أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميساء البشيتي - دخلت في الخمسين














المزيد.....

دخلت في الخمسين


ميساء البشيتي

الحوار المتمدن-العدد: 4209 - 2013 / 9 / 8 - 17:44
المحور: الادب والفن
    


شئت أم أبيت دخلت في الخمسين .. أحببت الخمسين أم لم أحببها .. رغبت فيها أم لم أرغب .. انتظرتها أم لم انتظر .. كل هذا لا يهم .. المهم أنني دخلت في الخمسين ووسط حالة من الذهول .. أنا في الخمسين كتلة من الذهول تمشي على قدمين .. تتلفت بذعر نحو الشمال ونحو اليمين .
لم أحبَّ الخمسين كما أحببت عقود عمري كلها .. هيَّ من أجبرتني على ذلك .. ففي كل عام .. في مثل هذا اليوم الجميل .. يوم مولدي .. أحدّثُ نفسي بحديث العيد .. وأقول لها وأعيد وأزيد .. قبل ألف دهر وُلدت في مثل هذا اليوم العتيد .. وكان جميلاً .. جميلاً .. أجمل بكثير من صباح العيد .
أما اليوم فحين عادتني ذاكرتي .. حرفت بيَّ عن مسارها .. لم تقف عند الألف دهر ساعة مولدي .. بل رمتني إلى السنوات العجاف .. فتحت لي كوة بالجدار تطل على داحس والغبراء .. وقالت لي وهي تشدُّني من طرف أذني الشمال .. هنا ولدت يا ميساء .. بين هؤلاء الأقوام .. الذين كانوا يتنازعون على فرس شقية .. مارست شقاوتها بفطرة البراءة .. فاشتعلت عبس وذبيان بذات الفطرة وذات البراءة ..
حتى لا تنسي نفسك أكثر .. وتظنين كعادتك أنك هبطت علينا على ذيل نجمة .. أو على جناحي سحابة خريفية .. أو ولدتك حبات المطر على غصن شجرة الميلاد ..
استغربت منها .. ومن ردة فعلها العنيفة .. ومن تعنيفها لي في يوم عظيم كيوم مولدي .. وصرخت في وجهها .. داحس والغبراء انتهت بعد الأربعين .. والفرس ولت هاربة بعد أن أودت بابن الورد .. وابن شداد .. وآخرين .. وقومي اليوم لا يتنازعون على فرس ولت هاربة .. قومي اليوم يتنازعون على الهواء .. كيف يشيدون من حوله قلاعاً وحصون .. وكيف يبنون أسواراً في وجه الهواء ويسحبون منه الأكسجين .
تنكرت لذاكرتي وتنكرت لي .. ودبَّ بيننا الخصام .
لعن الله الوحدة ومن أيقظها .. ذاكرتي كانت تؤنسني في وحدتي .. لكنها أصبحت عنيفة .. ولا تحمل إليَّ إلا صوراً للخراب وتماثيلَ الدمار .. وحين أقول لها أنا ظمأى تعرض إليَّ أنهاراً تجري من الدماء .. دماء أطفال .. دماء نساء .. دماء شيوخ .. ودماء الأرض التي أنجبتنا .. وأرضعتنا .. وسهرت علينا دون أن يغمض لها جفن .. أو يتثائب منها رمش ..
كيف لا أكره ذاكرتي .. ولا أتنكر لها .. وهي أصبحت كقومي .. ذاكرة وحشية .. لا تتكلم إلا في العنف .. وعن العنف .. وكيف تصبح عنيفاً منذ لحظة الميلاد ..
الوحدة قاتلة .. لم تعد أكف أمي الطاهرة معي لتطبطب على ظهري بحنان وتقول لي مبارك عليك دخولك الخمسين .. ولم تعد يدُ أبي الدافئة معي لتمسح على رأسي فتُسقط عنه كل الهموم .. وتعدني بالعودة إلى ملاعب الطفولة .. وفقأ أعين المحتلين ..
ما عاد في ذاكرتي من يحلم بالعودة .. ويرسمها في أفقه .. ويتذكر معي خارطة تلك الطريق .. وما عادت قهوة الصباح تأتيني أبخرتها من بين يديك الطاهرة يا أمي فأحتج عليها كعادتي حين أسوق عليك الدلال
" سكرها كثير " .
اليوم لم يبقَ لي إلا هذه الذاكرة العنيفة التي لا تحمل إلا صور الحرائق وهي تلتهم الشجر والبشر والطير والحجر .. لم تعد تهديني ياسمينة منك .. تحمل رائحة قلبك .. ربما لم يبقَ في حدائق قلبك ياسمينة واحدة لم تقصف أو تعرى أو تحرق أو تقطع أوصالها أو تقذف بالصواريخ .. لذلك تأتيني اليوم .. في يوم مولدي .. فارغاً من الياسمين .. ممتلئاً بالهم والحزن ووجع السنين ..
الوحدة قاتلة لعن الله من جعلني فريسة لها في هذا اليوم العظيم ..
يا قلبُ .. يا كلَّ الوطن .. يا كلَّ الياسمين وحبات المطر .. يا فاكهة الحروف وعناقيد الكلمات وحديث السمر .. إن بقيَّ في قلبك ياسمينة واحدة نجت من جشع التتار .. وسلمت من براثن الجاهلية .. فغنِ لها كي تكبر بسلام .. وصلِّ بكل جوارحك كي يحفظ الله طريقها إليَّ .. فما أقسى أن أدخل الخمسين مع ذاكرة لا يفوح منها عبقك ودلال الياسمين .. ما أقسى أن أدخل الخمسين ولا تكون أنتَ في انتظاري .. وقلب أمي .. ويد أبي .. وذاكرة تفوح من حاراتها السبع حقول الياسمين



#ميساء_البشيتي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاختلاف ثم الخلاف
- أطلقت عليك نيراني
- بتوقيت الغربة
- سلسلة حافية القدمين والبحر جزء 10
- وتعطلت لغة الكلام
- رواية
- الصامت إلى حين !
- سلسلة حافية القدمين والبحر جزء 9
- أوراق تنعي أصحابها .
- مطري أنت
- مطرٌّ أسود
- مجهول .. في عالم مجنون !
- صفحات غير مشوشة
- هنا القدس
- نيسان .. ارحل .
- إلى نيسان
- محطات
- همسات نورانية جزء 11
- كنتَ حلماً
- الحقيبة الحمراء


المزيد.....




- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...
- -فستان ينسجم مع لون عينيها-.. مريم أوزرلي تتألق بتصميم عربي ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميساء البشيتي - دخلت في الخمسين