محمد منير مجاهد عضو مجلس أمناء -حزب التحالف الشعبي الاشتراكي- بمصر، في حوار مفتوح حول: دور الاستبداد والقمع في إضعاف حركة القوى الديمقراطية واليسارية، وكيف يمكن تعزيز قوتها التنظيمية والسياسية وتأثيرها الجماهيري.


محمد منير مجاهد
الحوار المتمدن - العدد: 3566 - 2011 / 12 / 4 - 13:21
المحور: مقابلات و حوارات     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.

حوارنا - 68 - سيكون مع الاستاذ د.محمد منير مجاهد عضو مجلس أمناء "حزب التحالف الشعبي الاشتراكي" بمصر حول: دور الاستبداد والقمع في إضعاف حركة القوى الديمقراطية واليسارية، وكيف يمكن تعزيز قوتها التنظيمية والسياسية وحركتها وتأثيرها الجماهيري لتتمكن من المشاركة بشكل فاعل في العملية السياسية التي تلت سقوط الأنظمة الاستبدادية.

 


التنظيم "كعب أخيل[i]" الثورة المصرية

 


"واسأليلي
كل عالم في بلدنا
كل برج وكل مادنه
كل صاحب من صحابنا
كل عيَّل من ولادنا
حد فيهم شاف علامة
من علامات القيامة
قبل ما تهل البشاير
يوم تمنتاشر يناير
لما قامت مصر قومة
بعد ما ظنوها
نومة
تلعن الجوع والمذلة
والمظالم
والحكومة"؟
أحمد فؤاد نجم
يناير 1977
 
بعد مرور ثلث قرن على انتفاضة 18 و19 يناير 1977 انتفض الشعب المصري وثار في 25 يناير 2011 وسط دهشة العالم كله بما فيه معظم قادة الفكر والرأي والسياسة في مصر، الذين في أحسن الأحوال كانوا يتحدثون عن حتمية تغيير الأوضاع والثورة ولكن في قرار أنفسهم لم يتصوروا أن يروا هذا اليوم بأعينهم، ولم يرى أي منهم علامة من علامات القيامة قبل أن تهل بشائر يوم 25 يناير، حينما نهضت مصر تلعن الجوع والمذلة والمظالم والحكومة وترفع شعار "عيش – حرية – عدالة اجتماعية"، وخلال الثمانية عشر يوما التي قضاها الشعب المصري معتصما في الشوارع والميادين حتى تنحى الرئيس حسني مبارك عن الحكم مسلما السلطة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في 11 فبراير 2011، عاشت الميادين تحت ظل "المدينة الفاضلة" فلم يُرفع أي شعار ديني أو طائفي، ولم تحدث أي حالات للتحرش الجنسي بالنساء المعتصمات، بل واختفت حالات السرقة والنشل، وكان المعتصمون يطبقون بشكل تلقائي مبدأ "من كل حسب قدرته إلى كل حسب حاجته"، فكان الثوار يوزعون الأطعمة التي في حوزتهم على المتواجدين بالتساوي، بالطبع لم يتحول الشعب المصري خلال أيام ميدان التحرير إلى شعب من الملائكة، إلا أنها أثبتت الإمكانات الكامنة وإمكانية التغيير.
 
اعتبارا من اليوم التالي مباشرة لخلع مبارك بدا أن الأمور تعود إلى ما كان سائدا أثناء عهده الكئيب، بدءا من التحرش الجنسي بالنساء في الميادين والشوارع، واستغلال الزحام في النشل والسرقة، إلى إثارة التوترات والعنف الطائفي، وانتهاء بارتكاب الدولة لمذابح رهيبة ضد المتظاهرين المسالمين في منطقة ماسبيرو يوم 9 أكتوبر، وفي ميدان التحرير في 19 نوفمبر والأيام التالية له، يمكن أن يضاف أيضا ظهور قوى وتيارات دينية بعضها قديم كالإخوان المسلمين وبعضها حديث كالحركات السلفية، وتصدرهم المشهد السياسي برغم المشاركة النشطة لنشطاء يساريين وتقدميين في الثورة، وهو الأمر الذي نلاحظه بشكل عام في الثورات العربية التي يطلق عليها إعلاميا "الربيع العربي"، في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن والبحرين وغيرهم، فماذا حدث؟ ولماذا؟ وكيف يمكن لقوى التغيير الحقيقية أن تستعيد تأثيرها؟ لا أزعم أنني امتلك الإجابة على كل هذه الأسئلة، ولا المعرفة الدقيقة بأوضاع الثورات العربية، وكل ما يمكنني أن أفعله حاليا هو أن أفكر معكم بصوت عالٍ مستعرضا أوضاع الثورة المصرية عسى أن نستطيع بلورة رؤية أوضح تساعدنا في التأثير في الأحداث الجارية في أوطاننا لتصب في خدمة التحرر والعدالة الاجتماعية والمساواة والثقافة المدنية العصرية وبناء المجتمع المدني الديمقراطي الحديث.
 
قد نحتاج لفهم التطورات الجارية في مصر حاليا للعودة إلى الوراء والتعرف في عجالة على الظروف التي صاحبت دخول الدولة الحديثة إلى مصر والتي يجمع معظم المؤرخين على أنها قد بدأت مع الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)[ii]
 
وبعد جلاء الفرنسيين عن مصر استطاع محمد علي[iii] أن يسيطر على الوضع، وأن يحوز رضا العلماء والتجار والأعيان حتى نادوا به والياً على مصر، وبعثوا برسالة للسلطان العثماني يطالبونه بتعيين محمد علي واليا علي مصر، فاستجاب لرغبتهم، واستقر محمد علي على أريكة الحكم في مصر سنة 1805 وظل يحكمها لنحو 43 سنة.
 
أسس محمد علي للدولة الحديثة في مصر بالقضاء على أسس الإقطاع الشرقي[iv] الذي رزحت مصر تحته لقرون طويلة بإلغاء نظام الالتزام والقضاء على المماليك في مذبحة القلعة وما تبعها من حملات عسكرية عنيفة ضدهم، إلا أنه استخدم في ذلك أساليب استبدادية أخرت من تطور الديمقراطية في مصر لقرن آخر من الزمان
 
شرع محمد علي في إنشاء جيش وطني ونشر التعليم وإرسل البعثات إلى الخارج وبالذات إلى فرنسا، مما أسس للطبقة الوسطى الحديثة، وقد أدت هذه البعثات إلى انتقال كثير من الأفكار الخاصة بالتحديث والديمقراطية عن طريق رفاعة الطهطاوي إلى مصر إلا أنها ظلت محدودة الأثر في وسط النخبة الجديدة التي شكلها محمد علي ولم تبدأ في الظهور إلا في عصر الخديوي إسماعيل الذي كان يسعى لأن تكون مصر "قطعة من أوروبا"، إلا أن هذا لم يتم على أرضية علمانية بل كان هناك نوع من المساومة أدت إلى نوع من الازدواجية فبدلا من تحديث الأزهر مثلا تم إنشاء دار العلوم، واستحدث منصب مفتي الديار المصرية لإعطاء صبغة "شرعية" للحكم، وإلى جانب المدارس النظامية الحديثة تواجدت الكتاتيب، باختصار ظل هناك نوع من التعايش بين الموروث الثقافي القديم والقيم الحديثة البازغة.
 
بدأت الخطوات الأولى نحو تأسيس الدولة القومية بإدخال المسيحيين في جهاز الدولة، وإن كان لم يتم تجنيد أي قبطي في الجيش، وهو ما تم تداركه في عهد سعيد باشا ثم حدث تطور نوعي في وضع الأقباط في عهد الخديوي إسماعيل، حيث ألغى سعيد  نظام الجزية في عام  1855، وبدأ  تجنيد الأقباط عام 1857، وعندما سن إسماعيل قانون إنشاء أول مجلس نيابي لم ينص على تفرقة على أساس الدين وكان في مجلسي 1866 و 1870 نواب أقباط، وفي 1880، صدر قانون القرعة العسكرية الخاص بالتجنيد الإجباري دون النظر إلى الديانة.
 
نشأت الأحزاب وتطورت في مصر بتطور مفهوم الدولة ذاته، وظهرت البدايات الأولى للحياة الحزبية المصرية مع نهاية القرن التاسع عشر، وتطورت الحياة الحزبية فى الخبرة المصرية عبر المراحل التالية[v]:
- المرحلة التكوينية التي سبقت ثورة 1919.
-  مرحلة التعددية الحزبية التي تلت ثورة 1919 واستمرت حتى عام 1952.
-  مرحلة التنظيم السياسي الواحد من عام 1953، حتى عام 1976.
- مرحلة التعددية الحزبية المقيدة التي بدأت مع صدور قانون الأحزاب السياسية عام 1977 واستمرت حتى قيام ثورة 25 يناير 2011.
-  وأخيراً يمكن الحديث عما يُسمى بـ "المرحلة التكوينية للتعددية الحزبية الحقيقية فيما بعد ثورة 25 يناير 2011".
 
في المرحلة التكونية كان لتأسيس مجلس شورى النواب عام 1866 دورا رئيسيا فى تطور الحياة السياسية، وتهيئة الأجواء للتفكير فى العمل الحزبي، ويُعد الحزب الوطني الذي أنشأه العرابيون عام 1879 أول الأحزاب السياسية فى تاريخ مصر، ونصت لائحته على أنه "حزب سياسي لا ديني (يعني أنه ليس حزبا دينيا) فإنه مؤلف من رجال مختلفي الاعتقاد والمذاهب وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها فهو منضم لهذا الحزب"، وقد  انتهى الوجود العملي لهذا الحزب بنفي العرابيين ، وخيانة بعض أعضائه من خلال تحالفهم مع الخديوي توفيق ، ثم جاء الاحتلال الانجليزي لمصر عام 1882 ليطوى صفحة هذا الحزب من خريطة الحياة السياسية المصرية.
 
وفي مرحلة التعددية الحزبية (1919-1952)، شكل دستور عام 1923 إطاراً دستورياً وقانونياً للحياة السياسية فى هذه المرحلة بشكل عام، وللحياة الحزبية والنيابية بشكل خاص حيث ساد البلاد مناخ ليبرالي اتسم باحترام الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وفى مقدمتها حرية التعبير، وتكوين الأحزاب والجمعيات، إلا أنه رغم تزايد عدد الأحزاب التي تم تأسيسها، وتباينها من حيث التوجهات والأهداف وتشعب انتماءاتها، فإن الممارسة العملية أظهرت أن النظام الحزبي آنذاك غلب عليه سيطرة حزب واحد قوى تمتع بشعبية كبيرة، هو حزب الوفد فى ظل تدخل مستمر من جانب " القصر" باتجاه تزوير الانتخابات لصالح أحزاب الأقلية، وانتهاك الدستور، مما أدى إلى شيوع الصراعات الحزبية، وعدم الاستقرار الوزاري ومن ثم السياسي، وإضعاف الأحزاب والحياة الحزبية.
 
ويمكن تصنيف الأحزاب السياسية التي ظهرت خلال هذه الفترة إلى أربع مجموعات رئيسية هي:

- الأحزاب الليبرالية:  وهى تشمل حزب الوفد، والأحزاب المنشقة عليه وهى الأحرار الدستوريين (1922)، والحزب السعدي (1937)، وحزب الكتلة الوفدية (1942).
- الأحزاب الاشتراكية: ومن أهمها الحزب الاشتراكي المصري الذي تأسس في أغسطس  1921 وبعدما ارتبط بالأممية الشيوعية غيّر اسمه إلى "الحزب الشيوعي المصري”، وقامت حكومة سعد زغلول الوفدية بحله في مارس 1924، تكون في الأربعينيات عدد من التنظيمات اليسارية مثل الحركة الديمقراطية الديمقراطية للتحرر الوطني، والحزب الشيوعي المصري وطليعة العمال ومنظمة القلعة وغيرهم،
أحزاب السراي "الأحزاب الموالية للملك": مثل حزب الشعب، وحزب الاتحاد.
الأحزاب والجماعات الدينية: وهى الإخوان المسلمون، وحزب الله، وحزب الإخاء، وحزب الإصلاح الإسلامي .
 
أدى ضعف الأحزاب والحياة الحزبية إلى مرحلة التنظيم السياسي الواحد (1953-1976)، في أعقاب ثورة 23 يوليو 1952، و بدأت هذه المرحلة باتخاذ مجلس قيادة الثورة عدة إجراءات فى سبتمبر عام 1953، كحل الأحزاب السياسية القائمة، وحظر تكوين أحزاب سياسية جديدة، وبذلك انتهت مرحلة التعددية الحزبية،  وبدأت مرحلة جديدة اتسمت بالاعتماد بصفة رئيسية على التنظيم السياسي الواحد، حيث تم تأسيس تنظيم "هيئة التحرير" فى يناير عام 1953م، ثم حل محلها بعد ذلك تنظيم "الاتحاد القومي" فى عام 1956، وتبعها "الاتحاد الاشتراكي العربي" فى عام 1964 كتنظيم سياسي شعبي جديد يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة بدلاً من الاتحاد القومي، وقد أدت هزيمة 1967 إلى نزع الشرعية عن التنظيم السياسي الواحد، وبوفاة الرئيس جمال عبد الناصر المفاجئة في سبتمبر 1970 بدأت صراعات كبيرة بين الأجنحة المختلفة داخل الاتحاد الاشتراكي العربي، وهو ما مهد لمرحلة التعددية الحزبية المقيدة التي استمرت حتى ثورة 25 يناير 2011.
 
وقد بدأت إرهاصات تلك المرحة مع قرار الرئيس السادات فى مارس عام 1976 بقيام ثلاثة منابر حزبية فى إطار الاتحاد الاشتراكي تمثل اليمين والوسط واليسار، ثم تحويلها فى 22 نوفمبر من نفس العام إلى أحزاب سياسية كانت النواة الأولى للتعددية الحزبية المقيدة التي تأسست بصدور قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977، وقد بلغ عدد الأحزاب السياسية التي تأسست خلال هذه المرحلة 24 حزباً، اختلفت فيما بينها من حيث النشأة وفقاً لثلاثة أساليب وهى:

أسلوب تحويل المنابر إلى أحزاب: ووفقاً له نشأت 3 أحزاب، هي: حزب مصر العربي الاشتراكي (1977)، وحزب الأحرار الاشتراكيين (1977)، وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي (1977).
أسلوب التصريح من قبل لجنة شئون الأحزاب: ومن خلاله قامت 10 أحزاب من أهمها: الحزب الوطني الديمقراطي (1978)، وهو الحزب الذي ورث حزب مصر العربي الاشتراكي، والذي بدوره كان وريثا للاتحاد الاشتراكي العربي، وحزب الوفد الجديد (1978)،وحزب العمل الاشتراكي (1978)، وحزب الجبهة الديمقراطية (2007)، وعدد من الأحزاب الكرتونية لاستكمال الشكل الديمقراطي.
أسلوب الأحكام القضائية: وبمقتضاه تشكل 11 حزباً، أهمها هو الحزب العربي الديمقراطي الناصري (1992)، وبقيتها أحزاب كرتونية.
 
نلاحظ من الاستعراض السابق أنه منذ أوائل القرن العشرين تبلورت أربعة اتجاهات سياسية هي:
 
الاتجاه الليبرالي: الذي مثله سياسيا حزب الوفد، والذي ضعف بسبب الانشقاقات المتتالية عنه قي فترة الثلاثينيات والأربعينيات، ثم تم الإجهاز عليه بحل الأحزاب في 1953، ولم يستطع الحزب أن يعيد تشكيل نفسه كقوة يعتد بها بعد وفاة عبد الناصر وبدء مرحلة التعددية المقيدة، وانسحب هذا على بقية التنظيمات "الليبرالية" كحزب الوفد الجديد، وحزب الغد،
 
الاتجاه الاشتراكي: الذي مثله سياسيا الحزب الاشتراكي المصري، والذي تعرض لضربة شديدة من الليبرالية المصرية عام 1924، حينما أصدر سعد زغلول قرارا بحله، وواكب هذا حملة تشويه شديدة لمقاصده وأهدافه ومبادئه، ومنذ ذلك التاريخ فقد هذا الاتجاه القدرة على استعادة توحده وظل مشرذما ومفتتا، سواء في مرحلة الأربعينيات التي تمثل العصر الذهبي لهذا التيار، أو في المرحلة الحديثة الممتدة منذ منتصف السبعينيات وحتى الآن.
 
- الاتجاه القومي: الذي لم يبلور أحزاب سياسية قبل ثورة 1952، وإن كان هناك عدد من الرموز التي شاركت في الحركة القومية العربية مثل الفريق عزيز المصري، وعبد الرحمن باشا عزام، وغيرهما، وبدأ هذا التيار يكتسب زخما في مصر مع تأسيس دولة إسرائيل، وكانت هناك بعض امتدادات تنظيمية لحزب البعث الاشتراكي وحركة القوميين العرب، إلا أن تأسيس هذا التيار في مصر يرجع إلى جمال عبد الناصر، وهو ما كان له تأثير سلبي على القدرات التنظيمية للاتجاه القومي في مصر الذي اعتاد أن يتحرك من خلال السلطة، وليس من خلال التواجد الفعلي في صفوف الناس، ومع تولي الرئيس السادات السلطة وتوجيه الضربات إليه فقد القاعدة التي ينطلق منها، وتفتت بين عدد من التنظيمات السياسية.
 
- اتجاه الإسلام السياسي: وهو التيار الظاهر حاليا على المشهد السياسي في مصر وغيرها من دول "الربيع العربي"، وقد مثل هذا التيار تقليديا جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا عام 1928، وبدرجة أقل الجمعيات السلفية التي تأسست في نفس الفترة تقريبا كالجمعية الشرعية، وجمعية العاملين بالكتاب والسنة المحمدية، وغيرهما، وتعد جماعة الإخوان المسلمين من أكبر التيارات الدينية في مصر وتبلغ عضويتها حوالي 750 ألف عضو، وهم منظمون جيداً ومدربون على العمل الاجتماعي ومتغلغلون في الجمعيات الأهلية وفي المساجد وفي معظم النقابات المهنية ويستطيعون أن يحشدوا العديد من المنتمين والمتعاطفين وقتما يريدون، ولهم خبرة كبيرة وواسعة في خوض الانتخابات البرلمانية منذ 1984، وهم على دراية بطبيعة الانتخابات والدوائر والجداول الانتخابية،  لهم العديد من النواب البرلمانيين المعروفين مثل سعد الكتاتني – محمد البلتاجي – صبحي صالح – حمدي حسن – أحمد دياب - جمال حشمت ..وغيرهم مما يسهل من نجاحهم.
 
أما التيار السلفي فيتكون من العديد من الاتجاهات الدينية والتي لم يكن لها أي علاقة بالسياسة من قريب أو بعيد، وكان لهم موقف سلبي أثناء الثورة وكانت مباحث أمن الدولة قبل الثورة تستخدمهم لتنفيذ أغراضها، وقد انقسم السلفيون حول ممارسة الديمقراطية وذلك لأن الأيدلوجية السلفية بشكل عام ترى أن الديمقراطية كفر بالله تعالى، وذلك لأنه في النظم الديمقراطية تكون مرجعية التشريع للشعب، بينما يجب أن تكون - حسب قولهم - "لله” وبالتالي فأن ما يترتب عليها من انتخابات تشريعية وغيرها أمور محرمة، ولا يجوز المشاركة فيها.
 
أدى الاستبداد السياسي وعصف النظام بالحياة المدنية المصرية وبمنظمات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات .. الخ، إلى تعاظم الدور الذي تلعبه دور العبادة كوسيلة للاجتماع ( لبعض الوقت) ولحل المشكلات الاجتماعية التي تقاعست الدولة عن حلها (الصحة – التعليم – التكافل الاجتماعي.. الخ)، وكان تفكك الدولة وتدهورها، وغياب الديمقراطية هما العنصران الحاسمان اللذان أعطيا للروابط والمؤسسات الدينية ذلك الزخم، ومن ثم دعم من حيث لا يدري تنظيمات الإسلام السياسي التي تمركزت في المساجد، وقدمت من خلالها مشاريع للمستوصفات الطبية الرخيصة، ومجموعات دروس تقوية لطلاب المدارس، ومشاريع للتكافل الاجتماعي لرعاية الأرامل والمطلقات وتزويج الفقيرات، وتوزيع الصدقات على المحتاجين ... الخ، ومن ثم تجنيد الأعضاء والأصدقاء والمتعاطفين.
 
من ناحية أخرى فقد كان العيب الأصيل في المستوى السياسي هو غياب الديمقراطية، فالشعب المصري لم يمارس طوال حياته الديمقراطية بشكلها المعروف في الدول المتقدمة، وفي الهند، وحاليا في معظم أقطار أمريكا الجنوبية بمعنى التعددية السياسية بلا قيود واحترام حقوق الإنسان بما فيها حق الاجتماع العارض (التظاهر) والمستمر (تكوين جمعيات أو نقابات أو نوادي أو أحزاب ... الخ)، وما يقوله البعض عن "عصر ليبرالي" عرفته مصر في الفترة 1923-1953 وهم لا تسنده أي وقائع، فدستور 1923 كان معيبا من البداية وأسمى سعد زغلول اللجنة التي وضعته بلجنة الأشقياء، وقد رفضه الوفد ثم عاد وقبل بإجراء الانتخاب في ظله ووصل الحكم في 1924، وقد أوقف العمل بالدستور أو ببعض أبوابه أكثر من مرة وألغي تماما في 1930 وحل محله دستور آخر، وإذا كان هناك عدد من الأحزاب قد نشأ في تلك الفترة فإن كلا الاتجاهات الدينية والاشتراكية حرمت من هذا الحق وعدل قانون العقوبات لتغليظ العقوبة على الحركة الشيوعية بالذات، فكان من السهل مد التحريم لأي دعوة للاشتراكية[vi]
 
في السنوات العشر الأخيرة من حكم الرئيس ازداد تردي الأوضاع المعيشية والسياسية والاقتصادية للشعب المصري، وتزايد الفساد لمعدلات غير مسبوقة، وتزايد الاعتداءات الطائفية، وهو ما أدى لتحركات جماهيرية من فئات وقطاعات عديدة كالعمال والفلاحين والطلاب والنساء ومؤخرا المسيحيين وغيرهم من غير المسلمين، وأصبح هناك اتجاه عام لتزايد الاحتجاجات بأنواعها وقد شهدت السنوات الأخيرة من حكم مبارك طفرة في استخدام سلاحي الاعتصام والإضراب، حيث تحرك المهندسون الديمقراطيون لإنهاء الحراسة الحكومية على نقابتهم، وتحرك أطباء بلا حقوق لاكتساب حقوقهم، وتحرك القضاة الأحرار واعتصموا لأول مرة في تاريخهم ونظموا وقفة احتجاجية أمام دار القضاء العالي، ونفذ 55 ألفًا من موظفي الضرائب العقارية تهديدهم بتنظيم إضراب واعتصام مفتوح أمام مجلس الوزراء، وقاد عمال المحلة تحركات الطبقة العاملة المصرية للحصول على مطالبها الاقتصادية، واستبسل شعبنا في دمياط لإيقاف مصنع أجريوم الملوث للبيئة.
 
انطلقت الثورة يوم 25 يناير 2011 الذي اختير ليوافق عيد الشرطة، وحددته عدة حركات اجتماعية من بينها حركة شباب 6 أبريل، وحركة كفاية، وكذلك مجموعات الشبان عبر موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك والتي من أشهرها مجموعة «كلنا خالد سعيد» و«شبكة رصد» وأيضا شبان الإخوان المسلمين، حملة دعم البرادعي رئيسا، والاشتراكيين الثوريين، وشباب حزب التجمع، وشباب حزب الجبهة الديمقراطية، وغيرهم من التنظيمات الصغيرة والتجمعات الاحتجاجية الذين شكلوا فيما بينهم في الأيام الأولى للثورة "ائتلاف شباب الثورة" كتجمع فضفاض لينسق حركتهم، فلم يكن هؤلاء الشبان يتصورون أن دعوتهم للتظاهر في هذا اليوم ستتحول إلى ثورة بانضمام الشعب إليهم[vii]
 
كان المشهد عشية الثورة يتلخص طبقا للاستعراض السابق في:
-  دخول مصر للحداثة لم يتم على أرضية علمانية بل كان هناك دائما نوع من المساومة أدت إلى نوع من الازدواجية التي ظلت قائمة ويتعايش فيها القديم مع الجديد، وتتجاذب مصر ما بين التقدم للإمام والعودة للخلف.
-  غياب التقاليد الديمقراطية، فالشعب المصري لم يمارس طوال حياته الديمقراطية بشكلها المعروف بمعنى التعددية السياسية بلا قيود واحترام حقوق الإنسان بما فيها حق الاجتماع العارض (التظاهر) والمستمر (تكوين جمعيات أو نقابات أو نوادي أو أحزاب ... الخ).
-  ضعف وتشرذم التنظيمات الليبرالية والقومية واليسارية بسبب الاستبداد السياسي، الذي أدى في نفس الوقت إلى تعاظم قوة تنظيمات الإسلام السياسي نتيجة لتعاظم الدور الذي تلعبه دور العبادة كوسيلة للاجتماع، ولحل المشكلات الاجتماعية التي تقاعست الدولة عن حلها.
 
لهذا لم تقم الثورة بقيادة تنظيم سياسي، ولم تكن لها قيادة موحدة، ومن ثم فقد آلت السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وكان جوهر سياسات المجلس – وما زال - هو الحفاظ على طبيعة النظام المباركي بأقل قدر من التغيير، ومن هنا فقد عقد صفقة مع تنظيم الإخوان المسلمين، تتمثل في قيام الإخوان بالحفاظ على جوهر النظام الرئاسي الاستبدادي بأن تكون حدود التعديلات الدستورية هي تلك التي أرادها الرئيس مبارك قبل الإطاحة به، والمساعدة في إيقاف الإضرابات والاعتصامات التي تقوم بها كافة الشرائح الاجتماعية المظلومة كالعمال والفلاحين وصغار الموظفين والتي امتدت إلى جهاز الشرطة ذاته، وفي المقابل يسمح المجلس للإخوان بحرية الحركة وإنشاء حزبهم رغم قيامه على أساس ديني، وبناء عليه شُكلت لجنة التعديلات الدستورية برئاسة المستشار طارق البشرى الموالي للإخوان المسلمين، وعضوية صبحي صالح الذي ليس له أي صفة داخل اللجنة سوى تمثيل الإخوان المسلمين، ثم شاركت هذه اللجنة في صياغة القوانين التي تجرم الإضرابات والاعتصامات، وتقيد تنظيم الأحزاب الجديدة، وقوانين الانتخابات وتشكيل مجلسي الشعب والشورى ... الخ.
 
من ناحية أخرى أدت الثورة إلى رفع الغطاء الذي كان يمنع التنظيم فظهرت عشرات الحركات والتنظيمات والأحزاب والائتلافات، وتبلورت بعضها في تحالفات انتخابية لمواجهة الصعوبات الناجمة عن خارطة الطريق التي وضعها المجلس العسكري وحلفاءه من تيار الإسلام السياسي، وعلى سبيل المثال لم يحصل حزب التحالف الشعبي الاشتراكي (وهو الحزب الرئيسي لليسار الآن) على الترخيص إلا قبل فتح باب الترشيح للانتخابات البرلمانية بحوالي أسبوعين.
 
الاستنتاج الرئيسي لهذا المقال هو أن ضعف التنظيمات اليسارية الثورية هو نقطة الضعف الرئيسية في الثورة المصرية (وربما بقية الثورات العربية)، ولكن هذا الأمر ممكن ويجب تغييره، والطريق لهذا غير ممهد ويتطلب إضافة للمبدئية الثورية والوضوح النظري القدرة على التعامل المرن مع الواقع، وأظن أن الطريق الوحيد لهذا هو أن نتمسك بالديمقراطية طريقا بأكبر قدر من المبدئية التي تبعدنا عن مربع "الديمقراطية جيدة طالما أتت بمن أريد"، لأنه موقف انتقائي يجعلنا نخسر الكثير على المستوى الشعبي لأن الديمقراطية جيدة لأنها قادرة على تصحيح نفسها، وهي التي توفر لنا إمكانية بناء الحزب الاشتراكي الذي نطمح إليه والذي يمكن أن يقود الثورة لتحقيق أهدافنا.
 
لتوضيح هذه النقطة اسمحوا لي أن استعرض التقييم الأولي لبعض المكاسب الناجمة عن مشاركة حزب التحالف الشعبي الاشتراكي[viii] – الذي أشرف بكوني أحد مؤسسيه – على ضوء نتائج المرحلة الأولى للانتخابات المصرية التي جرت يومي 28 و29 نوفمبر 2011
- تواجد أعضاء الحزب الوليد فى العشوائيات والأزقة والقرى والضواحي مع ما يعنيه ذلك من معرفه أكثر قربا بالجماهير ومشاكلها وتعرف الجماهير على توجهاتنا وبرنامجنا، والدعاية الواسعة لاسم الحزب وقائمته الانتخابية
-  اكتساب كوادر الحزب خبرات إدارية وتنظيمية ستكون مفيدة للحزب، ولم تكن هناك مناسبة أفضل من معركة الانتخابات لاكتسابها
-  تبني مرشحي الحزب الكامل لمطالب الثوار في ميدان التحرير فى دعايتهم، وعندما كان تعليق الحملات واجبنا علقت بشكل فعلى، وحينما أصبحت العودة للميدان ضرورية عادوا بلا تردد وسقط من الحزب مصابين جدد، وبذل شبابنا كل جهد ممكن للدفاع عن الثورة وبالتالي انحزنا للموقف الثوري بصرف النظر عما لحق بنا من ضرر انتخابي.
 
كانت هذه هي خواطري وأفكاري التي أتطلع لمساهماتكم في نقدها وتطويرها وتصحيحها كي تنطلق ثوراتنا العربية إلى المستقبل الذي تستحقه.

***********************************************
 الهوامش

[i] أخيل هو احد قادة جند الإغريق في حصار طروادة وكي يصبح من الخالدين حسب الأساطير الإغريقية كان يجب أن يغطس في الماء وهو مولدا، وعندما قامت أمه بذلك أمسكته من كعب احد قدميه وغطسته في مياه نهــــــــر سيتكس، فكان هذا المكان الوحيد في جسمه الذي لم يغمره الماء، وأصبح بذلك نقطة ضعفه، وتعارف الناس على استعمال لفظ كعب أخيل للتدليل عن نقطة الضعـف.
 
[ii] قامت بها الجيوش الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، بغرض جعل مصر قاعدة إستراتيجية تكون نواة للإمبراطورية الفرنسية في الشرق، وبعد فشل أهدافهم وإنهزامهم أمام الجيوش الإنجليزية بعد تحطيم أسطولهم في معركة أبو قير البحرية، رحلوا عن مصر عام 1801م بعد قضاء حوالي 3 سنوات .
 
[iii] ولد محمد علي في عام 1770م لأسرة متوسطة الحال في مدينة قولة بمقدونيا التي كانت تخضع وقتئذ - شأنها شأن مصر للدولة العثمانية - والتي تقع اليوم في شمال شرقي اليونان. وفي عام 1801، أي عندما بلغ الحادية والثلاثين من العمر انخرط في فرقة عسكرية مشكلة من جنود ألبان غير نظاميين أمر بجمعهم السلطان العثماني سليم الثالث وبإرسالهم لمصر للمشاركة في طرد الفرنسيين منها.
 
[iv] منذ انهيار دولة الفراعنة التي استمرت لنحو ثلاثة آلاف عام تحول النظام إلى ما يشبه النظام الإقطاعي حيث لم يكن هناك ملاك أراضي ولكن موظفين لجمع الضرائب الباهظة والتي استقرت أثناء الدولة العثمانية في نظام الالتزام وطبقة المماليك
 
[v] أنظر " تطور الحياة الحزبية فى مصر" على موقع الهيئة العام للاستعلامات، http://www.sis.gov.eg/Ar/LastPage.aspx?Category_ID=121
 
[vi] إسماعيل صبري عبد الله، "الأقباط والانتخابات" محاضرة في أسقفية الشباب بتاريخ 30/1/1996.
 
[vii] في لقاء مع زياد العليمي وشادي الغزالي حرب قالوا أن التخطيط كان الحشد لهذه المظاهرة بحيث يمكنهم تنظيم مظاهرات كبيرة في 6 إبريل 2011 في ذكرى انتفاضة عمال المحلة عام 2006.
 
[viii] من رسالة للزميل صبري فوزي بعنوان "افتخر بحزبي ورفاقي" بتاريخ 2 ديسمبر 2011.‏