرات في القصة القصيرة (5)
- نظرات في القصة القصيرة (4)
- نظرات في القصة القصيرة (3)
- نظرات في القصة القصيرة (2)
- نظرات في القصة القصيرة
- العمليات الحسابية والسياسة
- حيرة - ق ق ج


المزيد.....




- إسرائيل هُزمت... كيف المخرج؟
- المغرب يجدد رفضه القاطع للإجراءات أحادية الجانب التي تمس بال ...
- أخنوش يكشف حقيقة 17 مليار!
- هل يتخلى العسكر الجزائري عن تبون?!
- وقف التعاون التجاري مع المغرب.. ال--تبون-- يستجدي رضا العسكر ...
- وفاة الجمعوي والمعتقل اليساري السابق عبد الله زعزاع
- ناصر بوريطة يتباحث مع نظيرته من غينيا بيساو
- رواية -أشباح القدس-، سيمفونية الوجع الفلسطيني لواسيني الأعرج ...
- لوحة فنان روسي طليعي تباع في -سوثبي- بمبلغ 35 مليون دولار
- بشعر لمحمود درويش.. وزيرة الثقافة الجزائرية تتضامن مع فلسطين ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طالب عباس الظاهر - معزوفة الدم الصاخب - قصة قصيرة