أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يونس بنمورو - ترجمة [7] كيف تصبح أبا















المزيد.....

ترجمة [7] كيف تصبح أبا


يونس بنمورو

الحوار المتمدن-العدد: 3984 - 2013 / 1 / 26 - 18:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


السلوك خلال مرحلة المراهقة الأولى :

بعض المبادئ التربوية و أيضا السلوكية التي تم عرضها فيما سبق ، ستستمر و ستظل قائمة طيلة مرحلة الطفولة ؛ فشرود الطفل في هذه المرحلة بطريقة بارزة و ملحوظة ، سيظهر بين الفينة و الأخرى إلى حدود سن المراهقة الأولى حيث سيبدأ بالإختفاء و الزوال ؛ لكن بالمقابل ، سيظهر مبدأ جديد ، يتوجب تطبيقه و العمل به بضرورته و أهميته ؛ هذا المبدأ هو ذاك المتعلق بالتمييز بين المشاعر التي يمتلكها طفلكم ، وبين مختلف أفعاله و تصرفاته ؛ فمن ناحية الأفعال و السلوكات ، نشير لسلوك الطفل الخارجي ، كإجتيازه للشارع جريا و بعشوائية ، أو ضربه بعنف لأحد أصدقائه ، أو مشاركته للعبه مع الأطفال الآخرين ؛ أما من ناحية المشاعر و الإحساس ، نشير لتلك المشاعر الداخلية ، كالخوف و الغضب و الحب . لكن ، لماذا هذا التمييز بين السلوك و الأحاسيس جد مهم بالنسبة لكم ، بإعتباركم أباء ؟ و أين تكمن أهمية القيام به ؟ ببساطة ، لأن الطفل في هذه المرحلة يستطيع أن يتعلم بسهولة كيفية التحكم في مختلف أفعاله و تصرفاته ، لكن في ذات الوقت ، سيكون من العسير عليه فعل نفس الشيء مع أحاسيسه ، فبما أن مشاعره و مختلف أحاسيسه تتبادر إلى ذهنه عفويا ، فأنه في سنه هذا ، يتعذر عليه تغييرها أو طردها .
هذا التمييز بين الأحاسيس و السلوكات ، سيظل قائما كمبدأ إلى حدود عتبة سن الرشد ؛ لنأخذ من باب المثال ، الشعور بالغضب ؛ يستحيل على الطفل في هذه المرحلة أن يتملص من غضبه ، إذ هو عاجز بالكامل عن التحكم في كافة مشاعره سلبية كانت أو إيجابية ؛ لكن بالمقابل ، يستطيع السيطرة على مختلف سلوكاته و أفعاله التي تعبر و توحي عن غضبه ، كرمي الرمال في أعين طفل ما مثلا ، أو القيام بضرب أحد أصدقائه بعنف ؛ فإنطلاقا من وضعيتكم كأب ، مهمتكم الأولى هي خلق و تحديد حدود عقلانية لمختلف تصرفات طفلكم ، و التي يتوجب على هذا الأخير ، الإنصياع لها و إحترامها ؛ لكن ما هي تلك الحدود إذن ، بالنسبة لطفل في سنه الثانية فقط ؟ ستجدون عددا مهما من النصائح الأساسية في فصول كتابيTout se joue avant six ans و في كتاب Le bébé et l’enfant dans la culture contemporaine لمؤلفه الدكتور Gesell Ilg ؛ إذ داخل فصول الكتابين ، ستجدون ما يتوجب على طفلكم و بالخصوص في هذه المرحلة أن يفعله ، و أيضا ما لا يفعله .
للأسف نتعلم أغلب الأمور المتعلقة بالتنشئة و التربية ، من خلال تربيتنا لطفلنا الأول ، فبدون أي معرفة و تجربة مسبقة ، غالبا ما ننتظر من الطفل أن يكون ناضجا أو إن صح التعبير ، أن يكون رجلا صغيرا ، رغم عجزه عن فعل ذلك ؛ عموما ، نرغب من طفلنا أن يضع لنفسه حدودا ، و أ ن يسهر هو بنفسه على إحترامها و كأنه في سن متقدم ، و هو لم يتعدى بعد السنتين ، في حين أن الأمر منطقيا ، لن يتم كما نرغب و نريد ـ نحن كآباء ـ إلا بعد إجتيازه لمرحلة المراهقة الأولى ، حيث سيعلم و سيعي جيدا ما المنتظر منه .
إستهلوا تربيتكم لطفلكم في هذا الطور من نموه ، بتقبله كما هو ، و لا تنتظروا منه أن يتحلى بمواصفات نضج طفل في عمر الرابعة ، و هو لم يكمل بعد سنته الثانية ؛ و حاولوا بالموازاة لذلك التصريح بمتطلباتكم و رغباتكم حتى يعرفها الطفل ، و ذلك من خلال إقامة الحد الأدنى فقط من القواعد الواجب على الطفل إحترامها و بالأساس الخضوع لها ؛ ليست هناك قائمة معينة و لا لائحة جاهزة ، فلكل أسرة أسلوبها الخاص ، إذ أن بعض الأسر أكثر تسامحا مع الطفل و غالبا ما يفرضون عددا قليلا من القواعد ؛ بينما الطرف الأخر من بعض الأسر ، هم أشد صرامة و دقة ؛ هذا النوع من الأسر يمارسون قهرا و يتسببون في قلق سيكولوجي لطفلهم ، في حالة إذا ما فعل فقط ، نفس السلوك و التصرف الذي سلكه صديقه . شخصيا ، لا أعتقد أن مثل هذه القاعدة الأخيرة ، ستضيف شيئا أو تحمل الكثير لطفلكم ، بينما إذا كانت الضوابط جد عقلانية و متناغمة ، و بإمكانكم فعلا تبريرها ، أي تقديم تفسير لسبب إعتمادكم عليها ؛ بمعنى أخر ، إذا كانت زوجتكم و أنتم أيضا على إتفاق حول تلك الحدود ، و حول ضرورتها ، فهذا أمر جد مهم و سيكون أكثر أهمية ، إذا ما تم تطبقيها و تفعيلها ، في هذه الحالة ، ستكون مختلف تلك الضوابط و القواعد ، ذا فائدة و قيمة تربوية عالية .
أعتقد أن أغلب الآباء هم على أحقية و على كامل الصواب فيما يتعلق بالحدود المفروضة على أفعال و تصرفات أطفالهم ، لكن نادرا ما ينجحون في فرض نفس الحدود و الضوابط على مشاعر و أحاسيس الطفل ؛ فإذا أردتم أن يكون طفلكم متوازنا نفسيا و بتصور قوي و صلب حول ذاته ، يجب عليه أن يعبر و بكامل حريته ؛ لكن للأسف ، النزر القليل فقط من الآباء ، من يترك مساحة جد مهمة لأبنائه حتى يتمكنوا من التعبير بحرية مطلقة ؛ تصوروا معي حالة أب أخذ طفله للعب في الحديقة ، بعد فترة زمنية ، سيقرر الأب أن يحمل الطفل ليعود أدراجه ، لكن الطفل سينتصب قائلا " لا أرغب في الدخول ، أنت قبيح لأنك تريد أخذي للمنزل ، أنا لا أحبك " ماذا سيفعل الأب إذن في مثل هذه الحالة ؟ و كيف سيتصرف ؟ بطريقة طبيعة و كما هو الحال بالنسبة لأغلب الآباء ، سيرد بغضب ، و سيتصرف بعنف " ألا تستحيي مني ؛ لماذا تكلمني بهذه الطريقة " لكن لماذا إذن مثل هذا الجواب ؟ هل من الصواب منع الطفل و التضييق على حريته للتعبير عما يخالج صدره من مشاعر سلبية كالغضب ؟ أم أننا نريد سماع فقط مشاعره الإيجابية إتجاهنا ؟ فلتعلموا جيدا ، أنه فقط عندما يعبر الطفل عن مشاعره السلبية بدون خوف ، سيستطيع أيضا التعبير عن مشاعره الإيجابية ؛ فإذا ما كبحت و كبتت تلك المشاعر السلبية في صدر الطفل ، و عجز عن التصريح بها ؛ فإنه بالمقابل لذلك ، سيتعذر على مشاعر الحب و المحبة أن تنبثق بسهولة ، بينما مشاعر الغضب و العداوة لا زالت مكبوتة ، و جاثمة على تلك الأحاسيس الإيجابية ؛ فلماذا إذن نمنع أطفالنا من التعبير عن مشاعرهم و مختلف أحاسيسهم السلبية ؟ من المحتمل إذن ، أننا نعيد إنتاج ما تلقيناه في صغرنا ، إذ كل ما كان ممنوعا علينا فعله و القيام به ، و كل ما تم كبته داخل صدورنا في طفولتنا ، و هو ما نعيد تمريره و تلقينه لأبنائنا .
إن ما يتوجب علينا إذن كبحه ، هو مختلف تلك السلوكات و التصرفات غير المرغوب فيها ، و الممقوتة خاصة إجتماعيا » الضرب ـ رمي الرمال في أعين الأطفال ـ السرقة ... « و لكن بالمقابل ، يجب تأمين الحرية التامة لطفلكم حتى يتسنى له التعبير عن أحاسيسه و مشاعره ، سواء كانت محمودة أو مذمومة ، فإذا لم يقترف الآباء مثل هذا الخطأ ، و تركوا لأبنائهم كامل الحرية في التعبير عن أحاسيسهم ، فهم يحسنون صنعا ؛ و إذا ما تم كبحها ، فإنما فعله الآباء يعد خطأ تربويا لا يغتفر . فالأحاسيس المكبوتة هي السبب الرئيسي لمختلف الإضطرابات النفسية الخطيرة ، فالبالغون و الذي يعانون من هذه المشاكل على سبيل المثال ، يتعلمون عن طريق العلاج النفسي الكيفية الصحيحة للتعبير ؛ فالإنسان مثلا الذي يشتكي من مرض ما ، و يتمكن بطريقة أو بأخرى ، من التعبير عن معاناته الشديدة و المكبوتة ، فإن المرض سيبدأ بالإختفاء تدريجيا نتيجة لتمكنه من التعبير بحرية ؛ لذا علموا أطفالكم طرق التعبير وهم صغار ، هذا سيعزز حظوظهم في مرحلة بلوغهم ، إذ سيصبحون أكثر توازنا نفسيا ؛ لكنهم ليسوا بحاجة فقط ، لقول ما يفكرون فيه أو ما يحسون به ، لكن بحاجة أيضا و على وجه الخصوص ، لمعرفة أن أبائهم على علم و بينة بمشاعرهم و أحاسيسهم ؛ لكن كيف أمكن للأب ، أن يظهر لفلذات أكباده بأنه يفهمهم جيدا ؟ يمكنكم القول على غرار ما يلي : أعلم جيدا يا بني بما تحس ، فنفس الإحساس كان يخالجني و أنا في نفس عمرك . لكن مثل هذا الجواب ، لا يعدوا أن يكون طريقة تقليدية أقل بساطة و إقناعا ؛ إذ هناك طريقة أخرى جد فعالة و أكثر أهمية ، لمعرفة أي الأحاسيس تعتمل في صدور أبنائكم ، و هي تلك الطريقة التي إكتشفها السيكولوجي Carl Rogers منذ سنوات عداد ، و التي أطلق عليها إسم :العاطفة المنعكسة أو Feed-Back .

تقنية Feed-Back :

يتكون هذا المبدأ مما يلي :
يمكنكم أن تظهروا لطفلكم بأنكم تفهمون جيدا إحساسه ، و ذلك من خلال محاولة ترجمة مشاعره للغتكم الخاصة ، ومحاولة الإحساس بها كما لو أنها تحصل معكم ، أو تخصكم بالذات ، فالمسألة جد سهلة في هذه المرحلة من نمو طفلكم السيكولوجي ، إذ يمكنكم في غالب الأحيان إستعمال نفس الكلمات التي يستعملها طفلكم للتعبير عن أحاسيسه الخاصة ؛ فحسب ما قيل ، قد يأتي طفلكم ذو السنتين و الدموع تنزلق من عينيه الصغيرتين ، لأن أخاه الأكبر ذو الرابعة من عمره ، رمى بعض الحبيبات الرملية على وجهه ، في هذه الحالة مثلا ، يمكنكم إستعمال نفس الكلمات التي جاءت على لسان طفلكم و ذلك لنصل لمبتغانا ، و هو معرفة الطفل مدى إحساس والده بكل مشاعره ، إذ يمكنكم القول وفق نفس الحالة دائما : لقد قذف بالرمال على وجهك ؛ أو : أعلم بأنك غاضبا لأن " طومي " أرسل بالرمال على وجهك ؛ أو بعبارة أخر : هذا جعلك غاضبا ، لأن " طومي " رمى بحبيبات الرمال على عينيك .
يمكنكم ترجمة مشاعره إلى لغتكم الخاصة ، و إعادة إرسالها له بإستعمال كلماته الخاصة خصوصا ؛ وهذا ما أسمية ب La Technique du Feed-back ؛ إذ بترجمة و إعادة تأويل أحاسيس الطفل الخاصة و التعبير عنها ، سيتبدى لطفلكم قوة تعاطفكم معه ، و سيفهم بأنكم تقدرون و تفهمون جيدا مختلف مشاعره ؛ هذه التقنية جد مهمة في هذه المرحلة ، و بالتغاضي عنها سيقول الطفل : لا ، ليس هذا ما أحس به يا أبي ، أنت لم تفهمني . لذا فلتعلموا بأن السواد الأعظم من الآباء لا يرتهنون على هذه المنهجية لحل بعض الوضعيات المعقدة ، بقدر ما يحاولون بالأحرى ، الحديث فقط مع طفلهم بطريقة معينة ليتخلى هذا الأخير ، عن تلك المشاعر السلبية و ألا يصرح بها ، لأنها حسب إعتقادهم شيء قبيح ، و من غير الأخلاقي قوله .
لنأخذ على سبيل المثال ، طفلا في سنه العاشرة ، و الذي صرح لأبيه بقلقه و خشيته من الإمتحان ، إذ قال : أبي إني خائف من الإخفاق في إمتحان الرياضيات غدا صباحا . في الحالة العادية لأغلب الآباء ، سيجيبون على هذا المنوال : لا تهتم يا بني ، أنا متيقن بأنك ستنجح . أو : لقد نجحت في جميع إمتحاناتك هذه السنة ، و سيحصل نفس الشيء معك في هذا الإمتحان . أو بجواب أخر : لا تكن متشاءما يا إبني بخصوص إمتحانك هذا . فمن خلال هذه الأجوبة ، يتضح أنها لا تخلوا من حسن نية و تفاءل من جهة الأب ؛ لكن بالرغم من ذلك ، لم يساعد الأب طفله على ضبط خوفه ، و السيطرة على خشيته من إمتحان الرياضيات ، مما سيدفع بالإبن لأن يقول في قرارة نفسه ، و دون أن يصرح بذلك : إنه لمن غير المجدي الحديث إذ مع أبي ، فهو لا يفهمني بتاتا . لكن إذا ما إستعمل الأب منهجية و تقنية Feed-back سيجيب قائلا : أرى يا بني بأنك تحمل الموضوع أكثر مما يستحق ؛ إشرح لي جيدا سبب خوفك . بهذا السؤال ، سيحاول الطفل إذن عرض همومه و أسباب قلقه ، و التي من خلالها ستتيح للأب بدوره ، إمكانية ترجمة أحاسيس الطفل إلى لغته الخاصة ، ليعيد صياغتها من جديد ، لكن بنفس كلمات طفله ؛ بهذه الطريقة المنهجية ، سيتعرف الطفل و سيتيقن بأن والده يفهمه جيدا ، حتى أنها ستصبح مسألة يقينية بالنسبة له ، إذ سيعتبر أباه هو أفضل رفيق له أكثر من أصدقائه ، على إعتبار أن هذا الأخير يستوعبه و يقدره ، كما يخفف دائما من مشاكله و قلقه ؛ إذ ما إن يعبر الطفل عن ريبته أو تخوفه من شيء معين ، إلا و يجد أباه بجانبه ، ليطمئنه بطريقة إيجابية و جد ناجعة ؛ أسمي هذه الطريقة إذن ب La Technique du Feed-Back ، إذ ليست بتقنية فقط أو مهارة ، بل إنها أيضا موقف لمواجهة مصاعب الحياة ؛ قد يقض مضجعكم هذا الكلام ، لكن بقدر تكيفكم معها و تمكنكم من القيام بها ، بقدر ما ستعلمون بالملموس أنها تقنية سيكولوجية خالصة ، تستجيب لحل مشاكلكم .
فبإعتباركم أبا ، يتوجب عليكم الإهتمام بمشاعر طفلكم و مختلف أحاسيسه ، و ضرورة إحترامكم بالخصوص لحقه في التعبير عن تلك الأحاسيس ؛ هذه التقنية جد سهلة لتعلمها و فهمها ، لكن على النقيض من ذلك ، فيما يتعلق بتطبيقها و تفعيلها ، فبدون شك ، لأننا لم نتربى على نفس الطريقة ، أي أننا لم نعتد على التعبير عن مشاعرنا في طفولتنا ، لذا لن يكون سهلا علينا ترك مساحة واسعة لأطفالنا حتى يتسنى لهم التعبير ؛ لذا حاولوا قدر المستطاع مواجهة و مجابهة هذا العائق ، و ذلك بتدريب أنفسكم تدريجيا ، فما إن تحسوا بنتيجة هذا التدريب حتى تحسوا بالفرحة لنجاعتها . لكن هذه المنهجية ليست هي الضامن الوحيد لعلاقة حميمية و وطيدة بين الأب و إبنه ، إذ ليست لوحدها الدواء الشافي لمجموع مشاكلكم ، بينكم و بين إبنكم ، إذ يمكنها أن تكون مساعدة من جهة ، لكنها لن تكون بالجواب النهائي من جهة أخرى .
عندما يهم طفلكم بالدخول للمدرسة و الدموع تنهمر من أعينه الصغيرتين ، لسبب بسيط ، أنه لم يكن من المدعوين لحفلة عيد ميلاد أحد أصدقائه ؛ يمكنكم حينئذ أن تستندوا على تقنية Feed-back للتعبير عن مدى تفهمكم له ، و بالموازاة لذلك ، يمكنكم أيضا فعل أشياء أخرى لتهدئة و تليين الوضع ، عن طريق إقتراح إمكانية تنظيم حفلة صغيرة يوم السبت مثلا ، و له كامل الحق في دعوة أصدقاءه ؛ بتعبير أخر ، لا يمكنكم فقط التوكؤ على ذات التقنية ـ Feed-back ـ لكن يمكنكم بالمقابل لها ، أن تلعبوا أدوارا أخرى ، أكثر إيجابية في كل وضعية مؤلمة ، و محزنة بالنسبة للطفل ؛ و هذا سيكون مفيدا لعلاقتكم مع إبنكم ، لأنكم أولا إستمعتم له جيدا ، و تفاعلتم معه ؛ ثانيا ، لأنكم تصرفتم بليونة لتهدئة الوضع ، و ذلك بإقتراحكم القيام بحفلة . لكن في حالة ما إذا كانت الوضعية مختلفة ، أي أن مشاعر طفلكم السلبية كان سببها الرئيسي هو رفضكم لأحدى رغباته ، أي إذا ما رفضتم له إقتناء المثلجات للمرة الثانية ، و هو يعبر عن قلقة بالبكاء نتيجة هذا الرفض ؛ يمكنكم أن تستندوا على تقنية Feed-back للتعبير عن تعاطفكم معه ، لكن أن تشتروا له المثلجات للمرة الثانية ، فكأنما تدفع الطفل لإستدخال مبدأ جد خطير ؛ بمعنى أخر ، أنه سيجعل من البكاء سلاحا و آلية سيلزمكم من خلالها ، طوعا أو كرها على تغيير أفكاركم ، وهذا إذا ما تم سيعصف و سيهدد هبتكم و سلطتكم الأبوية . أما على النقيض من ذلك ، إذا كان طفلكم خجولا ، خائفا أو حتى غاضبا أمام وضعية معينة ، يتوجب عليكم مساعدته لإيجاد حل ما ، بمعنى إذا كان خائفا من اللعب مع أطفال آخرين ، دعوه يعبر عن خجله هذا ، وحاولوا إستعمال نفس التقنية السالفة الذكر ؛ لكن في نفس الآن ، يتوجب عليكم مساعدته لتجاوز مشكله هذا ، و ذلك بخلق برنامج متروي و جد حكيم ، يدفع بطفلكم إلى الإنفتاح على الآخرين ، من خلال زيارته لأحد أصدقاءه مثلا ، إذ يمكنكم تثمين هذه الزيارة من خلال الإحتفال ، و هذا ما سأتطرق له في الفصل القادم . أما إذا كان غاضبا لأن أصدقاءه يرفضون اللعب معه لأنه متسلط أو شرير ، حاولوا أن تقدموا له بعض الملاحظات غير المحسوسة ، و دون التأثير عليه سواء سيكولوجيا ، أو بدنيا من خلال ضربه و توبيخه ؛ فقط قولوا له مثلا : ربما رفضهم اللعب معك يا بني سببه كونك ترسل الرمال عليهم ، أو لأنهم لا يرغبون في الإستجابة و الخضوع لمختلف أوامرك التي تلزمهم بها ، أو لأنك تدفعهم للبكاء .
أغلب الآباء إذن يرتكبون العديد من الأخطاء في هذا الصدد ، بمحاولتهم لحل بعض المشاكل المرتبطة بأطفالهم ؛ لكن المسألة الأساسية التي لا يتوجب عليهم إغفالها ، هي حرية التعبير ، إتركوا لأبنائكم فرصا جمة ، لفضح ما يعتمل في صدورهم من أحاسيس و مشاعر ، و أظهروا لهم علاوة على ذلك ، مدى تفهمكم لهم .
في الأخير ، سنحاول إعادة ما قيل بطريقة مقتضبة ؛ دعوتكم في أول الأسطر ، إلى إقامة تمييز بين مشاعر الطفل و أيضا أفعاله ؛ كما إقترحت عليكم أيضا ، إقامة حدود عقلانية ، لتصرفاته دون التضييق بأي وجه كان ، على حقه في التعبير عن مختلف أحاسيسه ، كما شرحت لكم منهجية Feed-back . لكن في أخر هاته السطور ، سأنهي بمثال حي ، يجمل ما قيل ؛ يتعلق الأمر بوضعية واجهتها أنا شخصيا ذات يوم ، عندما كان عمر طفلي تقريبا سنتين ، أو على أكثر تقدير سنتين و نصف ، أخذته معي إلى الحديقة حتى يتسنى له اللعب ، و هذا ما حصل فعلا ، إذ باشر اللعب في الرمال ؛ لكن لحظة الرحيل ، إمتنع عن الذهاب قائلا : لا أريد الذهاب . و لحل مشكلتي هذه ، إرتهنت على نفس المنهجية و التقنية ، لأعبر له عن تعاطفي معه ، و قلت له : أعلم جيدا يا بني ، بأنك لا ترغب في الذهاب ، فأنت تستمتع بوقتك كثيرا . فأجاب : قلت لك لن أذهب . فأردفت أنا بدوري قائلا : فعلا ، أنت تلعب و تستمتع كثيرا بوقتك ، حتى أنك فضلت البقاء على الرحيل . مرت بعض الدقائق على أخر رد لي ، ثم حملته بقوة حول ذراعي ، لأضعه في الأخير داخل السيارة ، رغم صراخه و أيضا رفسه لي ، قائلا له : أنت عنيف و جد غاضب فعلا ، لأنك تريد البقاء في الحديقة ، بينما أنا أحملك إلى المنزل . فإذا تركته يضغط علي للبقاء و لو لهنيهات معدودات ، فكأني ألقنه أن يرفض الخضوع للحدود التي وضعتها ، لكن في نفس الوقت ، تركت له حرية التعبير و التنفيس عن أحاسيسه ؛ أما إذ لم أفعل ، فأني سأكون قد أقمعت جل مشاعره ، بل حطمت نموه السيكولوجي و صورته حول ذاته ، و لكن خلافا لما حصل ، سمحت له بالتعبير ، و أكدت له أكثر من ذلك ، على حقه في التعبير عن مختلف أحاسيسه المعتملة في صدره ، سواء إيجابية كانت أو سلبية .

يتبــــع ...






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثقافة المقاولة : مكوناتها و خصائصها
- ترجمة [6] كيف تصبح أبا
- جاك بيرك : شيخ المستشرقين المنحاز لقضايا العرب و المسلمين
- حسن المجاهيد : سوسيولوجيا العالم العربي لدى جاك بيرك
- ضيف و حوار : الدكتورة عائشة التاج
- ترجمة [5] كيف تصبح أبا
- ترجمة [4] كيف تصبح أبا
- ترجمة [3] كيف تصبح أبا
- ماكسيميليان فيبر: مسار عالم
- ترجمة [2] كيف تصبح أبا
- ترجمة [1] كيف تصبح أبا
- أوغست كونت : عندما تكون الإنهيارات الداخلية وراء الخلق و الإ ...
- بيير بورديو : مفكر الخلخلة و الإزعاج
- برقية سابعة من صديق على عتبة الإلحاد
- برقية سادسة من صديق على عتبة الإلحاد
- برقية خامسة من صديق على عتبة الإلحاد
- برقية رابعة من صديق على عتبة الإلحاد
- برقية ثالثة من صديق على عتبة الإلحاد
- برقية ثانية من صديق على عتبة الإلحاد
- برقية أولى من صديق على عتبة الإلحاد


المزيد.....




- بالبهجة والفرح.. لقطات من العالم العربي لاستقبال شهر رمضان
- الشركة المشغلة لـ-إيفرغيفن- بعد حجزها في مصر: نسعى إلى حل سر ...
- وزير الخارجية الأمريكي: حان الوقت لإعادة قواتنا إلى الوطن
- بالبهجة والفرح.. لقطات من العالم العربي لاستقبال شهر رمضان
- الشركة المشغلة لـ-إيفرغيفن- بعد حجزها في مصر: نسعى إلى حل سر ...
- شاهد.. حاملة -ثيودور روزفلت- الأمريكية ترافقها مجموعة من الس ...
- روسيا: بلادنا تستأنف مشاركتها في سباق القمر
- شويغو يروي كيف كاد دب أن يفسد مناورة فريدة لسلاح الغواصات
- محكمة الانتخابات الفلسطينية تنظر في 24 طعنا في الضفة وغزة
- وزير الخارجية التركي: أنقرة ترحب بـ-مرحلة جديدة- في العلاقات ...


المزيد.....

- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يونس بنمورو - ترجمة [7] كيف تصبح أبا