-الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس-..
اجمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 19:56
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كتاب : "الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس"
صمت المدافع: التواطؤ الأوروبي في سياق العدوان على إيران
بين شرعية الدفاع عن النفس وسقوط القانون الدولي
المقدمة
في مديح الخراب: لحظة انهيار النظام العالمي
١. استهلال: حين يسقط القناع عن وجه الحداثة
في زمن يتسارع فيه التاريخ كالسهم الطائش، وتتهاوى فيه المعايير كما تتهاوى أعمدة الدخان في سماء معركة لا تعرف الرحمة، نقف اليوم على حافة هاوية جديدة. إنه آذار/مارس 2026، والشمس تشرق على عالم لم يعد كما كان، عالم يشهد ولادة وحش جديد من رحم أوهام الحضارة الغربية. ليس هذا الذي يحدث مجرد عدوان عسكري عابر في بقعة ملتهبة من بقاع الأرض، بل هو إعلان صريح، مكتوب بدماء الأبرياء، عن نهاية زمن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، ذلك النظام الذي وُلد من رحم معسكرات الموت النازية ليعد البشرية: "لن يتكرر الأمر ثانية".
ها هي ذي البشرية تشهد تكراراً، ولكن بصيغة أكثر بشاعة، وأكثر تطوراً في أدواتها، وأكثر خبثاً في خطابها التبريري. إنها النازية بعيون زرقاء وبدلات أنيقة، النازية التي تتحدث بلغة الديمقراطية وحقوق الإنسان بينما تقصف المستشفيات بالأسلحة الذكية، النازية التي تبارك اغتيال رجال الدولة وتصفهم بالإرهابيين. هذه النازية الجديدة لا ترتدي الزي البني ولا ترفع الصليب المعقوف، بل ترتدي ربطة عنق حريرية وتحمل رايات "النظام الدولي القائم على القواعد"، تلك القواعد التي لا تطبق إلا على الضعفاء، والتي تتحول إلى حبر على ورق حين يتعلق الأمر بحلفائها.
نحن أمام مشهد تراجيدي مهيب: تحالف دولي عريض، يمتد من واشنطن إلى تل أبيب، مروراً بعواصم محميات الخليج الصهيو أمريكية وعبر قواعد في قبرص والأردن وتركيا، يتحد لتوجيه ضربات قاتلة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي المشهد ذاته، تقف أوروبا، تلك السيدة العجوز التي كانت يوماً منارة للقانون والحق، تقف صامتة، صامتة بصمت يجلجل كالرعد في صحراء الضمير الإنساني. إنه "صمت أوروبا المذنب"، كما تصفه صحيفة لوموند في مقالتها الشجاعة، ذلك الصمت الذي لا يقل جريمة عن العدوان نفسه.
٢. تأمل في طبيعة اللحظة التاريخية
لكي نفهم ما يجري، علينا أن نخلع عن أعيننا غشاوة السياسة الآنية، وأن ننظر إلى الأحداث بعين المؤرخ الذي يقرأ المستقبل، لا بعين الصحفي الذي ينقل الخبر العاجل. ما نشهده اليوم هو تتويج لمسار طويل من محاولة فرض "النظام العالمي الأحادي" على مقدرات البشرية، ذلك النظام الذي أرادته الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي واجهته مقاومة شرسة من أطراف متعددة في العالم، وفي مقدمتها إيران الإسلامية.
هذا النظام الأحادي لم يكن يوماً مجرد توزيع للقوى على خريطة العالم، بل كان مشروعاً حضارياً متكاملاً، هدفه الأول والأخير هو تحويل كل ما هو خارج عن دائرة "المركز" الرأسمالي الغربي إلى مجرد أدوات وموارد. فكما يقول المنظرون الكبار للنظام العالمي، إن الرأسمالية لا تكتفي باستغلال "الأطراف"، بل تعمل باستمرار على إعادة إنتاج علاقات التبعية التي تضمن استمرار تدفق الثروات من المحيطات إلى المركز.
إيران، في هذا السياق، لم تكن مجرد دولة أخرى في الشرق الأوسط. إيران كانت الحالة الشاذة، الحالة التي قالت "لا" في وجه هذا المشروع. لم تكتفِ بأن تكون مستقلة سياسياً، بل أرادت أن تقدم نموذجاً تنموياً مستقلاً، ونموذجاً سياسياً لا يخضع للإملاءات الغربية، والأهم من ذلك، أن تكون حاضنة لكل من رفض هذا المشروع في المنطقة، من لبنان إلى فلسطين إلى العراق وسوريا واليمن.
لذلك، فإن العدوان على إيران ليس عدواناً عابراً، وليس حرباً تقليدية بين دولتين. إنه حرب وجودية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إنه محاولة يائسة من "المركز" لقطع رأس الأفعى، أي لتصفية آخر مركز قوة مستقلة في المنطقة، بعد أن فشل في تصفية المقاومة في فلسطين ولبنان. إنه اعتراف ضمني بأن كل أدوات الهيمنة الناعمة قد فشلت، وأنه لم يبقَ سوى الخيار العسكري المباشر.
٣. في نقد المصطلح: لماذا "نازي"؟
قد يتساءل البعض: أليس في استعمال مصطلح "نازي" مبالغة أو تحميل للأحداث ما لا تحتمل؟ الجواب، في سياق هذا التحليل، هو لا. إن النازية، كظاهرة تاريخية، لم تكن مجرد حركة سياسية ألمانية، بل كانت تجسيداً متطرفاً لفكرة تفوق عرق على آخر، وحق العرق المتفوق في السيطرة على مقدرات العالم وتصفية من يقف في طريقه. هذه الفكرة نفسها، بجوهرها، هي ما نراه اليوم في خطاب اليمين الصهيوني المتطرف، وفي عقيدة "الاستثناء الأمريكي" التي تبيح لواشنطن ما لا تبيح لغيرها.
عندما يتحدث نتنياهو عن "أمة إسرائيل" وكأنها كيان فوق القانون، وعن حقها في الدفاع عن النفس إلى أقصى الحدود بينما تُحرم الشعوب الأخرى من هذا الحق، فإنه يعيد إنتاج الخطاب النازي بامتياز. وعندما تعلن الولايات المتحدة أن لديها قائمة من الدول "الخارجة عن القانون" التي يجب ترويضها أو إسقاط أنظمتها، فإنها تضع نفسها في موقع "القاضي الأعلى" الذي كان هتلر يحلم به.
لكن الفارق بين النازية القديمة والنازية الجديدة هو في الأدوات والخطاب. النازية القديمة كانت صريحة في عنصريتها ووحشيتها، أما النازية الجديدة فتختبئ وراء أقنعة "القيم العالمية" و"حقوق الإنسان" و"محاربة الإرهاب". إنها نازية مستترة، ولذلك هي أكثر خطورة، لأنها تستطيع أن تجند لها نخباً مثقفة من كل أنحاء العالم، تستطيع أن تجعل ضحاياها يشكون في أنفسهم قبل أن يشكوا في جلاّديهم.
العدوان على إيران في آذار 2026 هو لحظة كشف لهذا القناع. إنه اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويظهر الوجه الحقيقي لهذا المشروع: وجه الوحش.
٤. الطابع النازي للتحالف الدولي
لنتأمل هذا التحالف العجيب الذي يضرب إيران. إنه ليس تحالفاً عسكرياً تقليدياً تجمعه مصالح عابرة. إنه تحالف يقوم على أيديولوجية ضمنية مشتركة: كراهية الآخر المختلف، وكراهية النموذج المستقل، وكراهية المشروع الحضاري الذي لا يخضع للإملاءات الغربية.
الولايات المتحدة، في هذا التحالف، هي القائد التاريخي للمشروع الرأسمالي العالمي، وهي التي تمتلك أدوات القوة المادية والسياسية. إسرائيل، هي الواجهة الاستيطانية لهذا المشروع في المنطقة، وهي التي تقدم الغطاء الأيديولوجي والديني للعدوان. دول الخليج، هي المحميات النفطية التي تقدم المال والأرض والقواعد العسكرية. الأردن، هو الحارس الصامت للحدود الذي يقدم التسهيلات اللوجستية. تركيا، العضو في حلف الناتو، تقدم قاعدة إنجرليك الاستراتيجية. قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي، تقدم قواعدها البريطانية.
هذا التحالف لا يقوم على المصالح فقط، بل يقوم على إرث استعماري طويل، وعلى عقدة نقص حضاري تجاه إيران، تلك الدولة التي كانت يوماً إمبراطورية عظمى عندما كان أجداد هؤلاء لا يزالون في خيامهم. إنه تحالف "الأطراف التابعة" ضد "المركز المستقل"، ولكنه هذه المرة يحدث تحت القيادة المباشرة للمركز الإمبريالي نفسه.
الطابع النازي هنا يتجلى في محاولة "التطهير" الوجودي. ليس المطلوب هزيمة إيران عسكرياً فقط، بل المطلوب تدمير نموذجها السياسي والاقتصادي والثقافي، المطلوب إخضاعها بالكامل، أو تحويلها إلى دولة فاشلة لا تستطيع أن تقدم نموذجاً بديلاً لأي شعب في المنطقة. هذا هو منطق الإبادة الجماعية للنماذج الحضارية، وهو أخطر من الإبادة الجماعية للبشر.
٥. المحميات: من دولة السيادة إلى ثكنات الإمبريالية
لا يمكن فهم المشهد من دون تحليل معمق لوضع "المحميات" الخليجية والعربية. لقد أنتجت عقود من الهيمنة الأمريكية على المنطقة ما يمكن تسميته "دولة القاعدة العسكرية". هذه الدول، التي تحتفظ بسيادة شكلية وعلم يرفرف في الأمم المتحدة، فقدت جوهر السيادة، أي القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة في السياسة الخارجية والأمن القومي.
في الواقع العملي، تحولت هذه الدول إلى مجرد قواعد عسكرية متقدمة للجيش الأمريكي. قيادتها العسكرية مندمجة بالكامل مع القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم). أجهزتها الاستخباراتية تعمل كفروع للـ CIA. اقتصادها مربوط بالدولار ومصالح الشركات الغربية. وأخيراً، قراراتها السياسية تُتخذ في واشنطن قبل أن تُصادق عليها في عواصمها.
عندما تشارك هذه الدول في العدوان على إيران، فإنها لا تقدم دعماً جانبياً، بل تصبح شريكاً أصيلاً في الجريمة. قواعدها الجوية تنطلق منها الطائرات الحربية. مجالها الجوي يعبره الطيران المعتدي. موانئها تستقبل السفن الحربية. أنظمتها الدفاعية تقدم الغطاء للعدوان. في هذه الحالة، لا يمكن الحديث عن "دول محايدة" أو "دول غير مشاركة"، بل عن دول معتدية بكل ما في الكلمة من معنى.
الأردن، على سبيل المثال، كان دائماً يحتفظ بعلاقات خاصة مع الغرب، لكن مشاركته في هذا العدوان تمثل نقطة تحول خطيرة. إن قبول الأردن باستخدام قواعده أو مجاله الجوي لضرب إيران يعني أنه أصبح طرفاً في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، إلا من خلال التبعية العمياء للمشروع الأمريكي. هذا القرار سيكلف الأردن ثمناً باهظاً على المدى البعيد، ليس فقط من علاقاته مع إيران، بل من استقراره الداخلي، ومن مكانته في العالمين العربي والإسلامي.
٦. قبرص وتركيا: التناقض الأوروبي في أقصى تجلياته
المفارقة الكبرى في هذا العدوان تتمثل في دور كل من قبرص وتركيا. قبرص، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، تسمح باستخدام القواعد العسكرية البريطانية على أرضها. هذه القواعد، التي بقيت كآثار استعمارية من الماضي، تتحول اليوم إلى منصات انطلاق لعدوان على دولة مجاورة. بموجب قوانين الاتحاد الأوروبي، يفترض أن تكون قبرص ملزمة بالسياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد، لكنها هنا تتصرف كدولة محايدة تسمح باستخدام أراضيها لأغراض حربية، في تناقض صارخ مع التزاماتها الأوروبية.
تركيا، من جهتها، العضو في حلف شمال الأطلسي، تقدم قاعدة إنجرليك الجوية الاستراتيجية. هذه القاعدة، التي تضم أسلحة نووية أمريكية، أصبحت مركزاً حيوياً للعمليات ضد إيران. المفارقة هنا أن تركيا، التي كانت تسعى لسنوات إلى لعب دور إقليمي مستقل، وإلى تحسين علاقاتها مع إيران، تجد نفسها مرة أخرى في موقع التابع الذي لا يستطيع مخالفة أوامر الحلف.
هذا الوضع يعري التناقضات الكامنة في البنية الأمنية الأوروبية - الأطلسية. فالاتحاد الأوروبي، الذي يتباهى بسياسة خارجية موحدة، لا يستطيع حتى أن يمنع دولة عضو من أن تتحول إلى قاعدة خلفية لعدوان على جارة. وحلف الناتو، الذي يدّعي أنه دفاعي، يستخدم لشن حروب عدوانية خارج حدوده.
٧. أوروبا: سقوط القناع الإنساني
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بنت أوروبا لنفسها صورة "القارة الإنسانية"، القارة التي تعلمت من أخطائها الماضية، والتي تضع حقوق الإنسان والديمقراطية والقانون الدولي في صميم سياساتها. هذه الصورة كانت دائماً محل شك من قبل شعوب الجنوب التي عانت من الاستعمار الأوروبي، لكنها ظلت، على الأقل، تشكل معياراً أخلاقياً يمكن الاحتكام إليه.
العدوان على إيران يسقط هذا القناع نهائياً. أوروبا اليوم، ممثلة بثلاثيتها الكبرى (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا)، لا تكتفي بعدم إدانة العدوان، بل تقدم الدعم السياسي والاقتصادي والاستخباري له. إنها تكرر بذلك سيناريو غزو العراق عام 2003، ولكن بشكل أكثر خزياً، لأنها تفعل ذلك بعد أن شاهدت نتائج ذلك الغزو الكارثية.
صمت أوروبا هو "صمت مذنب" كما تقول لوموند، ولكنه أيضاً صمت فاضح. إنه يكشف أن أوروبا لم تعد سوى ذراع مدني للإمبراطورية الأمريكية. لقد تحول الاتحاد الأوروبي من مشروع سلام إلى مجرد نادٍ اقتصادي يتبع القيادة الأمريكية في كل ما هو استراتيجي. وهذا التحول ليس وليد اليوم، بل هو نتاج عقود من التبعية الأمنية لحلف الناتو، والتبعية الثقافية للنموذج الأمريكي، والتبعية الاقتصادية لسياسات العولمة التي تصممها واشنطن.
ما يثير السخرية المريرة هو أن أوروبا التي ترفع شعارات "الالتزام بالقانون الدولي" في أوكرانيا، تسكت تماماً عن انتهاكات هذا القانون في إيران. لماذا؟ لأن العدوان على إيران يخدم مصالحها الاستراتيجية المباشرة: إضعاف منافس في سوق الطاقة، توجيه ضربة لمحور الممانعة، إرضاء الضغوط الأمريكية، والأهم من ذلك، حماية إسرائيل، تلك الدولة التي ترمز، في اللاوعي الأوروبي ، حسب وسائل إعلام الأقلية الاوليغارشية الغربية ، إلى "التكفير عن ذنب المحرقة"، حتى لو كان ذلك على حساب ملايين الإيرانيين والعرب والمسلمين.
٨. صورة النقيض: الصمت الذي يجلجل
هناك صمت، وهناك صمت. صمت الجاهل الذي لا يعرف، وصمت الخائف الذي لا يجرؤ، وصمت المتواطئ الذي يختار ألا يرى. صمت أوروبا هو من النوع الثالث والأخطر. إنه صمت المتفرج الذي يقف على شاطئ البحر يشاهد غريقاً يصرخ طلباً للنجدة، لا لأنه عاجز عن إنقاذه، بل لأنه يريد له أن يغرق.
هذا الصمت ليس فراغاً، بل هو فعل سياسي بامتياز. إنه يقول للمعتدي: "أنت حر، افعل ما تشاء، لن نقف في طريقك". وهو يقول للضحية: "أنت وحدك، لا تنتظر منا شيئاً". بهذا الصمت، تشارك أوروبا في العدوان أكثر مما تشارك به بعض الدول المشاركة فعلياً.
ولأن الصمت هنا هو فعل، فإنه يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية ذاتها التي يتحملها الفعل المباشر. عندما تصمت ألمانيا، وهي القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، فإنها تعطي الغطاء للعدوان. عندما تصمت فرنسا، صاحبة إعلان حقوق الإنسان، فإنها تخون إرثها الثوري. عندما تصمت بريطانيا، العضو الدائم في مجلس الأمن، فإنها تخون التزاماتها الدولية.
هذا الصمت الأوروبي هو بمثابة إعلان وفاة للقانون الدولي. فالقانون لا يعيش فقط في النصوص، بل في الإرادة السياسية لتطبيقه. حين تختفي هذه الإرادة، يتحول القانون إلى مجرد كلمات على ورق، وإلى أداة في يد القوي يسلطها على الضعيف متى شاء، ويتجاوزها متى شاء.
٩. إيران في مرآة التاريخ
لإيران في هذا المشهد مكانة خاصة. هي ليست مجرد ضحية عادية، بل هي ضحية نموذجية، ضحية لأنها اختارت أن تكون مختلفة. إيران اليوم تدفع ثمن ثورتها الإسلامية عام 1979، تلك الثورة التي قلبت الموازين في المنطقة، والتي قالت بوضوح: لا للهيمنة الأمريكية، لا للتبعية، لا للتطبيع مع إسرائيل.
منذ ذلك التاريخ، وإيران تخوض معركة وجودية مع المشروع الغربي - الصهيوني. حرب الثماني سنوات مع العراق (1980-1988) كانت الحلقة الأولى في هذه المواجهة. ثم جاءت سنوات العقوبات والحصار والتجريم الدولي. ثم تصفية القادة بالاغتيالات والاغتيالات. ثم الحرب السيبرانية. ثم الضغوط الاقتصادية الخانقة. والآن، العدوان العسكري المباشر.
لكن إيران، في كل هذه المحطات، أظهرت صموداً استثنائياً. لقد بنت لنفسها نموذجاً تنموياً مستقلاً، واستطاعت أن تحقق إنجازات علمية هائلة رغم الحصار، ونسجت شبكة من العلاقات الإقليمية مع قوى المقاومة جعلت منها قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها. هذا الصمود هو الذي يغضب الغرب، لأنه يثبت أن النموذج المستقل ممكن، وأن الإرادة الوطنية يمكن أن تنتصر على آلة الهيمنة العالمية.
العدوان الجديد هو محاولة يائسة لكسر هذا الصمود، ولتوجيه ضربة قاضية للنموذج الإيراني. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سينجح؟ التاريخ يقول لا. فإيران التي صمدت أمام ثماني سنوات من حرب شاملة، وأمام أربعين عاماً من العقوبات، ليست دولة يمكن كسرها بضربات جوية، مهما كانت كثيفة.
١٠. المعركة القانونية: من يحاكم من؟
في خضم هذه الحرب الضروس، يبرز سؤال القانون: من هو المجرم؟ ومن هو القاضي؟ القانون الدولي، كما هو مُصاغ اليوم، هو نتاج توازنات القوى بعد الحرب العالمية الثانية. مؤسساته، وفياً للأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، هي محاولة لإضفاء الطابع المؤسسي على العلاقات الدولية، ولفرض بعض القواعد على سلوك الدول.
لكن هذه المؤسسات تعاني من عيوب بنيوية تجعلها عاجزة أمام الدول الكبرى. حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن يشل قدرة المنظمة على التحرك ضد مصالح القوى العظمى. المحكمة الجنائية الدولية تواجه مقاطعة الولايات المتحدة وتهديداتها المستمرة. والمعاهدات الدولية تبقى حبراً على ورق ما لم ترافقها إرادة سياسية للتنفيذ.
مع ذلك، يبقى القانون الدولي ساحة معركة مهمة. إيران، في هذه المعركة، تمتلك أوراقاً قوية. ميثاق الأمم المتحدة، في مادته 51، يعطيها الحق في الدفاع عن النفس. قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن حرمة السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. ومبدأ "المسؤولية عن الحماية" الذي يمكن أن ينقلب ضد من يستخدمه لتبرير العدوان.
المطلوب اليوم هو تحويل هذه الأوراق القانونية إلى أدوات ضغط سياسية. من خلال التحرك الدبلوماسي في المحافل الدولية، ومن خلال رفع دعاوى قضائية ضد قادة الدول المعتدية، ومن خلال فضح ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. هذا النضال القانوني ليس بديلاً عن النضال العسكري والسياسي، لكنه مكمل له.
١١. ترامب ونتنياهو: مجرما حرب بمواصفات خاصة
في قائمة المجرمين الذين يجب تقديمهم للعدالة، يأتي دونالد ترامب في المقدمة. ترامب، الذي انسحب من الاتفاق النووي أحادياً، وفرض أقسى عقوبات في التاريخ على إيران، وأمر باغتيال قاسم سليماني، وقادة المقاومة، وهو الآن يشرف على هذا العدوان الشامل. ترامب يجسد الوجه الأكثر وحشية للرأسمالية الأمريكية، بلا قناع، بلا تبريرات أخلاقية، بلا أي التزام بالقانون الدولي.
بجانبه يقف بنيامين نتنياهو، الرجل الذي كرس حياته لتصفية القضية الفلسطينية وتدمير محور المقاومة. نتنياهو، الذي تحدى المجتمع الدولي مراراً، والذي صرح علناً أنه سيمنع إيران من امتلاك السلاح النووي بأي ثمن. نتنياهو يمثل الوجه الاستيطاني الاستعماري لإسرائيل، بكل ما يحمله من عنصرية وتطرف.
هذان الرجلان، مع قادة المحميات الذين شاركوا في العدوان، يجب أن يكونوا على رأس قائمة المجرمين الدوليين. إنهم مسؤولون عن جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وعدوان، واحتلال. إن العدالة الدولية الحقيقية تبدأ بمحاكمتهم، تماماً كما بدأت العدالة بعد الحرب العالمية الثانية بمحاكمة قادة النازية في نورنبيرغ.
لكن هل ستحدث هذه المحاكمات؟ التاريخ يعلمنا أن العدالة الدولية لا تتحقق إلا عندما تتغير موازين القوى. قادة النازية حوكموا لأن ألمانيا هُزمت. قادة الحرب في يوغسلافيا السابقة حوكموا لأن المشروع الدولي كان بحاجة إلى إضفاء الشرعية على تدخله. أما اليوم، ومع استمرار هيمنة القوى الغربية، فإن محاكمة ترامب أو نتنياهو تبدو مستحيلة.
لكن المستحيل اليوم قد يصبح ممكناً غداً. إذا استمرت إيران في صمودها، وإذا توسعت المقاومة في المنطقة، وإذا تغيرت موازين القوى العالمية لصالح القوى الصاعدة (الصين، روسيا، الهند، البرازيل)، فقد يأتي يوم يجلس فيه هؤلاء المجرمون على قفص الاتهام.
١٢. حق الدفاع عن النفس: المادة 51 في الميزان
المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على "حق الدول في الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي إذا وقع اعتداء مسلح". هذا الحق ليس مشروطاً، وليس معلقاً على موافقة مجلس الأمن، بل هو حق طبيعي أصيل لكل دولة تتعرض للعدوان.
إيران، بعد هذا العدوان الشامل، تمتلك حقاً كاملاً في الدفاع عن نفسها. وهذا الحق لا يقتصر على صد الهجوم على أراضيها، بل يمتد إلى استهداف مصادر التهديد أينما وجدت، بما في ذلك القواعد العسكرية التي انطلق منها العدوان في الدول المجاورة، والمصالح الأمريكية والإسرائيلية في كل مكان، والبنى التحتية الحيوية للدول المعتدية.
لكن ممارسة هذا الحق تخضع لقيود: التناسب، وعدم استهداف المدنيين، والضرورة العسكرية. إيران، في ردها، يجب أن تراعي هذه القيود، ليس فقط من أجل الالتزام بالقانون الدولي، بل أيضاً من أجل الحفاظ على شرعيتها الأخلاقية في المعركة. الرد العسكري يجب أن يكون محسوباً ودقيقاً، بحيث يعاقب المعتدي دون أن يتحول إلى اعتداء جديد.
في المقابل، الدول التي استخدمت أراضيها للعدوان لا تملك حق التذرع بالسيادة لدرء الرد الإيراني. من يفتح أراضيه للمعتدي يتحمل تبعات ذلك. القواعد العسكرية في الخليج، وفي الأردن، وفي قبرص، وفي تركيا، تصبح أهدافاً مشروعة طالما استمر استخدامها في العدوان. ليس هذا انتهاكاً للسيادة، بل هو ممارسة مشروعة لحق الدفاع عن النفس ضد من انتهك السيادة أولاً.
١٣. التعويضات: ليس فقط مالاً، بل اعترافاً
لا يمكن إنهاء هذه الحرب من دون حديث جاد عن التعويضات. فإيران، التي تتعرض لعدوان شامل، والتي تدفع ثمناً باهظاً في الأرواح والبنى التحتية، يحق لها الحصول على تعويضات كاملة وعادلة.
لكن التعويضات هنا تتجاوز البعد المالي. إنها تتضمن:
· التعويض المادي: إعادة إعمار كل ما دمره العدوان من منشآت مدنية وعسكرية، بمليارات الدولارات، تدفعها الدول المعتدية مجتمعة، وتحت إشراف أممي.
· التعويض عن الأضرار البيئية: إذا استخدم العدوان أسلحة تلوث البيئة (كاليورانيوم المنضب أو القنابل الفوسفورية)، فإن الدول المعتدية ملزمة بدفع تكاليف إزالة هذا التلوث ومعالجة آثاره الصحية.
· التعويض عن الأرواح: تعويضات مالية لعائلات الشهداء والجرحى، ليس كـ"دية" تقليدية، بل كتعويض عن جريمة قتل منظمة، بزيادات رادعة.
· التعويض الأدبي والسياسي: الاعتراف الرسمي من الدول المعتدية بمسؤوليتها عن العدوان، وإصدار قرارات رسمية تلغي أي عقوبات ظالمة فرضتها على إيران، وتعتذر للشعب الإيراني عما لحق به من أذى.
هذه التعويضات ليست صدقة، بل هي حق قانوني وأخلاقي. إيران لا تطلب charity، بل تطالب بحقها المسلوب. والمجتمع الدولي، إذا كان يملك ذرة من ضمير، يجب أن يدعم هذا المطلب.
١٤. نحو نظام عالمي جديد: من الهيمنة إلى التعددية
ما حدث في آذار 2026 هو درس قاسٍ، لكنه ضروري. إنه يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن النظام العالمي الحالي فاشل، وأن القانون الدولي لا يحمي الضعفاء، بل يستخدم لحماية الأقوياء. لذلك، فإن الخلاص الوحيد هو العمل من أجل نظام عالمي جديد، متعدد الأقطاب، يقوم على احترام السيادة، والمساواة بين الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
هذا النظام الجديد ليس حلماً طوباوياً، بل هو ضرورة تاريخية. صعود الصين اقتصادياً، وعودة روسيا كلاعب عالمي، وبروز قوى إقليمية كبرى كالهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، كلها عوامل تمهد الطريق لهذا التحول. إيران، بصمودها، تساهم في تسريع هذا التحول، لأنها تثبت أن الهيمنة الأمريكية ليست قدراً محتوماً، وأن البديل ممكن.
في هذا النظام الجديد، يجب أن يكون هناك مكان للمؤسسات الدولية الحقيقية، مؤسسات لا تخضع لسيطرة قلة من الدول، وتعكس التنوع الحضاري للبشرية. يجب أن يكون هناك مكان للعدالة الحقيقية، التي تحاكم المجرمين مهما كانت جنسياتهم، وتحمي الضعفاء مهما كانت قوتهم. والأهم، يجب أن يكون هناك مكان للسلام العادل، الذي يقوم على احترام حقوق الشعور، وليس على توازن الرعب.
١٥. الخلاصة: إيران والرهان التاريخي
تقف إيران اليوم أمام امتحان مصيري. ليست معركتها معركة حدود أو سياسات آنية، بل معركة وجود وحضارة. إنها تخوض، نيابة عن كل المستضعفين في الأرض، معركة تقرير المصير ضد آلة الهيمنة العالمية.
الرهان كبير، والتضحيات جسيمة، لكن الأمل معقود على صمود هذا الشعب العريق، وعلى حكمة قيادته، وعلى دعم كل أحرار العالم. ففي النهاية، العدالة أقوى من الظلم، والحق أقوى من الباطل، وإرادة الشعوب أقوى من جبروت الإمبراطوريات.
صمت أوروبا المذنب لن يدوم إلى الأبد. قريباً، سيكتشف الأوروبيون أن صمتهم اليوم سيكلفهم غداً. سيكتشفون أن التخلي عن المبادئ من أجل المصالح الآنية هو خيانة لمستقبل أطفالهم. وسيكتشفون أن أمنهم الحقيقي لا يتحقق بالتحالف مع الظالمين، بل بالوقوف مع الحق والعدالة.
أما إيران، فستنتصر. ليس لأن لديها أقوى جيش أو أكثر الأسلحة تطوراً، بل لأن لديها الحق، ولديها الإرادة، ولديها التاريخ. في معركة الحق ضد الباطل، النتيجة محسومة منذ الأزل. وقد آن الأوان ليرى العالم هذه الحقيقة تتجلى على أرض الواقع.
……..
الفصل الأول
تأصيل المفهوم: العدوان النازي الجديد في القرن الحادي والعشرين
أو: في تجليات الوحش حين يخلع قناعه
١. مدخل: في ضرورة إعادة تعريف الوحش
ليس كل عدوان نازياً، وليس كل نازي عدواً تقليدياً. النازية، كظاهرة تاريخية وحضارية، تتجاوز كونها حركة سياسية ألمانية انتهت في مخابئ برلين عام 1945. إنها نمط من التفكير، ونسق من العلاقة مع الآخر، ومنهج في التعامل مع الاختلاف، يتجلى في لحظات تاريخية متعددة، ويتخذ أشكالاً متباينة حسب ظروف كل عصر وأدواته.
ما نشهده اليوم في العدوان على إيران ليس مجرد حرب تقليدية بين دول، ولا هو صراع حدودي عابر. إنه لحظة تجلٍ جديدة للوحش النازي، ولكن بثوب تقني، وبخطاب "إنساني"، وبغطاء "قانوني". إنها النازية التي تتعلم من أخطائها التاريخية، فتحرص على ألا تترك أرشيفاً صورياً يفضحها، وألا تُصدر بيانات رسمية توقعها في حرج المحاكمات المستقبلية، لكنها مع ذلك تترك آثارها على جثث الأطفال، وتلك آثار لا تمحى ولا تُنكر.
في هذا الفصل، سنحاول تفكيك هذه الظاهرة الجديدة/القديمة، ليس عبر الاستعارات البلاغية السهلة، بل عبر تحليل بنيوي للمكونات الأساسية التي تجعل من هذا العدوان عملاً نازياً بامتياز. وسنبدأ من أكثر لحظاته بشاعة، تلك اللحظة التي سقط فيها مئة وستون طفلة في مدرسة "الشجرة الطيبة" بميناب، لننطلق منها إلى تأمل أعمق في طبيعة القوة التي تبرر لنفسها قتل الأطفال، وتختلق الأعذار لتصفية الأبرياء، وتجد في لون الحجاب أو شكل الملبس مبرراً للإبادة.
٢. مشهد البداية: ميناب، الثامن والعشرون من شباط، التاسعة والنصف صباحاً
لكي نفهم النازية الجديدة، يجب أن نبدأ من المشهد الأكثر تفصيلاً، الأكثر إيلاماً، الأكثر دلالة. في صباح ذلك اليوم الجميل من أواخر الشتاء الإيراني، كانت شمس هرمزجان تشرق على مدينة ميناب الساحلية بدفء لا يختلف عن دفء أي صباح مدرسي في أي مكان من العالم. كانت الحافلات الصفراء تقف أمام مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية للبنات، تفرغ حمولتها من الزغاريد والضجيج والحقائب الملونة. كانت الأمهات يودعن بناتهن بقبلات سريعة، ووعود بالحلوى بعد العودة، وتوصيات بالانتباه إلى الدروس.
في تلك اللحظة بالذات، كانت غرفة العمليات المشتركة في مكان ما من الشرق الأوسط، أو ربما في قاعدة عسكرية بعيدة في الخليج، أو على متن حاملة طائرات تسبح في مياه المنطقة، تعقد اجتماعها الصباحي. كانت الشاشات تعرض صور الأقمار الاصطناعية، وكانت الإحداثيات ترفرف على الخرائط الرقمية. كان الهدف واضحاً: قاعدة "سيد الشهداء" البحرية التابعة للحرس الثوري، وتحديداً لواء "عاصف" الصاروخي. كان القرار قد اتخذ، والأوامر نُفذت، والصواريخ انطلقت .
لكن ما حدث بعد ذلك ليس مجرد خطأ في الإحداثيات، وليس مجرد "ضرر جانبي" كما تسميه أدبيات الحرب الحديثة. ما حدث هو أن صاروخ "توماهوك" الأمريكي، ذلك الصاروخ الذي لا تمتلكه إسرائيل ولا إيران، ذلك الصاروخ الذي تصفه وزارة الدفاع الأمريكية بأنه "عالية الدقة" و"موجهة بعيد المدى" ، ذلك الصاروخ الذي يبلغ طوله عشرين قدماً ويحمل رأساً حربياً يعادل ثلاثمئة رطل من مادة TNT ، هذا الصاروخ بالذات لم يصب الهدف العسكري فقط. لقد ضرب، في الوقت نفسه، وبالتزامن الدقيق، مبنى المدرسة المنفصل تماماً عن القاعدة.
لقد وثقت كاميرات المراقبة، وحللها خبراء الذخائر، وأكدتها تحقيقات "بيلينغكات" و"نيويورك تايمز" و"هيومن رايتس ووتش"، أن الضربة كانت مزدوجة ومتزامنة: عمود دخان أسود كثيف يتصاعد من داخل القاعدة العسكرية، وعمود آخر يتصاعد من موقع المدرسة المستقلة جغرافياً . ليس خطأ تقنياً، ولا صاروخاً ضالاً، بل ضربتان منفصلتان لهدفين منفصلين.
والنتيجة: مئة وخمس وستون طفلة، تتراوح أعمارهن بين السابعة والثانية عشرة، يجدن أنفسهن فجأة تحت الأنقاض. كتبهن الدراسية تمزقت، ضفائرهن تلونت بالدماء، حقائبهن المدرسية تحولت إلى أكفان. وفي المشهد الموازي، كان آباؤهن يتسابقون إلى المدرسة بعد سماع الانفجار، ليجدوا مبنى منهاراً بالكامل، وجثثاً صغيرة تنتشل من تحت الردم، وعيوناً لا تزال مفتوحة تبحث عن أمهاتها .
٣. دفاع المتوحش: كيف يبرر النازي الجديد قتل الأطفال؟
لكن اللحظة الأكثر كشفاً للوجه النازي الحقيقي لم تكن لحظة القصف نفسه، بل ما تلاها من محاولات تبرير وتضليل وإنكار. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ذلك الرجل الذي لا يتورع عن وصف دول بأكملها بـ"القذرة" ، وقف أمام الصحفيين ليقول: "رأيي، بالاستناد إلى ما رأيته، هو أن إيران هي التي فعلت ذلك. هم غير دقيقين جداً في استخدام الذخائر" .
لنتأمل هذا المشهد جيداً. رجل يقود أقوى جيش في التاريخ، يمتلك أحدث أجهزة الاستخبارات وأدقها، ويشرف على عملية عسكرية ضخمة، يقف ليقول إن الطرف الآخر هو من قصف أطفاله! إنه منطق النازي الكلاسيكي: "هم من بدأوا"، "هم من يفعلون ذلك بأنفسهم"، "إنها مؤامرة". هتلر نفسه كان يتهم اليهود بالتخطيط للسيطرة على العالم بينما كان يخطط لإبادتهم.
لكن الأمر لم يقف عند ترامب فقط. في مواقع التواصل الاجتماعي المرتبطة بإسرائيل، وفي بعض وسائل الإعلام الغربية، بدأت حملة تبرير موازية. التبرير الأول: "المدرسة كانت جزءاً من قاعدة عسكرية". التبرير الثاني: "أطفال العسكريين ليسوا مدنيين". التبرير الثالث: "كانوا يستخدمون المدرسة مستودعاً للأسلحة". التبرير الرابع: "من يرتدين الحجاب يستحقن الموت لأنهن متخلفات".
لقد كشفت تحقيقات دقيقة، استندت إلى صور أقمار اصطناعية تمتد لعشر سنوات، أن كل هذه التبريرات أكاذيب. فالمدرسة كانت منفصلة تماماً عن القاعدة العسكرية بجدار داخلي بني عام 2016، ولها مدخل مستقل من الشارع العام، ولا تمر بأي نقطة تفتيش عسكرية. أبراج المراقبة التي كانت تشرف على المنطقة أزيلت في العام نفسه. وفي السنوات اللاحقة، أضيفت إلى المدرسة مرافق ترفيهية للأطفال: ملعب كرة قدم، شبكة كرة طائرة، رسوم جدارية ملونة . بعبارة أخرى، بذلت السلطات الإيرانية جهداً واضحاً لعزل المدرسة عن أي استخدام عسكري، وهذا الجهد موثق بالصور والأقمار الاصطناعية التي لا تكذب.
أما أطفال العسكريين، فهل يفقدون صفة المدنيين لأن آباءهم يحملون السلاح دفاعاً عن وطنهم؟ القانون الدولي الإنساني، وبروتوكولات جنيف، وأحكام محكمة العدل الدولية، كلها تجمع على أن أطفال العسكريين يتمتعون بنفس الحماية التي يتمتع بها أي مدني. بل إنهم ربما يكونون في حاجة إلى حماية أكبر، لأن وجودهم قرب أهداف عسكرية محتملة يجعلهم أكثر عرضة للخطر. لكن المنطق النازي لا يعترف بهذه التفاصيل. في منطقه، كل من هو قريب من العدو هو عدو، وكل من ينتمي إلى الطرف الآخر هو هدف.
٤. اللحظة الأكثر دلالة: عندما يكون الحجاب جريمة
لكن التبرير الأكثر بشاعة، والأكثر كشفاً للوجه النازي الحقيقي، هو ذلك الذي لم يُصرح به رسمياً لكنه تسرب من تصريحات بعض القادة في الحزب الجمهوري وفي الأوساط اليمينية المتطرفة: "إن هؤلاء الطفلات يستحقين الموت لأنهن يرتدين الحجاب". نعم، لأنهن يضعن على رؤوسهن لباساً تقليدياً لبعض شعوب الشرق، ولأن هذا اللباس يرمز، في نظر هؤلاء المتطرفين، إلى "التخلف" و"الإرهاب" و"كراهية الغرب".
لنتأمل هذا المنطق الإبادي بعمق. إنه لا يكتفي بقتل الأطفال، بل يبرر القتل بناء على مظهرهم، على لباسهم، على هويتهم الثقافية. إنه يقول: "هؤلاء ليسوا أطفالاً عاديين، إنهم أطفال متخلفون، أطفال إرهابيون، أطفال لا يستحقون الحياة لأنهم يختلفون عنا". هذا هو بالضبط منطق النازية الذي قتل ستة ملايين يهودي لأنهم يهود، وقتل الغجر لأنهم غجر، وقتل المعاقين لأنهم معاقون.
الطفلة ذات السابعة التي ترتدي الحجاب بتلقائية، تقليداً لأمها أو لجدتها، أو ربما لأن المدرسة تطلب ذلك، هذه الطفلة لا تفهم شيئاً من سياسات العالم الكبير. هي تذهب إلى المدرسة لتتعلم القراءة والكتابة، لترسم بالطبشور الملون، لتلعب مع صديقاتها في الفسحة، لتحلم بمستقبل قد تكون فيه طبيبة أو معلمة أو مهندسة. لكن صاروخ "توماهوك" الأمريكي، المصنوع في مصانع رايذيون بأحدث التقنيات، والمموّل من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، والمأذون به من أعلى الهرم السياسي في واشنطن، هذا الصاروخ ينهي حياتها فجأة، ليس لأنها تشكل خطراً على الأمن القومي الأمريكي، بل لأنها، في نهاية المطاف، مجرد "طفلة شرقية متخلفة".
٥. التأسيس النظري: النازية كنمط علاقة مع الآخر
لفهم هذه الظاهرة نظرياً، يجب أن نتجاوز التحليل السطحي للأحداث، ونغوص في البنى الفكرية التي تنتجها. النازية، في جوهرها، هي أيديولوجية تقوم على فكرة التفوق العرقي أو الحضاري، وعلى حق العرق المتفوق في السيطرة على الآخرين أو تصفيتهم. لكن هذه الفكرة لا تعمل في فراغ، بل تحتاج إلى بنية متكاملة من الخطاب والممارسة والمؤسسات.
في حالتنا هذه، نرى هذه البنية تتجلى في:
أولاً: خطاب التفوق. الخطاب الغربي السائد، وخاصة في أوساط اليمين المتطرف الأمريكي والأوروبي، يختزل العالم إلى "دول متحضرة" و"دول قذرة". ترامب نفسه قالها صراحة: "لماذا نستقبل أشخاصاً من دول قذرة؟ لماذا لا نستقبل أشخاصاً من السويد أو النرويج أو الدنمارك؟" . هذا التقسيم للعالم ليس مجرد خطاب عنصري عابر، بل هو تأسيس أيديولوجي يبيح التعامل مع "الدول القذرة" وشعوبها بمعايير مختلفة. ما لا يجوز فعله بالسويديين والنرويجيين يصبح جائزاً بل ومستحباً مع الإيرانيين والصوماليين واليمنيين.
ثانياً: إلغاء إنسانية الآخر. عندما تصف وزيرة الأمن الداخلي الأمريكي بعض المهاجرين بـ"مصاصي الدماء"، وعندما يكتب مستشار البيت الأبيض أن "الكذبة الكبرى للهجرة الجماعية" هي أن المهاجرين وأحفادهم يمكن أن يندمجوا ، فإن هذا الخطاب يعمل على إخراج الآخر من دائرة الإنسانية. ومن ليس إنساناً، لا حرمة لدمه، ولا حماية لحياته، ولا قيمة لموته. إن قتل طفلة إيرانية يصبح عندئذ كقتل حشرة، مجرد "ضرر جانبي" في معركة كبرى.
ثالثاً: تجريد الضحايا من هويتهم. في خطاب النازية الجديدة، لا يُنظر إلى الضحايا كأفراد لهم أسماء ووجوه وأحلام، بل كمجرّد أرقام في معادلة جيوسياسية، أو كرموز لـ"الشر" أو "الإرهاب". الطفلة التي ماتت في ميناب لا تُسمى، ولا تُرى صورتها، ولا تُروى قصتها في وسائل الإعلام الغربية. هي مجرد رقم: "165 قتيلاً". وهذا التجريد هو شرط أساسي لاستمرار القتل. فلو ظهرت صورهن، وعُرفت أسماؤهن، ورُويت قصص أحلامهن الصغيرة، لاستحال على أي إنسان أن يستمر في تبرير موتهن.
رابعاً: إنتاج آليات التبرير. النازية الجديدة لا تكتفي بقتل الآخر، بل تنتج أيضاً الخطاب الذي يبرر القتل. هذا الخطاب يتخذ أشكالاً متعددة: أحياناً هو خطاب "الأمن القومي" (هؤلاء يشكلون خطراً علينا)، وأحياناً خطاب "حقوق المرأة" (نحن نحرر النساء من الحجاب)، وأحياناً خطاب "الديمقراطية" (نحن نجلب الحرية). المهم أن يظل الجلاد في موقع "الخير" والضحية في موقع "الشر". وهكذا، تصبح جريمة قتل مئة وستين طفلة عملاً "إنسانياً" في سياق "الدفاع عن الحضارة الغربية".
٦. النازية الجديدة والتقنية: القتل النظيف
لكن هناك فرق جوهري بين النازية الكلاسيكية والنازية الجديدة، يتمثل في دور التقنية. النازيون القدامى كانوا يضطرون إلى مواجهة ضحاياهم وجهاً لوجه، إلى رؤيتهم وهم يدخلون غرف الغاز، إلى سماع صراخهم. هذا الاحتكاك المباشر كان يترك أثراً نفسياً على الجلادين، وكان يحتاج إلى آلية تنظيمية معقدة.
أما النازية الجديدة فتقنن القتل وتجعله نظيفاً وبعيداً. الطيار الذي يضغط على زر إطلاق الصاروخ لا يرى الأطفال الذين يموتون. هو يرى فقط نقطة على شاشة، وإحداثيات على خريطة، وهدفاً يتحول إلى دخان. المشغل في قاعدة عسكرية في قطر أو في سفينة حربية في الخليج لا يسمع صرخات الأمهات، ولا يرى وجوه الأطفال تحت الأنقاض. هو فقط يؤدي وظيفته، ثم يعود إلى بيته ليعانق أطفاله.
هذه "اللامسؤولية الأخلاقية" التي تتيحها التقنية هي أحد أخطر وجوه النازية الجديدة. فهي تسمح باستمرار القتل دون أن يضطر القاتل إلى مواجهة ضحيته، ودون أن يشعر بأي تأنيب ضمير. بل إنها تسمح له بأن ينام ملء جفونه، لأنه "لم يفعل شيئاً"، فقط ضغط على زر.
٧. قاعدة الشهيد أبلسان: الدليل المادي على المعرفة المسبقة
لكن الأدلة التي تكشف الوجه النازي لهذا العدوان لا تتوقف عند المدرسة فقط. هناك دليل آخر لا يقل أهمية: عيادة "الشهيد أبلسان" التخصصية. هذه العيادة، التي افتتحها القائد العام للحرس الثوري اللواء حسين سلامي في يناير 2025، أي قبل شهر واحد فقط من العدوان، تقع في نفس المجمع العسكري، لكنها منفصلة عنه تماماً، ومخصصة لخدمة المدنيين في محافظة هرمزجان .
في يوم القصف، تعرضت القاعدة العسكرية للضرب، وتعرضت المدرسة للضرب، لكن العيادة لم تتعرض لأي ضرر. هذا يعني أن من خطط للضربات كانت لديه خرائط محدثة، وكان يعرف بالضبط أي مبنى هو عسكري وأي مبنى هو مدني. لم يكن هناك "خطأ" في تحديد الهدف، بل كان هناك قرار باستهداف المدرسة مع القاعدة، واستثناء العيادة.
هذا الدليل المادي يدحض تماماً رواية "الخطأ" أو "المعلومات القديمة". فإذا كانت المعلومات قديمة، لكانت العيادة التي افتتحت قبل شهر قد ضربت أيضاً. لكنها لم تضرب. إذاً، المعلومات كانت محدثة ودقيقة. والمدرسة التي كانت منفصلة منذ عشر سنوات لم تكن سراً على أحد. فلماذا ضربت إذن؟
٨. التحقيق الذي لا يكتمل: سخرية القانون الدولي
في أعقاب المجزرة، طالبت منظمات حقوقية دولية، وفي مقدمتها "هيومن رايتس ووتش"، بفتح تحقيق مستقل وشامل. وقالت الباحثة صوفيا جونز إن "الهجوم يستدعي تحقيقاً عاجلاً لمعرفة ما إذا كان منفذو الضربة على علم بوجود مدرسة مكتظة بالأطفال" . كما أشار خبراء إلى أن واجب "التحقق من طبيعة الهدف" يقع على عاتق القوات المهاجمة، وأن الفشل في القيام بذلك قد يشكل انتهاكاً للقانون الدولي .
لكن السؤال هو: من سيجري هذا التحقيق؟ الولايات المتحدة تحقق في نفسها بنفسها، وإسرائيل تنفي أي مسؤولية، ومجلس الأمن مشلول بفيتو الحلفاء، والمحكمة الجنائية الدولية تواجه تهديدات بالعقوبات. إن هذا "التحقيق" الذي لا يؤدي إلى محاكمة ولا إلى عقاب هو مجرد مسكن أخلاقي، أو كما وصفته صحيفة لوموند، جزء من "صمت أوروبا المذنب".
في العالم الذي نعيش فيه، القانون الدولي لا يحمي الضعفاء، بل يحمي الأقوياء. إنه أداة في يد الإمبراطورية، تُستخدم ضد أعدائها، وتُعلّق عندما يكون أصدقاؤها هم المتهمون. وهذا هو بالضبط ما تعلمته الشعوب المضطهدة عبر قرون من الاستعمار والهيمنة.
٩. ما يفرضه القانون الدولي حقاً: جريمة حرب مكتملة الأركان
لنكن دقيقين قانونياً. ما حدث في مدرسة "الشجرة الطيبة" ليس مجرد "خطأ مؤسف" أو "ضرر جانبي". إنه جريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً لتعريف القانون الدولي الإنساني:
أولاً: انتهاك مبدأ التمييز. القانون الدولي يلزم أطراف النزاع بالتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية. المدارس محمية بشكل خاص بموجب اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية. ضرب مدرسة عن عمد يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي .
ثانياً: انتهاك مبدأ التناسب. حتى لو كان هناك هدف عسكري مشروع في محيط المدرسة (وهو ما لم يثبت)، فإن قتل مئة وستين طفلة مقابل أي مكسب عسكري محتمل هو انتهاك صارخ لمبدأ التناسب. لا يمكن لأي مكسب عسكري أن يبرر ذبح هذا العدد من الأطفال .
ثالثاً: استهداف أشخاص محميين بشكل خاص. الأطفال يتمتعون بحماية خاصة في النزاعات المسلحة. المادة 77 من البروتوكول الإضافي الأول تنص على أن "الأطفال محل احترام خاص، ويتمتعون بالحماية من أي اعتداء غير لائق". قتلهم عمداً هو جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.
رابعاً: استخدام أسلحة دقيقة لاستهداف مدنيين. الأدلة تشير إلى استخدام صواريخ "توماهوك" عالية الدقة . هذه الدقة تنفي احتمال "الخطأ"، وتؤكد أن المدرسة كانت هدفاً مقصوداً، أو على الأقل أن المهاجمين كانوا يعلمون بوجودها ولم يبذلوا جهداً لحمايتها.
١٠. من هم المجرمون؟ قراءة في سلسلة القيادة
جريمة بهذا الحجم لا ترتكب من فراغ. هي نتاج سلسلة متكاملة من القرارات والأوامر والتنفيذ. وفي كل حلقة من هذه السلسلة، هناك مجرمون يجب تقديمهم للعدالة:
في القمة: القادة السياسيون. دونالد ترامب، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، هو المسؤول الأول عن كل ما تفعله هذه القوات. تبريراته السخيفة بعد المجزرة (إيران هي من قصفت) تثبت أنه كان على علم بما حدث، واختار التغطية بدلاً من الاعتراف والتحقيق . بنيامين نتنياهو، بصفته رئيس وزراء إسرائيل وقائد جيشها، يتحمل المسؤولية نفسها، خاصة أن التحقيقات تشير إلى تنسيق كامل بين الطرفين في تقسيم الأهداف .
في الوسط: القادة العسكريون. قادة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، وقادة البحرية الأمريكية في المنطقة، وقادة سلاح الجو الإسرائيلي، كلهم يتحملون مسؤولية اختيار الأهداف، والموافقة على خطط الضرب، والإشراف على التنفيذ.
في القاعدة: المنفذون. الطيارون، ومشغلو الطائرات المسيرة، وطواقم السفن الحربية، كل من ضغط على زر إطلاق الصاروخ الذي قتل الأطفال يتحمل مسؤولية فردية. "تنفيذ الأوامر" ليس دفاعاً مقبولاً في جرائم الحرب.
١١. المحميات: شركاء في الجريمة
لكن المسؤولية لا تتوقف عند الولايات المتحدة وإسرائيل فقط. الدول التي فتحت قواعدها العسكرية ومجالها الجوي لشن هذا العدوان تتحمل المسؤولية نفسها. هذه "المحميات" الخليجية، والأردن، وتركيا، وقبرص، تحولت إلى منصات انطلاق للإرهاب الدولي، وأصبحت شريكة في كل جريمة ارتكبتها الطائرات التي انطلقت من أراضيها .
القانون الدولي يعتبر أن أي دولة تسمح باستخدام أراضيها لشن عدوان على دولة أخرى هي مسؤولة مسؤولية كاملة عن نتائج هذا العدوان. بل إنها قد تكون أكثر مسؤولية، لأنها انتهكت واجب الحياد الذي تفرضه المواثيق الدولية على الدول غير المشاركة في النزاع.
هذه الدول، بسماحها باستخدام قواعدها، لم تكتفِ بانتهاك سيادة إيران، بل انتهكت أيضاً سيادتها هي نفسها، وتحولت إلى مجرد ثكنات عسكرية تحت تصرف القوة المهيمنة. وهذا هو بالضبط معنى "التبعية" التي تحدث عنها المنظرون الكبار: أن تتحول الدولة من كيان صاحب إرادة مستقلة إلى مجرد أداة في يد الإمبراطورية.
١٢. في مديح المقاومة: حق إيران في الرد
في مقابل هذا العدوان النازي، يبرز حق إيران الأصيل في الدفاع عن النفس، وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. هذا الحق ليس منحة من أحد، ولا يحتاج إلى موافقة مجلس الأمن. هو حق طبيعي لكل دولة تتعرض للعدوان.
لكن السؤال هو: كيف تمارس إيران هذا الحق؟ الرد العسكري المباشر هو أحد الخيارات، لكنه ليس الوحيد. القانون الدولي يعطي للدولة المعتدى عليها حق استهداف المصالح العسكرية والأمنية للدول المعتدية أينما وجدت. وهذا يشمل القواعد العسكرية في الدول المجاورة التي شاركت في العدوان، والمصالح الاقتصادية للدول المعتدية، والبنى التحتية الحيوية التي تخدم آلة الحرب.
كما يشمل حق إيران في ملاحقة قادة العدوان قانونياً، عبر رفع دعاوى في المحاكم الدولية، وعبر الضغط على المنظمات الحقوقية لتوثيق الجرائم، وعبر بناء تحالفات مع دول الجنوب لفضح ازدواجية المعايير الغربية.
لكن الأهم من الرد العسكري والقانوني هو الرد الحضاري. إيران تثبت للعالم أن نموذجاً مستقبلاً بديلاً ممكن، وأن التبعية ليست قدراً محتوماً، وأن الشعوب يمكنها أن تصمد أمام أقوى إمبراطورية عرفها التاريخ. هذا الرد الحضاري هو ما يخشاه الغرب أكثر من أي صاروخ أو طائرة مسيرة.
١٣. التعويضات: ليس مجرد مال، بل اعتراف وعدالة
لا يمكن الحديث عن إنهاء هذه الجريمة من دون حديث جاد عن التعويضات. لكن التعويضات هنا تتجاوز البعد المالي الضيق، لتشمل أبعاداً أعمق:
التعويض المادي: إعادة إعمار المدرسة وغيرها من المنشآت المدنية التي دمرها العدوان، ودفع تعويضات مالية سخية لعائلات الشهداء، تتجاوز أي تقديرات تقليدية، لتكون رادعة للمعتدين ومحققة للعدالة للضحايا.
التعويض المعنوي: الاعتراف الرسمي من الدول المعتدية بمسؤوليتها عن هذه الجريمة، والاعتذار للشعب الإيراني ولعائلات الضحايا، وإحياء ذكرى الشهداء في المناهج التعليمية والخطاب الرسمي.
التعويض السياسي: رفع العقوبات الظالمة عن إيران، وإلغاء القوانين التي تشرعن العدوان، والالتزام بعدم تكرار مثل هذه الجرائم في المستقبل.
التعويض القانوني: محاكمة المجرمين، من أعلى الهرم السياسي إلى أدنى منفذ، أمام محاكم عادلة، وتقديمهم للعدالة الدولية كمثال على أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم.
١٤. صورة النقيض: حين يتحول القتلة إلى ضحايا
في سخرية التاريخ، نرى اليوم كيف يحاول قادة هذا العدوان أن يقدموا أنفسهم كضحايا. ترامب يشتكي من "الاضطهاد" و"المحاولات الديمقراطية لاغتياله سياسياً". نتنياهو يبكي على منصة المحكمة متظلماً من "الظلم التاريخي" الذي تتعرض له إسرائيل. قادة المحميات يندبون حظهم أنهم "محاصرون بين قوى عظمى".
لكن التاريخ لا يخدع بهذه المسرحية الهزلية. الصور لا تكذب: صور الطفلات الشهيدات تحت الأنقاض، صور التوابيت الصغيرة المغطاة بالأعلام الإيرانية، صور الأمهات الثكلى وهن يبحثن عن بناتهن في مشرحة مؤقتة . هذه الصور هي الحقيقة، وهي التي ستظل عالقة في ذاكرة الأجيال، وليس خطابات التبرير والإنكار.
١٥. ما بعد النازية: نحو إنسانية جديدة
في النهاية، ما حدث في ميناب ليس مجرد جريمة حرب عابرة، بل هو إعلان عن أزمة عميقة في النسق الإنساني الغربي. إنه يكشف أن "القيم العالمية" التي ترفعها أوروبا وأمريكا راية هي مجرد شعارات ترفع وتخفض حسب المصالح، وأن "حقوق الإنسان" لا تنطبق إلا على أبناء العرق المختار، وأن "الديمقراطية" و"الحرية" تصبحان جريمتين عندما تمارسهما شعوب لا تريد الخضوع للهيمنة.
هذه الأزمة لا تحل بمجرد إدانة هذا العدوان أو ذاك. هي تحتاج إلى إعادة بناء شاملة للنسق الإنساني، انطلاقاً من الاعتراف بكرامة كل البشر، بغض النظر عن دينهم أو لونهم أو لباسهم أو موقعهم من الخريطة الجيوسياسية. تحتاج إلى نظام عالمي جديد، لا يقوم على هيمنة القلة على الأكثرية، بل على التعددية والمساواة والاحترام المتبادل.
إيران، في هذه المعركة، لا تقاتل فقط من أجل حدودها أو مصالحها، بل تقاتل نيابة عن كل من يرفض أن يكون تابعاً، عن كل من يؤمن بأن الشعوب تملك حق تقرير مصيرها، عن كل من يرى في الأطفال -أطفال إيران وأطفال فلسطين وأطفال اليمن وأطفال كل مكان- مستقبل البشرية الذي يجب حمايته لا قتله.
هذه هي الرسالة التي يحاول صاروخ "توماهوك" إسكاتها، لكنها تخرج من تحت الأنقاض أقوى مما كانت. هذه هي الرسالة التي تحاول خطابات التبرير الإنكاري طمسها، لكنها تظل حية في قلوب الملايين. هذه هي الرسالة التي ستنتصر في النهاية، لأن الحق أقوى من الباطل، والحياة أقوى من الموت، والأطفال أقوى من الصواريخ.
ملحق: ما يجب فعله الآن
في ضوء ما تقدم، وفي إطار ما يفرضه القانون الدولي والضمير الإنساني، يجب:
1. تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، تحت إشراف الأمم المتحدة، للتحقيق في مجزرة مدرسة "الشجرة الطيبة" وجميع الجرائم المشابهة، مع منحها صلاحية الوصول إلى كل الوثائق والأدلة.
2. رفع دعاوى قضائية ضد قادة العدوان أمام المحكمة الجنائية الدولية، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مع الضغط على الدول الأعضاء لعدم استخدام الفيتو لحماية المجرمين.
3. فرض عقوبات على الدول التي شاركت في العدوان أو سهلته، بما فيها الدول التي فتحت قواعدها العسكرية، ومقاطعتها سياسياً واقتصادياً حتى تقدم اعتذاراً رسمياً وتعويضات كاملة.
4. بناء تحالف دولي لفضح النازية الجديدة، يجمع دول الجنوب والقوى المستقلة في الشمال، للعمل على تغيير الخطاب الإعلامي والتعليمي والقانوني الذي يشرعن قتل الأطفال.
5. دعم حق إيران في الدفاع عن النفس بكل الوسائل المتاحة، عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً، والاعتراف بحقها في استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية والدول المتواطئة كرد مشروع على العدوان.
6. إحياء ذكرى الشهداء، وتخليد أسمائهم في الذاكرة الجمعية للبشرية، وتحويل مأساتهم إلى رمز للنضال ضد الهيمنة والظلم، تماماً كما فعلت الإنسانية مع ضحايا النازية في القرن العشرين.
……….
الفصل الثاني
التحالف النازي الجديد: قراءة في بنية التبعية والمحميات
أو: كيف تتحول الدول إلى ثكنات والإنسانية إلى سلعة
١. مدخل: في تشريح الوحش الجماعي
ليس الوحش فرداً أبداً. الوحش، في أعمق تجلياته، جماعة. إنه شبكة من المصالح، وسلسلة من التواطؤات، ونظام من العلاقات التي تنتج الشر وتوزع مسؤوليته بحيث لا يتحمله أحد بكامله، بينما يشارك فيه الجميع بجزء. النازية الجديدة التي تضرب إيران اليوم ليست فعلاً أمريكياً خالصاً، ولا إسرائيلياً منفرداً، بل هي نتاج تحالف دولي عريض، يمتد من واشنطن إلى تل أبيب، مروراً بعواصم الخليج الفارسي العربية ، وعبر أنقرة ونيقوسيا وعمّان، وصولاً إلى لندن وباريس وبرلين الصامتة.
هذا التحالف ليس مجرد تكتيك عسكري مؤقت، ولا تحالف مصالح عابر. إنه تعبير عن بنية عميقة من "التبعية" و"المحميات" التي أنتجتها عقود من الهيمنة الغربية على المنطقة. إنه لحظة الحقيقة التي تسقط فيها الأقنعة، ويظهر الوجه الحقيقي للنظام العالمي: نظام تقوم فيه دول "المركز" بالتخطيط والتنفيذ، ودول "الأطراف" بتوفير الأرض والغطاء، بينما تصمت دول "الهامش الأوروبي" متفرجة أو متواطئة.
في هذا الفصل، سنحاول تفكيك هذا التحالف، ليس عبر شيطنة أطرافه، بل عبر تحليل بنيوي لمواقعهم ودوافعهم ومسؤولياتهم. سنبدأ من الولايات المتحدة، قلب الإمبراطورية النابض، ثم ننتقل إلى إسرائيل، الواجهة الاستيطانية، ثم إلى "المحميات" الخليجية والعربية، ثم إلى تركيا وقبرص، وأخيراً إلى أوروبا الصامتة. وفي النهاية، سنعود إلى إيران، الضحية التي تتحول إلى بطلة في ملحمة الصمود.
٢. الولايات المتحدة: الإمبراطورية في لحظة انحطاطها
تبدأ الحكاية من واشنطن. ليس لأنها الأقوى فقط، بل لأنها تحتل موقع "القلب" في هذا التحالف. الولايات المتحدة اليوم، في آذار 2026، ليست تلك القوة الصاعدة المفعمة بالثقة التي كانت عليها بعد الحرب الباردة. إنها إمبراطورية في لحظة انحطاطها، تشبه روما في أيامها الأخيرة: تحاول تعويض تراجع هيمنتها الاقتصادية والأيديولوجية بالعنف المفرط، وتضرب بقسوة أكبر لأنها تشعر بأن قبضتها تفلت.
الرئيس دونالد ترامب، العائد إلى البيت الأبيض بعد فترة انتقالية مضطربة، يجسد هذه اللحظة التاريخية بامتياز. ترامب ليس مجرد رئيس أمريكي، بل هو رمز لتحول عميق في السياسة الأمريكية: تحول من الإمبريالية "الليبرالية" التي تبرر تدخلاتها بحقوق الإنسان والديمقراطية، إلى إمبريالية "صريحة" لا تخجل من عنصريتها ولا تتورع عن وحشيتها. إنه الرئيس الذي قال صراحة إنه يريد "أمريكا أولاً"، ليس كشعار انتخابي، بل كبرنامج عملي يعني أن مصالح أمريكا فوق كل اعتبار، حتى فوق القانون الدولي وحقوق الإنسان وحياة الأطفال.
لكن العدوان على إيران ليس نزوة ترامبية عابرة. إنه نتاج توافق واشنطوني عريض. فالديمقراطيون، الذين ينتقدون ترامب في الداخل، يصمتون أو يدعمون عندما يتعلق الأمر بضرب إيران. المؤسسة العسكرية والأمنية، التي يفترض أنها محايدة، تخطط وتنفذ. وسائل الإعلام الكبرى، التي تتباكى على الديمقراطية، تغطي العدوان بلغة "الصراع المشروع" و"حق الدفاع عن النفس".
ما يجمع هذه القوى المتباعدة داخلياً هو إجماع أوسع على أن إيران تشكل "التهديد الأكبر" للمصالح الأمريكية في المنطقة. ليس لأن إيران هاجمت أمريكا، بل لأنها تجرأت على أن تكون مستقلة. لأنها قالت "لا" للإملاءات. لأنها دعمت حركات مقاومة تهدد إسرائيل. لأنها تطور تكنولوجيا محلية تخرجها عن دائرة التبعية. في نظر واشنطن، هذه هي الجرائم الكبرى التي تستحق العقاب.
٣. إسرائيل: الوجه الاستيطاني للإمبريالية
في تل أبيب، تجد الإمبراطورية ذراعها العسكري الأكثر شراسة، ووجهها الأيديولوجي الأكثر تطرفاً. إسرائيل في هذا التحالف ليست مجرد دولة صديقة، بل هي "القلب النابض" للمشروع العدواني، والدافع الأعمق وراء تبريراته الأخلاقية.
بنيامين نتنياهو، الرجل الذي كرس حياته لتصفية القضية الفلسطينية وتدمير محور المقاومة، يجد في هذا العدوان فرصة العمر. فهو لا يضرب إيران فقط، بل يضرب من خلالها كل حركات المقاومة التي تهدد المشروع الصهيوني: حزب الله في لبنان، حماس والجهاد في فلسطين، الحوثيين في اليمن، الفصائل الموالية لإيران في سوريا والعراق. إنها حرب وجودية بكل معنى الكلمة، ليس فقط ضد دولة، بل ضد فكرة: فكرة أن المنطقة يمكن أن تنتج قوى مستقلة عن الهيمنة الغربية.
لكن الدور الإسرائيلي في هذا العدوان لا يقتصر على الدعم المعنوي أو التخطيط الاستراتيجي. التحقيقات تشير إلى أن إسرائيل شاركت بشكل مباشر في تنفيذ الضربات، خاصة تلك التي استهدفت قادة الحرس الثوري ومنشآت البرنامج الصاروخي. طائراتها انطلقت من قواعد في الخليج، وغواصاتها جابت مياه الخليج العربي، وخبراؤها الاستخباراتيون قدموا معلومات حاسمة لتحديد الأهداف.
الخطاب الإسرائيلي في هذه الحرب يكشف عن وجهه النازي بوضوح. وزراء إسرائيليون يتحدثون عن "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس حتى أقصى الحدود"، بينما ينكرون هذا الحق على الفلسطينيين والإيرانيين. قادة عسكريون يصفون إيران بأنها "دولة إرهابية يجب تدميرها". إعلام عبري يبث صوراً للدمار في إيران وكأنها لقطات من فيلم أكشن، من دون أي تعاطف مع الضحايا المدنيين.
٤. محميات الخليج: من دول إلى ثكنات
في المشهد التقليدي للسياسة الدولية، تقف الدول الخليجية في موقع "المراقب" أو "الداعم الخلفي". لكن في هذا العدوان، كشفت هذه الدول عن وجهها الحقيقي: إنها لم تعد دولاً بالمعنى الكلاسيكي، بل تحولت إلى "محميات" أمريكية، إلى ثكنات عسكرية متقدمة، إلى قواعد انطلاق للإرهاب الدولي.
دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تتباهى بناطحات سحابها واقتصادها المتنوع، تضع قواعدها الجوية في تصرف القوات الأمريكية والإسرائيلية. مطار الظفرة، الذي يبعد ساعات قليلة عن السواحل الإيرانية، شهد تحركات مكثفة للطيران الأمريكي. قاعدة الفجيرة البحرية استقبلت سفناً حربية. والأهم من ذلك، أنظمة الدفاع الجوي الإماراتية قدمت غطاءً للطيران المعتدي، بينما تظاهرت أبوظبي بأنها "غير مشاركة" في الحرب.
المملكة العربية السعودية، التي كانت تحاول في السنوات الأخيرة تحسين علاقاتها مع إيران بوساطة صينية، عادت إلى الحضن الأمريكي بقوة. قاعدة الأمير سلطان الجوية، التي تضم آلاف الجنود الأمريكيين، كانت مركزاً رئيسياً للعمليات. قاعدة الملك خالد العسكرية استقبلت طائرات التزود بالوقود. والأهم من ذلك، أن السعودية فتحت مجالها الجوي للطيران المعتدي، متخلية عن سيادتها الوطنية لصالح المشروع الأمريكي.
قطر، التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة (العديد)، لم تتوانَ لحظة في تقديم كل التسهيلات. قاعدة العديد، التي تضم القيادة المركزية الأمريكية المتقدمة، كانت غرفة العمليات الرئيسية للعدوان. ومنها انطلقت طائرات "الاستطلاع" والتجسس، ومنها تم توجيه الضربات.
الكويت، التي عانت من الغزو العراقي وتذكر جيداً معنى الاحتلال، قدمت قواعدها أيضاً. البحرين، التي تستضيف الأسطول الخامس الأمريكي، كانت نقطة الانطلاق البحرية الرئيسية. سلطنة عمان، التي لعبت دور الوسيط التقليدي، صمتت ولم تحتج.
هذه الدول، بفعلها هذا، لم تكتفِ بانتهاك سيادة جارتها إيران، بل انتهكت أيضاً سيادتها هي نفسها. لقد أثبتت للعالم أنها ليست أكثر من "دول - قواعد"، لا قرار لها في الحرب والسلم، ولا إرادة لها خارج الإرادة الأمريكية. وهذا هو التعريف الدقيق للدولة التابعة في عصر الإمبريالية الجديدة.
٥. الأردن: الحارس الصامت للعدوان
في الموقع الجغرافي الأكثر حساسية، يقف الأردن. المملكة الهاشمية، التي طالما تبارت في علاقاتها مع الغرب، والتي تفاخر بأن جيشها هو "الأكثر تدريباً" في المنطقة، وجدت نفسها في قلب العاصفة.
الأردن لم يشارك رسمياً في العدوان، لكنه قدم ما هو أخطر: سماح للطيران المعتدي باستخدام مجاله الجوي، وتسهيلات استخباراتية، وربما قواعد لوجستية. هذا يعني أن الدفاعات الجوية الأردنية، التي يفترض أنها تحمي سيادة البلاد، كانت متواطئة في انتهاك سيادة دولة أخرى.
التحليلات العسكرية تشير إلى أن جزءاً من الضربات التي استهدفت غرب إيران ووسطها، خاصة تلك التي نفذتها طائرات "إف-35" الإسرائيلية، مرت عبر الأجواء الأردنية. هذا يعني أن عمّان لم تكتفِ بعدم الاعتراض، بل وفّرت الممر الآمن للطيران المعتدي، متجاوزة بذلك كل القوانين والأعراف الدولية.
الثمن الذي سيدفعه الأردن مقابل هذا التواطؤ سيكون باهظاً. علاقاته مع إيران، التي كانت تسير نحو تحسن تدريجي، ستتراجع إلى نقطة الصفر. صورته في العالمين العربي والإسلامي، كدولة عربية أصيلة، ستتشوه. والأهم من ذلك، أن أمنه الداخلي سيكون مهدداً، فالشعب الأردني، الذي يرفض التطبيع مع إسرائيل، لن يقبل بسهولة أن تتحول بلاده إلى قاعدة لضرب جارة مسلمة.
٦. تركيا: عضوية الناتو في مواجهة المصالح الإقليمية
في أنقرة، المشهد أكثر تعقيداً. تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، والتي تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، كانت دائماً تحاول لعب دور إقليمي مستقل. أردوغان، الذي تحدى الغرب صوريا مراراً، والذي حاول تحسين العلاقات مع إيران وروسيا، يجد نفسه اليوم في موقف لا يحسد عليه.
قاعدة إنجرليك الجوية، تلك القاعدة التي تضم أسلحة نووية أمريكية، كانت نقطة انطلاق رئيسية للطيران المعتدي. الطائرات الأمريكية انطلقت منها، وطائرات التزود بالوقود أقلعت منها، والمسيرات الاستطلاعية عادت إليها. هذا يعني أن تركيا، شاءت أم أبت، أصبحت شريكاً في العدوان.
لكن الموقف التركي يحمل تناقضاً عميقاً. فمن جهة، أنقرة مضطرة للحفاظ على علاقاتها مع حلف الناتو، ولا تستطيع أن تغلق القواعد الأمريكية على أراضيها. من جهة أخرى، علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع إيران مهمة، وهي لا تريد خسارة جارتها الكبرى. النتيجة هي موقف مشوش: تصريحات رسمية تركية تدعو لـ"ضبط النفس"، بينما القواعد العسكرية التركية تنطلق منها الطائرات الأمريكية.
هذا التناقض سيكلف تركيا ثمناً. ثقة إيران بها ستهتز. قدرتها على لعب دور الوسيط ستتراجع. وصورتها كقوة إقليمية مستقلة ستتشوه. لكن الأهم من ذلك، أن الشعب التركي، الذي يرفض سياسات أردوغان غالباً هو ايضا معادٍ للهيمنة الأمريكية، لن يقبل بسهولة أن تتحول بلاده إلى قاعدة لضرب دولة مسلمة.
٧. قبرص: العضو الأوروبي الشاذ
في الطرف الآخر من شرق المتوسط، تقف قبرص. هذه الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، والتي تقدم نفسها كجسر سلام بين الشرق والغرب، تكشف عن وجهها الآخر في هذا العدوان.
القواعد العسكرية البريطانية في قبرص، التي بقيت كآثار استعمارية من الماضي، تحولت إلى منصات انطلاق مهمة. قاعدة أكروتيري الجوية استضافت طائرات الاستطلاع البريطانية والأمريكية. قاعدة ديكيليا قدمت دعماً لوجستياً. وهذا يعني أن قبرص، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، أصبحت قاعدة خلفية لعدوان على دولة جارة.
المفارقة أن قبرص نفسها عانت من الاحتلال والغزو. نصف جزيرتها لا يزال محتلاً من تركيا. ذاكرتها الوطنية مليئة بجراح العدوان. لكن هذه الذاكرة تبدو انتقائية: تتذكر عندما تحتل هي، وتنسى عندما تحتل هي مع المحتلين الآخرين.
الاتحاد الأوروبي، الذي يفترض أن تكون قبرص جزءاً من سياسته الخارجية الموحدة، يجد نفسه في مأزق. فالدولة العضو تخرق المبادئ الأوروبية، والصمت الأوروبي يغطي على هذه الخرق. مرة أخرى، يثبت الاتحاد الأوروبي أن "قيمه" تنطبق فقط عندما تخدم مصالحه، وأن ازدواجية المعايير هي القاعدة وليس الاستثناء.
٨. أوروبا الصامتة: حين يصمت الضمير
في لندن وباريس وبرلين، المشهد مختلف لكن النتيجة واحدة. الدول الأوروبية الكبرى لم تشارك في العدوان، لكنها لم تدنه أيضاً. صمتها هي "صمت أوروبا المذنب" الذي تتحدث عنه صحيفة لوموند.
بريطانيا، الحليف التاريخي للولايات المتحدة، تقدم الدعم الاستخباراتي واللوجستي. قواعدها في قبرص تشارك. خبراؤها العسكريون يقدمون المشورة. ومع ذلك، تصمت حكومتها عن إدانة العدوان، مكتفية ببيانات "القلق" و"الدعوة لضبط النفس".
فرنسا، صاحبة إعلان حقوق الإنسان، تلتزم الصمت أيضاً. ماكرون، الذي كان يحاول لعب دور الوسيط في المنطقة، يختار ألا يغضب واشنطن. خطابه عن "السيادة الأوروبية" يتبخر أمام أول اختبار حقيقي.
ألمانيا، القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، تقدم الغطاء السياسي. ميرتس وحكومته لا يدينون العدوان، بل يدعون "جميع الأطراف" لضبط النفس، مساوين بين المعتدي والضحية. هذا التوازن المزيف هو، في الحقيقة، انحياز كامل للمعتدي.
لماذا تصمت أوروبا؟ لأن إيران تشكل، في نظرها، تحدياً للنظام الذي تستفيد منه. لأن إسرائيل، بالنسبة لضمير الييزنس الأوروبي، هي "تعويض" مربح عن ذنب المحرقة. لأن المصالح الاقتصادية مع أمريكا تفوق أي التزام بالمبادئ. لأن القانون الدولي، في النهاية، هو قانون القوي وليس قانون الحق.
٩. تحليل البنية: نظرية التبعية والمحميات
لفهم هذا التحالف المعقد، لا يكفي التحليل الأخلاقي أو السياسي السطحي. نحتاج إلى أدوات نظرية أعمق، إلى إطار تحليلي يكشف البنى الخفية التي تنتج هذه العلاقات. وهنا تأتي نظرية "التبعية" و"المحميات" التي طورها كبار منظري حركات التحرر.
في هذا الإطار، يُنظر إلى النظام العالمي ليس كمجموعة من الدول المستقلة، بل كنظام هرمي يقسم العالم إلى "مركز" (الدول الرأسمالية المتقدمة) و"أطراف" (الدول المستغلة) و"هوامش" (دول شبه تابعة). العلاقة بين هذه المستويات ليست علاقة تبادل منافع، بل علاقة استغلال منظم، تضمن تدفق الفائض الاقتصادي من الأطراف إلى المركز.
في هذا النظام، تلعب "الدول المحمية" دوراً خاصاً. هذه الدول، التي تحتفظ بسيادة شكلية وعلم يرفرف في الأمم المتحدة، تفقد جوهر السيادة: القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة في السياسة الخارجية والأمن القومي. تصبح مجرد "ثكنات عسكرية" أو "قواعد متقدمة" للقوى المركزية، تقدم الأرض والموارد والغطاء السياسي، مقابل حماية أنظمتها من أي تهديد داخلي أو إقليمي.
محميات الخليج العربية هي النموذج الأكمل لهذه "الدول المحمية". اقتصادها مربوط بالدولار، وأمنها مربوط بحلف الناتو، وقراراتها السياسية تتخذ في واشنطن. هي تدفع ثمناً باهظاً لهذه الحماية: فقدان السيادة، تشويه الهوية، التبعية الثقافية، والأهم من ذلك، أن تتحول إلى أهداف مشروعة لأي رد فعل على العدوان الذي تسهل هي حدوثه.
الأردن وتركيا وقبرص تقترب من هذا النموذج بدرجات متفاوتة. كل منها تحتفظ بمساحة أكبر من الاستقلال النسبي، لكنها في اللحظات الحاسمة تثبت أنها جزء من "المعسكر الغربي"، وأن انتماءها هذا يسبق أي اعتبارات أخرى.
١٠. لماذا تشارك المحميات؟ تحليل المصالح
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تشارك هذه الدول في عدوان لا يعود عليها بفوائد واضحة، بل قد يكلفها ثمناً باهضاً؟ الإجابة معقدة، وتتضمن مزيجاً من العوامل:
الخوف: الخوف من العقاب الأمريكي إذا لم تتعاون. أمريكا تمتلك أدوات ضغط هائلة على هذه الدول: التهديد بسحب الحماية الأمنية، الضغط الاقتصادي، توجيه الإعلام، ودعم المعارضة الداخلية. في مواجهة هذه الأدوات، تفضل الأنظمة التعاون على المخاطرة.
المصالح الاقتصادية: الدول الخليجية، خاصة، لديها استثمارات ضخمة في أمريكا وأوروبا، واقتصادها مربوط بالدولار. التعاون مع العدوان يضمن استمرار هذه العلاقة، بينما المعارضة قد تكلفها خسائر اقتصادية كبيرة.
العداء الإيديولوجي لإيران: هناك عداء عميق بين الأنظمة الخليجية وإيران، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على المستوى الإيديولوجي أيضاً. إيران تمثل نموذج "الثورة الإسلامية" الذي يهدد شرعية هذه الأنظمة التقليدية. أي ضربة لإيران هي، في نظرها، ضربة لعدوها الأيديولوجي الأول.
التنسيق الأمني مع إسرائيل: التنسيق الأمني بين بعض الدول الخليجية وإسرائيل لم يعد سراً. هذه الدول ترى في إسرائيل حليفاً ضد "الخطر الإيراني"، وتشارك في العدوان كجزء من هذا التحالف غير المعلن.
عدم القدرة على المقاومة: ببساطة، هذه الأنظمة غير قادرة على مقاومة الضغوط الأمريكية. جيوشها مندمجة في القيادة المركزية الأمريكية، وقراراتها الأمنية تتخذ بالتشاور مع واشنطن. مقاومة الإملاءات الأمريكية تتطلب قدراً من الاستقلال والقوة لا تمتلكه هذه الدول.
١١. المسؤولية القانونية للدول المشاركة
من منظور القانون الدولي، تتحمل الدول التي فتحت قواعدها ومجالها الجوي للعدوان مسؤولية كاملة عن نتائجه. المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، كما تحظر التهديد به. الدول التي تسهل استخدام القوة ضد دولة أخرى تنتهك هذا المبدأ الأساسي.
مشروعية الدفاع عن النفس، الذي تتمتع به إيران، يمتد ليشمل استهداف القواعد العسكرية في الدول التي شاركت في العدوان. هذه القواعد تصبح أهدافاً عسكرية مشروعة طالما استمر استخدامها في العمليات العدوانية. ليس هذا انتهاكاً للسيادة، بل هو ممارسة مشروعة لحق الدفاع عن النفس ضد من انتهك السيادة أولاً.
كما أن هذه الدول تتحمل مسؤولية التعويض عن الأضرار التي نتجت عن استخدام أراضيها. هذا المبدأ معترف به في القانون الدولي، وقد طبق في حالات سابقة، مثل تعويض العراق للكويت بعد حرب الخليج، وتعويض إريتريا لإثيوبيا بعد حربهما الحدودية.
١٢. حق إيران في الرد: المادة 51 والتفسير الموسع
المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تمنح إيران الحق الأصيل في الدفاع عن النفس الفردي والجماعي. هذا الحق ليس معلقاً على موافقة مجلس الأمن، وليس مشروطاً بحدود جغرافية. إنه حق طبيعي لكل دولة تتعرض للعدوان.
في سياق هذا العدوان الشامل، يشمل حق الدفاع عن النفس:
استهداف القواعد العسكرية المهاجمة: للدول التي فتحت قواعدها للعدوان الحق نفسه الذي للولايات المتحدة وإسرائيل في أن تكون هدفاً للرد. هذه القواعد هي منصات انطلاق للعدوان، وتحييدها ضروري لوقف هذا العدوان.
استهداف المصالح الاقتصادية: المصالح الاقتصادية للدول المعتدية، بما فيها شركات النفط والبنوك والمنشآت الحيوية، يمكن أن تكون أهدافاً مشروعة إذا كان استهدافها يخدم هدف وقف العدوان.
الرد السيبراني: الحق في الدفاع يشمل استخدام أدوات الحرب السيبرانية لتعطيل البنى التحتية الحيوية للدول المعتدية، وللرد على الهجمات السيبرانية التي صاحبت العدوان.
الرد الدبلوماسي والقانوني: مقاطعة الدول المعتدية دبلوماسياً، وسحب السفراء، وطرد الدبلوماسيين، ورفع دعاوى قضائية في المحافل الدولية.
لكن ممارسة هذا الحق تخضع لقيود التناسب والضرورة. الرد يجب أن يكون متناسباً مع حجم العدوان، وألا يستهدف المدنيين، وأن يتوقف عندما يتوقف العدوان. إيران، في ردها، يجب أن تراعي هذه القيود، ليس فقط احتراماً للقانون الدولي، بل أيضاً للحفاظ على شرعيتها الأخلاقية في المعركة.
١٣. التعويضات: مسؤولية متعددة الأطراف
في أي تسوية مستقبلية، يجب أن تتحمل الدول المشاركة في العدوان مسؤولية التعويضات بشكل متضامن. هذا يعني أن:
الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية الأساسية، بصفتها القائد والمخطط والمنفذ الرئيسي للعدوان. تعويضاتها يجب أن تشمل إعادة إعمار كل ما دمرته قواتها، وتعويضات مالية لعائلات الشهداء، والاعتذار الرسمي.
إسرائيل تتحمل المسؤولية عن الضربات التي نفذتها، خاصة تلك التي استهدفت قادة عسكريين ومدنيين، وأسفرت عن سقوط ضحايا.
الدول الخليجية تتحمل المسؤولية عن استخدام قواعدها ومجالها الجوي. تعويضاتها قد تكون أقل من تعويضات الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها ضرورية كاعتراف بالمسؤولية.
الأردن وتركيا وقبرص تتحمل مسؤولية مماثلة عن التسهيلات التي قدمتها.
أوروبا الصامتة تتحمل مسؤولية أدبية وسياسية على الأقل، وقد تترجم إلى تعويضات إذا ثبت تورطها المباشر في الدعم الاستخباراتي أو اللوجستي.
١٤. ما بعد العدوان: نحو تحول في موازين القوى
لكن الأهم من التعويضات والمحاكمات هو ما سيحدث بعد العدوان. هذه الحرب، مهما كانت نتائجها المباشرة، ستحدث تغييراً عميقاً في موازين القوى الإقليمية والدولية.
على المستوى الإقليمي، ستخرج إيران من هذه الحرب أقوى مما دخلتها، إذا صمدت كما صمدت في حرب الثماني سنوات. ستصبح نموذجاً للمقاومة، وقدوة للشعوب التي تبحث عن الاستقلال. وفي المقابل، ستخرج "المحميات" الخليجية أضعف، لأنها كشفت للعالم أنها مجرد ثكنات أمريكية، لا إرادة لها ولا سيادة.
على المستوى الدولي، ستتعمق الشرخ بين "المركز" و"الأطراف". دول الجنوب، التي ترى في إيران ضحية للهيمنة الغربية، ستقترب منها أكثر. دول الشمال، التي تكتشف أن أوروبا ليست سوى ذراع مدني للإمبراطورية الأمريكية، ستفقد مصداقيتها. والنظام العالمي الأحادي، الذي كان يحتضر منذ سنوات، سيتلقى ضربة قاضية.
في النهاية، ما يحدث اليوم في إيران ليس مجرد حرب عابرة، بل هو مخاض نظام عالمي جديد. نظام متعدد الأقطاب، تقوم فيه قوى جديدة (الصين، روسيا، الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا) بدور أكبر. نظام يعيد توزيع القوى والثروات بشكل أكثر عدالة. نظام يعيد الاعتبار للقانون الدولي الحقيقي، الذي يحمي الضعفاء كما يحمي الأقوياء.
إيران، في هذه المعركة، لا تقاتل من أجل نفسها فقط، بل من أجل كل من يؤمن بهذا المستقبل. لهذا، فإن صمودها هو صمود للإنسانية جمعاء، وانتصارها هو انتصار لكل من يرفض أن يكون تابعاً.
………
الفصل الثالث
صمت أوروبا المذنب: قراءة في أعمق خيانة
أو: كيف تتحول القارة العجوز إلى شاهد صامت على جريمة القرن
١. مدخل: أوروبا بين أسطورتين
تقف أوروبا اليوم على مفترق طرق خطير، بين أسطورتين متناقضتين: أسطورتها عن نفسها كقارة "القيم" و"حقوق الإنسان" و"الديمقراطية"، وأسطورتها الأخرى التي يكشفها الواقع كقارة "المصالح" و"التبعية" و"ازدواجية المعايير". في العدوان على إيران، تسقط الأسطورة الأولى، وتتجلى الثانية بكل بشاعة.
أوروبا التي نهضت من رماد الحرب العالمية الثانية لتبني مشروعاً سلامياً فريداً، أوروبا التي جعلت من "المصالحة الفرنسية الألمانية" نموذجاً للعالم، أوروبا التي أسست محكمة حقوق الإنسان ورفعت راية حماية المدنيين في النزاعات، هذه أوروبا ذاتها تصمت اليوم أمام جريمة قتل مئة وستين طفلة في مدرسة إيرانية. لا تصمت فقط، بل تقدم الغطاء السياسي والدبلوماسي والاقتصادي للمعتدي، وتتظاهر بأن ما يحدث ليس من شأنها، وكأن جثث الأطفال الإيرانيين لا تزن شيئاً في ميزان "القيم الأوروبية".
"صمت أوروبا المذنب"، كما تصفه صحيفة لوموند في مقالتها التاريخية، ليس مجرد تقاعس عن الفعل، بل هو فعل بحد ذاته. إنه موقف سياسي واضح، واختيار أخلاقي مدان، وتواطؤ جيوسياسي مكتمل الأركان. في هذا الفصل، سنحاول تفكيك هذا الصمت، كشف أبعاده، تحليل أسبابه، وتحديد مسؤولياته. سنبدأ من المشهد الأوروبي العام، ثم نتعمق في مواقف الدول الكبرى (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا)، ثم ننتقل إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وأخيراً إلى الأصوات المعارضة التي ترتفع هنا وهناك محاولة إنقاذ ما تبقى من ضمير القارة العجوز.
٢. لوموند تكتب: "صمت أوروبا المذنب بشأن القانون الدولي"
في الثامن من آذار 2026، نشرت صحيفة لوموند الفرنسية مقالاً افتتاحياً تاريخياً، حمل عنواناً لافتاً: "حرب إيران: صمت أوروبا المذنب بشأن القانون الدولي". المقال، الذي كتبه نخبة من أبرز كتاب الصحيفة، كان بمثابة صرخة في وجه الضمير الأوروبي الغائب.
جاء في المقال: "بينما يتعاظم العدوان على إيران، وتتسع رقعة الحرب، وتزداد أعداد الضحايا المدنيين، تلتزم أوروبا الصمت. هذا الصمت ليس محايداً، وليس ناتجاً عن عجز، بل هو موقف سياسي واعٍ، واختيار أخلاقي مدان. إنه يقول للمعتدي: أنت حر، افعل ما تشاء، لن نقف في طريقك. وهو يقول للضحية: أنت وحدك، لا تنتظر منا شيئاً. بهذا الصمت، تشارك أوروبا في العدوان أكثر مما تشارك به بعض الدول المشاركة فعلياً".
وتابع المقال: "صمت أوروبا يتناقض بشكل صارخ مع موقفها من الحرب في أوكرانيا. هناك، كانت أوروبا في طليعة المدافعين عن القانون الدولي، تفرض العقوبات، وتقدم الأسلحة، وتستضيف اللاجئين. هنا، في إيران، تصمت أوروبا لأن المعتدي هو حليفها، والضحية هي خصمها. هذا يعني، ببساطة، أن القانون الدولي بالنسبة لأوروبا ليس مبدأً عالمياً، بل هو أداة ترفع وتخفض حسب المصالح. وهذا هو التعريف الدقيق للنفاق السياسي".
وختم المقال: "صمت أوروبا اليوم سيكلفها غداً. فالشعوب التي ترى أوروبا تتخلى عن مبادئها من أجل مصالحها اللحظية، ستفقد الثقة بها إلى الأبد. وأجيال المستقبل، حين تنظر إلى هذه اللحظة التاريخية، سترى فيها لحظة انتحار أوروبا الأخلاقي. فلتسأل أوروبا نفسها: أي وجه سنرفع غداً إلى العالم، ونحن الذين نخون اليوم أبسط مبادئ الإنسانية؟".
هذا المقال لم يكن مجرد رأي صحفي عابر. لقد كان تعبيراً عن تيار عميق في الرأي العام الأوروبي، وفي الأوساط الأكاديمية والحقوقية، يرفض هذا الصمت المخزي. لكن هذا التيار، للأسف، لم يستطع حتى الآن أن يؤثر في السياسات الرسمية للحكومات الأوروبية.
٣. المشهد الأوروبي العام: بين الإنكار والتبرير
لفهم الصمت الأوروبي، يجب أن نرسم المشهد العام كما هو في آذار 2026. أوروبا منشغلة بمشاكلها الداخلية: أزمة الطاقة التي تفاقمت بعد الحرب الأوكرانية، صعود اليمين المتطرف في الانتخابات، التوترات الاجتماعية بسبب الغلاء، والانقسامات الداخلية حول سياسات الهجرة. في هذا السياق، تبدو الحرب في إيران بعيدة، وتبدو التكاليف السياسية للتدخل فيها عالية.
لكن هذا التفسير "الواقعي" لا يكفي. فالحروب لا تتوقف لأننا منشغلون بمشاكلنا الداخلية. والمبادئ لا تُعلَّق لأن لدينا أزمات أخرى. ما يحدث هو أن الحكومات الأوروبية تختار، بوعي كامل، ألا ترى ما لا تريد رؤيته. تختار أن تصرف بصرها عن الجرائم التي يرتكبها حلفاؤها، وتختار أن تبرر صمتها بمبررات واهية.
أبرز هذه المبررات: "هذه ليست حربنا"، "نحن ندعم الحل الدبلوماسي"، "يجب أن نمارس ضبط النفس"، "نحن نشجع جميع الأطراف على خفض التصعيد". هذه العبارات، التي تتكرر كالببغاء في بيانات الخارجية الأوروبية، هي في الحقيقة غطاء للصمت. إنها تقول: نحن لا نؤيد العدوان، ولكننا لا ندينه أيضاً. نحن مع القانون الدولي، ولكننا لا نطبقه. نحن مع حقوق الإنسان، ولكننا لا نحميها.
هذا الموقف "المتوازن" هو في الحقيقة انحياز كامل. ففي الصراع بين معتدٍ وضحية، لا يوجد موقف محايد. الصمت هو انحياز للمعتدي. عدم الإدانة هو مشاركة في الجريمة. الدعوة لضبط النفس هي مساواة بين الجلاد ومن يذبح.
٤. ألمانيا: القلب الاقتصادي النابض بالصمت
لنبدأ من ألمانيا، القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، والمحرك الأساسي للسياسة الأوروبية. المستشار فريدرش ميرتس، الذي خلف شولتز في قيادة البلاد، يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه. من جهة، الضغوط الأمريكية عليه هائلة لدعم العدوان، على الأقل سياسياً. من جهة أخرى، الرأي العام الألماني، وخاصة الجناح اليساري والخضر، يطالب بموقف أكثر توازناً، إن لم يكن بإدانة صريحة.
النتيجة هي موقف مشوش: بيانات تدعو لـ"ضبط النفس"، ورفض لإدانة العدوان، واستمرار في التعامل التجاري مع إسرائيل والدول الخليجية، وصمت مطبق على جرائم القتل الجماعي للأطفال. هذا الموقف لا يرضي أحداً، لكنه يعكس التناقضات العميقة في السياسة الألمانية.
لكن هناك جانباً آخر أكثر قتامة. التقارير الاستخباراتية تشير إلى أن ألمانيا تقدم دعماً لوجستياً غير مباشر للعدوان. سفن حربية ألمانية تشارك في تأمين خطوط الملاحة في الخليج. خبراء ألمان يقدمون استشارات فنية. وشركات ألمانية تواصل بيع معدات يمكن استخدامها في الحرب. هذا الدعم "غير المباشر" هو في الحقيقة مشاركة كاملة، لكنها مشاركة لا تريد برلين الاعتراف بها.
الضمير الألماني، الذي لا يزال يحمل ذنب المحرقة النازية، يواجه اليوم اختباراً جديداً. فالصمت عن قتل الأطفال في إيران هو، في النهاية، تكرار لنفس الخطيئة: التغاضي عن الجريمة عندما يرتكبها الحليف. هتلر لم يصل إلى السلطة بمفرده، بل بدعم وتواطؤ من نخب ألمانية فضلت مصالحها على مبادئها. وألمانيا اليوم، بصمتها، تكرر نفس الخطأ التاريخي.
٥. فرنسا: خيانة الثورة الكبرى
في فرنسا، المشهد أكثر دراماتيكية. فرنسا هي بلد "إعلان حقوق الإنسان والمواطن"، بلد فولتير وروسو وفيكتور هوغو، بلد الثورة التي علمت العالم معنى الحرية والمساواة والإخاء. الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي كان يحلم بأن يلعب دور الوسيط العالمي، يجد نفسه اليوم في موقف المتواطئ الصامت.
ماكرون، الذي زار إسرائيل مراراً، وأعلن دعمه "الحق في الدفاع عن النفس" في كل مناسبة، يصمت عندما يُقتل الأطفال الإيرانيون. ماكرون، الذي يتباكى على أوكرانيا ويصف الحرب هناك بأنها "تهديد للأمن الأوروبي"، لا يجد كلمة واحدة لإدانة العدوان على إيران. هذا التناقض الصارخ لا يمر دون أن يلحظه الفرنسيون أنفسهم، الذين بدأوا يتساءلون: ما قيمة خطاب حقوق الإنسان الفرنسي إذا كان يتوقف عند حدود المصالح؟
لكن فرنسا تقدم أكثر من مجرد الصمت. تقارير استخباراتية تشير إلى أن الأجهزة الفرنسية تتبادل المعلومات مع نظيراتها الأمريكية والإسرائيلية. قاعدة عسكرية فرنسية في الإمارات تقدم دعماً لوجستياً. وشركات فرنسية تواصل بيع أسلحة لمحميات الخليج التي تشارك في العدوان. كل هذا يحدث تحت غطاء "العلاقات الثنائية" و"الالتزامات السابقة".
الثورة الفرنسية قامت ضد الاستبداد والظلم. اليوم، فرنسا تقف إلى جانب المستبدين والظالمين. هذا ليس مجرد تناقض سياسي، بل هو خيانة تاريخية، وانتحار أخلاقي، وتدمير للإرث الذي تركته الأجيال السابقة. فرنسا التي تصمت اليوم على قتل الأطفال، لا تستحق أن ترفع راية حقوق الإنسان غداً.
٦. بريطانيا: ذراع أمريكا في أوروبا
في لندن، المشهد أكثر وضوحاً. بريطانيا، الحليف التاريخي للولايات المتحدة، لم تتخلَّ قط عن دورها كـ"ذراع أمريكا في أوروبا". منذ أيام توني بلير وتحالفه مع جورج بوش في حرب العراق، وبريطانيا تثبت يوماً بعد يوم أن استقلالها السياسي مجرد وهم، وأن علاقتها الخاصة مع واشنطن تسبق أي اعتبارات أوروبية أو دولية.
رئيس الوزراء كير ستارمر، الذي وصل إلى السلطة بعد فترة مضطربة من حكم المحافظين، يواصل نفس النهج. بريطانيا تدعم العدوان علناً، وتقدم الدعم الاستخباراتي واللوجستي، وقواعدها في قبرص تشارك بنشاط. لكن الأهم من ذلك، أن بريطانيا توفر الغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن، مستخدمة حق النقض (الفيتو) لإفشال أي مشروع قرار يدين العدوان.
الخطاب البريطاني الرسمي يتحدث عن "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس"، وعن "ضرورة منع إيران من امتلاك السلاح النووي"، وعن "أهمية الاستقرار في المنطقة". هذا الخطاب يختزل إيران إلى مجرد "تهديد"، ويتجاهل تماماً أنها ضحية عدوان شامل. وكأن قتل مئة وستين طفلة في مدرسة هو جزء من "الدفاع عن النفس"!
بريطانيا التي تحتل مقعداً دائماً في مجلس الأمن، والتي تتحمل مسؤولية خاصة في حفظ السلم والأمن الدوليين، تخون هذه المسؤولية بامتياز. صمتها ليس صمتاً، بل هو مشاركة كاملة في العدوان. وتواطؤها ليس تواطؤاً، بل هو قيادة للحملة الدبلوماسية التي تشرعن الإبادة.
٧. إيطاليا وإسبانيا: أصوات معارضة خافتة
في الطرف الآخر من أوروبا، هناك أصوات معارضة خافتة. إسبانيا ، كانت من بين الدول القليلة التي أدانت العدوان. رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أصدر بياناً صريحاً يدين "الاعتداء على إيران" ويدعو إلى "وقف فوري لإطلاق النار". هذا الموقف الشجاع، وإن كان وحيداً تقريباً، يعكس أن الضمير الأوروبي لم يمت تماماً، وأن هناك من لا يزال يؤمن بأن المبادئ أهم من المصالح.
إيطاليا، من جهتها، اتخذت موقفاً أكثر توازناً. رئيسة الوزراء جورجا ميلوني، القادمة من تيار اليمين المتطرف، وجدت نفسها في مأزق: من جهة، انتماؤها الأيديولوجي يدفعها لدعم إسرائيل وأمريكا، ومن جهة أخرى، الرأي العام الإيطالي، وخاصة الكنيسة الكاثوليكية، يطالب بموقف إنساني. النتيجة كانت بيانات غامضة تدعو لـ"خفض التصعيد" وتتجنب إدانة أي طرف.
لكن إسبانيا تبقى الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. فمعظم أوروبا، ومعظم مؤسساتها، تلتزم الصمت. وهذا الصمت، في حد ذاته، هو أكبر دليل على أن "القيم الأوروبية" ليست أكثر من قشرة رقيقة تخفي تحتها براغماتية باردة، واستعداداً دائمياً للتضحية بالمبادئ من أجل المصالح.
٨. مؤسسات الاتحاد الأوروبي: البيروقراطية في خدمة الصمت
إذا كانت الحكومات الأوروبية تخاف من اتخاذ موقف، فإن مؤسسات الاتحاد الأوروبي أكثر خوفاً وتخبطاً. المفوضية الأوروبية، برئاسة أورسولا فون دير لاين، تلتزم الصمت المطبق. المجلس الأوروبي، الذي يضم رؤساء الدول والحكومات، يعجز عن الاتفاق على بيان موحد بسبب الفيتو الذي تلوح به بعض الدول. البرلمان الأوروبي، الذي كان يمكن أن يكون صوت الضمير، منشغل بصراعاته الداخلية وانتخاباته المقبلة.
الممثلة الأعلى للسياسة الخارجية، كايا كالاس، أصدر تصريحاً من بدء العدوان، يدعو فيه "جميع الأطراف" إلى "ضبط النفس" . هذا التصريح، الذي يساوي بين المعتدي والضحية، أثار سخرية واسعة. كيف يمكن لشخص يدعي مسؤوليته عن السياسة الخارجية الأوروبية أن يتجاهل حقيقة أن هناك من يقتل وهناك من يقتل، وأن هناك من يعتدي وهناك من يدافع عن نفسه؟
المؤسسات الأوروبية، التي بنيت على فكرة أن أوروبا الموحدة يمكن أن تكون قوة للخير في العالم، تثبت اليوم أنها مجرد بيروقراطية جبانة، عاجزة عن اتخاذ موقف أخلاقي عندما يكون الثمن سياسياً. وهذا العجز هو، في الحقيقة، اختيار واعٍ، وتخاذل ممنهج، وخيانة للأهداف التي قام من أجلها المشروع الأوروبي.
٩. تحليل الصمت: الأسباب العميقة
لماذا تصمت أوروبا؟ هذا السؤال يحتاج إلى إجابة تتجاوز التفسيرات السطحية. هناك أسباب عميقة، بنيوية، تفسر هذا الصمت المخزي:
السبب الأول: التبعية الأمنية. أوروبا تعتمد على حلف شمال الأطلسي (الناتو) في دفاعها، وهذا الحلف تقوده الولايات المتحدة. الخروج عن الموقف الأمريكي في قضية كبرى مثل إيران قد يكلف أوروبا ثمناً باهظاً: تهديد الالتزامات الأمنية الأمريكية، تقويض وحدة الحلف، وإضعاف الموقف الأوروبي في ملفات أخرى، رغم أن ترامب أعلن عن رغبته احتلال جزيرة تابعة للدانمارك .
السبب الثاني: المصالح الاقتصادية. الشركات الأوروبية لها استثمارات ضخمة في المحميات الخليجية وإسرائيل. عقود السلاح مع هذه الدول تدر مليارات اليورو. إدانة العدوان قد تعرض هذه المصالح للخطر، وتؤدي إلى فقدان عقود مهمة لصالح منافسين أمريكيين أو صينيين.
السبب الثالث: العلاقة الخاصة مع إسرائيل. أوروبا لديها علاقة خاصة مع إسرائيل، تتجاوز المصالح إلى ما يشبه "العلاقة الأبوية". إسرائيل، في المخيال الأوروبي، هي "تعويض" عن ذنب المحرقة، وهي "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط". انتقاد إسرائيل، حتى عندما ترتكب جرائم، يعتبر في كثير من الأوساط الرسمية الأوروبية "تابو" لا يمكن كسره.ولكن بعد البث المباشر للإبادة الصهيونية لشعب فلسطين في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 باتت قطاعات مؤثرة من الشعوب الأوروبية مع تصفية اسرائيل باعتبارها مشروعا يرث النازية بثوب الضحية ..
السبب الرابع: العداء التاريخي لإيران. هناك عداء تاريخي بين أوروبا وإيران، يعود إلى قرون. إيران تمثل "الآخر" الحضاري الذي يصعب فهمه، والذي يقف في وجه التوسع الغربي. النخب الأوروبية، حتى الليبرالية منها، تنظر إلى إيران بعين الشك والريبة، وتجد صعوبة في التعاطف مع ضحاياها.
السبب الخامس: الإرث الاستعماري. أوروبا اعتادت، عبر قرون من الاستعمار، على التعامل مع شعوب الشرق كأقل شأناً، كأدوات وليس كغايات. هذا الإرث لا يزال حياً في اللاوعي الأوروبي، ويجعل من السهل التغاضي عن معاناة "الآخر" الشرقي.
١٠. ازدواجية المعايير: أوكرانيا مثالاً
أكثر ما يفضح الصمت الأوروبي هو المقارنة مع موقف أوروبا من الحرب في أوكرانيا. هناك، كانت أوروبا في طليعة المدافعين عن القانون الدولي بفهم الاستعمار الغربي التقليدي : عقوبات على روسيا، أسلحة لأوكرانيا، استضافة لملايين اللاجئين، تغطية إعلامية واسعة لمحازر اقترفها نظام كييف النازي والصاقها بروسيا باعتبارها جرائم الحرب، ودعم سياسي لا محدود لكييف.
هنا، في إيران، كل شيء مختلف. العقوبات لا تزال مفروضة على إيران، وليس على المعتدين. الأسلحة تتدفق إلى المعتدين، وليس إلى الضحية. جرائم الحرب ضد الأطفال الإيرانيين تمر دون تحقيق. والدعم السياسي يذهب للمعتدي وليس للضحية.
لماذا هذا الاختلاف؟ الجواب بسيط: أوكرانيا في صراع مع روسيا، خصم أوروبا الجيوسياسي. إيران في صراع مع إسرائيل وأمريكا، حليفي أوروبا الاستراتيجيين. إذن، القانون الدولي ليس مبدأً عالمياً، بل هو أداة ترفع عندما يخدم مصالح توسع رأس المال الغربي المتوحش، وتخفض عندما يتعارض معها. هذا هو معنى ازدواجية المعايير، وهذا هو النفاق الأوروبي بامتياز.
الأطفال الأوكرانيون يستحقون الحياة، والأطفال الإيرانيون لا يستحقون. المدن الأوكرانية يجب ألا تُقصف، والمدن الإيرانية يمكن أن تُقصف. هذا المنطق المزدوج هو الذي يفضح أوروبا أكثر من أي شيء آخر.
١١. الأصوات المعارضة داخل أوروبا
لكن ليس كل أوروبا صامتة. هناك أصوات معارضة ترتفع هنا وهناك، في البرلمانات، في الجامعات، في وسائل الإعلام، في منظمات المجتمع المدني. هذه الأصوات تحاول إنقاذ ما تبقى من ضمير القارة العجوز.
في ألمانيا، حزب اليسار وبعض نواب الخضر يطالبون بإدانة العدوان ووقف التعاون العسكري مع إسرائيل. في فرنسا، جان لوك ميلانشون وحزبه "فرنسا الأبية" يقودون حملة مناهضة للحرب، وينظمون مظاهرات تضامناً مع إيران. في بريطانيا، جيريمي كوربين، رغم خروجه من قيادة حزب العمال، لا يزال صوتاً معارضاً قوياً. في إيطاليا، حركة الخمس نجوم وبعض قادة الحزب الديمقراطي يرفضون الصمت.
في الجامعات الأوروبية، أساتذة وطلاب ينظمون ندوات ومؤتمرات لمناقشة أبعاد العدوان، وكشف التواطؤ الأوروبي. في وسائل الإعلام المستقلة، صحفيون يكتبون مقالات نقدية، ويكشفون أكاذيب الحكومات. في منظمات حقوق الإنسان، محامون وناشطون يوثقون الجرائم، ويعدون ملفات للمقاضاة الدولية.
هذه الأصوات، رغم أنها أقلية، تثبت أن أوروبا ليست كتلة واحدة، وأن هناك من لا يزال يؤمن بأن المبادئ أهم من المصالح. لكن هذه الأصوات، للأسف، لم تستطع حتى الآن أن تؤثر في السياسات الرسمية، أو أن تكسر جدار الصمت الحكومي.
١٢. مسؤولية أوروبا القانونية
من منظور القانون الدولي، هل تتحمل أوروبا مسؤولية قانونية عن هذا الصمت؟ الجواب معقد، لكنه يميل إلى الإيجاب.
الدول التي تصمت عن جرائم الحرب، ولا تتحرك لوقفها، قد تتحمل مسؤولية "التواطؤ" إذا كانت لديها القدرة على التأثير ومنع الجريمة. هذا المبدأ، المعروف في القانون الدولي بـ"مسؤولية الحماية"، يلزم الدول بالتحرك لمنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب إذا كانت لديها الوسائل للقيام بذلك.
أوروبا تمتلك الوسائل: اقتصادياً، هي قوة عظمى. دبلوماسياً، هي صوت مؤثر في المحافل الدولية. سياسياً، هي حليف وثيق للولايات المتحدة وإسرائيل. لو أرادت أوروبا أن توقف العدوان، أو على الأقل أن تدينه، لكان بإمكانها فعل ذلك. لكنها تختار ألا تفعل. هذا الاختيار يجعلها شريكة في الجريمة.
كما أن الدول الأوروبية التي تقدم دعماً لوجستياً أو استخباراتياً غير مباشر للعدوان تتحمل مسؤولية قانونية كاملة. هذا الدعم، حتى لو كان "غير مباشر"، يعد مشاركة في العدوان، ويعرض هذه الدول للمساءلة القانونية.
١٣. التعويضات: مسؤولية أوروبا الأدبية والمادية
في أي تسوية مستقبلية، يجب أن تتحمل أوروبا جزءاً من التعويضات لإيران. ليس لأنها شاركت في العدوان بشكل مباشر، بل لأن صمتها وتواطؤها سهّلا استمراره، ولأنها تتحمل مسؤولية أدبية وتاريخية تجاه ضحاياه.
هذه التعويضات يمكن أن تأخذ أشكالاً متعددة:
تعويضات مادية: المساهمة في إعادة إعمار ما دمره العدوان، خاصة المدارس والمستشفيات والبنى التحتية المدنية.
تعويضات سياسية: رفع العقوبات الظالمة عن إيران، والضغط على الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني المارق لوقف العدوان، والاعتراف بحق إيران في الدفاع عن نفسها.
تعويضات قانونية: دعم إنشاء محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة والامريكان والقطريين والاماراتيين والخليجيين ، والمشاركة في التحقيقات الدولية لتوثيق الجرائم.
تعويضات معنوية: الاعتذار الرسمي عن الصمت والتواطؤ، وإحياء ذكرى الشهداء في المناهج التعليمية والخطاب الرسمي الأوروبي.
١٤. ما بعد الصمت: مستقبل العلاقات الأوروبية الإيرانية
صمت أوروبا اليوم سيكون له تبعات بعيدة المدى على علاقاتها مع إيران، ومع العالم الإسلامي بشكل عام، ومع دول الجنوب.
إيران، بعد هذه التجربة المريرة، لن تثق بأوروبا ثانية. أي حديث عن "الحوار" أو "المفاوضات" أو "الانفتاح" سيواجه بجدار من الشك والريبة. أوروبا التي صمتت على قتل الأطفال لا يمكن أن تكون شريكاً موثوقاً في أي عملية سلام أو تنمية.
العالم الإسلامي، الذي يتابع هذه الأحداث، سيرى في صمت أوروبا دليلاً إضافياً على أن "القيم الغربية" مجرد شعارات، وأن أوروبا لا تختلف عن أمريكا في ازدواجية معاييرها ونفاقها. هذا سيعمق الهوة بين "الغرب" و"الإسلام" المقاوم غير التكفيري، وسيغذي التطرف من الجانبين.
دول الجنوب، التي كانت تأمل في أن تلعب أوروبا دوراً مستقلاً في نظام عالمي متعدد الأقطاب، ستدرك أن أوروبا لا تزال مجرد ذراع مدني للإمبراطورية الأمريكية. هذا سيدفعها إلى الاقتراب أكثر من القوى الصاعدة الأخرى (الصين، روسيا، الهند، البرازيل)، وتهميش أوروبا في معادلات المستقبل.
١٥. في مديح الأمل: أوروبا التي يمكن أن تكون
رغم كل هذا السواد، لا يمكن أن نفقد الأمل في أوروبا. أوروبا ليست مجرد حكومات وسياسات، بل هي أيضاً شعوب وثقافات وقيم. هناك أوروبا أخرى، أوروبا المناضلين والمفكرين والفنانين والناشطين، أوروبا الذين يرفضون هذا الصمت ويحاربون ضده.
هذه أوروبا الأخرى هي التي نراها في المظاهرات التضامنية مع إيران، في المقالات النقدية، في الكتب والندوات، في حملات المقاطعة والدعم. هذه أوروبا هي التي يمكن أن تنقذ ما تبقى من ضمير القارة، وأن تعيد بناء جسور الثقة مع العالم.
المعركة، إذاً، ليست ضد أوروبا ككل، بل ضد نخبها السياسية المتواطئة، وضد مصالحها الاقتصادية العمياء، وضد إرثها الاستعماري الثقيل. هذه المعركة يمكن أن تنتصر، إذا وجدت من يدعمها داخل أوروبا نفسها.
إيران، في صمودها، تقدم نموذجاً لهذه المعركة. هي تثبت أن الشعوب يمكنها أن تصمد أمام الإمبراطوريات، وأن المبادئ يمكنها أن تنتصر على المصالح، وأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الحاضر. هذا الأمل هو ما يربط إيران بكل من يؤمن بإنسانية أفضل، داخل أوروبا وخارجها.
…….
الفصل الرابع
ما يفرضه القانون الدولي: ضرورة الاعتقال والمحاكمة
أو: نورنبيرغ القادمة وانهيار إمبراطورية الإفلات من العقاب
١. مدخل: القانون بين مثاله الأعلى وواقعه المهترئ
في البدء كان القانون. كان الكلمة التي تُنظّم العلاقة بين البشر، والحدّ الفاصل بين الغاب والمدينة، والضمان الوحيد للضعيف في مواجهة القوي. هكذا تعلّمنا أسطورة القانون، وهكذا ترويها كتب الفقه والمواثيق الدولية. لكن الواقع، كما نعيشه اليوم في آذار 2026، يحكي قصة مختلفة، قصة قانون يتحوّل إلى سلاح في يد الجلاد، ومشرط يُشرّح به جسد الضحية، وغربال يُصفّى به الدماء: دماء الأطفال تُهمل، ودماء المجرمين تُقدّس.
في العدوان على إيران، يسقط القناع عن الوجه الحقيقي للقانون الدولي. ليس القانون ذلك الكيان المحايد الذي يقف فوق الجميع، بل هو نتاج علاقات القوة، وانعكاس لتوازنات الهيمنة، وأداة في يد المنتصر يدوّن بها انتصاره ويشرعن به جرائمه. لكن هذه الحقيقة المرة لا تعني أن القانون غير موجود، أو أن بنوده مجرد حبر على ورق. بل تعني أن المعركة القانونية هي جزء لا يتجزأ من المعركة السياسية والعسكرية، وأن انتزاع العدالة من رحم الظلم هو واجب الضحايا وحقهم.
ما يفرضه القانون الدولي في هذه اللحظة التاريخية واضح لا لبس فيه: العدوان على إيران يشكل جريمة دولية كبرى، ترقى إلى مستوى العدوان المسلح المحظور بموجب ميثاق الأمم المتحدة. قتل مئة وستين طفلة في مدرسة "الشجرة الطيبة" هو جريمة حرب مكتملة الأركان. تصريحات القادة النازيين الجدد التي تبرر هذا القتل بدوافع عنصرية (كراهية الحجاب) هي جرائم كراهية وتحريض على الإبادة. وعلى هذا الأساس، يفرض القانون الدولي ضرورة محاكمة المجرمين، وتعويض الضحايا، ومنع الإفلات من العقاب.
في هذا الفصل، محاولة لتفكيك هذه المعادلة المعقدة: ما هو القانون الدولي؟ وكيف يُطبّق؟ ومن هي المحاكم المختصة؟ وما هي الجرائم التي ارتكبت؟ ومن هم المسؤولون عنها؟ وما هي العقوبات المستحقة؟ وما هي التعويضات الواجبة؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن تحويل هذا القانون، الذي وُلد أداة في يد القوي، إلى سلاح في يد الضعيف؟
٢. تمهيد نظري: مصادر القانون الدولي وآليات تطبيقه
لكي نفهم ما يفرضه القانون الدولي في هذه القضية، يجب أن نبدأ بتأصيل نظري لمصادر هذا القانون وآليات تطبيقه. القانون الدولي، خلافاً للقانون الداخلي، ليس تشريعاً يصدر عن سلطة مركزية، بل هو نتاج توافق الدول، ويتكون من مصادر متعددة:
المصدر الأول: المعاهدات والاتفاقيات الدولية. وأهمها في مجالنا ميثاق الأمم المتحدة (1945)، واتفاقيات جنيف الأربع (1949) وبروتوكولاتها الإضافية، واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية (1948)، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998). هذه المعاهدات تخلق التزامات قانونية ملزمة للدول الموقعة عليها.
المصدر الثاني: القانون الدولي العرفي. وهو قواعد نشأت من ممارسة الدول المتكررة مع اعتقادها بأن هذه الممارسة ملزمة قانوناً. كثير من قواعد القانون الإنساني، مثل مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب، وحظر استهداف المدنيين، أصبحت جزءاً من القانون الدولي العرفي الملزم لجميع الدول، حتى غير الموقعة على المعاهدات.
المصدر الثالث: المبادئ العامة للقانون. وهي المبادئ المشتركة بين النظم القانونية الرئيسية في العالم، مثل مبدأ المسؤولية الفردية، ومبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ومبدأ حق الدفاع عن النفس.
المصدر الرابع: أحكام المحاكم الدولية. وأهمها محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، والمحاكم الجنائية الخاصة (يوغسلافيا السابقة، رواندا، إلخ). هذه الأحكام تشكل سابقة قضائية تساعد في تفسير القانون وتطويره.
أما آليات تطبيق القانون الدولي، فهي أضعف بكثير من آليات تطبيق القانون الداخلي. لا توجد شرطة دولية لتنفيذ الأحكام، ولا جيش دولي لفرض القرارات. التطبيق يعتمد أساساً على إرادة الدول، وعلى الضغوط السياسية والدبلوماسية، وعلى الرأي العام العالمي. هذا الضعف البنيوي هو ما يفسر الإفلات المستمر من العقاب، وهو ما يجعل القانون الدولي، في كثير من الأحيان، مجرد "قانون الأقوياء".
٣. الجرائم الدولية الكبرى: التصنيف القانوني
قبل تحليل الجرائم المحددة في العدوان على إيران، يجب أن نفهم التصنيف القانوني للجرائم الدولية الكبرى. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يصنف هذه الجرائم إلى أربع فئات رئيسية:
أولاً: جريمة الإبادة الجماعية. وهي الأفعال المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية. وتشمل قتل أعضاء الجماعة، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي خطير بهم، وإخضاعهم عمداً لظروف معيشية يقصد بها إهلاكهم المادي، وفرض تدابير تهدف إلى منع الإنجاب، ونقل الأطفال قسراً من الجماعة إلى جماعة أخرى.
ثانياً: الجرائم ضد الإنسانية. وهي الأفعال المرتكبة في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد أي مجموعة من السكان المدنيين. وتشمل القتل العمد، والإبادة، والاسترقاق، والترحيل أو النقل القسري للسكان، والسجن، والتعذيب، والاغتصاب، والاضطهاد ضد أي مجموعة identifiable، والاختفاء القسري للأشخاص، وجريمة الفصل العنصري.
ثالثاً: جرائم الحرب. وهي انتهاكات جسيمة لقوانين وأعراف الحرب، سواء في النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية. وتشمل استهداف المدنيين عمداً، واستهداف الأعيان المدنية (كمدارس والمستشفيات)، والهجمات غير المتناسبة، واستخدام أسلحة محظورة، وأخذ الرهائن، وتجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب.
رابعاً: جريمة العدوان. وهي تخطيط أو شن أو تنفيذ عمل عدواني من قبل شخص في موقع يسمح له بممارسة السيطرة الفعلية على العمل السياسي أو العسكري للدولة. ويشمل العدوان غزو أو هجوم مسلح من قبل دولة على سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي.
في العدوان على إيران، تتوفر عناصر كل هذه الجرائم بدرجات متفاوتة. لكن الأكثر وضوحاً هي جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان.
٤. العدوان على إيران: جريمة العدوان المكتملة الأركان
لنبدأ بجريمة العدوان، وهي الجريمة الأم التي تتفرع عنها باقي الجرائم. قرار شن الحرب على إيران في آذار 2026 لم يكن عملاً دفاعياً، ولم يكن قراراً من مجلس الأمن، بل كان عدواناً صريحاً بكل معايير القانون الدولي.
تعريف العدوان في القانون الدولي ورد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 لسنة 1974، والذي يعتبر مرجعية أساسية في هذا المجال. وفقاً لهذا القرار، يشمل العدوان: غزو القوات المسلحة لإقليم دولة أخرى، أو الهجوم على إقليمها، أو احتلاله ولو مؤقتاً، أو قصف أراضيها، أو استخدام الأسلحة ضدها، أو حظر موانئها وسواحلها، أو مهاجمة قواتها البرية أو البحرية أو الجوية.
كل هذه العناصر متوفرة في العدوان على إيران: غارات جوية على عشرات المواقع في عمق الأراضي الإيرانية، قصف بالصواريخ والطائرات المسيرة، استهداف للقواعد العسكرية والمنشآت الحيوية، ومشاركة قوات من عدة دول في تنفيذ هذا العدوان.
لكن جريمة العدوان لا تقتصر على من نفذ الضربات، بل تمتد لتشمل من خطط وأمر وسهل وشارك. الولايات المتحدة، بصفتها القائد والمخطط الرئيسي، تتحمل المسؤولية الأساسية. إسرائيل، بصفتها شريكاً استراتيجياً ومنفذاً رئيسياً، تتحمل المسؤولية نفسها. الدول التي فتحت قواعدها ومجالها الجوي ( محميات الخليج، الأردن، تركيا، قبرص) تتحمل مسؤولية التسهيل والمشاركة. وأوروبا، بصمتها ودعمها غير المباشر، تتحمل مسؤولية التواطؤ.
المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة تعطي مجلس الأمن سلطة تقرير وجود أي عدوان، واتخاذ التدابير اللازمة لمواجهته. لكن مجلس الأمن، بسبب الفيتو الأمريكي، مشلول تماماً. هنا تكبر جريمة العدوان: ليس فقط لأنها ارتكبت، بل لأن آليات المجتمع الدولي عاجزة عن مواجهتها بسبب هيمنة المعتدي نفسه على هذه الآليات.
٥. مذبحة ميناب: جريمة حرب مكتملة الأركان
لننتقل إلى الجريمة الأكثر بشاعة: قتل مئة وستين طفلة في مدرسة "الشجرة الطيبة" بميناب. هذه الجريمة تشكل، بكل المقاييس القانونية، جريمة حرب مكتملة الأركان، بل وترتقي إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية.
أولاً: انتهاك مبدأ التمييز. القانون الدولي الإنساني يلزم أطراف النزاع بالتمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول تنص على أن "على أطراف النزاع أن تميز بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، وأن توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية فقط".
المدارس محمية بشكل خاص بموجب القانون الدولي. المادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول تنص على أن "الأعيان المدنية لا يجوز أن تكون هدفاً للهجوم". والمادة 8(2)(ب)(9) من نظام روما الأساسي تجرّم "شن هجمات متعمدة على المباني المخصصة للأغراض الدينية والتعليمية والفنية والعلمية والخيرية والمستشفيات والأماكن التي يتجمع فيها المرضى والجرحى".
الأدلة كما عرضناها في الفصل الأول تشير إلى أن المدرسة كانت منفصلة تماماً عن القاعدة العسكرية، ومعروفة للقوات المهاجمة، ومع ذلك استهدفت عمداً. هذا يشكل انتهاكاً صارخاً لمبدأ التمييز.
ثانياً: انتهاك مبدأ التناسب. حتى لو كان هناك هدف عسكري مشروع في محيط المدرسة (وهو ما لم يثبت)، فإن مبدأ التناسب يقتضي الموازنة بين المكسب العسكري المتوقع والأضرار الجانبية المتوقعة على المدنيين. المادة 51(5)(ب) من البروتوكول الإضافي الأول تحظر "الهجمات التي يمكن توقع أن تسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين، أو إصابات لهم، أو أضراراً للأعيان المدنية، تكون مفرطة مقارنة بالمكسب العسكري المباشر المتوقع".
قتل مئة وستين طفلة لا يمكن أن يكون متناسباً مع أي مكسب عسكري محتمل. حتى لو كان هناك قائد عسكري كبير في المدرسة (وهو افتراض غير صحيح)، فإن قتل هذا العدد الهائل من الأطفال لقتله سيكون غير متناسب بكل المقاييس.
ثالثاً: استهداف أشخاص محميين بشكل خاص. الأطفال يتمتعون بحماية خاصة في القانون الدولي الإنساني. المادة 77 من البروتوكول الإضافي الأول تنص على أن "الأطفال محل احترام خاص، ويتمتعون بالحماية من أي اعتداء غير لائق". المادة 38 من اتفاقية حقوق الطفل تنص على أن "الدول الأطراف تتخذ كل التدابير الممكنة عملياً لكي يكفل حماية الأطفال المتأثرين بنزاع مسلح ورعايتهم".
قتل الأطفال عمداً لا يشكل فقط جريمة حرب، بل يمكن أن يرتقي إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية، خاصة إذا كان جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين.
رابعاً: استخدام أسلحة دقيقة لاستهداف مدنيين. صواريخ "توماهوك" الأمريكية التي استخدمت في الهجوم هي من أكثر الأسلحة دقة في الترسانة الأمريكية. دقتها تنفي احتمال "الخطأ" أو "العطل الفني"، وتؤكد أن المدرسة كانت هدفاً مقصوداً، أو على الأقل أن المهاجمين كانوا يعلمون بوجودها ولم يبذلوا جهداً لحمايتها.
٦. تصريحات القادة النازيين: جريمة الكراهية والتحريض
لكن الجريمة لا تقتصر على القتل المادي، بل تمتد لتشمل الجريمة المعنوية: تصريحات بعض القادة في الحزب الجمهوري الأمريكي التي تبرر قتل الأطفال لأنهم "يرتدون الحجاب"، واصفة هذا اللباس التقليدي لشعوب الشرق بأنه "رمز التخلف والإرهاب".
هذه التصريحات تشكل، من منظور قانوني:
أولاً: تحريض على الكراهية الدينية والعرقية. المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على أن "يُحظر بالقانون أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف". تصريحات هؤلاء القادة تحرض صراحة على كراهية المسلمين، وتصورهم كأقلية تستحق الموت.
ثانياً: تبرير جرائم الحرب. عندما يبرر قادة سياسيون كبار قتل الأطفال بدوافع عنصرية، فإنهم لا يعبرون فقط عن آرائهم الشخصية، بل يشرعنون جرائم الحرب ويشجعون على ارتكاب المزيد منها. هذا يشكل مشاركة في الجريمة المعنوية، ويعرضهم للمساءلة القانونية.
ثالثاً: دليل على النية الإجرامية. في القانون الجنائي، تعتبر تصريحات المتهمين قبل الجريمة أو بعدها دليلاً على نيتهم الإجرامية (mens rea). تصريحات هؤلاء القادة تثبت أن العدوان على إيران لم يكن مجرد خطأ عسكري، بل كان معبراً عن أيديولوجية عنصرية متطرفة تنظر إلى الإيرانيين كبشر أقل درجة.
رابعاً: انتهاك لالتزامات الولايات المتحدة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. الولايات المتحدة، رغم أنها لم تصادق على بعض المعاهدات، ملزمة بموجب القانون الدولي العرفي باحترام حقوق الإنسان وعدم التمييز. تصريحات قادتها تنتهك هذه الالتزامات، وتشكل وصمة عار في جبين الدولة التي يدّعون تمثيلها.
٧. المسؤولية الجنائية الفردية: من نورنبيرغ إلى لاهاي
أحد أهم مبادئ القانون الدولي الجنائي هو مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، الذي أكدته محكمة نورنبيرغ بعد الحرب العالمية الثانية. هذا المبدأ يعني أن الأفراد، وليس الدول فقط، يتحملون المسؤولية عن انتهاكات القانون الدولي. ولا يحمي مرتكب هذه الجرائم أي حصانة رسمية، سواء كان رئيس دولة أو وزيراً أو قائداً عسكرياً.
المادة 25 من نظام روما الأساسي تنص على أن "للمحكمة أن تمارس اختصاصها على الأشخاص الطبيعيين وفقاً لهذا النظام". والمادة 27 تنص صراحة على أن "هذا النظام يسري بالتساوي على جميع الأشخاص دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية. وبوجه خاص، فإن الصفة الرسمية لرئيس دولة أو حكومة أو عضو في حكومة أو برلمان، لا تعفي الشخص من المسؤولية الجنائية".
هذا المبدأ يعني أن ترامب، ونتنياهو، وقادة الدول التي شاركت في العدوان، وقادة المحميات الخليجية، والأردن، وتركيا، وقبرص، يتحملون جميعاً مسؤولية جنائية فردية عن الجرائم المرتكبة. ولا يمكنهم الاحتماء بصفاتهم الرسمية، أو بدعوى "سيادة الدولة"، أو بحصانتهم الدبلوماسية.
محكمة نورنبيرغ قالت بوضوح: "إن الجرائم ضد القانون الدولي يرتكبها البشر، وليس الكيانات المجردة، ولا يمكن إنفاذ القانون الدولي إلا بمعاقبة الأفراد الذين يرتكبون هذه الجرائم". هذه المقولة التاريخية لا تزال صالحة حتى اليوم، وهي الأساس الذي تقوم عليه المحكمة الجنائية الدولية.
٨. المحكمة الجنائية الدولية: التاريخ والولاية والاختصاص
المحكمة الجنائية الدولية، التي تتخذ من لاهاي مقراً لها، هي أول محكمة جنائية دولية دائمة أنشئت لمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب أشد الجرائم خطورة: الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان. أنشئت المحكمة بموجب نظام روما الأساسي الذي اعتمد في 1998 ودخل حيز النفاذ في 2002 .
تتكون المحكمة من 124 دولة طرفاً، بينها جميع دول الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، واليابان، والبرازيل، والأرجنتين، وجنوب إفريقيا. ليست الولايات المتحدة ولا إسرائيل ولا روسيا ولا الصين ولا إيران من الدول الأطراف .
اختصاص المحكمة يمتد إلى الجرائم المرتكبة على أراضي الدول الأطراف، أو من قبل مواطني الدول الأطراف، أو في الحالات التي يحيلها مجلس الأمن إلى المحكمة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة .
في حالة العدوان على إيران، رغم أن إيران ليست دولة طرفاً، فإن الجرائم ارتكبت على أراضيها من قبل مواطني دول أطراف (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، الأردن، قبرص، تركيا - إذا كانت هذه الدول أطرافاً) . كما أن مجلس الأمن يمكنه، نظرياً، إحالة الوضع إلى المحكمة، لكن الفيتو الأمريكي يحول دون ذلك.
المحكمة واجهت تحديات كبيرة منذ إنشائها. حتى نوفمبر 2024، أصدرت 56 أمر قبض، نُفذ منها 21 فقط . العقوبات الأمريكية على موظفي المحكمة، والتهديدات السياسية، وعدم تعاون الدول، كلها عوامل تعيق عملها . لكن رغم ذلك، تبقى المحكمة أملاً للضحايا في إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.
٩. سابقة تاريخية: مذكرات اعتقال نتنياهو وغالانت
في تطور تاريخي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت. هذه المرة الأولى في التاريخ التي تصدر فيها المحكمة مذكرات اعتقال بحق قائد لدولة غربية مدعومة من الغرب .
المذكرات اتهمت نتنياهو وغالانت بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، بما في ذلك استخدام التجويع كأسلوب حرب، والقتل العمد، والاضطهاد، وغيرها من الأعمال اللاإنسانية . المحكمة وجدت أن هناك "أسباباً معقولة" للاعتقاد بأنهما يتحملان مسؤولية جنائية عن هذه الجرائم .
هذه السابقة مهمة جداً في سياقنا، لأنها تؤكد مبدأين أساسيين:
· أن القادة الغربيين ليسوا فوق القانون. لأول مرة، تطبق المحكمة القانون بالتساوي على قائد من "المعسكر الغربي"، مما يكسر التابو الذي كان يحمي إسرائيل وحلفاءها.
· أن مذكرات الاعتقال ملزمة للدول الأطراف. الدول الـ124 الأطراف في المحكمة ملزمة باعتقال نتنياهو وغالانت إذا دخلا أراضيها . هذا يشمل دولاً أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، مما يضعها في موقف حرج مع حليفتها إسرائيل.
لكن التطبيق العملي واجه تحديات. بعض الدول الأوروبية أبدت تحفظات. فرنسا زعمت أن المذكرات غير صالحة لأن إسرائيل ليست عضواً في المحكمة . بولندا ضمنت مروراً آمناً لنتنياهو لحضور ذكرى تحرير أوشفيتز . هذا يثبت أن الالتزام القانوني وحده لا يكفي دون إرادة سياسية.
١٠. ولاية المحكمة على جرائم العدوان على إيران
بالعودة إلى عدوان آذار 2026، هل تملك المحكمة الجنائية الدولية ولاية النظر في هذه الجرائم؟ الإجابة معقدة لكنها تميل إلى الإيجاب:
أولاً: جرائم الحرب. المحكمة تملك ولاية واضحة على جرائم الحرب المرتكبة في إيران، بغض النظر عن جنسية مرتكبيها، إذا ارتكبت على أراضي دولة طرف. إيران ليست دولة طرفاً، لكن الجرائم ارتكبت على أراضيها. هنا تأتي أهمية "قاعدة الجنسية السلبية": الضحايا إيرانيون، والجرائم وقعت في إيران. بعض الفقه يرى أن هذا يكفي لمنح المحكمة ولاية، خاصة في الجرائم الخطيرة .
ثانياً: جنسية الجناة. العديد من الدول المشاركة في العدوان هي دول أطراف في المحكمة. بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، الأردن (إذا كان طرفاً)، قبرص (عضو في الاتحاد الأوروبي وجميع أعضائه أطراف)، وتركيا (ليست طرفاً لكن لها قواعد أقامتها دول أطراف). مواطنو هذه الدول يخضعون لولاية المحكمة إذا ارتكبوا جرائم في أي مكان .
ثالثاً: إحالة مجلس الأمن. نظرياً، يمكن لمجلس الأمن إحالة الوضع في إيران إلى المحكمة بموجب الفصل السابع. لكن عملياً، الولايات المتحدة، بصفتها عضواً دائماً، ستستخدم حق النقض (الفيتو) لإفشال أي إحالة، خاصة أن قادتها متهمون رئيسيون في الجرائم .
رابعاً: الاعتراف باختصاص المحكمة. يمكن لإيران، رغم أنها ليست دولة طرفاً، أن تعلن قبولها اختصاص المحكمة مؤقتاً للجرائم المرتكبة على أراضيها. هذا الإجراء سيفتح الباب أمام المحكمة للنظر في القضية .
١١. قائمة المتهمين: من يجب أن يحاكم؟
بناءً على التحليل السابق، يمكن تحديد قائمة المتهمين الرئيسيين الذين يجب تقديمهم للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية أو أي محكمة دولية مختصة:
على رأس القائمة: دونالد ترامب. بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، والأمر بشن العدوان. ترامب متهم بجريمة العدوان، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية. تبريراته السخيفة بعد مجزرة ميناب (اتهامه لإيران بقصف أطفالها) تثبت معرفته بالجريمة وتواطؤه في التغطية عليها.
ثانياً: بنيامين نتنياهو. رئيس وزراء إسرائيل، والقائد الفعلي للمشاركة الإسرائيلية في العدوان. نتنياهو متهم بجريمة العدوان، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية. مذكرة الاعتقال السابقة الصادرة بحقه في قضية غزة تؤكد استمراريته في ارتكاب الجرائم دون رادع .
ثالثاً: قادة الدول المشاركة في العدوان. رؤساء وملوك وأمراء المحميات الخليجية سواء قطر أو الامارات والبحرين والكويت والسعودية التي فتحت قواعدها للعدوان، و ملك الأردن، ورئيس تركيا، ورئيس قبرص. هؤلاء متهمون بالمشاركة في العدوان، وتسهيل ارتكاب جرائم الحرب، وانتهاك واجب الحياد.
رابعاً: القادة العسكريون. قادة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، وقادة البحرية الأمريكية في المنطقة، وقادة سلاح الجو الإسرائيلي، وقادة القواعد العسكرية في الدول المشاركة. هؤلاء متهمون بتنفيذ الجرائم، والإشراف عليها، وإصدار الأوامر المباشرة للقصف.
خامساً: المنفذون المباشرون. الطيارون، ومشغلو الطائرات المسيرة، وطواقم السفن الحربية الذين نفذوا الضربات. "تنفيذ الأوامر" ليس دفاعاً مقبولاً في جرائم الحرب، خاصة عندما تكون الأوامر غير قانونية بشكل واضح (كقصف مدرسة).
سادساً: القادة السياسيون المتواطئون. قادة أوروبا الذين صمتوا وقدموا الدعم غير المباشر. قد لا يكون هؤلاء متهمين بارتكاب الجرائم مباشرة، لكنهم يتحملون مسؤولية التواطؤ، خاصة إذا ثبت تورطهم في دعم استخباراتي أو لوجستي.
١٢. مذكرات الاعتقال: الإجراءات والآثار
عندما تصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق أي من هؤلاء، ما هي الإجراءات والآثار المترتبة؟
أولاً: شروط إصدار المذكرة. المادة 58 من نظام روما الأساسي تشترط لإصدار مذكرة الاعتقال توافر سببين: وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الشخص ارتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة، وضرورة الاعتقال لضمان مثول الشخص أمام المحكمة، أو لمنعه من عرقلة التحقيق، أو لمنعه من مواصلة ارتكاب الجريمة .
ثانياً: التزام الدول الأطراف. الدول الأطراف في المحكمة (124 دولة) ملزمة قانوناً بتنفيذ مذكرات الاعتقال إذا دخل المشتبه بهم أراضيها. المادة 86 من نظام روما تلزم الدول بالتعاون الكامل مع المحكمة. المادة 59 تلزم الدول الأطراف باتخاذ إجراءات فورية لاعتقال الشخص المطلوب .
ثالثاً: عواقب عدم التنفيذ. إذا فشلت دولة طرف في تنفيذ مذكرة اعتقال، يمكن للمحكمة إحالة الأمر إلى جمعية الدول الأطراف وإلى مجلس الأمن . الإحالة لا تعني عقوبات فورية، لكنها تضع الدولة في موقف سياسي محرج، وتقوض مصداقيتها في دعم القانون الدولي.
رابعاً: آثار المذكرات على حركة المتهمين. مذكرات الاعتقال تحوّل المتهمين إلى "هاربين من العدالة" في نظر 124 دولة. تصبح سفراتهم محدودة، ويواجهون خطر الاعتقال إذا زاروا أي دولة طرف. نتنياهو، بعد مذكرة نوفمبر 2024، لم يعد يستطيع زيارة دول مثل بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا دون المخاطرة .
خامساً: الحصانة لا تحمي. المادة 27 من نظام روما واضحة: الصفة الرسمية لا تعفي من المسؤولية الجنائية. قرار محكمة الاستئناف في قضية البشير (2019) أكد أن هذا المبدأ يعكس القانون الدولي العرفي، وأنه لا توجد حصانة لرؤساء الدول أمام المحاكم الدولية .
١٣. قضية البشير: سابقة في تحديات الاعتقال
قضية الرئيس السوداني السابق عمر البشير تقدم دروساً مهمة حول تحديات تنفيذ مذكرات الاعتقال. المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرتي اعتقال بحق البشير في 2009 و2010 بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في دارفور .
منذ ذلك التاريخ، سافر البشير إلى عدة دول أطراف في المحكمة (مالاوي، تشاد، جنوب إفريقيا، الأردن) دون أن تعتقله. هذا خلق جدلاً قانونياً كبيراً حول التزامات هذه الدول .
محكمة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية أصدرت حكماً مهماً في قضية الأردن (2019)، أكدت فيه:
· أن الدول الأطراف ملزمة باعتقال البشير إذا دخل أراضيها.
· أن الحصانة التي يتمتع بها البشير كرئيس دولة لا تسري أمام المحكمة الجنائية الدولية، لأن المحكمة أنشئت لملاحقة هذه الجرائم .
· أن القانون الدولي العرفي لا يعترف بحصانة رؤساء الدول أمام المحاكم الدولية .
هذا الحكم مهم جداً لقضيتنا، لأنه يؤكد أن ترامب ونتنياهو، حتى لو كانا رئيسي دولة، لا يتمتعان بحصانة أمام المحكمة الجنائية الدولية. كما أنه يلزم الدول الأطراف باعتقالهما إذا دخلا أراضيها.
الدروس المستفادة من قضية مجرم الإبادة الجماعية نتنياهو :
· التنفيذ يتطلب إرادة سياسية. حتى مع الالتزام القانوني الواضح، الدول قد تتردد في اعتقال قادة كبار بسبب الاعتبارات السياسية والاقتصادية.
· الضغط الدولي مهم. رغم فشل الاعتقال، فإن الضغط على بولندا والمناقشات الدولية حول القضية ساهمت في زيادة الوعي بجرائم نتنياهو وعزلته الدولية.
· المحكمة مستمرة. رغم التحديات، المحكمة واصلت الضغط ولم تتخل عن مذكراتها. هذا يرسل رسالة أن الإفلات من العقاب ليس مطلقاً.
في قضيتنا، هذه الدروس مهمة. قد لا يتم اعتقال ترامب ونتنياهو غداً، لكن مذكرات الاعتقال ستحد من حريتهما، وتزيد من عزلتهما الدولية، وتخلق إرثاً قانونياً يطاردهما لبقية حياتهما.
١٥. قضية المسماري: إشكالية التنفيذ في القانون الداخلي
قضية أخرى حديثة تكشف تحديات تنفيذ مذكرات المحكمة الجنائية الدولية: قضية أسامة المسماري (إلمصري)، الليبي في ائتلاف الإرهاب الإخوانجي الامريكي التركي القطري في طرابلس الغرب المتهم بارتكاب جرائم حرب في سجن ميتيغا .
في 18 يناير 2025، أصدرت المحكمة مذكرة اعتقال بحق المسماري. في 19 يناير، اعتقل في تورينو بإيطاليا. لكن في 21 يناير، أطلقت السلطات الإيطالية سراحه وأعادته إلى ليبيا، بدعوى أن اعتقاله لم يتوافق مع القانون الإيطالي .
وزير العدل الإيطالي، كارلو نورديو، برر القرار بأن دوره كوزير لا يقتصر على تمرير طلبات المحكمة، بل يشمل تقييمها سياسياً وقانونياً. وادعى أن مذكرة المحكمة "باطلة بطلاناً جذرياً" .
هذه القضية تثير إشكالية خطيرة: هل للدول الأطراف الحق في مراجعة قرارات المحكمة الجنائية الدولية والطعن في صحتها؟ الفقه القانوني يرفض ذلك، لأن المحكمة هيئة قضائية مستقلة، وقراراتها ملزمة للدول الأطراف . لكن الممارسة تظهر أن بعض الدول تستخدم تشريعاتها الداخلية كذريعة لعدم التعاون.
في قضيتنا، هذا يعني أن الدول الأوروبية قد تتحجج بقوانينها الداخلية لعدم اعتقال ترامب أو نتنياهو إذا زاراها. هذا يتطلب ضغطاً مستمراً لضمان تنفيذ الالتزامات الدولية.
١٦. مبدأ الولاية العالمية: بديل للمحكمة الجنائية الدولية
إذا تعطلت المحكمة الجنائية الدولية بسبب الفيتو أو الضغوط السياسية، هناك بديل آخر: مبدأ "الولاية القضائية العالمية". هذا المبدأ يسمح للمحاكم الوطنية بمحاكمة مرتكبي أشد الجرائم الدولية خطورة، بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة أو جنسية مرتكبها أو جنسية ضحاياها.
أساس هذا المبدأ هو أن بعض الجرائم (الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب) تعتبر جرائم ضد الإنسانية جمعاء، وليست شأناً داخلياً لأي دولة. لذلك، يحق لأي دولة محاكمة مرتكبيها، حتى لو لم تكن لها أي صلة بالجريمة.
تطبيقات هذا المبدأ كثيرة: محاكمة أدولف أيخمان في إسرائيل (1961) بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال المحرقة أو لاخفاء العلاقة بين النازية والصهيونية لانه كان ضابط الاتصال بين هتلر والصهاينة . محاكمة أوغستو بينوشيه في إسبانيا (1998) بتهمة التعذيب. ومحاكمة هيسين حبري في السنغال (2015) بتهمة ارتكاب جرائم حرب في تشاد.
في قضيتنا، يمكن لإيران، أو لأي دولة أخرى لديها تشريعات تسمح بالولاية القضائية العالمية (مثل ألمانيا، بلجيكا، إسبانيا، السنغال)، أن تبدأ إجراءات قضائية بحق ترامب ونتنياهو وغيرهما. هذه الإجراءات، حتى لو لم تؤدِ إلى اعتقال فوري، ستزيد من الضغط الدولي، وتوثق الجرائم، وتخلق سابقة قانونية مهمة.
١٧. مسؤولية الدول عن التعويضات
إلى جانب المسؤولية الجنائية الفردية، هناك مسؤولية الدول عن التعويضات. القانون الدولي يقر مبدأين أساسيين في هذا المجال:
أولاً: مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً. لجنة القانون الدولي تبنت عام 2001 "مشروع مواد بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً". هذه المواد تعتبر أن الدولة مسؤولة عن أي فعل غير مشروع دولياً ينسب إليها، وعليها التزام بوقف الفعل وتقديم تعويض كامل عن الضرر الناجم عنه.
ثانياً: التعويض عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني. المادة 91 من البروتوكول الإضافي الأول تنص على أن "طرف النزاع الذي ينتهك أحكام اتفاقيات جنيف أو هذا البروتوكول يلتزم بدفع تعويضات إذا كان الحال يقتضي ذلك. ويكون مسؤولاً عن جميع الأفعال التي ترتكبها القوات المسلحة التابعة له".
في قضيتنا، الدول المعتدية (الولايات المتحدة، إسرائيل، الدول التي فتحت قواعدها) مسؤولة مسؤولية كاملة عن الأضرار الناجمة عن عدوانها. هذا يشمل الأضرار المادية (تدمير المنشآت) والأضرار البشرية (القتلى والجرحى) والأضرار المعنوية (المعاناة النفسية) والأضرار البيئية (التلوث).
١٨. تقدير التعويضات: ماذا تطالب إيران؟
بناءً على السوابق القضائية وقواعد القانون الدولي، يمكن تقدير التعويضات التي يجب أن تدفعها الدول المعتدية لإيران على النحو التالي:
أولاً: التعويض عن الأضرار المادية. إعادة إعمار كل ما دمره العدوان: المنشآت العسكرية، البنى التحتية (محطات الطاقة، شبكات المياه، الطرق، الجسور)، والمباني المدنية (المدارس، المستشفيات، المساجد، المنازل). تقدير هذه التكاليف يتطلب لجنة خبراء مستقلة، لكنها بالتأكيد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات.
ثانياً: التعويض عن الأضرار البشرية. تعويضات لعائلات الشهداء والجرحى. هنا يجب تطبيق مبدأ "التعويض الرادع"، بحيث تكون المبالغ كبيرة بما يكفي لتردع الدول عن تكرار مثل هذه الجرائم. يمكن الاستناد إلى سابقة تعويضات حرب الخليج (1991)، حيث دفعت العراق تعويضات بمليارات الدولارات.
ثالثاً: التعويض عن الأضرار البيئية. إذا استخدم العدوان أسلحة تلوث البيئة (كاليورانيوم المنضب أو القنابل الفوسفورية)، فإن الدول المعتدية ملزمة بدفع تكاليف إزالة هذا التلوث ومعالجة آثاره الصحية. تجربة العراق مع اليورانيوم المنضب الذي استخدمته أمريكا وبريطانيا في حرب 1991 وحرب 2003 تظهر أن هذه التكاليف هائلة وتستمر لعقود.
رابعاً: التعويض عن الأضرار المعنوية. تعويضات عن المعاناة النفسية التي سببتها الحرب للشعب الإيراني، خاصة لأهالي الضحايا والناجين. هذا النوع من التعويضات أقل شيوعاً، لكنه ممكن قانوناً، خاصة في الجرائم الفظيعة كقتل الأطفال.
خامساً: التعويض عن الخسائر الاقتصادية غير المباشرة. توقف النشاط الاقتصادي، تراجع الاستثمارات، انخفاض قيمة العملة، زيادة الإنفاق العسكري. هذه الخسائر يصعب تقديرها، لكنها بالتأكيد كبيرة ويجب أخذها في الاعتبار.
١٩. نموذج التعويضات: تعويضات حرب الخليج (1991)
أكبر نموذج للتعويضات في التاريخ الحديث هو التعويضات التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق بعد غزوه للكويت عام 1990. مجلس الأمن أصدر القرار 687 (1991) الذي أنشأ "لجنة التعويضات" التابعة للأمم المتحدة، وهي هيئة فرعية لمجلس الأمن مكلفة بالتعامل مع مطالبات التعويض ضد العراق .
لجنة التعويضات نظرت في حوالي 2.7 مليون مطالبة، ودفعت تعويضات تجاوزت 52 مليار دولار من عائدات النفط العراقي. غطت التعويضات أضراراً متنوعة: الخسائر الشخصية (القتلى والجرحى)، الأضرار المادية (تدمير الممتلكات)، الخسائر الاقتصادية (فقدان الأرباح)، والأضرار البيئية.
هذا النموذج يمكن تطبيقه في قضية إيران. يمكن لمجلس الأمن (إذا تعطل) أو الجمعية العامة للأمم المتحدة (كبديل) أن ينشئ لجنة تعويضات مماثلة، تمول من أصول الدول المعتدية المجمدة، أو من عائدات نفطها، أو من مساهمات إلزامية.
٢٠. تحديات التنفيذ: كيف ننتقل من القانون إلى الواقع؟
لكن السؤال الأكبر يبقى: كيف ننتقل من هذه المبادئ القانونية الجميلة إلى واقع ملموس؟ كيف نحول أحكام المحاكم إلى اعتقالات فعلية؟ كيف ننتزع التعويضات من الدول المعتدية؟
هذه التحديات ليست جديدة. تاريخ القانون الدولي مليء بالأحكام غير المنفذة، وبالمجرمين الذين ماتوا في أسرّتهم دون أن يحاكموا. لكن هذا لا يعني أن المعركة القانونية عديمة الجدوى. بل على العكس، المعركة القانونية هي جزء أساسي من المعركة السياسية.
أولاً: الضغط الدبلوماسي. على إيران وحلفائها أن يواصلوا الضغط في المحافل الدولية. كلما زاد عدد الدول التي تدين العدوان وتطالب بمحاكمة المجرمين، كلما زادت عزلة الدول المعتدية، وكلما صعب عليها تجاهل القانون الدولي.
ثانياً: توثيق الجرائم. التوثيق الدقيق للجرائم هو أساس أي ملاحقة قانونية. صور الأقمار الاصطناعية، شهادات الضحايا، تقارير المنظمات الحقوقية، تحقيقات الصحفيين. كل هذه مواد أساسية لأي قضية أمام المحاكم الدولية.
ثالثاً: بناء التحالفات. على إيران أن تبني تحالفات مع دول الجنوب، ومع منظمات المجتمع المدني الدولية، ومع القوى الصاعدة (الصين، روسيا، الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا). هذه التحالفات يمكنها الضغط في المحافل الدولية، وتقديم مساعدات قانونية وفنية.
رابعاً: استخدام القانون كسلاح. القانون ليس مجرد أداة للعدالة، بل هو أيضاً سلاح في المعركة السياسية. رفع الدعاوى، حتى لو لم تؤدِ إلى إدانة فورية، يرهق الدول المعتدية، ويكشف جرائمها، ويخلق إرثاً قانونياً يطارد قادتها لبقية حياتهم.
خامساً: فضح ازدواجية المعايير. فضح ازدواجية المعايير الغربية هو معركة قانونية وسياسية مهمة. لماذا تطبق المحكمة الجنائية الدولية القانون على البشير ولا تطبقه على ترامب ونتنياهو؟ لماذا تطالب أوروبا بمحاكمة مجرمي الحرب النازيين وتصمت عن مجرمي الحرب في إيران؟ هذا الفضح يضعف شرعية النظام الدولي الحالي، ويمهد الطريق لنظام جديد أكثر عدالة.
٢١. دور المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية
في كل هذه المعركة، يلعب المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية دوراً محورياً. منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش"، و"منظمة العفو الدولية"، و"مركز القانون الدولي الإنساني"، و"اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، يمكنها:
أولاً: توثيق الجرائم. هذه المنظمات لديها خبرة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب. تقاريرها تعتبر أدلة موثوقة أمام المحاكم الدولية.
ثانياً: رفع الدعاوى. يمكن لهذه المنظمات أن ترفع دعاوى نيابة عن الضحايا، أو أن تساعد الضحايا وعائلاتهم في رفع دعاوىهم.
ثالثاً: الضغط على الحكومات. هذه المنظمات تضغط على الحكومات لاحترام التزاماتها الدولية، ولتنفيذ مذكرات الاعتقال، وللمساهمة في التحقيقات الدولية.
رابعاً: التوعية العامة. هذه المنظمات تنشر تقاريرها في وسائل الإعلام، وتنظم حملات توعية، وتكشف جرائم الحرب أمام الرأي العام العالمي.
في قضيتنا، يجب على إيران أن تتعاون بشكل وثيق مع هذه المنظمات، وأن توفر لها كل التسهيلات للوصول إلى الضحايا وتوثيق الجرائم.
٢٢. نورنبيرج الثانية: دروس من الماضي
بعد الحرب العالمية الثانية، واجه الحلفاء المنتصرون تحدياً كبيراً: كيف نتعامل مع قادة النازية الذين ارتكبوا أبشع الجرائم في التاريخ؟ كان الخيار السهل هو إعدامهم دون محاكمة، كما اقترح تشرشل. لكن الخيار الذي اختاروه كان محاكمتهم أمام محكمة دولية، لتكون سابقة قانونية وأخلاقية للأجيال القادمة.
محكمة نورنبيرغ (1945-1946) لم تكن مجرد محاكمة للمجرمين، بل كانت تأسيساً لمبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، ولقاعدة أن "اتباع الأوامر" ليس دفاعاً مقبولاً في جرائم الحرب، وللفكرة أن العدالة الدولية ممكنة حتى عندما يكون المتهمون هم الأقوياء.
الدروس المستفادة من نورنبيرغ:
· القادة ليسوا فوق القانون. هيرمان غورينغ، رودولف هس، يواكيم فون ريبنتروب، كلهم حوكموا وأدينوا رغم مناصبهم الرفيعة في الدولة النازية.
· التوثيق أساسي. محكمة نورنبيرغ اعتمدت على وثائق ألمانية كثيرة، سجلها النازيون بأنفسهم بدقة متناهية. هذا يذكرنا بأهمية توثيق جرائم اليوم.
· العدالة قد تكون "عدالة المنتصر". انتقد البعض نورنبيرغ باعتبارها "عدالة المنتصر"، حيث حكم المنتصرون على المهزومين. لكن هذا النقد لا يلغي أهمية المحاكمات، بل يذكرنا بأهمية السعي إلى عدالة أكثر حيادية وتوازناً.
في قضيتنا، نحن بحاجة إلى "نورنبيرغ جديدة"، محاكمة دولية لقادة النازية الجديدة: ترامب، نتنياهو، وقادة المحميات الذين شاركوا في العدوان. هذه المحاكمة، حتى لو لم تتم اليوم، يجب أن تبقى هدفاً ناضل من أجله.
٢٣. مقاطعة المجرمين: سياسة "لا اتصال"
من الأدوات المهمة في الضغط على المجرمين سياسة "تجنب الاتصالات غير الأساسية" التي تتبناها بعض الدول والمنظمات الدولية. هذه السياسة تعني أن الدول والمنظمات تمتنع عن الاتصالات الرسمية مع الأشخاص المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، إلا في الحالات الأساسية (كمفاوضات السلام الضرورية) .
الاتحاد الأوروبي تبنى هذه السياسة في خطة عمله بشأن المحكمة الجنائية الدولية (2011). الدول الأعضاء ملتزمة بتجنب الاتصالات غير الأساسية مع الهاربين من العدالة الدولية، وإذا كانت الاتصالات ضرورية، يجب إبلاغ الشركاء والمحكمة بها .
هذه السياسة تشمل تجنب: الزيارات الرسمية، وحفلات الاستقبال، والصور الرسمية، وحضور المناسبات الوطنية، وغيرها من الاتصالات التي قد تضفي شرعية على المجرمين .
في قضيتنا، على إيران وحلفائها أن يضغطوا على المجتمع الدولي لتطبيق هذه السياسة بحق ترامب ونتنياهو وقادة المحميات. هذا سيعزلهم سياسياً، ويصعب عليهم التحرك بحرية، ويقلل من شرعيتهم الدولية.
٢٤. خريطة طريق: خطوات عملية نحو العدالة
بناءً على ما تقدم، يمكن اقتراح خريطة طريق عملية نحو تحقيق العدالة في قضية العدوان على إيران:
المرحلة الأولى: التوثيق (الآن).
· تشكيل لجنة وطنية إيرانية لتوثيق الجرائم وجمع الأدلة.
· التعاون مع المنظمات الحقوقية الدولية لتوثيق الجرائم ونشر التقارير.
· توثيق شهادات الناجين وعائلات الضحايا.
المرحلة الثانية: التقاضي الوطني (خلال أشهر).
· رفع دعاوى أمام المحاكم الإيرانية ضد قادة العدوان (غيابياً).
· رفع دعاوى أمام محاكم الدول التي تسمح بالولاية القضائية العالمية (ألمانيا، بلجيكا، إسبانيا).
· الاستفادة من قرارات المحكمة الجنائية الدولية السابقة (نتنياهو، البشير ).
المرحلة الثالثة: التحرك الدولي (خلال سنة).
· الضغط على الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية لإحالة الوضع إلى المحكمة.
· إعلان إيران قبولها اختصاص المحكمة مؤقتاً للجرائم المرتكبة على أراضيها.
· حشد الدعم في الجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة العدوان والمطالبة بالتعويضات.
المرحلة الرابعة: إنشاء آلية تعويضات (خلال سنتين).
· الضغط لإنشاء لجنة تعويضات دولية على غرار لجنة تعويضات حرب الخليج.
· تحديد حجم التعويضات وآليات دفعها (من الأصول المجمدة، عائدات النفط، إلخ).
· متابعة تنفيذ قرارات التعويض.
المرحلة الخامسة: المحاكمة الدولية (المدى البعيد).
· الاستمرار في ملاحقة المجرمين عبر كل القنوات الممكنة.
· الضغط على الدول لتنفيذ مذكرات الاعتقال إذا صدرت.
· الحفاظ على القضية حية في الذاكرة الجماعية حتى تتحقق العدالة.
٢٥. في مواجهة الإفلات من العقاب
في النهاية، تبقى المعركة مفتوحة. الإفلات من العقاب ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج توازن قوى يمكن تغييره. التاريخ يعلمنا أن مجرمي الأمس (هتلر، إيشمان، كاراتيتش، ملاديتش) حوكموا بعد سنوات من جرائمهم، عندما تغيرت الظروف وتوفرت الإرادة السياسية.
ما يحدث اليوم في إيران ليس استثناءً. ترامب، نتنياهو، وقادة المحميات، سيدفعون الثمن يوماً ما. ليس لأن عدالة الطبيعة ستنتصر (وهي منتصرة حتماً)، بل لأن إرادة الشعوب في المقاومة أقوى من جبروت الإمبراطوريات.
صمود إيران في وجه هذا العدوان هو الضمانة الحقيقية لتحقيق العدالة. فكل يوم تصمد فيه إيران، تضعف مكانة المعتدين، وتتكشف أكاذيبهم، وتتسع رقعة التضامن مع ضحاياهم. ومع استمرار الصمود، تتراكم الأدلة، وتتوثق الجرائم، وتكبر المطالبة بالمحاكمة.
القانون الدولي، رغم عيوبه وضعفه، يبقى ساحة معركة مهمة. ليس لأنه سيحقق العدالة غداً، بل لأنه يخلق الشرعية لمواقفنا، ويكشف زيف خطاباتهم، ويمهد الطريق ليوم الحساب. وكما قالت محكمة نورنبيرغ: "إن الجرائم ضد القانون الدولي يرتكبها البشر، ولا يمكن إنفاذ القانون الدولي إلا بمعاقبة الأفراد الذين يرتكبون هذه الجرائم".
هذا هو وعد القانون، وهذا هو هدف نضالنا. قد يتأخر، لكنه لا يموت.
……..
الفصل الخامس
حق إيران في الدفاع عن النفس: المادة 51 والتفسير الموسع
أو: عندما يشرع القانون لصاحب الحق أن يرد الصاع صاعين
١. مدخل: في تأصيل الحق الأقدس
في البدء، وقبل المواثيق وقبل المعاهدات وقبل أن يجتمع مندوبو العالم في سان فرانسيسكو ليصوغوا ميثاق الأمم المتحدة، كان هناك حق أقدم وأعمق: حق الكائن في أن يدافع عن وجوده. هذا الحق ليس منحة من أحد، ولا هبة يمنحها القوي للضعيف، بل هو صفة لصيقة بالوجود الإنساني نفسه، تنبع من غريزة البقاء، وتتأصل في أعماق النفس البشرية، وتتفرع إلى كل أشكال الحياة.
الحق في الدفاع عن النفس هو أول الحقوق وأقدسها. إنه ذلك الحق الذي يمارسه الطفل حين يدفع عن نفسه يد المؤذي، ويمارسه الغريب حين يدافع عن كرامته أمام المتسلط، وتمارسه الجماعة حين تصد عدوان المعتدي. قبل أن يكون هذا الحق مدوناً في المواد القانونية، كان مسطوراً في فطرة الإنسان، ومحفوراً في وجدانه، ومتأصلاً في تاريخه الطويل من الصراع من أجل البقاء.
في القانون الدولي، يأخذ هذا الحق صيغته الأكثر رقياً وتجريداً في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. لكن هذه المادة، رغم أهميتها، ليست سوى ترجمة قانونية لحقيقة أعمق: أن الدولة التي تتعرض للعدوان لا يمكن أن تطلب منها الانتظار حتى يجتمع مجلس الأمن، أو حتى تتحرك الآليات الدولية البطيئة، أو حتى يرحم المعتدي ضحاياه. حق الدفاع عن النفس هو حق فوري، آني، مباشر، يمارس في اللحظة التي يقع فيها العدوان، بل وفي اللحظة التي يتوقع فيها وقوعه.
في هذا الفصل، سنحاول تفكيك هذا الحق في سياق العدوان على إيران. سنبدأ من النص القانوني (المادة 51)، ثم ننتقل إلى تفسيراته الفقهية والقضائية، ثم إلى شروط ممارسته (الضرورة والتناسب والفورية)، ثم إلى التطبيقات العملية في حالة إيران: حقها في استهداف القواعد العسكرية التي انطلق منها العدوان، وحقها في استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وحقها في الرد السيبراني، وحقها في ملاحقة المجرمين قانونياً. وفي النهاية، سنتأمل في البعد الأخلاقي والحضاري لهذا الحق، وكيف أن صمود إيران هو انتصار للقانون الدولي نفسه، وليس انتهاكاً له.
٢. المادة 51: النص والتأصيل التاريخي
لنبدأ من النص. المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تمثل حجر الزاوية في نظام الأمن الجماعي، تنص على ما يلي:
"ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي" .
هذا النص القصير يحمل في طياته فلسفة قانونية عميقة. تأملوا الكلمات: "الحق الطبيعي". لم يقل الميثاق "الحق القانوني" أو "الحق الممنوح"، بل قال "الحق الطبيعي". هذا يعني أن هذا الحق سابق على الميثاق، ومستقل عنه، ولا يحتاج إلى تأسيس قانوني. هو حق ينبع من طبيعة الأشياء، من كون الدولة كياناً حياً له حق البقاء، مثلها في ذلك مثل الإنسان.
التاريخ التشريعي لهذه المادة يعود إلى مفاوضات مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945. كانت الدول الصغيرة والمتوسطة قلقة من أن النظام الجديد للأمن الجماعي، الذي يركز سلطة استخدام القوة في مجلس الأمن، قد يتركها عاجزة أمام عدوان مفاجئ. لذلك أصرت على إدراج نص صريح يحتفظ لها بحق الدفاع عن النفس إلى أن يتحرك المجلس. وكانت النتيجة هذه المادة التي توازن بين سلطة المجلس المركزية وحقوق الدول الطبيعية .
المادة 51 لم تخلق حقاً جديداً، بل أقرت حقاً قديماً. هذا هو معنى "الحق الطبيعي". إنه اعتراف بأن الدول، قبل أن تكون أعضاء في الأمم المتحدة، كانت كيانات ذات سيادة لها الحق في حماية وجودها. والميثاق، بدلاً من أن يسلب هذا الحق، يقر به ويؤكده، مع إخضاعه لرقابة لاحقة من مجلس الأمن .
٣. تطور المفهوم في الفقه والقضاء الدولي
منذ عام 1945، تطور مفهوم الدفاع عن النفس بشكل كبير عبر الفقه القانوني وأحكام المحاكم الدولية. أهم هذه التطورات:
أولاً: قضية نيكاراغوا (1986). في هذه القضية التاريخية بين نيكاراغوا والولايات المتحدة، وضعت محكمة العدل الدولية أسساً مهمة لتفسير المادة 51. أكدت المحكمة أن حق الدفاع عن النفس يخضع لشروط الضرورة والتناسب، وأن هذا الحق لا يقتصر على الدول فقط، بل يشمل أيضاً حق الدول في الدفاع الجماعي عن النفس. كما أكدت المحكمة أن الدفاع عن النفس لا يبرر استخدام القوة إلا إذا كان هناك "هجوم مسلح" فعلي، وليس مجرد تهديد أو مساعدة للمتمردين .
ثانياً: رأي محكمة العدل الدولية بشأن الأسلحة النووية (1996). في هذا الرأي الاستشاري، أكدت المحكمة أن مبدأ التناسب هو جزء لا يتجزأ من قانون الدفاع عن النفس، وأن أي استخدام للقوة يجب أن يكون متناسباً مع حجم الهجوم المسلح .
ثالثاً: أحداث 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب. بعد هجمات 2001، تطور مفهوم الدفاع عن النفس ليشمل الرد على الهجمات التي تشنها جهات غير حكومية (كالقاعدة) إذا كانت تنطلق من أراضي دول غير قادرة أو غير راغبة في منعها. هذا التطور، رغم إثارة جدل كبير، أصبح جزءاً من القانون الدولي العرفي .
رابعاً: العمليات السيبرانية. في السنوات الأخيرة، تطور النقاش حول إمكانية اعتبار الهجمات السيبرانية "هجوماً مسلحاً" يبرر الدفاع عن النفس. لجنة الخبراء التي أعدت "دليل تالين" (دليل القانون الدولي المنطبق على العمليات السيبرانية) خلصت إلى أن الهجمات السيبرانية التي تسبب أضراراً مادية أو بشرية يمكن اعتبارها هجوماً مسلحاً يبرر الرد العسكري .
هذه التطورات تظهر أن المادة 51 ليست نصاً جامداً، بل هي إطار حي يتطور مع تطور أشكال الحرب والعدوان. وهذا مهم جداً في قضية إيران، حيث يتخذ العدوان أشكالاً متعددة: عسكرية تقليدية، وسيبرانية، واغتيالات، ودعماً للجماعات المسلحة.
٤. شروط ممارسة الحق: الضرورة والفورية والتناسب
الفقه القانوني والقضاء الدولي أجمعا على أن ممارسة حق الدفاع عن النفس تخضع لثلاثة شروط أساسية: الضرورة، والفورية، والتناسب. هذه الشروط ليست نظرية، بل هي معايير عملية تحدد متى يكون الرد مشروعاً ومتى يكون عدواناً جديداً.
الشرط الأول: الضرورة. يعني هذا الشرط أن الدفاع عن النفس لا يكون مشروعاً إلا إذا كانت هناك ضرورة ملحة للرد، أي أنه لا توجد وسائل سلمية أخرى فعالة لوقف العدوان. بمعنى آخر، يجب أن تكون الدولة المعتدى عليها قد استنفدت، أو لم يكن بإمكانها استنفاد، الوسائل السلمية قبل اللجوء إلى القوة. في حالة إيران، مع استمرار العدوان وتصعيده، ومع عجز مجلس الأمن عن التحرك بسبب الفيتو الأمريكي، تتوفر ضرورة الرد بوضوح .
الشرط الثاني: الفورية. لا يعني هذا الشرط أن الرد يجب أن يكون فورياً بلحظة العدوان، بل أن يكون هناك ارتباط زمني معقول بين العدوان والرد. الدول لا تفقد حقها في الدفاع عن النفس لمجرد مرور أيام أو أسابيع، خاصة إذا كان العدوان مستمراً. في حالة إيران، العدوان مستمر منذ أسابيع، والرد الإيراني يأتي في سياق هذا الاستمرار، مما يحقق شرط الفورية .
الشرط الثالث: التناسب. هذا هو الشرط الأكثر تعقيداً وإثارة للجدل. التناسب لا يعني التماثل (أي الرد بنفس نوع السلاح ونفس عدد الضحايا)، بل يعني ألا يكون الرد مفرطاً مقارنة بالهدف المشروع المطلوب تحقيقه، وهو وقف العدوان وردعه. بعبارة أخرى، التناسب يقاس بالنتيجة لا بالوسيلة .
محكمة العدل الدولية أكدت في قضية نيكاراغوا أن "الدفاع الشرعي عن النفس لا يجيز سوى التدابير التي تتناسب مع الهجوم المسلح وتكون ضرورية لمواجهته" . هذا يعني أن على إيران، في ردها، أن توازن بين حجم الرد وهدفه: هل الرد يهدف فقط إلى وقف العدوان الحالي، أم إلى ردع العدوان المستقبلي، أم إلى معاقبة المعتدي؟ كل هدف له مقياس تناسب مختلف.
القانون الدولي الإنساني يضيف بعداً آخر للتناسب: حتى في إطار الدفاع عن النفس، يجب احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وحظر استهداف المدنيين عمداً. التناسب العسكري لا يبرر استهداف المدنيين .
٥. الفرق بين الدفاع عن النفس والعدوان
من المهم هنا التمييز بوضوح بين "الدفاع عن النفس" (وهو حق مشروع) و"العدوان" (وهو جريمة دولية). الفرق ليس نظرياً، بل هو عملي وقانوني، ويحدد من هو الجلاد ومن هو الضحية.
العدوان هو استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، على النحو الوارد في تعريف الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 لسنة 1974. العدوان هو الفعل غير المشروع الذي يبدأ دورة العنف .
الدفاع عن النفس هو رد الفعل المشروع على هذا الفعل غير المشروع. هو استثناء من القاعدة العامة التي تحظر استخدام القوة، وهذا الاستثناء يبرر فقط طالما كان رداً على عدوان سابق أو وشيك.
الفرق الجوهري هو أن العدوان هو الذي يبدأ دورة العنف، بينما الدفاع عن النفس هو محاولة لإنهائها. في حالة إيران، لا شك أن ما حدث في 28 فبراير 2026 كان عدواناً: ضربات جوية على أراضي إيران، قصف مدارس ومنشآت مدنية، اغتيال قادة عسكريين وسياسيين. هذا هو العدوان. رد إيران على هذا العدوان هو دفاع عن النفس .
الموقف الرسمي الروسي، كما ورد في بيان وزارة الخارجية، يؤكد هذا التمييز بوضوح: "إن حجم وطبيعة الاستعدادات العسكرية السياسية والدعائية التي سبقت هذه الخطوة المتهورة، بما في ذلك حشد مجموعة عسكرية كبيرة أمريكية في المنطقة، لا يدع أي مجال للشك في أن الأمر يتعلق بعمل عدوان مسلح مخطط له مسبقًا وغير مبرر ضد دولة ذات سيادة ومستقلة وعضو في الأمم المتحدة، في انتهاك للمبادئ والقواعد الأساسية للقانون الدولي" .
٦. حالة إيران: العدوان المستمر واستمرارية الحق
العدوان على إيران ليس حدثاً منفرداً، بل هو عملية عسكرية مستمرة. منذ 28 فبراير 2026، تستمر الضربات الجوية، وتستمر الاغتيالات، ويستمر الحصار، وتستمر التهديدات. هذا "الاستمرار" له أهمية قانونية كبيرة: فهو يعني أن حق إيران في الدفاع عن النفس لا يسقط بمضي الوقت، بل يظل قائماً ما دام العدوان قائماً.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي صرح بوضوح: "لم يبق أمام إيران خيار سوى الدفاع عن نفسها بكل قوتها" . هذا التصريح يعكس حقيقة أن إيران استنفدت كل الخيارات الأخرى: الدبلوماسية، الشكوى لمجلس الأمن (الذي شلته الفيتو)، الوساطات الإقليمية. عندما تفشل كل هذه الوسائل، يصبح الدفاع عن النفس هو الخيار الوحيد.
العدوان المستمر له بعد آخر: حق إيران في الرد لا يقتصر على وقف العدوان الحالي، بل يمتد إلى ردع العدوان المستقبلي. الردع هو هدف مشروع للدفاع عن النفس. فإذا كان المعتدي يعتقد أنه يمكنه ضرب إيران دون أن يدفع ثمناً، فإن هذا الاعتقاد سيشجعه على تكرار العدوان. لذلك، الرد القوي الذي يفرض كلفة على المعتدي هو جزء من الدفاع عن النفس، لأنه يحقق هدف الردع.
الموقف الصيني، كما عبر عنه وزير الخارجية وانغ يي، يدعم هذا الفهم: "ندعم حماية إيران لحقوقها ومصالحها المشروعة، ودفاعها عن سيادتها وأمنها ووحدة أراضيها وكرامتها الوطنية" . الكرامة الوطنية هنا ليست مجرد كلمة عاطفية، بل هي جزء من الحق في الردع.
٧. حق إيران في استهداف القواعد العسكرية المهاجمة
واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل هي حق إيران في استهداف القواعد العسكرية في الدول التي شاركت في العدوان. هذا الحق يستند إلى عدة أسس قانونية:
الأساس الأول: مبدأ المشاركة في العدوان. الدول التي تفتح قواعدها العسكرية ومجالها الجوي لشن عدوان على دولة أخرى تصبح شريكة في هذا العدوان. قواعدها العسكرية ليست محايدة، بل هي منصات انطلاق للعمليات العدوانية. وبالتالي، تتحول هذه القواعد إلى أهداف عسكرية مشروعة.
الأساس الثاني: مبدأ المسؤولية الدولية. الدول التي تسمح باستخدام أراضيها لشن عدوان على دولة أخرى تتحمل مسؤولية دولية عن هذا العدوان. ومن نتائج هذه المسؤولية أن الدولة المعتدى عليها يحق لها اتخاذ تدابير دفاعية تستهدف مصادر العدوان، أينما وجدت.
الأساس الثالث: مبدأ وحدة ساحة المعركة. في النزاعات المسلحة المعاصرة، لا يمكن فصل ساحة المعركة عن القواعد الخلفية التي تنطلق منها العمليات. هذه القواعد جزء لا يتجزأ من المجهود الحربي، وتحييدها ضروري لوقف العدوان.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أوضح هذا الموقف بدقة: "استهداف القواعد العسكرية بدول الخليج ليس هجوما على بلدانه بل رد على مصدر العدوان الأمريكي" . هذا التصريح يعكس فهماً دقيقاً للقانون الدولي: إيران لا تعتبر هذه الدول "أعداء" بالمعنى الدائم، بل تعتبر قواعدها "أهدافاً عسكرية" طالما استخدمت في العدوان.
لكن هذا الحق يخضع لقيود: يجب أن يكون الاستهداف متناسباً وضرورياً، وألا يستهدف المدنيين أو الأعيان المدنية في هذه الدول. بمعنى آخر، إيران تستحق الحق في استهداف قاعدة جوية تنطلق منها الطائرات المعتدية، لكن ليس لها الحق في استهداف مدرسة مدنية في نفس الدولة.
٨. حق إيران في استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية
من أكثر الأسئلة إلحاحاً: هل يحق لإيران استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية في أي مكان في العالم رداً على هذا العدوان؟ الإجابة القانونية معقدة، لكنها تميل إلى الإيجاب بشروط.
أولاً: المصالح العسكرية. المصالح العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في أي مكان هي أهداف مشروعة، طالما كان الهدف منها وقف العدوان أو ردعه. هذا يشمل القواعد العسكرية، والسفن الحربية، والطائرات العسكرية، ومراكز القيادة والسيطرة، ومراكز التجسس.
ثانياً: المصالح الاستخباراتية. مراكز التجسس التي تقدم دعماً استخباراتياً للعدوان هي أهداف مشروعة. اغتيال قادة المقاومة لا يمكن أن يتم دون دعم استخباراتي، وهذه المراكز جزء من آلة الحرب.
ثالثاً: المصالح الاقتصادية. هنا المسألة أكثر حساسية. استهداف المصالح الاقتصادية (شركات، بنوك، ناقلات نفط) قد يكون مشروعاً إذا كان يخدم هدف وقف العدوان، مثلاً بتعطيل تمويل الحرب أو الضغط على الدول المعتدية. لكن يجب التمييز بين المصالح المرتبطة مباشرة بالحرب والمصالح المدنية البحتة.
رابعاً: اغتيال القادة. هنا يجب التمييز بين الاغتيالات الانتقامية (غير المشروعة) والاغتيالات كجزء من عملية عسكرية محددة الهدف. القانون الدولي يحظر الاغتيالات السياسية، لكنه يسمح باستهداف القادة العسكريين إذا كانوا يشكلون تهديداً عسكرياً مستمراً .
اغتيال القائد قاسم سليماني عام 2020 يشكل سابقة مهمة. الولايات المتحدة بررت اغتياله بأنه كان "قائداً عسكرياً يشكل تهديداً مستمراً". إذا قبلنا هذا المنطق، فلماذا لا يكون لإيران الحق نفسه في استهداف القادة الأمريكيين والإسرائيليين الذين يخططون ويشرفون على العدوان؟ .
٩. الاغتيالات السياسية في الميزان: قادة المقاومة والرد المشروع
موضوع الاغتيالات السياسية يستحق وقفة خاصة، خاصة بعد اغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية في طهران عام 2024، وهي جريمة لا تزال حاضرة في الذاكرة .
القانون الدولي يعتبر الاغتيال السياسي جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية إذا كان جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي. المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن "لكل فرد حق في الحياة والحرية والسلامة". والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يؤكد في مادته السادسة أن "لكل إنسان حق أصيل في الحياة" .
اتفاقيات جنيف تحظر "الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، ولا سيما القتل بجميع أشكاله" . ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر الاغتيال ضمن الجرائم ضد الإنسانية إذا كان جزءاً من هجوم منهجي .
إسرائيل تبرر سياسة الاغتيالات بالاستناد إلى المادة 51 وحق الدفاع عن النفس. محكمة العدل العليا الإسرائيلية أصدرت عام 2006 قراراً يسمح بتنفيذ عمليات اغتيال بدعوى الدفاع عن أمن الإسرائيليين . لكن هذا التبرير مرفوض في القانون الدولي لعدة أسباب:
· انتهاك السيادة: الاغتيالات تنتهك سيادة الدول التي تحدث على أراضيها.
· الحرمان من المحاكمة: الاغتيال يحرم المستهدف من حقه في محاكمة عادلة.
· استهداف مدنيين: الاغتيالات غالباً ما تؤدي إلى مقتل مدنيين أبرياء.
في حالة إيران، الاغتيالات التي تستهدف قادة المقاومة (سليماني، هنية، نصر الله) تندرج في إطار سياسة إسرائيلية منهجية. رد إيران على هذه الاغتيالات، إذا كان موجهاً ضد المسؤولين العسكريين والسياسيين الذين خططوا ونفذوا هذه الجرائم، يمكن أن يكون مشروعاً في إطار الدفاع عن النفس .
١٠. حق إيران في الرد السيبراني
الحرب السيبرانية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من النزاعات المسلحة المعاصرة. اللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد أن "القانون الدولي الإنساني ينظم العمليات السيبرانية أثناء النزاعات المسلحة أو الحرب السيبرانية - شأن أي سلاح أو أسلوب أو وسيلة للقتال يلجأ إليها أي طرف من الأطراف المتحاربة" .
في العدوان على إيران، الهجمات السيبرانية صاحبت الهجمات العسكرية. بنى تحتية حيوية استهدفت، شبكات كهرباء تعطلت، ومصارف ومنشآت حيوية تعرضت للاختراق. هذا يمنح إيران الحق في الرد السيبراني المتناسب.
الأسئلة القانونية حول العمليات السيبرانية تشمل:
متى تصل العملية السيبرانية إلى حد "الهجوم" المسلح؟ دليل تالين يشير إلى أن العمليات السيبرانية التي تسبب أضراراً مادية أو بشرية (كتعطيل محطات الطاقة أو المستشفيات) تعتبر هجوماً مسلحاً .
هل البيانات المدنية محمية؟ القانون الدولي الإنساني يحمي الأعيان المدنية، ولكن هل البيانات الإلكترونية تعتبر "عقاراً مدنياً"؟ هذا موضوع خلافي، لكن الاتجاه الغالب هو أن البيانات الضرورية لحياة المدنيين (كالسجلات الطبية، بيانات البنى التحتية الحيوية) يجب حمايتها .
ما هي قواعد الاشتباك السيبراني؟ نفس مبادئ القانون الدولي الإنساني تنطبق: التمييز (عدم استهداف مدنيين)، التناسب (ألا يكون الضرر الجانبي مفرطاً)، والضرورة العسكرية .
حق إيران في الرد السيبراني يشمل:
· استهداف البنى التحتية العسكرية والأمنية للدول المعتدية.
· استهداف مراكز القيادة والسيطرة.
· الرد على الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنى التحتية الإيرانية.
· تعطيل أنظمة الدفاع الجوي والإنذار المبكر.
لكن هذا الحق يخضع لنفس قيود القانون الدولي الإنساني: لا يجوز استهداف المستشفيات أو البنى التحتية المدنية الحيوية (كمحطات تنقية المياه) لمجرد الضغط على العدو.
١١. الردع كهدف مشروع: بين القانون والسياسة
أحد أهم أهداف الدفاع عن النفس هو الردع. الردع يعني فرض كلفة على المعتدي تجعله يعيد حساباته قبل تكرار عدوانه. هذا الهدف مشروع قانونياً، بل هو ضروري لمنع تكرار العدوان.
الفيلسوف السياسي توماس هوبز قال إنه في "حالة الطبيعة" (حيث لا توجد سلطة عليا)، يكون الحق في الدفاع عن النفس غير محدود، بل يشمل الحق في استخدام كل الوسائل الضرورية للبقاء. النظام الدولي، رغم تطوره، لا يزال أقرب إلى "حالة الطبيعة" منه إلى "الدولة المدنية". لذلك، الردع يبقى ضرورياً.
في حالة إيران، الردع له أهمية خاصة. إيران محاطة بقواعد عسكرية أمريكية في كل اتجاه، وتواجه تهديدات مستمرة من إسرائيل. إذا لم ترد إيران رداً قوياً على هذا العدوان، فإن الرسالة التي سترسلها هي أن ضربها ممكن دون ثمن. وهذا سيشجع على مزيد من العدوان.
لذلك، الرد القوي الذي يستهدف القواعد العسكرية التي انطلق منها العدوان، والمصالح الأمريكية والإسرائيلية، والبنى التحتية الحيوية للدول المعتدية، هو جزء من حق إيران المشروع في الدفاع عن النفس، لأنه يحقق هدف الردع.
لكن هذا الردع يجب أن يكون محسوباً. الرد المفرط الذي يتجاوز حدود التناسب قد يحول إيران من ضحية إلى معتدية في نظر الرأي العام العالمي. التوازن صعب، لكنه ضروري.
١٢. التنسيق مع القوى الصديقة: البعد الجماعي للدفاع عن النفس
المادة 51 تتحدث عن حق الدفاع عن النفس "فرادى أو جماعات". هذا يعني أن للدول الحق في التحالف للدفاع الجماعي عن النفس. في حالة إيران، هذا البعد الجماعي مهم جداً.
الموقف الروسي كان واضحاً في دعم إيران. بيان وزارة الخارجية الروسية أدان العدوان وطالب المجتمع الدولي بتقديم "تقييم موضوعي ولا هوادة فيه للأعمال غير المسؤولة" . هذا الموقف يمكن أن يتطور إلى دعم عملي.
الموقف الصيني كان أكثر حذراً لكنه داعم أيضاً. وزير الخارجية وانغ يي أكد دعم بلاده "لحماية إيران لحقوقها ومصالحها المشروعة، ودفاعها عن سيادتها وأمنها ووحدة أراضيها وكرامتها الوطنية" . هذا الدعم السياسي مهم، ويمكن أن يترجم إلى دعم اقتصادي ودبلوماسي.
دول أخرى في "الجنوب العالمي" (الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا) قد تنضم إلى هذا الموقف. التحالف الدولي الداعم لإيران يمكن أن يشكل ثقلاً مهماً في مواجهة التحالف المعتدي.
الدفاع الجماعي عن النفس يعني أن هذه الدول يمكنها، نظرياً، تقديم دعم عسكري مباشر لإيران إذا طلبت ذلك. لكن هذا يتطلب موازنات سياسية معقدة، وقد لا يحدث في المدى القصير. لكن الدعم السياسي والاقتصادي والدبلوماسي هو أيضاً جزء من الدفاع الجماعي.
١٣. حدود الحق: التناسب في الرد الإيراني
رغم كل ما تقدم، حق إيران في الدفاع عن النفس ليس مطلقاً. هناك حدود يجب احترامها، ليس فقط لأن القانون الدولي يفرضها، بل لأن إيران، بصفتها الدولة الضحية، تحتاج إلى الحفاظ على شرعيتها الأخلاقية.
الحد الأول: التمييز. يجب على إيران أن تميز في ردها بين الأهداف العسكرية والمدنية. استهداف المدنيين عمداً هو جريمة حرب، حتى لو كان رداً على عدوان. هذا لا يعني أن الأضرار الجانبية ممنوعة، بل يعني أنه لا يجوز استهداف المدنيين كهدف أساسي.
الحد الثاني: التناسب. يجب أن يكون الرد متناسباً مع حجم العدوان وهدفه. ليس مطلوباً من إيران أن ترد بنفس القوة (أي قتل مئة وستين طفلاً مقابل مئة وستين طفلاً)، بل أن يكون ردها متناسباً مع الهدف المشروع (وقف العدوان وردعه). قصف مدينة بأكملها رداً على قصف مدرسة سيكون غير متناسب.
الحد الثالث: الضرورة. يجب ألا يكون هناك وسائل سلمية أخرى فعالة لوقف العدوان. إيران استنفدت الوسائل الدبلوماسية، لكن يجب أن تبقى مستعدة للعودة إليها إذا توفرت فرصة حقيقية لوقف العدوان.
الحد الرابع: الإنسانية. حتى في خضم المعركة، يجب احترام المبادئ الإنسانية الأساسية: معاملة الأسرى بإنسانية، السماح بوصول المساعدات الإنسانية، حماية الجرحى والمرضى.
اللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد أن "القانون الدولي الإنساني يطبق في النزاعات المسلحة للحد من الضرر الناجم عن العمليات العسكرية على السكان والأعيان المدنية" . هذا يعني أن الحرب لها قواعد، حتى عندما تكون دفاعاً عن النفس.
١٤. المادة 51 والمقاومة: عندما يكون الاحتلال هو العدوان المستمر
هناك بعد آخر مهم في سياق إيران: علاقتها بحركات المقاومة في المنطقة (فلسطين، لبنان، اليمن، العراق، سوريا). إيران تدعم هذه الحركات، وهذا الدعم يعتبره الغرب "عدواناً"، بينما تعتبره إيران "دعماً للمقاومة المشروعة ضد الاحتلال".
القانون الدولي يعترف بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال. قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد مراراً شرعية نضال الشعوب ضد الاحتلال الأجنبي والسعي لتقرير المصير. المادة 1 من ميثاق الأمم المتحدة تتحدث عن "حق الشعوب في تقرير مصيرها" .
في هذا الإطار، دعم إيران لحركات المقاومة يمكن تأطيره قانونياً كدعم لحق مشروع، وليس عدواناً. وبالتالي، عندما تستهدف إسرائيل قادة هذه الحركات (كما حدث مع هنية، نصر الله، سليماني)، فإنها ترتكب جرائم حرب، ويكون رد إيران على هذه الاغتيالات مشروعاً .
الفقيه القانوني يكمن في التفريق بين:
· الاحتلال: وهو عدوان مستمر، يبرر مقاومة مستمرة.
· دعم المقاومة: وهو مساعدة لمشروع تحرر وطني، وليس عدواناً على دولة أخرى.
· الاغتيالات: وهي جرائم حرب، تستحق رداً مشروعاً.
١٥. إيران والمحكمة الجنائية الدولية: الخيارات المتاحة
رغم أن إيران ليست دولة طرفاً في المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن هناك خيارات متاحة للجوء إلى المحكمة:
الخيار الأول: الإحالة من قبل مجلس الأمن. نظرياً، يمكن لمجلس الأمن إحالة الوضع في إيران إلى المحكمة بموجب الفصل السابع. لكن عملياً، الولايات المتحدة ستستخدم حق النقض (الفيتو) لمنع ذلك .
الخيار الثاني: إعلان قبول الاختصاص. يمكن لإيران أن تعلن قبولها اختصاص المحكمة مؤقتاً للجرائم المرتكبة على أراضيها. هذا ما فعلته أوكرانيا قبل أن تصبح دولة طرفاً. هذا الإعلان سيمكن المدعي العام من فتح تحقيق في الجرائم المرتكبة في إيران (قتل الأطفال، استهداف المدنيين، جرائم الحرب) .
الخيار الثالث: جرائم مواطني الدول الأطراف. العديد من الدول المشاركة في العدوان هي دول أطراف في المحكمة (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، الأردن، قبرص). مواطنو هذه الدول الذين ارتكبوا جرائم في إيران يمكن مقاضاتهم أمام المحكمة .
الخيار الرابع: الضغط السياسي. حتى لو لم تؤدِ الإجراءات القانونية إلى إدانات فورية، فإن رفع القضايا ومتابعتها يخلق ضغطاً سياسياً على الدول المعتدية ويكشف جرائمها.
المادة 7 من نظام روما الأساسي تعتبر الاغتيالات المنهجية جريمة ضد الإنسانية . اغتيال هنية في طهران، واغتيال سليماني في بغداد، واغتيال نصر الله في بيروت، كلها يمكن أن تكون جزءاً من ملف واحد يثبت سياسية إسرائيلية منهجية في الاغتيال خارج نطاق القانون.
١٦. الحق في استهداف البلدان التي تم الاغتيال من قواعدها
هذا ، تحديداً يشير إلى "البلدان التي تم الاغتيال من قواعدها التجسسية باغتيال رئيس دولة ورجال دولة". هذه نقطة دقيقة وحساسة.
عندما يتم اغتيال شخصية سياسية أو عسكرية على أرض دولة ما، فإن هذه الدولة تتحمل مسؤوليات محددة:
أولاً: مسؤولية منع استخدام أراضيها في أعمال عدائية ضد دول أخرى. القانون الدولي يلزم الدول بمنع استخدام أراضيها في أعمال تهدد سلام وأمن الدول الأخرى. إذا سمحت دولة ما باستخدام أراضيها للتخطيط أو تنفيذ اغتيالات، فهي تنتهك هذا الالتزام.
ثانياً: مسؤولية عدم التعاون في العدوان. إذا كانت الدولة على علم بأن قواعدها تستخدم لتنفيذ اغتيالات ضد دولة أخرى، ولم تتحرك لمنع ذلك، فإنها تصبح شريكة في العدوان.
ثالثاً: مسؤولية التحقيق والمحاكمة. الدول ملزمة بالتحقيق في الجرائم الدولية المرتكبة على أراضيها ومحاكمة المسؤولين عنها. إذا فشلت في ذلك، تتحمل مسؤولية دولية.
في حالة اغتيال هنية في طهران، اغتيل على الأراضي الإيرانية نفسها. لكن اغتيال سليماني تم في بغداد، واغتيال نصر الله تم في بيروت. الدول التي حدثت فيها هذه الاغتيالات (العراق، لبنان) كانت عاجزة عن منعها. لكن الدول التي استخدمت قواعدها للتخطيط والتنفيذ (كقبرص حيث توجد قواعد بريطانية، وقواعد أخرى في محميات الخليج) تتحمل مسؤولية أكبر .
حق إيران في الرد على هذه الاغتيالات يمكن أن يشمل استهداف القواعد التي استخدمت في التخطيط والتنفيذ، إذا كان ذلك ضرورياً ومتناسباً.
١٧. الصين وروسيا: الدعم السياسي كجزء من الدفاع الجماعي
الموقف الدولي الداعم لإيران، خاصة من الصين وروسيا، له أهمية قانونية تتجاوز كونه دعماً سياسياً.
روسيا: بيان وزارة الخارجية الروسية كان واضحاً في إدانة العدوان ووصفه بأنه "عمل عدوان مسلح مخطط له مسبقًا وغير مبرر" . روسيا طالبت المجتمع الدولي بتقديم "تقييم موضوعي ولا هوادة فيه" . هذا الموقف يمكن أن يترجم إلى دعم عملي في مجلس الأمن (حتى لو كان الفيتو الأمريكي سيعطل أي قرار)، ودعم دبلوماسي في المحافل الدولية، وربما دعم عسكري غير مباشر.
الصين: الموقف الصيني أكثر حذراً لكنه داعم. وزير الخارجية وانغ يي أكد دعم بلاده "لحماية إيران لحقوقها ومصالحها المشروعة، ودفاعها عن سيادتها وأمنها ووحدة أراضيها وكرامتها الوطنية" . هذا الموقف يعكس رغبة الصين في الحفاظ على توازناتها مع الغرب، لكنه في الوقت نفسه يعطي إيران غطاءً سياسياً مهماً.
هذان الموقفان يعكسان تحولاً في النظام الدولي: لم يعد الغرب هو القطب الوحيد المؤثر. روسيا والصين، ودول "الجنوب العالمي" الأخرى، تشكل ثقلاً متزايداً يمكن لإيران الاستناد إليه. هذا التحول هو جزء من "النظام العالمي متعدد الأقطاب" الذي تحدثنا عنه في الفصول السابقة.
١٨. مستقبل الدفاع عن النفس في عالم متعدد الأقطاب
ما يحدث اليوم في إيران ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو جزء من تحول أعمق في مفهوم الدفاع عن النفس في النظام الدولي.
في عالم "أحادي القطب" (ما بعد الحرب الباردة حتى أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة)، كان مفهوم الدفاع عن النفس يُفسر عادة لصالح القوى الغربية. الولايات المتحدة وحلفاؤها كانوا يقررون متى يحق لهم الرد، ومتى يحق للآخرين. ازدواجية المعايير كانت القاعدة.
في عالم "متعدد الأقطاب" الناشئ، يتغير المشهد. روسيا تثبت في أوكرانيا أنها قادرة على الصمود أمام الغرب. الصين تثبت في بحر الصين أنها قوة لا يمكن تجاهلها. ودول "الجنوب العالمي" تثبت أنها لم تعد مجرد تابع.
في هذا السياق الجديد، مفهوم الدفاع عن النفس سيتطور. الدول التي تتعرض للعدوان ستجد دعماً أكبر من القوى الصاعدة. ازدواجية المعايير ستواجه تحدياً متزايداً. والمحاكم الدولية قد تجد دعماً أكبر لمحاكمة مجرمي الحرب من جميع الأطراف.
إيران، في هذه المعركة، لا تقاتل فقط من أجل نفسها، بل من أجل هذا المستقبل الجديد. صمودها هو انتصار لمبدأ أن القانون الدولي يجب أن يطبق على الجميع، وليس فقط على الضعفاء. وانتصارها هو خطوة نحو نظام دولي أكثر عدالة وتوازناً.
١٩. خط أحمر: حماية المدنيين في الرد الإيراني
في خضم هذه المعركة المشروعة، يجب التأكيد على خط أحمر لا يمكن تجاوزه: حماية المدنيين. القانون الدولي الإنساني، حتى في حالات الدفاع عن النفس، يفرض حماية صارمة للمدنيين .
هذا يعني أن الرد الإيراني يجب أن يراعي:
أولاً: عدم استهداف المدنيين عمداً. المدنيون ليسوا هدفاً، حتى لو كانوا من رعايا الدول المعتدية. المدني الأمريكي الذي يعيش في نيويورك ليس مسؤولاً عن جرائم حكومته، ولا يجوز استهدافه.
ثانياً: تجنب الأضرار الجانبية المفرطة. إذا كان الهدف عسكرياً مشروعاً (كقاعدة جوية)، ولكن توقع الضرر الجانبي للمدنيين مفرط مقارنة بالمكسب العسكري، يجب إعادة النظر في الهجوم.
ثالثاً: حماية الأعيان المدنية. المدارس، المستشفيات، دور العبادة، البنى التحتية المدنية الحيوية (كمحطات المياه والكهرباء) محمية بموجب القانون الدولي، ولا يجوز استهدافها إلا إذا استخدمت في أغراض عسكرية .
رابعاً: السماح بالوصول الإنساني. حتى أثناء الحرب، يجب السماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المتضررين.
الالتزام بهذه المبادئ ليس ضعفاً، بل هو قوة. هو ما يميز إيران، الدولة التي تدافع عن نفسها، عن المعتدي النازي الجديد الذي يقتل الأطفال في مدارسهم. التمسك بالأخلاق حتى في خضم المعركة هو ما يضمن أن النصر، عندما يأتي، سيكون نصراً للقيم الإنسانية وليس مجرد نصر عسكري.
٢٠. خاتمة: الحق الذي لا يسقط بالتقادم
في النهاية، يبقى حق إيران في الدفاع عن نفسها حقاً ثابتاً لا يسقط بالتقادم. هو حق ينبع من طبيعة الأشياء، من كون إيران دولة ذات سيادة، من كون شعبها له حق الحياة، من كون أطفالها يستحقون أن يكبروا في سلام.
هذا الحق تم تأكيده في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وتم تطويره في فقه القانون الدولي وأحكام المحاكم الدولية، وتم ممارسته عبر التاريخ من قبل كل الدول التي تعرضت للعدوان. إيران ليست استثناءً، بل هي القاعدة.
الرد الإيراني، إذا التزم بشروط الضرورة والتناسب والتمييز، سيكون ممارسة مشروعة لهذا الحق. استهداف القواعد العسكرية التي انطلق منها العدوان، واستهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية التي تموّل وتخطط وتنفذ، واستهداف البلدان التي سهلت الاغتيالات، كل ذلك مشروع في إطار الدفاع عن النفس.
لكن الأهم من الرد العسكري هو الرد الحضاري. إيران تثبت للعالم أن نموذجاً مستقلاً ممكناً، أن السيادة الحقيقية ممكنة، أن المقاومة ممكنة. هذا الرد الحضاري هو الذي سيبقى بعد أن تهدأ أصوات المدافع، وهو الذي سيلهم الأجيال القادمة.
وكما قال وزير الخارجية الإيراني: "لم يبق أمام إيران خيار سوى الدفاع عن نفسها بكل قوتها" . هذه ليست تهديداً، بل هي إعلان حق. حق إيران في أن توجد، في أن تقرر مصيرها بنفسها، في أن تحمي أطفالها من صواريخ "توماهوك". هذا الحق هو الأقدس، وهو الذي يستحق أن تقاتل من أجله إيران، وأن يقف معها كل أحرار العالم.
……….
الفصل السادس
التعويضات: ليس مجرد مال، بل اعتراف وعدالة
أو: عندما يصبح الرقم مجرد بداية لتاريخ طويل من الإنصاف
١. مدخل: في فلسفة التعويض
ليس التعويض مجرد عملية حسابية، وليس مجرد تحويل أموال من حساب إلى حساب، وليس مجرد تعويض مادي عن خسارة مادية. التعويض، في أعمق معانيه، هو اعتراف. اعتراف بأن جرماً قد وقع، وبأن ظلماً قد حدث، وبأن ضحية قد سقطت. وهو أيضاً وعد: وعد بأن هذا الجرم لن يمر دون عقاب، وأن هذه الضحية لن تُنسى، وأن هذا الظلم لن يتكرر.
في التقاليد القانونية العريقة، كان التعويض يأخذ أشكالاً متعددة: القصاص (العين بالعين)، الدية (التعويض المالي عن القتل)، الرد (إعادة الشيء إلى حالته الأصلية). لكن خلف كل هذه الأشكال كان هناك معنى أعمق: إعادة التوازن الذي أخل به الجاني، واستعادة كرامة الضحية، وتأكيد سيادة القانون.
في القانون الدولي المعاصر، أخذت فكرة التعويض أبعاداً جديدة. لم يعد التعويض مجرد علاقة ثنائية بين جاني وضحية، بل أصبح مسؤولية جماعية، وواجباً على المجتمع الدولي بأكمله. وأصبح يشمل، إلى جانب التعويض المادي، أشكالاً أخرى من الإنصاف: إعادة الاعتبار، الاعتراف بالمسؤولية، الاعتذار الرسمي، واتخاذ تدابير لمنع تكرار الجريمة.
في هذا الفصل، سنحاول تفكيك مفهوم التعويض في سياق العدوان على إيران. سنبدأ من الأسس الفلسفية والقانونية للتعويض، ثم ننتقل إلى السوابق التاريخية (تعويضات الحرب العالمية الأولى، تعويضات حرب الخليج، تعويضات الإبادة الجماعية في رواندا)، ثم إلى التطبيقات العملية: ما هي الأضرار التي لحقت بإيران؟ وكيف يمكن تقديرها؟ ومن يدفع؟ وكيف يدفع؟ وما هي أشكال التعويض غير المادية؟ وأخيراً، كيف يمكن ضمان التنفيذ في عالم تسوده ازدواجية المعايير؟
٢. التأصيل الفلسفي: لماذا نعوّض؟
قبل الدخول في التفاصيل القانونية، يجب أن نتوقف لحظة عند السؤال الفلسفي: لماذا نعوّض؟ ما الذي يبرر نقل الأموال من الجاني إلى الضحية؟ هناك عدة إجابات:
الإجابة الأولى: العدالة التصحيحية. الفلسفة الأرسطية تميز بين نوعين من العدالة: العدالة التوزيعية (التي تهتم بتوزيع الموارد بشكل عادل)، والعدالة التصحيحية (التي تهتم بتصحيح الاختلالات الناجمة عن الأفعال غير العادلة). التعويض هو أداة العدالة التصحيحية بامتياز: يعيد التوازن الذي أخل به الجاني، ويصحح الخلل الناجم عن جريمته.
الإجابة الثانية: الردع. التعويضات الباهظة تردع الدول عن ارتكاب العدوان في المستقبل. إذا علمت دولة ما أنها ستدفع ثمناً باهظاً مقابل أي عدوان ترتكبه، فسوف تفكر ألف مرة قبل أن تغامر. هذا هو منطق الردع الذي تقوم عليه أنظمة القانون الجنائي في كل المجتمعات.
الإجابة الثالثة: الاعتراف. التعويض هو شكل من أشكال الاعتراف بمعاناة الضحية. عندما تدفع دولة تعويضات، فإنها تعترف ضمنياً بأنها ارتكبت خطأ، وأن الضحية عانت بسببه. هذا الاعتراف له قيمة معنوية هائلة، قد تفوق قيمته المادية.
الإجابة الرابعة: إعادة التأهيل. التعويضات تساعد الضحايا على إعادة بناء حياتهم. المال لا يعيد الموتى، لكنه يمكن أن يساعد الأحياء على تجاوز المحنة، وبناء مستقبل أفضل، والتعافي من الصدمة.
٣. التأصيل القانوني: مصادر الالتزام بالتعويض
من منظور قانوني، يستند الالتزام بالتعويض إلى عدة مصادر:
المصدر الأول: ميثاق الأمم المتحدة. المادة 2(4) تحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية. انتهاك هذا الحظر يخلق التزاماً بتعويض الأضرار الناجمة عنه. مجلس الأمن، بموجب الفصل السابع، يمكنه أن يفرض تعويضات على الدول المعتدية، كما فعل مع العراق بعد غزو الكويت.
المصدر الثاني: القانون الدولي العرفي. مبدأ مسؤولية الدول عن الأضرار التي تسببها لأفعالها غير المشروعة هو مبدأ راسخ في القانون الدولي العرفي. لجنة القانون الدولي تبنت عام 2001 "مشروع مواد بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً"، والذي يعتبر المرجعية الأساسية في هذا المجال.
المصدر الثالث: القانون الدولي الإنساني. المادة 91 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تنص صراحة على أن "طرف النزاع الذي ينتهك أحكام اتفاقيات جنيف أو هذا البروتوكول يلتزم بدفع تعويضات إذا كان الحال يقتضي ذلك. ويكون مسؤولاً عن جميع الأفعال التي ترتكبها القوات المسلحة التابعة له".
المصدر الرابع: قرارات مجلس الأمن. مجلس الأمن له سلطة إنشاء آليات تعويض، كما فعل في القرار 687 (1991) الذي أنشأ لجنة التعويضات التابعة للأمم المتحدة لتعويض ضحايا غزو العراق للكويت.
المصدر الخامس: المعاهدات الثنائية والاتفاقيات الخاصة. يمكن للدول أن تتفق على تعويضات بشكل ثنائي، كما فعلت ألمانيا مع العديد من الدول بعد الحرب العالمية الثانية.
في حالة إيران، كل هذه المصادر تنطبق. العدوان على إيران هو انتهاك صريح للمادة 2(4) من الميثاق. جرائم الحرب المرتكبة (قتل الأطفال، استهداف المدارس) تنتهك القانون الدولي الإنساني وتوجب التعويض بموجب المادة 91. ومجلس الأمن، لو لم يكن مشلولاً، لكان بإمكانه إنشاء آلية تعويض مماثلة للجنة تعويضات حرب الخليج.
٤. سابقة تاريخية: تعويضات الحرب العالمية الأولى
أشهر مثال على التعويضات في التاريخ الحديث هو تعويضات الحرب العالمية الأولى. معاهدة فرساي (1919) فرضت على ألمانيا دفع تعويضات هائلة للدول المنتصرة، خاصة فرنسا وبلجيكا، عن الأضرار التي سببتها الحرب.
هذه التعويضات كانت مثيرة للجدل. الاقتصادي جون مينارد كينز تنبأ بأنها ستدمر الاقتصاد الألماني وتؤدي إلى كارثة. بالفعل، ساهمت التعويضات في الأزمة الاقتصادية الألمانية في العشرينات، وصعود النازية، وفي النهاية الحرب العالمية الثانية.
الدروس المستفادة من تجربة فرساي:
· التعويضات يجب أن تكون واقعية. التعويضات الخيالية التي لا تستطيع الدولة دفعها تؤدي إلى نتائج عكسية.
· التعويضات وحدها لا تكفي. يجب أن تقترن بإجراءات أخرى لإعادة بناء الثقة وتحقيق المصالحة.
· العدالة والانتقام خط رفيع. التعويضات يجب أن تكون عادلة، لا انتقامية.
في قضيتنا، يجب أن نتعلم من درس فرساي: التعويضات يجب أن تكون كبيرة بما يكفي لتحقيق الردع والعدالة، لكنها يجب أن تكون واقعية أيضاً، حتى لا تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة.
٥. سابقة تاريخية: تعويضات حرب الخليج (1991)
النموذج الأقرب لحالتنا هو تعويضات حرب الخليج. بعد غزو العراق للكويت عام 1990، فرض مجلس الأمن بموجب القرار 687 (1991) تعويضات على العراق، وأنشأ "لجنة التعويضات" التابعة للأمم المتحدة لتلقي المطالبات والنظر فيها والبت فيها.
هذه اللجنة كانت هيئة فريدة: هيئة فرعية لمجلس الأمن، مكونة من 15 دولة، تعمل بشكل شبه قضائي. تلقت حوالي 2.7 مليون مطالبة من حوالي 100 دولة، ودفعت تعويضات تجاوزت 52 مليار دولار. مولت التعويضات من عائدات النفط العراقي (25% من العائدات كانت تخصم للتعويضات).
أنواع المطالبات التي غطتها اللجنة:
· المطالبات من الفئة "أ": للأفراد الذين اضطروا لمغادرة العراق والكويت (حوالي 923,000 مطالبة، دفعت حوالي 3.2 مليار دولار).
· المطالبات من الفئة "ب": للأفراد الذين عانوا من إصابات خطيرة أو فقدان أفراد الأسرة (حوالي 6,000 مطالبة، دفعت حوالي 17 مليون دولار).
· المطالبات من الفئة "ج": للأفراد الذين عانوا من خسائر تصل إلى 100,000 دولار (حوالي 1.7 مليون مطالبة، دفعت حوالي 5.7 مليار دولار).
· المطالبات من الفئة "د": للأفراد والشركات والمنظمات الحكومية التي تجاوزت خسائرها 100,000 دولار (حوالي 13,000 مطالبة، دفعت حوالي 18.8 مليار دولار).
· المطالبات من الفئة "ه": للشركات والمنظمات الحكومية (حوالي 7,000 مطالبة، دفعت حوالي 24.4 مليار دولار).
· المطالبات من الفئة "و": للدول والمنظمات الدولية (حوالي 300 مطالبة، دفعت حوالي 200 مليون دولار).
الدروس المستفادة من تجربة لجنة التعويضات:
· آليات الأمم المتحدة يمكن أن تعمل. رغم العراقيل السياسية، استطاعت اللجنة أن تعمل بكفاءة وتحقق نتائج ملموسة.
· التعويضات تحتاج إلى تمويل مضمون. تخصيص نسبة من عائدات النفط ضمن تدفقاً منتظماً للأموال.
· التنوع في فئات المطالبات. اللجنة استطاعت التعامل مع أنواع مختلفة من الأضرار: شخصية، مادية، تجارية، حكومية.
في قضية إيران، يمكن الاستفادة من هذا النموذج. يمكن إنشاء لجنة تعويضات مماثلة، تمول من أصول الدول المعتدية المجمدة، أو من عائدات نفطها، أو من مساهمات إلزامية.
٦. سابقة تاريخية: تعويضات الإبادة الجماعية في رواندا
نموذج آخر مهم هو التعويضات التي أعقبت الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994. حوالي 800,000 شخص قتلوا في 100 يوم. بعد انتهاء الإبادة، واجهت رواندا تحدياً هائلاً: كيف تتعامل مع هذه المأساة؟ كيف تعوض الناجين؟ كيف تعيد بناء المجتمع؟
رواندا اتبعت نهجاً متعدد المستويات:
· محكمة الجنايات الدولية لرواندا: أنشأها مجلس الأمن لمحاكمة كبار المسؤولين عن الإبادة.
· محاكم "غاتشاتشا" التقليدية: محاكم شعبية محلية لمحاكمة مرتكبي الجرائم الأقل خطورة، وللتعامل مع قضايا المصالحة المجتمعية.
· صندوق التعويضات: أنشئ لتعويض الناجين، لكنه عانى من نقص التمويل.
الدروس المستفادة من تجربة رواندا:
· التعويضات وحدها لا تكفي. تحتاج إلى آليات عدالة انتقالية شاملة: محاكمات، مصالحة، إعادة بناء.
· المشاركة المحلية مهمة. محاكم "غاتشاتشا" أعطت المجتمعات المحلية دوراً في عملية العدالة.
· التمويل مشكلة دائمة. صندوق التعويضات الرواندي عانى من نقص التمويل، مما قلل من فعاليته.
في قضية إيران، يمكن الاستفادة من هذا النموذج في الجانب المتعلق بالضحايا: إنشاء صندوق لتعويض عائلات الشهداء والجرحى، وإشراك المجتمعات المحلية في عملية التعويض، وربط التعويضات بعمليات المصالحة الوطنية.
٧. حصر الأضرار: ما الذي خسره إيران؟
الآن، ننتقل إلى التطبيق العملي. ما هي الأضرار التي لحقت بإيران نتيجة هذا العدوان؟ يمكن تصنيفها إلى عدة فئات:
الفئة الأولى: الأضرار البشرية.
· الشهداء: أكثر من 160 طفلة في مدرسة ميناب وحدها، بالإضافة إلى مئات الشهداء الآخرين في قصف القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية.
· الجرحى: آلاف الجرحى، بعضهم بإعاقات دائمة، يحتاجون إلى رعاية صحية طويلة الأمد.
· المعاقون نفسياً: الصدمة النفسية للضحايا وعائلاتهم، خاصة الأطفال الذين فقدوا آباءهم أو أمهاتهم أو إخوتهم.
· النازحون: آلاف الأسر نزحت من المناطق المستهدفة، وتحتاج إلى مأوى ورعاية.
الفئة الثانية: الأضرار المادية.
· المنشآت العسكرية: تدمير قواعد عسكرية، منشآت صاروخية، مراكز قيادة وسيطرة.
· المنشآت المدنية: تدمير مدارس (مدرسة ميناب نموذجاً)، مستشفيات، مساجد، منازل.
· البنى التحتية: تدمير محطات كهرباء، شبكات مياه، طرق، جسور، مرافق اتصالات.
· المنشآت الاقتصادية: مصانع، مخازن، منشآت نفطية وغازية، موانئ.
الفئة الثالثة: الأضرار البيئية.
· التلوث بالأسلحة المحرمة: إذا استخدم العدوان أسلحة تحتوي على يورانيوم منضب أو فوسفور أبيض، فإن التلوث الناجم عنها سيستمر لعقود.
· تدمير النظم البيئية: قصف المنشآت النفطية يؤدي إلى تسرب نفطي يلوث التربة والمياه.
· الآثار الصحية طويلة الأمد: التلوث الإشعاعي والكيميائي يسبب أمراضاً سرطانية وتشوهات خلقية.
الفئة الرابعة: الأضرار الاقتصادية غير المباشرة.
· تراجع النمو الاقتصادي: الحرب تعطل النشاط الاقتصادي، وتوقف الاستثمارات، وتخفض الإنتاج.
· انخفاض قيمة العملة: الحروب تؤدي عادة إلى هروب رؤوس الأموال وانخفاض قيمة العملة المحلية.
· زيادة الإنفاق العسكري: إيران مضطرة لزيادة إنفاقها العسكري لمواجهة العدوان، على حساب الإنفاق على التنمية والخدمات.
· خسارة الأسواق: العقوبات المصاحبة للحرب تحرم إيران من الوصول إلى الأسواق العالمية.
الفئة الخامسة: الأضرار المعنوية.
· معاناة الشعب الإيراني: الخوف، القلق، التوتر المستمر الذي يعيشه الشعب الإيراني بسبب الحرب.
· إهانة الكرامة الوطنية: العدوان على السيادة الإيرانية هو إهانة للكرامة الوطنية.
· تصريحات الكراهية: تصريحات القادة النازيين الجدد التي تبرر قتل الأطفال لأنهم "يرتدون الحجاب" تسبب أذى معنوياً عميقاً.
٨. تقدير التعويضات: كيف نحول الخسائر إلى أرقام؟
تقدير التعويضات عملية معقدة، تحتاج إلى خبراء في مجالات متعددة: الاقتصاد، الطب، الهندسة، البيئة، علم النفس. لكن يمكن وضع إطار عام للتقدير:
أولاً: التعويض عن الأضرار البشرية.
· الشهداء: في القانون الدولي، لا يوجد سعر محدد للروح البشرية. لكن السوابق تشير إلى مبالغ تتراوح بين 100,000 دولار ومليون دولار لكل شهيد، حسب الظروف. لو افترضنا متوسط 500,000 دولار لكل من الشهداء (وهم بالمئات)، نحتاج إلى مئات الملايين.
· الجرحى: التعويض يختلف حسب درجة الإصابة والإعاقة. تقديرات متوسطة قد تصل إلى 200,000 دولار لكل جريح.
· المعاقون نفسياً: تكاليف العلاج النفسي الطويل الأمد، وقد تصل إلى 50,000 دولار لكل شخص.
ثانياً: التعويض عن الأضرار المادية.
· المنشآت العسكرية: تقدير قيمتها يحتاج إلى خبراء عسكريين، لكنها بالتأكيد تصل إلى مليارات الدولارات.
· المنشآت المدنية: إعادة بناء مدرسة واحدة قد يكلف عدة ملايين. عشرات المدارس والمستشفيات والمساجد تعني مئات الملايين.
· البنى التحتية: إعادة بناء محطة كهرباء كبيرة قد يكلف مليار دولار. شبكات المياه والطرق والجسور تضيف مليارات أخرى.
· المنشآت الاقتصادية: مصنع بتروكيماويات كبير قد يكلف بناؤه ملياري دولار. المنشآت النفطية والغازية تتطلب استثمارات ضخمة.
ثالثاً: التعويض عن الأضرار البيئية.
· إزالة التلوث: تنظيف التربة والمياه من التلوث الإشعاعي والكيميائي عملية مكلفة جداً، قد تصل إلى مليارات الدولارات.
· الرعاية الصحية طويلة الأمد: علاج الأمراض الناجمة عن التلوث قد يستمر لعقود، ويكلف مئات الملايين.
رابعاً: التعويض عن الخسائر الاقتصادية غير المباشرة.
· تراجع النمو: تقدير خسائر النمو الاقتصادي يتطلب نماذج اقتصادية معقدة. لكنها بالتأكيد تصل إلى عشرات المليارات.
· انخفاض قيمة العملة: الخسائر الناجمة عن تدهور العملة يصعب تقديرها بدقة، لكنها كبيرة.
خامساً: التعويض عن الأضرار المعنوية.
· التعويض الجماعي: مبلغ يدفع للشعب الإيراني ككل، كاعتراف بالمعاناة الجماعية.
· التعويض الفردي: مبالغ إضافية للضحايا المباشرين وعائلاتهم.
تقدير إجمالي قد يصل إلى مئات المليارات من الدولارات. هذا الرقم قد يبدو ضخماً، لكنه يتناسب مع حجم الجريمة، ومع قدرة الدول المعتدية على الدفع (الولايات المتحدة وحدها تنفق تريليونات الدولارات على جيشها).
٩. من يدفع؟ تحديد المسؤوليات
السؤال التالي: من يدفع هذه التعويضات؟ الإجابة: كل من شارك في العدوان أو سهله أو تواطأ فيه، بنسب متفاوتة حسب درجة المسؤولية.
أولاً: الولايات المتحدة. تتحمل المسؤولية الأساسية، بصفتها القائد والمخطط والمنفذ الرئيسي للعدوان. تقدير حصتها: 50-60% من إجمالي التعويضات.
ثانياً: إسرائيل. تتحمل مسؤولية كبيرة عن الضربات التي نفذتها، وعن الاغتيالات، وعن الدعم الاستخباراتي. تقدير حصتها: 20-30% من إجمالي التعويضات.
ثالثاً: الدول التي فتحت قواعدها. دول الخليج، الأردن، تركيا، قبرص. هذه الدول تتحمل مسؤولية المشاركة في العدوان بتوفير القواعد والمجال الجوي. تقدير حصتها مجتمعة: 10-20% من إجمالي التعويضات، تتوزع حسب حجم المشاركة.
رابعاً: الدول الأوروبية المتواطئة. بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، وغيرها من الدول التي قدمت دعماً استخباراتياً أو لوجستياً أو سياسياً. هذه الدول تتحمل مسؤولية التواطؤ. تقدير حصتها مجتمعة: 5-10% من إجمالي التعويضات.
هذه التقديرات قابلة للتفاوض والتحكيم، لكن المبدأ واضح: المسؤولية مشتركة، والتعويضات يجب أن توزع وفقاً لدرجة المشاركة.
١٠. كيف تدفع؟ آليات التحصيل
السؤال العملي الأكبر: كيف يمكن تحصيل هذه التعويضات من الدول المعتدية؟ هناك عدة آليات:
الآلية الأولى: قرار من مجلس الأمن. الأفضل، لكنه الأصعب بسبب الفيتو الأمريكي. إذا استطاعت إيران وحلفاؤها الضغط دبلوماسياً، قد يتمكنون من تمرير قرار بإنشاء لجنة تعويضات، خاصة إذا تعرضت الولايات المتحدة لضغوط داخلية ودولية.
الآلية الثانية: قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة. إذا تعطل مجلس الأمن، يمكن للجمعية العامة أن تتخذ قرارات توصي بالتعويضات. هذه القرارات غير ملزمة قانوناً، لكنها تمثل ضغطاً معنوياً وسياسياً كبيراً.
الآلية الثالثة: الأصول المجمدة. إيران لديها أصول مجمدة في الخارج (بسبب العقوبات). يمكن استخدام هذه الأصول كضمان، أو يمكن مقاضاة الدول المعتدية لمطالبتها بالإفراج عن هذه الأصول كجزء من التعويضات.
الآلية الرابعة: عائدات النفط والغاز. كما فعلت لجنة تعويضات حرب الخليج مع العراق، يمكن تخصيص نسبة من عائدات النفط والغاز للدول المعتدية لدفع التعويضات. الولايات المتحدة منتج كبير للنفط والغاز، وكذلك دول الخليج.
الآلية الخامسة: المقاصة. يمكن استخدام الديون المستحقة على إيران (إن وجدت) أو الاستثمارات الإيرانية في الخارج كمقاصة مع التعويضات.
الآلية السادسة: الدعاوى القضائية. يمكن لإيران أن تقاضي الدول المعتدية أمام محكمة العدل الدولية، أو أمام محاكم وطنية في دول تسمح بالولاية القضائية العالمية. الأحكام القضائية يمكن تنفيذها عن طريق الحجز على أصول هذه الدول.
١١. التعويض غير المادي: الاعتراف والاعتذار
لكن التعويض ليس مجرد مال. هناك أشكال أخرى من التعويض لا تقل أهمية:
أولاً: الاعتراف الرسمي بالمسؤولية. على الدول المعتدية أن تعترف رسمياً بأنها ارتكبت عدواناً على إيران، وأنها تتحمل المسؤولية عن الجرائم المرتكبة. هذا الاعتراف هو شرط أساسي لأي مصالحة.
ثانياً: الاعتذار الرسمي. اعتذار رسمي من قادة هذه الدول إلى الشعب الإيراني، وإلى عائلات الضحايا بشكل خاص. ليس اعتذاراً شكلياً، بل اعتذاراً صادقاً يعبر عن الندم.
ثالثاً: إحياء الذكرى. المشاركة في إحياء ذكرى الشهداء، وبناء نصب تذكارية لهم، وإدراج قصصهم في المناهج التعليمية (بما في ذلك مناهج الدول المعتدية).
رابعاً: رفع العقوبات. إلغاء جميع العقوبات الظالمة المفروضة على إيران، والعمل على إعادة دمجها في النظام الاقتصادي الدولي.
خامساً: إعادة العلاقات الدبلوماسية. إعادة فتح السفارات، وتطبيع العلاقات الدبلوماسية، وبناء علاقات جديدة على أساس الاحترام المتبادل.
سادساً: منع التكرار. اتخاذ تدابير قانونية وسياسية داخل الدول المعتدية لمنع تكرار مثل هذه الجرائم في المستقبل: تعديل القوانين، تغيير العقائد العسكرية، محاكمة المسؤولين.
١٢. التعويض الجماعي والفردي: معاً
التعويضات يجب أن تأخذ شكلين متوازيين: تعويض جماعي للدولة الإيرانية، وتعويض فردي للضحايا وعائلاتهم.
التعويض الجماعي: يدفع للحكومة الإيرانية، ويستخدم في:
· إعادة بناء البنى التحتية المتضررة.
· تطوير القطاعات التي تضررت من الحرب.
· تعزيز القدرات الدفاعية لمنع عدوان مستقبلي.
· إنشاء صناديق للرعاية الاجتماعية للفئات المتضررة.
التعويض الفردي: يدفع مباشرة للضحايا وعائلاتهم، ويشمل:
· تعويضات لعائلات الشهداء.
· تعويضات للجرحى والمعاقين.
· منح دراسية لأبناء الشهداء.
· رعاية صحية مجانية للمتضررين.
· دعم نفسي واجتماعي.
هذا التقسيم يضمن أن تصل التعويضات إلى مستحقيها، وأن تساهم في إعادة بناء الدولة والمجتمع معاً.
١٣. لجنة التعويضات: الهيكل المقترح
استناداً إلى تجربة لجنة تعويضات حرب الخليج، يمكن اقتراح هيكل للجنة تعويضات العدوان على إيران:
التأسيس: تنشأ بقرار من مجلس الأمن (أو الجمعية العامة إذا تعطل المجلس)، وتكون هيئة فرعية مستقلة.
العضوية: تتكون من ممثلين عن 15 دولة، تختارها الدول الأعضاء مع مراعاة التمثيل الجغرافي العادل. لا تشارك الدول المعتدية في عضوية اللجنة.
المدة: تعمل اللجنة لمدة كافية لتلقي جميع المطالبات والنظر فيها (ربما 5-10 سنوات).
الاختصاص: تلقي المطالبات من الأفراد والشركات والمنظمات الحكومية الإيرانية، ومن أي شخص أو كيان تضرر من العدوان.
التمويل: تموّل من:
· أصول الدول المعتدية المجمدة.
· نسبة من عائدات النفط والغاز للدول المعتدية (مثلاً 5-10%).
· مساهمات طوعية من الدول الصديقة.
· غرامات إضافية على الدول المعتدية إذا تأخرت في الدفع.
فئات المطالبات: على غرار لجنة حرب الخليج، يمكن تقسيم المطالبات إلى فئات:
· الفئة ألف: للأفراد الذين اضطروا للنزوح.
· الفئة باء: للأفراد الذين عانوا من إصابات خطيرة أو فقدان أفراد الأسرة.
· الفئة جيم: للأفراد والشركات الصغيرة ذات الخسائر المحدودة.
· الفئة دال: للأفراد والشركات والمنظمات ذات الخسائر الكبيرة.
· الفئة هاء: للشركات الكبرى والمنظمات الحكومية.
· الفئة واو: للدول والمنظمات الدولية.
إجراءات التقاضي: تبسيط الإجراءات قدر الإمكان، مع الاستعانة بخبراء مستقلين لتقييم المطالبات.
١٤. تحديات التنفيذ: من يعاقب من؟
التحدي الأكبر هو تنفيذ هذه التعويضات. الدول المعتدية، خاصة الولايات المتحدة، قد ترفض دفع أي تعويضات، أو تدفع جزءاً رمزياً فقط. كيف نواجه هذا التحدي؟
أولاً: الضغط الدبلوماسي. على إيران وحلفائها أن يواصلوا الضغط في المحافل الدولية، وأن يحشدوا الرأي العام العالمي ضد الدول المعتدية. كلما زادت العزلة الدولية لهذه الدول، زادت احتمالية تراجعها.
ثانياً: الضغط القانوني. رفع دعاوى قضائية في محاكم دولية ووطنية. الأحكام القضائية يمكن استخدامها للحجز على أصول الدول المعتدية في الخارج.
ثالثاً: الضغط الاقتصادي. مقاطعة المنتجات الأمريكية والإسرائيلية ومنتجات الدول المشاركة في العدوان. الضغط على الشركات المتعددة الجنسيات التي تستثمر في هذه الدول.
رابعاً: التحالفات الدولية. بناء تحالف دولي لدعم مطالب إيران، يضم دولاً من "الجنوب العالمي" (الصين، روسيا، الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا)، ومنظمات إقليمية (الاتحاد الإفريقي).
خامساً: آليات الأمم المتحدة. الضغط على الأمم المتحدة لإنشاء آلية تعويضات، حتى لو كانت اختيارية في البداية، ثم العمل على جعلها إلزامية.
سادساً: الصبر الاستراتيجي. قد يستغرق الأمر سنوات أو عقوداً، لكن الحق لا يسقط بالتقادم. ألمانيا استمرت في دفع تعويضات الحرب العالمية الثانية لعقود.
١٥. دروس من تجارب أخرى: تعويضات المحرقة
تعويضات المحرقة (الهولوكوست) للضحايا وليس لكيان الإبادة الجماعية الصهيوني تقدم نموذجاً مثيراً للاهتمام. بعد الحرب العالمية الثانية، دفعت ألمانيا تعويضات للناجين اليهود من المحرقة. هذه التعويضات استمرت لعقود، وتطورت أشكالها مع الوقت.
الخصائص المهمة لهذه التجربة:
· الاستمرارية: التعويضات لم تكن حدثاً لمرة واحدة، بل عملية مستمرة.
· التطور: مع مرور الوقت، ظهرت فئات جديدة من الضحايا (مثل العمال القسريين) وتم تعويضهم.
· الاعتراف: إلى جانب التعويض المادي، كان هناك اعتراف متزايد بمعاناة الضحايا.
· المسؤولية الأخلاقية: حتى الأجيال الجديدة من الألمان تشعر بمسؤولية أخلاقية تجاه هذه القضية.
في قضيتنا، يمكن الاستفادة من هذه الدروس. التعويضات يجب أن تكون عملية مستمرة، تتطور مع الزمن، وتشمل أشكالاً متعددة من الاعتراف والمسؤولية الأخلاقية.
١٦. دروس من تجارب أخرى: تعويضات الاستعمار
قضية تعويضات الاستعمار تقدم نموذجاً مختلفاً. دول عديدة في إفريقيا وآسيا تطالب القوى الاستعمارية السابقة (بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، البرتغال) بتعويضات عن قرون من الاستغلال والنهب.
هذه المطالبات واجهت تحديات:
· مرور الزمن: الاستعمار انتهى منذ عقود، فهل يمكن المطالبة بتعويضات عن جرائم قديمة؟
· صعوبة التقدير: كيف تقدر خسائر قرون من الاستغلال؟
· المسؤولية القانونية: هل تتحمل الدول الحالية مسؤولية جرائم أسلافها؟
مع ذلك، بدأت بعض الدول تتخذ خطوات نحو الاعتراف بهذه المسؤولية. فرنسا، مثلاً، أنشأت لجاناً للتحقيق في جرائم الاستعمار في الجزائر، وبدأت في إعادة بعض الممتلكات الثقافية المنهوبة.
في قضية إيران، الزمن أقصر، والأدلة أوفر، والمسؤولية أوضح. هذا يزيد من فرص نجاح المطالبات.
١٧. التعويض وإعادة الإعمار: مقاربة متكاملة
التعويضات وحدها لا تكفي. يجب أن تكون جزءاً من خطة متكاملة لإعادة إعمار إيران وتنميتها. هذه الخطة يجب أن تشمل:
أولاً: إعادة الإعمار المادي. إعادة بناء ما دمره العدوان: المدارس، المستشفيات، المساجد، المنازل، المصانع، البنى التحتية.
ثانياً: إعادة التأهيل البشري. رعاية الجرحى، دعم عائلات الشهداء، علاج الصدمات النفسية، برامج تعليمية وتدريبية للمتضررين.
ثالثاً: التنمية الاقتصادية. استثمار جزء من التعويضات في مشاريع تنموية كبرى: بنية تحتية جديدة، مناطق صناعية، مشاريع زراعية، سياحة.
رابعاً: التنمية التكنولوجية. استثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا، لتعزيز قدرات إيران الدفاعية والتنموية.
خامساً: التنمية الثقافية. دعم المؤسسات الثقافية، إنتاج أعمال فنية وأدبية توثق هذه التجربة وتحولها إلى جزء من الذاكرة الجماعية.
١٨. العدالة الانتقالية: التعويض في سياق أوسع
التعويضات يجب أن تنظر في إطار أوسع هو "العدالة الانتقالية". هذا المفهوم يشير إلى مجموعة الإجراءات التي تتخذها المجتمعات للانتقال من حالة النزاع أو القمع إلى حالة السلام والديمقراطية.
عناصر العدالة الانتقالية:
· المحاكمات: محاكمة مرتكبي الجرائم.
· التعويضات: تعويض الضحايا.
· كشف الحقيقة: إنشاء لجان لتقصي الحقائق وكشف ما حدث.
· الإصلاح المؤسسي: إصلاح المؤسسات التي ساهمت في ارتكاب الجرائم لمنع تكرارها.
· المصالحة: بناء جسور الثقة بين الأطراف المتنازعة.
في حالة إيران، العدالة الانتقالية ستكون على مستوى العلاقات الدولية. المطلوب ليس فقط تعويضات، بل محاكمات للمجرمين، وكشف للحقيقة، وإصلاح للمؤسسات الدولية التي سمحت بهذا العدوان، وبناء علاقات جديدة على أسس مختلفة.
١٩. دور المجتمع المدني في رقابة التعويضات
لضمان وصول التعويضات إلى مستحقيها، واستخدامها بشكل صحيح، يجب أن يلعب المجتمع المدني دوراً رقابياً مهماً.
أولاً: منظمات الضحايا. يمكن أن تشكل منظمات تمثل عائلات الشهداء والجرحى، لمتابعة قضاياهم والضغط من أجل حقوقهم.
ثانياً: منظمات حقوق الإنسان. يمكن لهذه المنظمات أن تراقب عملية توزيع التعويضات، وتوثق أي انتهاكات، وتقدم تقارير للمجتمع الدولي.
ثالثاً: وسائل الإعلام المستقلة. يمكن لوسائل الإعلام أن تكشف أي فساد أو محسوبية في عملية التوزيع.
رابعاً: المؤسسات الأكاديمية. يمكن للجامعات ومراكز الأبحاث أن تقدم دراسات تقييمية حول فعالية التعويضات وأثرها.
خامساً: المنظمات الدولية. يمكن للأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى أن تراقب عملية التعويضات وتقدم الدعم الفني.
٢٠. الأبعاد الأخلاقية: لماذا يجب على العالم أن يدعم تعويضات إيران؟
في النهاية، هناك بعد أخلاقي لا يمكن تجاهله. العالم يجب أن يدعم تعويضات إيران ليس فقط لأن القانون يفرض ذلك، بل لأن الضمير الإنساني يقتضيه.
أولاً: لأن الأطفال الذين قتلوا في ميناب لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. هم بحاجة إلى من يدافع عن حقوقهم، حتى بعد موتهم.
ثانياً: لأن الصمت على الظلم هو مشاركة فيه. العالم الذي يصمت على جرائم الحرب في إيران هو عالم يتواطأ في هذه الجرائم.
ثالثاً: لأن العدالة للجميع، أو لا تكون لأحد. إذا كان القانون الدولي يطبق فقط على الضعفاء، فإنه يفقد شرعيته. تعويضات إيران هي اختبار لمصداقية هذا القانون.
رابعاً: لأن المستقبل يعتمد على الماضي. لا يمكن بناء مستقبل آمن وعادل دون معالجة جرائم الماضي. التعويضات هي خطوة ضرورية في هذا الطريق.
خامساً: لأن الكرامة الإنسانية لا تقدر بثمن. الأطفال الإيرانيون الذين قتلوا في مدارسهم يستحقون أن تذكرهم البشرية، وأن تُبذل الجهود لتعويض عائلاتهم.
٢١. دور القوى الصاعدة: الصين وروسيا كضامنين للتعويضات
في ظل تعطل الآليات الغربية، يمكن للقوى الصاعدة أن تلعب دوراً مهماً في ضمان التعويضات.
الصين: كقوة اقتصادية كبرى، ولها استثمارات ضخمة في المنطقة، يمكن للصين أن:
· تستخدم نفوذها في الأمم المتحدة لدعم إنشاء لجنة تعويضات.
· تقدم ضمانات مالية للتعويضات.
· تستثمر في إعادة إعمار إيران.
· تضغط على الدول المعتدية عبر علاقاتها الاقتصادية معها.
روسيا: كقوة عسكرية وسياسية، يمكن لروسيا أن:
· تستخدم حق النقض في مجلس الأمن لحماية مصالح إيران.
· تقدم دعماً عسكرياً وتقنياً لإيران لتعزيز قدراتها الدفاعية.
· تشارك في عمليات إعادة الإعمار.
· تدعم المطالب الإيرانية في المحافل الدولية.
دول "الجنوب العالمي" الأخرى: الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا، يمكن لهذه الدول أن تشكل كتلة ضغط في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، وأن تقدم دعماً سياسياً واقتصادياً.
٢٢. خريطة طريق: خطوات عملية نحو التعويضات
بناءً على ما تقدم، يمكن اقتراح خريطة طريق عملية:
المرحلة الأولى: التوثيق (الآن).
· تشكيل لجنة وطنية إيرانية لحصر الأضرار وتوثيق الجرائم.
· التعاون مع المنظمات الحقوقية الدولية لنشر التقارير.
· جمع شهادات الضحايا وعائلاتهم.
· توثيق الأضرار بالأدلة المادية (صور، فيديوهات، وثائق).
المرحلة الثانية: التقدير (خلال 6 أشهر).
· الاستعانة بخبراء دوليين لتقدير قيمة التعويضات.
· إعداد ملف متكامل يضم جميع المطالبات.
· تصنيف المطالبات حسب الفئات والأولويات.
المرحلة الثالثة: التحرك الدبلوماسي (خلال سنة).
· الضغط في الجمعية العامة للأمم المتحدة لإصدار قرار يدعم التعويضات.
· حشد دعم دول "الجنوب العالمي".
· مخاطبة محكمة العدل الدولية لاستصدار رأي استشاري.
· التواصل مع الدول المعتدية مباشرة للمطالبة بالتعويضات.
المرحلة الرابعة: التقاضي (خلال 1-2 سنة).
· رفع دعاوى أمام المحاكم الدولية (محكمة العدل الدولية، المحكمة الجنائية الدولية).
· رفع دعاوى أمام المحاكم الوطنية في الدول التي تسمح بالولاية القضائية العالمية.
· متابعة الدعاوى حتى صدور الأحكام.
المرحلة الخامسة: التنفيذ (المدى البعيد).
· الضغط على الدول المعتدية لتنفيذ الأحكام.
· استخدام آليات الحجز على الأصول في حالة عدم التنفيذ.
· متابعة دفع التعويضات على مراحل.
٢٣. التحديات المتوقعة وكيفية مواجهتها
الطريق إلى التعويضات ليس سهلاً. هناك تحديات كبيرة يجب توقعها والاستعداد لها:
التحدي الأول: التعنت الأمريكي. الولايات المتحدة قد ترفض دفع أي تعويضات، وقد تستخدم نفوذها لتعطيل أي آلية دولية.
· كيف نواجهه؟ الضغط الدبلوماسي المستمر، بناء تحالفات دولية، استخدام وسائل الإعلام لكشف التعنت الأمريكي، مقاطعة المنتجات الأمريكية.
التحدي الثاني: ازدواجية المعايير الأوروبية. أوروبا قد تدعم التعويضات نظرياً، لكنها تتردد في اتخاذ إجراءات عملية ضد حليفتها أمريكا.
· كيف نواجهه؟ فضح ازدواجية المعايير، الضغط على الحكومات الأوروبية عبر الرأي العام، استهداف الشركات الأوروبية التي تستثمر في الدول المعتدية.
التحدي الثالث: صعوبة التقدير. تقدير الأضرار بدقة أمر صعب، وقد يكون موضع خلاف.
· كيف نواجهه؟ الاستعانة بخبراء دوليين محايدين، وضع منهجيات تقدير شفافة، قبول التفاوض حول الأرقام.
التحدي الرابع: طول المدة. قد تستغرق عملية التعويضات سنوات أو عقوداً.
· كيف نواجهه؟ الصبر الاستراتيجي، الحفاظ على القضية حية في الرأي العام، الاستفادة من تجارب أخرى استمرت لعقود.
التحدي الخامس: الأولويات. قد تطغى تحديات أخرى على قضية التعويضات.
· كيف نواجهه؟ تخصيص موارد كافية لمتابعة القضية، إشراك المجتمع المدني، بناء تحالفات مع قضايا مشابهة.
٢٤. التعويض كجزء من مشروع نهضوي أكبر
في النهاية، يجب النظر إلى التعويضات ليس كغاية في حد ذاتها، بل كوسيلة لتحقيق أهداف أكبر. التعويضات يمكن أن تكون جزءاً من مشروع نهضوي إيراني شامل:
· اقتصادياً: استثمار التعويضات في مشاريع تنموية كبرى تنقل إيران إلى مصاف الدول المتقدمة.
· اجتماعياً: بناء شبكة أمان اجتماعي قوية تحمي الفئات الضعيفة.
· تكنولوجياً: تطوير القدرات التكنولوجية والعلمية لتعزيز الاستقلال الوطني.
· سياسياً: تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ قيم العدالة والمقاومة.
· دولياً: بناء علاقات دولية جديدة قائمة على الندية والاحترام المتبادل.
إيران التي تخرج من هذه الحرب منتصرة، وتحصل على تعويضات عادلة، وتستثمرها في بناء مستقبل أفضل، ستكون نموذجاً للشعوب الأخرى التي تطمح إلى الاستقلال والكرامة.
٢٥. خاتمة: العدالة تأتي ولو بعد حين
في الختام، نعود إلى حيث بدأنا: التعويض ليس مجرد مال. هو اعتراف، وعدالة، وكرامة. هو رسالة إلى العالم أن جرائم الحرب لا تمر دون عقاب، وأن دماء الأطفال ليست رخيصة، وأن إيران لن تنسى ولن تسامح حتى تتحقق العدالة.
قد يستغرق الأمر سنوات، ربما عقوداً. لكن التاريخ يعلمنا أن العدالة تأتي ولو بعد حين. قادة النازية حوكموا في نورنبيرغ بعد سنوات من جرائمهم. مجرمو الحرب في يوغسلافيا السابقة ورواندا حوكموا بعد سنوات. وبوش وتشيني وبريكسيت ورامسفيلد لم يحاكموا بعد، لكن ذكراهم ملعونة، وأسمائهم مرتبطة بالعار إلى الأبد.
ترامب، نتنياهو، قادة المحميات، كل من شارك في هذا العدوان، سيدفعون الثمن يوماً ما. ليس فقط لأن إيران ستطالب به، بل لأن التاريخ لن يرحمهم. وأطفال ميناب، الذين سقطوا تحت الأنقاض وهم يحلمون بمستقبل جميل، سيبقون شاهداً على هذه الجريمة إلى الأبد.
التعويضات التي ستدفعها الدول المعتدية لن تعيدهم إلى الحياة. لكنها ستكون اعترافاً بأنهم كانوا هنا، وأن حياتهم كانت ثمينة، وأن العالم تذكرهم في النهاية. وهذا، في النهاية، هو كل ما يمكن أن نفعله لمن رحلوا: أن نتذكرهم، وأن نطالب بالعدالة من أجلهم، وأن نصنع من ذكراهم وقوداً لمستقبل أفضل.
………
الفصل السابع
نحو نظام عالمي جديد: من الهيمنة إلى التعددية
أو: مخاض الإمبراطورية وميلاد عالم متعدد الأقطاب
١. مدخل: في نهاية دورة الهيمنة
كل إمبراطورية، مهما عظمت قوتها واتسعت رقعتها وطال أمدها، تبلغ في النهاية لحظة الانحطاط. روما سقطت، وبريطانيا تقلصت، والاتحاد السوفيتي تفكك. والولايات المتحدة، التي خرجت منتصرة من الحرب الباردة معلنة "نهاية التاريخ" وبداية العصر الأمريكي الخالص، تقف اليوم على حافة الهاوية نفسها.
ما نشهده في آذار 2026 ليس مجرد عدوان عابر على دولة إيران، بل هو صرخة الإمبراطورية المحتضرة، ومحاولتها اليائسة لاستعادة هيبتها المتآكلة، وتأكيد هيمنتها المتهاوية. هي صرخة تشبه صرخة الوحش الجريح: عنيفة، عمياء، مدمرة، لكنها في النهاية عاجزة عن وقف مسار التاريخ.
العدوان على إيران هو لحظة الحقيقة التي تتجلى فيها تناقضات النظام العالمي القديم بكل وضوح. من جهة، الإمبراطورية الأمريكية تحاول بكل قوتها أن تفرض إرادتها بالقوة العسكرية الغاشمة. من جهة أخرى، قوى جديدة آخذة في الصعود (الصين، روسيا، الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا) ترفض هذا النموذج الأحادي وتعمل على بناء بديل. وبين هذين القطبين، يقف "الجنوب العالمي" بأكمله، الذي سئم قروناً من الاستغلال والهيمنة، وبات يبحث عن موقع جديد في عالم متغير.
سنحاول تفكيك هذه اللحظة التاريخية الفاصلة. سنبدأ من تحليل أزمة الهيمنة الأمريكية، ثم ننتقل إلى صعود القوى الجديدة، ثم إلى موقع إيران في هذا المشهد المتغير، ثم إلى ملامح النظام العالمي الجديد المنشود. وفي النهاية، سنتأمل في دور الشعوب في صناعة هذا المستقبل، وكيف أن صمود إيران اليوم هو مساهمة حاسمة في ولادة عالم أكثر عدالة وتوازناً.
٢. الإمبراطورية الأمريكية: الأسباب البنيوية للانحطاط
لنفهم لماذا تضرب أمريكا اليوم بهذه الوحشية، يجب أن نفهم أولاً لماذا هي في حالة انحطاط. الأسباب ليست عابرة أو ظرفية، بل هي بنيوية عميقة:
السبب الأول: التوسع المفرط. كل إمبراطورية توسعت أكثر مما تستطيع أن تدافع عنه. أمريكا اليوم لديها حوالي 800 قاعدة عسكرية في أكثر من 70 دولة، وتنشر قواتها في كل قارة، وتتدخل في كل نزاع. هذا التوسع المفرط يستنزف مواردها ويعقد قدرتها على الإدارة. نظرية "التوسع المفرط" التي صاغها المؤرخ بول كينيدي في كتابه "صعود وسقوط القوى العظمى" تتحقق اليوم أمام أعيننا.
السبب الثاني: الأزمة الاقتصادية البنيوية. الاقتصاد الأمريكي يعاني من مشاكل مزمنة: دين عام هائل (تجاوز 35 تريليون دولار)، عجز تجاري مزمن، تراجع التصنيع، تفاوت طبقي صارخ، وبنية تحتية متآكلة. الأزمة المالية 2008 كانت مجرد عرض لهذه المشاكل البنيوية، وليس سببها. جائحة كورونا كشفت هشاشة النظام الصحي والاجتماعي. والآن، الحرب في أوكرانيا والعدوان على إيران يزيدان الأعباء الاقتصادية.
السبب الثالث: تراجع الشرعية الأخلاقية. أمريكا التي كانت تقدم نفسها كمنارة للحرية والديمقراطية، فقدت مصداقيتها. حرب فيتنام، غزو العراق، أفغانستان، أبو غريب، غوانتانامو، التجسس على حلفائها، الانسحاب الفوضوي من كابول، المشاركة في حرب الإبادة الصهيونية ضد شعب فلسطين الاصلي في غزة كل ذلك جعل صورة أمريكا في العالم صورة دولة متغطرسة، منافقة، لا تلتزم إلا بمصالحها. تصريحات القادة الأمريكيين التي تبرر قتل الأطفال الإيرانيين بدوافع عنصرية هي القشة التي قصمت ظهر البعير.
السبب الرابع: الانقسام الداخلي. أمريكا اليوم أكثر انقساماً مما كانت عليه منذ الحرب الأهلية. الصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين تجاوز حدود السياسة إلى صراع وجودي على هوية الأمة. أحداث الكابيتول في 6 يناير 2021 كانت مجرد بداية. هذا الانقسام يشل قدرة أمريكا على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى، ويجعلها أسيرة صراعاتها الداخلية.
السبب الخامس: ظهور بدائل. للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، هناك بدائل حقيقية للنموذج الأمريكي. الصين تقدم نموذجاً تنموياً مختلفاً. روسيا تقدم نموذجاً سيادياً مختلفاً. ودول "الجنوب العالمي" بدأت تبحث عن خيارات لا تتضمن الهيمنة الأمريكية.
هذه العوامل مجتمعة تخلق إمبراطورية في حالة انحطاط، تشبه روما في أيامها الأخيرة: عنيفة لأنها تشعر بأنها تفقد السيطرة، عمياء لأنها لا ترى إلا مصلحتها الضيقة، ومأساوية لأنها لا تستطيع أن توقف مسار التاريخ.
٣. صراع التيارات داخل النخبة الأمريكية
السياسة الأمريكية ليست كتلة واحدة. هناك صراع محتدم بين تيارات مختلفة حول كيفية التعامل مع تراجع الهيمنة:
التيار الأول: المحافظون الجدد (Neocons). هذا التيار، الذي هيمن على السياسة الأمريكية في عهد بوش الابن، يؤمن بأن القوة العسكرية هي الحل. يريدون فرض الهيمنة الأمريكية بالقوة، حتى لو كان الثمن باهظاً. هم من خطط لغزو العراق وأفغانستان، وهم من يقفون وراء سياسة "تغيير الأنظمة" في الشرق الأوسط. ترامب، رغم خلافاته مع بعض قادة هذا التيار، يتبنى في النهاية رؤيتهم العسكرية.
التيار الثاني: الليبراليون الدوليون. هذا التيار، الذي هيمن في عهد أوباما وبايدن، يؤمن بالهيمنة الناعمة: التحالفات، المؤسسات الدولية، القيم المشتركة، العولمة الاقتصادية. هم يريدون الحفاظ على الهيمنة الأمريكية، ولكن بوسائل أقل كلفة وأكثر ذكاءً. لكنهم في النهاية لا يختلفون عن المحافظين الجدد في الهدف، فقط في الوسيلة.
التيار الثالث: الانعزاليون الجدد. هذا التيار، الذي يمثله بعض الجمهوريين (مثل توكرفيلسون وراند بول)، يدعو إلى الانسحاب من العالم والتركيز على الداخل. هم يرون أن تكاليف الهيمنة تفوق فوائدها، وأن أمريكا يجب أن تعتني بمشاكلها الداخلية أولاً. لكن هذا التيار لا يزال أقلية.
التيار الرابع: الواقعيون. هذا التيار، الذي يمثله بعض الأكاديميين والدبلوماسيين القدامى، يدعو إلى إدارة الانحطاط بحكمة: تقليص الالتزامات، تجنب الحروب الجديدة، التفاوض مع القوى الصاعدة. لكن هذا الصوت يكاد يكون غائباً في صخب الخطاب المتطرف.
صراع هذه التيارات يخلق سياسة أمريكية متقلبة، غير قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى. وهذا التقلب يزيد من عدم الاستقرار العالمي، ويشجع المغامرات العسكرية كتلك التي نراها في إيران.
٤. الصين: البديل الاستراتيجي والاقتصادي
على الجانب الآخر من المحيط الهادئ، تبرز الصين كأهم بديل للنظام العالمي الأحادي. الصين اليوم ليست مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل هي مشروع حضاري متكامل يقدم رؤية مختلفة للعالم.
الاقتصاد الصيني: ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والأول في تعادل القوة الشرائية. هو المحرك الرئيسي للنمو العالمي، والشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة. مبادرة "الحزام والطريق" تعيد رسم خريطة التجارة العالمية، وتربط آسيا بإفريقيا وأوروبا بشبكة من البنى التحتية.
النموذج الصيني: "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية" تقدم نموذجاً تنموياً مختلفاً عن النموذج الليبرالي الغربي. يقوم على تخطيط استراتيجي طويل المدى، استثمار ضخم في البنى التحتية والبحث العلمي، واستقرار سياسي نسبي. هذا النموذج يحقق نتائج مبهرة: انتشال مئات الملايين من الفقر، بناء مدن ذكية، تقدم تكنولوجي هائل.
الرؤية الصينية للعالم: الصين تتبنى رسمياً مبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول"، وتدعو إلى "عالم متعدد الأقطاب". في المحافل الدولية، تطالب بإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية لتعكس التوزيع الجديد للقوى. في الأمم المتحدة، تستخدم حق النقض أحياناً لموازنة النفوذ الأمريكي.
الموقف من العدوان على إيران: الصين عبرت عن دعمها لإيران، وإن كان بحذر. وزير الخارجية وانغ يي أكد دعم بلاده "لحماية إيران لحقوقها ومصالحها المشروعة". هذا الموقف يعكس رغبة الصين في الحفاظ على علاقاتها مع إيران (شريك مهم في مبادرة الحزام والطريق ومصدر للطاقة)، وفي الوقت نفسه تجنب صدام مباشر مع أمريكا.
الصين لا تسعى إلى استبدال الهيمنة الأمريكية بهيمنة صينية، على الأقل في المدى المنظور. لكنها تعمل على خلق فضاء متعدد الأقطاب، حيث يمكن لقوى متعددة أن تتعايش وتتنافس. هذا الفضاء هو بالضبط ما تحتاجه إيران وغيرها من الدول التي تبحث عن استقلال حقيقي.
٥. روسيا: العودة إلى المسرح العالمي
بعد عقدين من الضعف والتبعية في التسعينيات، استعادت روسيا مكانتها كقوة عالمية كبرى. حرب أوكرانيا، رغم تكاليفها الباهظة، أثبتت أن روسيا مستعدة لمواجهة الغرب عسكرياً دفاعاً عن مصالحها.
الاقتصاد الروسي: اقتصاد روسيا أصغر من اقتصاد الصين، لكنه مدعوم بثروات طبيعية هائلة (نفط، غاز، معادن). وقد أظهر مرونة مذهلة في مواجهة العقوبات الغربية، بفضل تحويل التجارة نحو آسيا وتعزيز الإنتاج المحلي.
القوة العسكرية الروسية: روسيا تمتلك ثاني أقوى جيش في العالم، وأكبر ترسانة نووية، وخبرة قتالية كبيرة من سوريا وأوكرانيا. هي قادرة على موازنة النفوذ العسكري الأمريكي في مناطق حيوية مثل شرق أوروبا والشرق الأوسط.
الرؤية الروسية للعالم: روسيا تتبنى خطاباً معادياً للهيمنة الأمريكية، وتدعو إلى "عالم متعدد الأقطاب" تحترم فيه سيادة الدول وخصوصياتها الثقافية. في المحافل الدولية، تتحالف مع الصين ودول "الجنوب العالمي" لموازنة النفوذ الغربي.
الموقف من العدوان على إيران: الموقف الروسي كان الأكثر وضوحاً ودعماً لإيران. بيان وزارة الخارجية الروسية وصف العدوان بأنه "عمل عدواني مسلح مخطط له مسبقًا وغير مبرر". روسيا لديها علاقات استراتيجية مع إيران في مجالات متعددة: الطاقة، التعاون العسكري، التنسيق في سوريا، ومشاريع النقل الدولية (ممر شمال-جنوب).
روسيا ترى في إيران حليفاً طبيعياً في مواجهة الهيمنة الغربية. دعمها لإيران ليس مجرد موقف مبدئي، بل هو جزء من استراتيجيتها الأوسع لكسر الأحادية القطبية وبناء نظام عالمي جديد.
٦. الهند: العملاق النائم ينهض
الهند، أكبر ديمقراطية في العالم وثالث أكبر اقتصاد في آسيا، تلعب دوراً متزايد الأهمية في المشهد العالمي. هي عضو في مجموعة "بريكس"، ولها طموحات كبيرة في أن تصبح قوة عالمية كبرى.
الاقتصاد الهندي: اقتصاد سريع النمو، سكان شباب، طبقة وسطى متوسعة، وقدرات تكنولوجية متقدمة (خصوصاً في مجال تكنولوجيا المعلومات والفضاء). الهند تستقطب استثمارات عالمية كبيرة، وتسعى إلى أن تصبح مركزاً للتصنيع البديل عن الصين.
السياسة الخارجية الهندية: الهند تتبنى سياسة "عدم الانحياز" بصيغتها الجديدة. تحافظ على علاقات جيدة مع الغرب (خصوصاً أمريكا) لأسباب اقتصادية وأمنية (مواجهة الصين)، وفي الوقت نفسه تطور علاقاتها مع روسيا وإيران ودول آسيا الوسطى. هذا التوازن الدقيق يعكس رغبة الهند في الحفاظ على استقلالية قرارها وعدم الانجرار وراء محاور دولية.
الموقف من العدوان على إيران: الموقف الهندي كان حذراً. الهند لديها علاقات تاريخية وثقافية واقتصادية مع إيران (ميناء تشابهار، مشاريع طاقة). لكنها في الوقت نفسه تحت ضغط أمريكي وإسرائيلي. التصريحات الرسمية الهندية دعت إلى "ضبط النفس" وتجنبت إدانة أي طرف. لكن الهند صوتت لصالح إيران في بعض المحافل الدولية، مما يعكس ميلاً لدعمها.
الهند يمكن أن تلعب دوراً مهماً في المستقبل كوسيط، أو كقوة موازنة. مصلحتها الاستراتيجية تقتضي ألا تترك المنطقة بكاملها تحت النفوذ الصيني أو الأمريكي. لذلك، دعم توازن القوى الإقليمي يصب في مصلحتها.
٧. دول "بريكس" والجنوب العالمي: كتلة جديدة في التكوين
"بريكس" (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا) تمثل اليوم أكثر من 40% من سكان العالم، وحوالي 25% من الناتج العالمي الإجمالي. هذه الدول تنسق مواقفها في المحافل الدولية، وتطالب بإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية.
البرازيل: تحت قيادة لولا دا سيلفا (الذي عاد إلى الرئاسة في 2023)، عادت البرازيل إلى السياسة الخارجية النشطة، داعمة للقضايا العادلة في العالم. البرازيل تدعم حق إيران في الدفاع عن نفسها، وتدعو إلى حلول دبلوماسية.
جنوب إفريقيا: صوت مؤثر في إفريقيا والعالم. تتبنى خطاباً مناهضاً للاستعمار والهيمنة، وتدعم قضايا التحرر في العالم. رفعت دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية في غزة، مما يعكس توجهها العام.
الدول الأخرى: إندونيسيا، إيران نفسها، دول آسيا الوسطى، ودول إفريقيا وأمريكا اللاتينية، كلها تسعى إلى موقع أكثر استقلالية في النظام الدولي. هذه الدول بدأت تدرك أن مصلحتها ليست في الانضمام إلى محور ضد آخر، بل في خلق فضاء متعدد الأقطاب يمكنها من المناورة وتحقيق مصالحها.
الجنوب العالمي ليس كتلة متجانسة، ولا يمكن اختزاله في موقف واحد. لكن هناك تقاطعاً متزايداً في المصالح: رفض الهيمنة الأحادية، المطالبة بإصلاح المؤسسات الدولية، السعي إلى تنمية مستقلة، والتمسك بالسيادة الوطنية.
٨. أوروبا بين مطرقة التبعية وسندان الاستقلال
أوروبا تقف اليوم في موقع صعب. هي ممزقة بين تبعيتها التاريخية لأمريكا (عبر حلف الناتو) ومصالحها الاستراتيجية في الاستقلال (عبر مشروع الاتحاد الأوروبي). هذا التمزق يفسر صمتها المذنب إزاء العدوان على إيران.
التيار الأطلسي: دول مثل بريطانيا وبولندا ودول البلطيق تبقى الأكثر تبعية لأمريكا. ترى أن أمنها يعتمد على الحلف الأطلسي، وتخشى من أي خطوة تضعف هذا الحلف.
التيار الأوروبي: دول مثل فرنسا وألمانيا (نظرياً) تطمح إلى أوروبا مستقلة قادرة على لعب دور عالمي. لكن هذه الطموحات تصطدم بالواقع: غياب جيش أوروبي موحد، تباين المصالح بين الدول الأعضاء، وضغوط الحلف الأطلسي.
التيار الوسيط: دول مثل إيطاليا وإسبانيا تحاول التوفيق بين الانتماء الأطلسي والمصالح الوطنية، مما ينتج مواقف متقلبة غير واضحة.
مستقبل أوروبا يتوقف على قدرتها على تجاوز تبعيتها لأمريكا وبناء سياسة خارجية وأمنية مستقلة. هذا يتطلب إرادة سياسية، واستثمارات ضخمة، وتنسيقاً وثيقاً. لكن الصدمات المتتالية (أوكرانيا، الطاقة، الآن إيران) قد تدفع أوروبا في النهاية إلى الاستقلال، أو إلى التبعية الكاملة. الخيار مفتوح.
٩. إيران في قلب التحولات: موقع استراتيجي فريد
في خضم هذه التحولات الكبرى، تحتل إيران موقعاً استراتيجياً فريداً. هذا الموقع ليس جغرافياً فقط، بل هو سياسي وحضاري أيضاً.
الموقع الجغرافي: إيران تقع في قلب المنطقة الأكثر حيوية في العالم: بين الخليج وبحر قزوين، بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط، على مفترق طرق الطاقة والتجارة. هذا الموقع يجعلها دولة لا يمكن تجاهلها في أي معادلة إقليمية أو دولية.
الموقع السياسي: إيران تقدم نموذجاً سياسياً فريداً: "جمهورية إسلامية" وطنية تجمع بين المؤسسات الدينية والديمقراطية. هذا النموذج، رغم انتقاداته، يثبت أن الحداثة السياسية ليست حكراً على النموذج الغربي.
الموقع الحضاري: إيران وريثة حضارة عريقة (أكثر من 2500 سنة)، ولغة غنية، وثقافة متنوعة. هذا الإرث يمنحها ثقة واعتزازاً يصعب كسره.
الموقع الدولي: إيران عضو مؤسس في حركة عدم الانحياز، ولها علاقات وثيقة مع القوى الصاعدة (روسيا، الصين، الهند)، ومع حركات المقاومة في المنطقة، ومع دول الجنوب العالمي. هذه الشبكة من العلاقات تعطيها خيارات متعددة وتحميها من العزلة.
في النظام العالمي الجديد، إيران مرشحة لأن تكون أحد الأقطاب المؤثرة. ليس قطباً بمعنى القوة العظمى، بل قطباً بمعنى الدولة القادرة على التأثير في محيطها الإقليمي، والمساهمة في صياغة القواعد الجديدة للعبة الدولية.
١٠. حركة عدم الانحياز: إحياء الدور التاريخي
حركة عدم الانحياز، التي تأسست في باندونغ 1955، عادت لتجد لنفسها دوراً جديداً في عالم اليوم. تأسست الحركة في سياق الحرب الباردة كبديل للانحياز إلى أحد المعسكرين. واليوم، في سياق التحول نحو التعددية القطبية، تعود الحاجة إلى عدم الانحياز بصيغة جديدة.
عدم الانحياز الجديد: لا يعني الحياد السلبي، بل يعني رفض الانخراط في محاور تقودها قوى كبرى، والبحث عن تحالفات مرنة قائمة على المصالح المشتركة، والدفاع عن مبادئ السيادة وعدم التدخل وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
إيران في الحركة: إيران كانت دائماً عضواً نشطاً في حركة عدم الانحياز. وهي تستضيف أحياناً اجتماعاتها. في المرحلة الحالية، يمكن لإيران أن تلعب دوراً رئيسياً في إحياء الحركة وتحديث أجندتها لتناسب تحديات القرن الحادي والعشرين.
دور الحركة في إصلاح النظام الدولي: حركة عدم الانحياز يمكن أن تشكل كتلة ضغط قوية للمطالبة بإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية: توسيع مجلس الأمن، إصلاح المؤسسات المالية الدولية، احترام حق الدول في التنمية، وإنهاء ازدواجية المعايير.
العدوان على إيران يمكن أن يكون حافزاً لتحرك حركة عدم الانحياز، ولإظهار أن دول الجنوب قادرة على التضامن والدفاع عن بعضها البعض.
١١. ملامح النظام العالمي الجديد
ما هي ملامح النظام العالمي الجديد الذي يلوح في الأفق؟ لا يمكن الجزم بتفاصيله، لكن يمكن رسم بعض الخطوط العريضة:
أولاً: التعددية القطبية. بدلاً من قطب واحد مهيمن، سيكون هناك عدة أقطاب: أمريكا (بدرجة أقل)، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي (إذا استقل)، الهند، وربما قوى إقليمية أخرى. هذه الأقطاب ستتنافس وتتحالف وتتصارع حسب المصالح.
ثانياً: تعددية الأطراف. بدلاً من مؤسسات دولية تحت سيطرة القوى الاستعمارية الغربية (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي)، ستظهر مؤسسات جديدة أكثر تمثيلاً (بنك التنمية الجديد لبريكس، بنك الاستثمار للبنية التحتية الآسيوي). الأمم المتحدة نفسها ستضطر إلى الإصلاح لتعكس التوزيع الجديد للقوى.
ثالثاً: السيادة بوصفها خطاً أحمر. في النظام الجديد، ستكون السيادة الوطنية أكثر احتراماً. مبدأ "مسؤولية الحماية" الذي استخدم لتبرير التدخلات الغربية سيواجه بتشكيك أكبر. عدم التدخل في الشؤون الداخلية سيعود ليكون قاعدة ذهبية.
رابعاً: تعددية النماذج التنموية. لن يكون هناك نموذج واحد صالح للجميع (النموذج الليبرالي الغربي). كل مجتمع سيختار طريقه الخاص في التنمية، وفقاً لخصوصياته الثقافية والتاريخية. النموذج الصيني، النموذج الإيراني، النموذج الروسي، كلها ستتنافس وتقدم بدائل.
خامساً: توازن جديد بين الشمال والجنوب. سيشهد النظام الجديد إعادة توزيع للثروات والفرص لصالح الجنوب. الصين والهند والبرازيل ستطالب بحصة أكبر في المؤسسات الدولية. وسيكون هناك ضغط أكبر لتصحيح المظالم التاريخية (الاستعمار، العبودية، النهب).
سادساً: نهاية الأحادية الثقافية. لن تكون الثقافة الغربية هي المهيمنة. ثقافات متعددة (صينية، هندية، إيرانية ، عربية، إفريقية) ستجد فضاءات أوسع للتعبير والتأثير. وسيكون هناك حوار أكثر توازناً بين الحضارات.
١٢. تحديات الانتقال: من النظام القديم إلى الجديد
الانتقال من النظام القديم إلى الجديد لن يكون سهلاً. هناك تحديات كبيرة يجب مواجهتها:
التحدي الأول: مقاومة النظام القديم. أمريكا وحلفاؤها لن يتخلوا عن موقعهم المهيمن بسهولة. العدوان على إيران هو دليل على هذه المقاومة. ستكون هناك حروب وصراعات وأزمات خلال فترة الانتقال.
التحدي الثاني: الفوضى المؤقتة. في فترة الانتقال، عندما تتراجع هيمنة القطب القديم قبل أن تستقر هيمنة الأقطاب الجديدة، قد يسود نوع من الفوضى. غياب قواعد واضحة قد يشجع المغامرات العسكرية والنزاعات الإقليمية.
التحدي الثالث: التنافس بين الأقطاب الجديدة. الصين وروسيا والهند والبرازيل ليست بالضرورة متحالفة. هناك تناقضات وتنافسات بينها (الصين - الهند نموذجاً). إدارة هذه التنافسات ستكون حاسمة لاستقرار النظام الجديد.
التحدي الرابع: الأزمات العابرة للحدود. التغير المناخي، الأوبئة، الهجرة، الإرهاب، الجريمة المنظمة، كلها تحديات لا يمكن لأي قطب بمفرده مواجهتها. النظام الجديد يجب أن يطور آليات للتعاون الدولي في مواجهة هذه التحديات.
التحدي الخامس: العدالة الانتقالية. كيف نتعامل مع جرائم النظام القديم؟ كيف نضمن محاكمة المجرمين وتعويض الضحايا؟ العدالة الانتقالية على المستوى الدولي ستكون ضرورية لبناء شرعية النظام الجديد.
١٣. دور إيران في بناء النظام الجديد
في هذه المرحلة الانتقالية، يمكن لإيران أن تلعب دوراً بناءً في تشكيل ملامح النظام الجديد:
أولاً: نموذج الصمود. صمود إيران في وجه العدوان يلهم الشعوب الأخرى التي تتعرض للهيمنة. هو دليل على أن الإرادة الوطنية يمكن أن تنتصر على الآلة العسكرية، إذا اقترنت بالحكمة والصبر.
ثانياً: بناء التحالفات. إيران يمكن أن تلعب دوراً محورياً في بناء تحالفات جديدة مع القوى الصاعدة ودول الجنوب. علاقاتها الوثيقة مع روسيا والصين، وتاريخها في حركة عدم الانحياز، يجعلانها مرشحة طبيعية لهذا الدور.
ثالثاً: صياغة القواعد الجديدة. إيران يمكن أن تساهم في صياغة القواعد الجديدة للعلاقات الدولية، من خلال مقترحاتها لإصلاح الأمم المتحدة، ومن خلال مشاركتها في صياغة مواثيق جديدة تحترم السيادة وتكافح الإرهاب.
رابعاً: الحوار الحضاري. إيران يمكن أن تكون جسراً للحوار بين الحضارات. تراثها الإسلامي الشيعي، وعلاقاتها بالعالم العربي والإسلامي، وانفتاحها على الغرب والشرق، يجعلانها مؤهلة للعب دور وسيط في الحوار بين الثقافات.
خامساً: نموذج تنموي بديل. التجربة الإيرانية في التنمية المستقلة، رغم صعوباتها وعقوباتها، تقدم دروساً للدول الأخرى التي تبحث عن بدائل للنموذج الليبرالي.
١٤. التكامل الإقليمي: خطوة نحو الاستقلال الجماعي
أحد أهم عناصر النظام العالمي الجديد هو التكامل الإقليمي. الدول التي تستطيع التكامل مع جيرانها اقتصادياً وسياسياً وأمنياً تصبح أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية.
الاتحاد الأوراسي: روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقيرغيزستان شكلوا اتحاداً اقتصادياً، وتسعى دول أخرى للانضمام. إيران وقعت اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد، وقد تنضم كعضو كامل في المستقبل.
منظمة شانغهاي للتعاون: تضم الصين وروسيا وأربع دول من آسيا الوسطى، إضافة إلى الهند وباكستان وإيران (عضوة كاملة). هذه المنظمة تتعاون في مجالات الأمن والاقتصاد والطاقة.
اتحاد الغاز: إيران وروسيا تملك أكبر احتياطيات الغاز في العالم. التعاون بينها يمكن أن يشكل قوة اقتصادية هائلة، ويخلق توازناً مع منظمات المستهلكين.
التكامل الإقليمي في غرب آسيا: إيران والعراق وسوريا بعد تحريرها من النظام العميل لترامب
ولبنان تربطها علاقات وثيقة. التكامل الاقتصادي بينها يمكن أن يخلق سوقاً كبيرة، ويعزز الأمن الجماعي، ويقلل التبعية للخارج.
هذه المبادرات الإقليمية هي لبنات بناء النظام العالمي الجديد. هي تخلق فضاءات متعددة للتعاون، وتقلل الحاجة إلى التوجه إلى المؤسسات الغربية المهيمنة.
١٥. إنهاء حق النقض (الفيتو): مطلب إصلاحي ضروري
أحد أبرز مظاهر الظلم في النظام الدولي الحالي هو حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن. خمس دول فقط (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا) تملك هذا الحق، مما يشل قدرة المجلس على التحرك ضد مصالح هذه الدول.
الوضع الحالي: الولايات المتحدة استخدمت الفيتو أكثر من 80 مرة، غالباً لحماية إسرائيل. هذا النظام غير عادل، وغير تمثيلي، وغير ديمقراطي.
المطالب الإصلاحية: دول عديدة تطالب بإصلاح مجلس الأمن: توسيع العضوية الدائمة لتشمل دولاً مثل الهند والبرازيل وألمانيا واليابان ودولة إفريقية، أو إلغاء حق النقض أو تقييده.
موقف إيران: إيران تطالب بإصلاح شامل للأمم المتحدة، وإلغاء حق النقض أو توزيعه بشكل أكثر عدالة. في غياب الإصلاح، تفقد الأمم المتحدة مصداقيتها، وتصبح مجرد أداة في يد القوى الكبرى.
الانتقال إلى نظام عالمي جديد يتطلب إصلاحاً جذرياً لمؤسسات الحوكمة العالمية. دون هذا الإصلاح، ستظل ازدواجية المعايير سيدة الموقف.
١٦. المقاطعة الاقتصادية: سلاح الشعوب
إلى جانب التحركات الدبلوماسية والدولية، تمتلك الشعوب سلاحاً قوياً: المقاطعة الاقتصادية. مقاطعة المنتجات الأمريكية والإسرائيلية ومنتجات الدول المشاركة في العدوان يمكن أن تشكل ضغطاً اقتصادياً كبيراً.
التجارب السابقة: مقاطعة المنتجات الإسرائيلية في العالم العربي والإسلامي كان لها تأثير محدود لكنه مهم. مقاطعة المنتجات الفرنسية بعد إساءات الرسول كان لها تأثير كبير. مقاطعة المنتجات الأمريكية في بعض الدول الإسلامية زادت في فترات التوتر.
الآليات الحديثة: وسائل التواصل الاجتماعي سهلت تنظيم حملات المقاطعة. تطبيقات الهاتف تمكن المستهلكين من معرفة المنتجات التي يجب مقاطعتها. والضغط على الشركات الكبرى يمكن أن يكون فعالاً.
التأثير المتوقع: إذا انضمت مئات الملايين من المستهلكين في العالم الإسلامي والجنوب العالمي إلى حملات المقاطعة، فإن الشركات المتعددة الجنسيات ستضغط على حكوماتها لتغيير سياساتها. المال يؤثر في السياسة.
المقاطعة ليست بديلاً عن العمل السياسي والدبلوماسي، لكنها مكمل له. هي تعبير عن إرادة الشعوب، ورسالة إلى الحكومات أن هناك ثمناً لسياساتها العدوانية.
١٧. الإعلام الجديد: كسر احتكار الرواية
في النظام العالمي القديم، كان الإعلام الغربي يهيمن على الرواية العالمية. شبكات مثل CNN وBBC والجزيرة (بدرجة أقل) كانت تحدد كيف يُرى العالم. اليوم، الإعلام الجديد يكسر هذا الاحتكار.
وسائل التواصل الاجتماعي: فيسبوك، تويتر (إكس) الى حد ما ، تيك توك، يوتيوب الى حد ما ، تيليغرام، كلها تسمح للأفراد والجماعات بنشر رواياتهم مباشرة، دون وساطة الإعلام التقليدي. صور الأطفال الشهداء في ميناب انتشرت عبر هذه الوسائل قبل أي تقرير رسمي.
الإعلام البديل: قنوات مثل "الميادين" و"المنار" و"برس تي في" و"روسيا اليوم" و"سي جي تي إن" تقدم روايات مختلفة عن الرواية الغربية. هذه القنوات تجد جماهيرها في الجنوب العالمي وفي أوساط المهاجرين في الغرب.
الصحفيون المستقلون: مدونون وصحفيون مستقلون ينشرون تقاريرهم عبر منصاتهم الخاصة، متجاوزين الرقابة المؤسسية.
التحدي: الإعلام الجديد يواجه تحديات كبيرة: الرقابة من قبل المنصات نفسها (الضغط الحكومي)، التضليل والمعلومات المغلوطة، وصعوبة التمويل المستقل.
لكن رغم هذه التحديات، الإعلام الجديد يمثل فرصة تاريخية لكسر احتكار الرواية، وإيصال صوت الضحايا إلى العالم.
١٨. حركات التضامن الدولية: شبكة الأمل
إلى جانب الإعلام الجديد، تلعب حركات التضامن الدولية دوراً مهماً في كسر العزلة عن إيران، وفي الضغط على الحكومات الغربية.
حركات التضامن مع فلسطين: الأقدم والأكثر نشاطاً. نظمت مقاطعة إسرائيل، وكشفت جرائمها، وضغطت على الحكومات. هذه الحركات يمكن أن تمتد لتشمل التضامن مع إيران.
حركات مناهضة الحرب: في كل دولة غربية، هناك حركات مناهضة للحرب، تنظم مظاهرات، وتكتب مقالات، وتضغط على البرلمانات. هذه الحركات يمكن أن تكون حليفاً طبيعياً لإيران.
منظمات حقوق الإنسان: رغم تحيز بعضها، هناك منظمات جادة توثق الجرائم وتطالب بمحاكمة المجرمين. التعاون مع هذه المنظمات مهم لتوثيق الجرائم وبناء القضايا القانونية.
الأحزاب والتيارات التقدمية: في أوروبا وأمريكا، هناك أحزاب وتيارات تقدمية (يسارية، خضراء) تتبنى خطاباً مناهضاً للإمبريالية. التحالف مع هذه القوى يمكن أن يخلق ضغطاً داخلياً على الحكومات.
شبكات التضامن هذه هي جسور التواصل بين الشعوب، وتعبير عن أن الإنسانية لم تمت، وأن هناك من لا يزال يؤمن بالعدالة والسلام.
١٩. مستقبل فلسطين في النظام العالمي الجديد
لا يمكن الحديث عن نظام عالمي جديد دون الحديث عن فلسطين. القضية الفلسطينية هي جرح مفتوح في جسد العالم، وهي اختبار حقيقي لمصداقية أي نظام دولي.
فشل النظام القديم: النظام القديم فشل فشلاً ذريعاً في التعامل مع القضية الفلسطينية. قرارات الأمم المتحدة لم تنفذ. إسرائيل تواصل احتلالها واستيطانها بغطاء أمريكي. والشعب الفلسطيني ما زال يعاني من التهجير والقمع.
التحولات الجديدة: في السنوات الأخيرة، حدثت تحولات مهمة: المزيد من الدول اعترفت بدولة فلسطين. الرأي العام العالمي (خاصة بين الشباب) أصبح أكثر تضامناً مع فلسطين. المحكمة الجنائية الدولية وجهت اتهامات لقادة إسرائيليين. وجنوب إفريقيا رفعت دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
فلسطين في النظام الجديد: في النظام العالمي الجديد، يجب أن تحظى فلسطين بمكانتها العادلة. يجب إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية وعاصمتها القدس الشريف، وعودة اللاجئين وفقاً للقرار 194. هذا ليس حلاً طوباوياً، بل هو تطبيق للقانون الدولي.
إيران، بدعمها للمقاومة الفلسطينية، تضع نفسها في موقع المدافع عن حق مشروع. هذا الدعم سيكتسب شرعية أكبر في النظام العالمي الجديد.
٢٠. المقاومة كقيمة إنسانية: من الشرعية إلى القداسة
في النظام العالمي الجديد، يجب إعادة الاعتبار لمفهوم المقاومة. المقاومة ليست مجرد فعل سياسي أو عسكري، بل هي قيمة إنسانية عليا.
المقاومة في القانون الدولي: القانون الدولي يعترف بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال. قرارات الأمم المتحدة تؤكد شرعية نضال الشعوب ضد الاحتلال الأجنبي. هذا الحق يجب أن يحترم ويدعم.
المقاومة في الثقافات: كل الثقافات تمجد المقاومة. من جان دارك في فرنسا، إلى تشي جيفارا في أمريكا اللاتينية، إلى عبد القادر الجزائري، إلى عمر المختار، إلى قاسم سليماني. المرشد الخامنئي المقاومون هم أبطال الشعوب.
المقاومة اليوم: في مواجهة آلة الحرب الإمبريالية، تبقى المقاومة هي الخيار الوحيد للشعوب التي ترفض الخضوع. مقاومة إيران للعدوان، مقاومة فلسطين للاحتلال، مقاومة اليمن للعدوان، كلها أشكال من نضال الإنسانية من أجل الكرامة والحرية.
في النظام العالمي الجديد، يجب ألا تكون المقاومة مجرد حق، بل قيمة مقدسة. يجب أن يُنظر إلى المقاومين كأبطال للتحرر الإنساني، وليس كـ"إرهابيين" كما تصفهم الدعاية الغربية.
٢١. من نورنبيرغ إلى لاهاي: ضرورة المحاكمات الدولية
كما تحدثنا في الفصل الرابع، محاكمة مجرمي الحرب ضرورة لا غنى عنها لبناء نظام عالمي جديد. الإفلات من العقاب هو الذي شجع على ارتكاب المزيد من الجرائم.
محاكمة قادة النازية: محاكمات نورنبيرغ أسست لمبدأ أن القادة ليسوا فوق القانون. هذا المبدأ يجب أن يطبق على قادة النازية الجديدة اليوم.
محاكمة قادة الحرب في يوغسلافيا ورواندا: المحاكم الخاصة التي أنشئت لهذه الحالات أثبتت أن العدالة الدولية ممكنة، حتى بعد سنوات من الجرائم.
محاكمة قادة العدوان على إيران: ترامب، نتنياهو، قادة المحميات، كل من شارك في هذا العدوان يجب أن يمثلوا أمام القضاء. مذكرات الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو وغالانت في 2024 هي خطوة في الاتجاه الصحيح.
في النظام العالمي الجديد، يجب إنشاء محكمة جنائية دولية قوية، لا تخضع لابتزاز القوى الكبرى، وتستطيع محاكمة المجرمين أينما كانوا.
٢٢. دور الدين والأخلاق في النظام الجديد
أحد مظاهر الأزمة في النظام العالمي القديم هو غياب البعد الأخلاقي والديني. العولمة المادية جردت العالم من القيم، وحولت كل شيء إلى سلعة، بما في ذلك البشر.
الدين كقوة تحرر: في العالم الإسلامي، لعب الدين دوراً كبيراً في مقاومة الاستعمار والهيمنة. الثورة الإسلامية في إيران نموذج حي. الدين يمكن أن يكون قوة دافعة للعدالة، وليس مجرد أداة في يد السلطة.
الأخلاق في العلاقات الدولية: النظام العالمي الجديد يجب أن يعيد الاعتبار للأخلاق. لا يمكن بناء عالم عادل على أساس المصالح وحدها. يجب أن تكون هناك قيم مشتركة تحكم العلاقات بين الدول: احترام السيادة، عدم التدخل، التضامن، العدالة.
حوار الأديان والحضارات: بدلاً من "صدام الحضارات" الذي تروج له الدعاية الغربية، يجب أن يكون هناك حوار جاد بين الأديان والحضارات. إيران يمكن أن تلعب دوراً مهماً في هذا الحوار، بتراثها الإسلامي الشيعي الغني، وانفتاحها على الحضارات الأخرى.
٢٣. الطاقة والموارد: معركة المستقبل
في صميم الصراع العالمي، هناك معركة خفية لكنها حاسمة: معركة الطاقة والموارد. من يسيطر على الطاقة يسيطر على العالم.
النفط والغاز: المنطقة الممتدة من الخليج إلى بحر قزوين تملك أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم. السيطرة على هذه الثروات كانت دائماً هدفاً استراتيجياً للقوى الكبرى. العدوان على إيران ليس استثناءً.
الممرات البحرية: مضيق هرمز، باب المندب، قناة السويس، مضيق ملقا، كلها ممرات حيوية لتجارة الطاقة. السيطرة عليها تعني السيطرة على الاقتصاد العالمي.
الطاقة المتجددة: التحول إلى الطاقة المتجددة (الشمس، الرياح) يغير معادلات الطاقة العالمية. الدول التي تملك تكنولوجيا الطاقة المتجددة ستكون لها اليد العليا في المستقبل.
إيران، باحتياطياتها الهائلة من النفط والغاز، وموقعها الاستراتيجي على مضيق هرمز، وإمكاناتها الكبيرة في الطاقة المتجددة، ستكون لاعباً رئيسياً في معركة الطاقة المستقبلية.
٢٤. خريطة طريق: خطوات عملية نحو النظام الجديد
كيف ننتقل من عالم الهيمنة إلى عالم التعددية؟ هذه خريطة طريق عملية:
المرحلة الأولى: الصمود والمقاومة. صمود إيران في وجه العدوان هو الخطوة الأولى. كل يوم تصمد فيه إيران، يكشف هشاشة الإمبراطورية ويُلهم شعوباً أخرى.
المرحلة الثانية: بناء التحالفات. تعزيز التحالفات مع القوى الصاعدة (الصين، روسيا، الهند، البرازيل)، ومع دول الجنوب، ومع حركات التضامن الدولية.
المرحلة الثالثة: الإصلاح المؤسسي. الضغط لإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية: توسيع مجلس الأمن، إلغاء أو تقييد حق النقض، إصلاح المؤسسات المالية الدولية.
المرحلة الرابعة: بناء المؤسسات البديلة. تطوير مؤسسات جديدة: بنوك تنمية، أنظمة دفع بديلة، تحالفات إقليمية، منظمات إعلامية.
المرحلة الخامسة: محاكمة المجرمين. العمل على محاكمة قادة العدوان، وفضح جرائمهم، ومنع الإفلات من العقاب.
المرحلة السادسة: إعادة الإعمار والتنمية. استثمار التعويضات في إعادة بناء إيران وتنميتها، وجعلها نموذجاً للتنمية المستقلة.
المرحلة السابعة: صياغة القواعد الجديدة. المشاركة في صياغة القواعد الجديدة للعلاقات الدولية، بما يضمن احترام السيادة والتعددية والعدالة.
٢٥. خاتمة: نهاية التاريخ أم بدايته؟
في التسعينيات، كتب فرانسيس فوكوياما عن "نهاية التاريخ"، معتبراً أن الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية هما نهاية تطور البشرية. الأحداث التي تلت ذلك أثبتت خطأه. التاريخ لم ينتهِ، بل تسارع.
ما نشهده اليوم ليس نهاية التاريخ، بل نهاية حقبة. حقبة الهيمنة الغربية الأحادية تقترب من نهايتها، وحقبة جديدة متعددة الأقطاب تلوح في الأفق. هذه الحقبة الجديدة تحمل مخاطر كبيرة: صراعات، فوضى، عدم استقرار. لكنها تحمل أيضاً فرصاً عظيمة: حرية، تنوع، عدالة، توازن.
إيران، في هذه اللحظة التاريخية، تقف في موقع المسؤولية. صمودها ليس دفاعاً عن نفسها فقط، بل هو دفاع عن مستقبل البشرية جمعاء. كل طفلة استشهدت في ميناب هي شاهد على جرائم النظام القديم. كل صاروخ إيراني يضرب قاعدة معتدية هو إعلان أن النظام الجديد قادم.
النظام العالمي الجديد لن يولد بسهولة. سيكون مخاضاً عسيراً، وصراعاً مريراً، وتضحيات جسيمة. لكنه سيولد. لأنه ضروري. لأن البشرية لا يمكنها أن تستمر في ظل نظام يقوم على ازدواجية المعايير وإفلات المجرمين من العقاب وتجويع الشعوب وقصف المدارس.
إيران تختصر اليوم هذا النضال العالمي. هي تقول للعالم: هناك بديل. هناك إمكانية لمستقبل مختلف. هناك أمل. وهذا الأمل هو الذي سينتصر في النهاية، لأنه أقوى من الصواريخ، وأعمق من المصالح، وأبقى من الإمبراطوريات.
………
الخاتمة
رسالة إلى العالم من تحت الأنقاض
أو: وصية الشهيدات الصغيرات وميلاد إنسانية جديدة
١. مدخل: تحت الأنقاض، حيث تولد الحقيقة
في الثامن والعشرين من شباط 2026، وتحت أنقاض مدرسة "الشجرة الطيبة" في ميناب، لم تدفن فقط مئة وستون طفلة. دفنت معهن أحلامهن الصغيرة، ودفاتر رسومهن الملونة، وأقلامهن التي كانت تكتب للمرة الأولى حروف الأبجدية. لكن تحت تلك الأنقاض ذاتها، ولدت حقيقة جديدة: حقيقة أن هذا العالم لم يعد يحتمل، وأن النظام الذي يقتل الأطفال باسم الديمقراطية والحرية قد فضح نفسه، وأن البشرية مدعوة اليوم إلى خيار مصيري: إما أن تستمر في السير نحو الهاوية، أو أن تعيد بناء نفسها من جديد على أسس مختلفة.
الخاتمة التي بين أيديكم ليست خاتمة عادية. هي ليست مجرد تلخيص لما سبق، ولا مجرد استعراض للنتائج. هي وقفة تأمل، وصلاة على أرواح الشهداء، ورسالة مفتوحة إلى العالم. رسالة من تحت الأنقاض، حيث لا مكان للأكاذيب. رسالة من حيث تسقط الأقنعة، وتتجلى الحقائق. رسالة تقول: كفى. كفى قتلاً، كفى ظلماً، كفى صمتاً. حان وقت التغيير.
في هذه الخاتمة ، نحاول أن نجمع خيوط هذا العمل الطويل، وأن نستخلص دروسه، وأن نوجه رسائله. سنبدأ من مشهد الأنقاض، حيث الشهيدات الصغيرات، ثم ننتقل إلى تأمل في معنى الشهادة، ثم إلى تحليل لمسؤولية العالم، ثم إلى استشراف للمستقبل، وأخيراً إلى وصية: ماذا نفعل الآن؟
٢. مشهد الأنقاض: عندما تتكلم الأحجار
تخيلوا المشهد. صباح عادي في مدينة ساحلية جنوب إيران. شمس دافئة تشرق على بيوت بسيطة، وأسواق صغيرة تفتح أبوابها، وأمهات يودعن أطفالهن بعبارات الصباح. ثم فجأة، انفجار هائل يهز الأرض، ويقطع الصمت، ويحيل الحياة إلى موت.
تخيلوا لحظة الصمت التي تلت الانفجار. ذلك الصمت المخيف الذي يعقب الكارثة، حين تتوقف الحياة عن النبض، وتتجمد الأنفاس في الصدور، وتتساءل الأرواح: ماذا حدث؟
ثم تخيلوا لحظة الصرخة الأولى. أم تبحث عن طفلتها، تجري نحو المدرسة المنهارة، تصرخ باسمها مراراً وتكراراً، لا مجيب. أب يحفر بيديه العاريتين في الأنقاض، يقلع الحجارة المسنونة بدماء الأطفال، قلبه يدق كالمجنون، وعيناه تبحثان عن وجه صغير لن يراه مرة أخرى.
تخيلوا مشهد انتشال الجثث. جثث صغيرة، لا تزال ترتدي زيهن المدرسي، حقائبهن ما زالت على ظهورهن، كتبهن ما زالت في أيديهن. بعضهن ما زلن مبتسمات، وكأن الموت فاجأهن وهن يحلمن. بعضهن عيونها مفتوحة، تحدق في الفراغ، تبحث عن إجابة لا تأتي.
تخيلوا مشهد المقبرة الجماعية. مئة وستون قبراً صغيراً، كل قبر يحمل اسماً وصورة. أم تقف أمام قبر ابنتها، لا تصرخ، لا تبكي، فقط تنظر. نظرة من فقدت كل شيء، نظرة تسأل السماء: لماذا؟
هذا المشهد ليس مشهداً إيرانيياً فقط. هو مشهد إنساني. يمكن أن يحدث في أي مكان، لأي شعب. لكنه حدث هنا، في إيران، في 28 شباط 2026. والمسؤولون عنه معروفون: ترامب، نتنياهو، قادة المحميات الذين فتحوا قواعدهم، وصانعو الصواريخ الذين زودوا بها، والسياسيون الذين أمروا باستخدامها، والصحفيون الذين صمتوا، والمثقفون الذين برروا، والمجتمع الدولي الذي تفرج.
هذا المشهد يجب ألا يُنسى. يجب أن يظل حياً في الذاكرة الجماعية للبشرية، كندبة عار، وشاهد على جرائم النازية الجديدة، ودافع للتغيير.
٣. معنى الشهادة: حين يصبح الموت حياة
في الثقافة الإيرانية الإسلامية المقاومة ، للشهادة معنى خاص. الشهيد ليس ميتاً، بل حي عند ربه يُرزق. هذه ليست مجرد عقيدة دينية، بل هي فلسفة وجودية: الموت في سبيل الحق ليس نهاية، بل بداية. بداية لحياة أخرى، وبداية لتأثير يمتد عبر الزمن.
طفلات ميناب شهيدات. لم يخترن الشهادة، لكنهن نلنها. لم يحملن سلاحاً، لكنهن قتلن. لم يعتدين على أحد، لكنهن اعتدي عليهن. شهادتهن هي إدانة أبدية للقاتل. هي صرخة لا تموت. هي حجر في وجه الإمبراطورية.
كل طفلة من هؤلاء كانت تحمل في داخلها عالماً. أحلام بأن تصبح طبيبة تعالج المرضى، أو معلمة تربي الأجيال، أو مهندسة تبني الجسور، أو فنانة ترسم الجمال. كل هذه العوالم قتلت معها. لكن شيئاً واحداً بقي: ذكراها. ذكراها التي ستظل حية في قلوب أهلها، وفي ذاكرة شعبها، وفي ضمير الإنسانية.
هؤلاء الشهيدات الصغيرات يوجهن رسالة إلى العالم من تحت الأنقاض: "انظروا إلينا. نحن لسنا أرقاماً. لسنا مجرد إحصائية في تقرير. كنا نضحك ونلعب ونحلم. كنا نحب الحياة كما تحبونها. ثم جاء من قتلنا باسم الديمقراطية والحرية. اسألوهم: أي ديمقراطية هذه التي تبرر قتل الأطفال؟ وأي حرية هذه التي تحترم دماء الصغار؟"
هذه الرسالة يجب أن تصل. يجب أن تخترق جدران الصمت، وأن تكسر قيود الخوف، وأن توقظ الضمائر النائمة.
٤. مسؤولية العالم: من صمت فهو شريك
لكن الرسالة لا توجه إلى القتلة فقط. بل توجه أيضاً إلى العالم الذي صمت. إلى أوروبا التي أصدرت بيانات "القلق" ولم تدن. إلى أمم المتحدة التي عجزت عن التحرك. إلى منظمات حقوق الإنسان التي أصدرت تقارير ثم نامت. إلى المثقفين الذين برروا أو التزموا الصمت. إلى الإعلام الذي غطى أو شوه.
في القانون، هناك مبدأ: "من صمت فقد رضي". في الأخلاق، هناك قاعدة: "من رأى منكراً فلم يغيره فهو شريك فيه". العالم الذي يرى جريمة قتل مئة وستين طفلة ولا يحرك ساكناً، هو عالم متواطئ في هذه الجريمة. صمته ليس حياداً، بل هو انحياز كامل للقاتل.
نحن نوجه أصابع الاتهام إلى:
الحكومات الأوروبية: التي صمتت أو أصدرت بيانات "القلق" الخجولة. أيها الأوروبيون، أين خطابكم عن حقوق الإنسان؟ أين محاكمكم الدولية؟ أين صحافتكم الحرة؟ أم أن كل هذه القيم تسقط عندما يكون الجاني حليفاً والضحية خصماً؟
الأمم المتحدة: التي عجزت عن حماية مدرسة من القصف. أيها الأمين العام، أيها الأعضاء، ماذا تنتظرون؟ هل تنتظرون قتل ألف طفل حتى تتحركوا؟ أم أن الفيتو الأمريكي يشل حركتكم إلى الأبد؟
منظمات حقوق الإنسان: التي أصدرت بيانات تدين، ثم عادت إلى عملها كأن شيئاً لم يكن. أيتها المنظمات، أين تحقيقاتكم؟ أين تقاريركم المفصلة؟ أين ضغطكم على الحكومات؟ أم أن جرائم الشرق لا تهمكم كما تهمكم جرائم الغرب؟
الإعلام الغربي: الذي غطى المجزرة بصفحات صغيرة، ثم انتقل إلى أخبار أخرى. أيها الإعلام، أين صور الأطفال تحت الأنقاض؟ أين قصص عائلاتهم؟ أين التحقيقات المستقلة؟ أم أن دموع الإيرانيين لا تستحق البث؟
المثقفين: الذين صمتوا أو برروا. أيها المثقفون، أين أقلامكم؟ أين مواقفكم؟ أم أن انتماءاتكم السياسية أعمتكم عن رؤية الحقيقة؟
هذه الأسئلة ستظل معلقة في سماء العدالة، تنتظر إجابات. ولن تأتي الإجابات بالكلمات، بل بالأفعال. باعتذار صادق، وتعويض عادل، ومحاكمة عادلة للمجرمين.
٥. دروس من التاريخ: ماذا علَّمتنا الإبادات السابقة؟
التاريخ يعيد نفسه. ليس لأنه أحمق، بل لأن البشر لا يتعلمون. قتل الأطفال ليس جديداً. الإبادات الجماعية ليست جديدة. الصمت العالمي ليس جديداً. لكن كل مرة، يظن البشر أن هذه المرة مختلفة.
الهولوكوست (المحرقة): كان هتلر كاره للشيوعيين وقد قتل ملايين الشيوعيين من معتقدات يهودية سابقة وغير يهودية في قلب أوروبا المتحضرة. العالم صمت. وعندما انتهت الحرب، قالوا: "لم نكن نعرف". لكنهم كانوا يعرفون. كانوا يعرفون ويصمتون. واليوم، يتهمون من ينكر المحرقة النازية الصهيونية ضد الشيوعيين اليهود وغير اليهود ، بينما هم ينكرون محرقة الأطفال الإيرانيين بصمتهم.
البوسنة: قتل ثمانية آلاف مسلم في سربرنيتسا، تحت حماية الأمم المتحدة. العالم رأى وصمت. ومازال المجرمون يهربون من العدالة.
رواندا: قتل حوالي ثمانمئة ألف شخص في مئة يوم. الأمم المتحدة كانت موجودة وانسحبت. العالم كان يشاهد ويصمت.
فلسطين: عشرات الآلاف من الشهداء، آلاف الأطفال، حصار وتجويد وقصف. العالم يشاهد ويصمت. ويقولون: "إسرائيل لها حق الدفاع عن نفسها".
واليوم، إيران. مئة وستون طفلة في مدرسة واحدة. وغداً، المزيد. والعالم يشاهد ويصمت.
هذا الصمت ليس حياداً. هو تواطؤ. هو مشاركة في الجريمة. هو إعلان أن قيم حقوق الإنسان مجرد كلمات ترفع وتخفض حسب المصالح.
٦. لماذا إيران؟ تأمل في معنى الاستهداف
لكن السؤال يبقى: لماذا إيران؟ لماذا هذه الضراوة في استهداف هذا البلد بالذات؟
الإجابة ليست صعبة. إيران تستهدف لأنها مختلفة. لأنها قالت "لا" في وجه الهيمنة الأمريكية. لأنها أصرت على أن تكون مستقلة. لأنها دعمت حركات المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن. لأنها تمتلك مشروعاً حضارياً بديلاً. لأنها تذكر الغرب بجرائمه الاستعمارية. لأنها تقدم نموذجاً للشعوب الأخرى أن البديل ممكن.
إيران هي الحالة الشاذة التي يجب تصحيحها. هي العقدة التي يجب فكها. هي الشوكة في حلق الإمبراطورية. لذلك، كل الوسائل مشروعة لإسقاطها: العقوبات، الحرب الناعمة، الدعم للانفصاليين، الاغتيالات، وأخيراً العدوان العسكري المباشر.
لكن إيران صامدة. صامدة رغم كل شيء. صامدة لأن شعبها يؤمن بحقه في تقرير مصيره. صامدة لأن قيادته تثق بعدالة قضيتها. صامدة لأن التاريخ يقف مع المستضعفين، وليس مع المستكبرين.
صمود إيران هو دليل على أن الإمبراطورية لم تعد قادرة على فرض إرادتها كما كانت. هو دليل على أن النظام العالمي القديم ينهار، وأن نظاماً جديداً يولد. هو دليل على أن الشعوب إذا أرادت الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر.
٧. إيران ليست وحدها: تضامن الشعوب
لكن إيران ليست وحدها في هذه المعركة. ملايين البشر في كل أنحاء العالم يتابعون ما يحدث، وقلوبهم مع إيران، وأيديهم تدعمها، وأفواههم تدين العدوان.
في فلسطين: يخرج الأطفال في مسيرات تضامنية، يرفعون صور أطفال ميناب، ويقولون: "دمكم في أعناقنا". شعب يعيش تحت الاحتلال يعرف معنى القصف، ويعرف معنى فقدان الأطفال.
في لبنان: حزب الله والمقاومة الإسلامية يعلنون استعدادهم لدعم إيران بكل ما يملكون. شعب عانى من عدوان إسرائيلي مماثل يعرف أن إيران اليوم هي لبنان الغد.
في اليمن: أنصار الله يطلقون صواريخ باتجاه إسرائيل تضامناً مع إيران. شعب صامد في وجه العدوان يعرف معنى التحالف والمقاومة.
في العراق: ملايين يخرجون في مظاهرات تأييد لإيران، ويدعون على المعتدين. شعب جمعته مع إيران روابط الدم والدين والتاريخ.
في سوريا: الجيش العربي السوري السريك والمقاومة يعلنون وقوفهم إلى جانب إيران. شعب ناضل ضد الإرهاب والتكفير لعصابات الارهاب الجولاني المعطرة برشة خاصة من ترامب يعرف قيمة الحلفاء.
في أفغانستان وباكستان وأذربيجان وتركيا: شعوب مسلمة تتابع الأحداث بقلق، وتدعو لإيران بالنصر.
في الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا: حكومات تعلن دعمها لإيران أو على الأقل ترفض إدانتها. شعوب تبدأ تدرك أن ما يحدث في إيران هو جزء من صراع أكبر بين الشمال والجنوب، بين الهيمنة والاستقلال.
في أوروبا وأمريكا: أقليات مسلمة وعربية، ويساريون وتقدميون، ومناهضون للحرب، يخرجون في مظاهرات، ويكتبون مقالات، وينظمون حملات مقاطعة. أصوات ضعيفة لكنها شجاعة، تقول: "لا باسمنا".
هذا التضامن العالمي هو دليل على أن قضية إيران ليست قضية وطنية فقط، بل هي قضية إنسانية. هي قضية كل من يرفض الظلم، وكل من يؤمن بالعدالة، وكل من يرى في الأطفال مستقبل البشرية الذي يجب حمايته.
٨. ماذا بعد العدوان؟ سيناريوهات المستقبل
العدوان على إيران لن يكون نهاية القصة. بل هو بداية فصل جديد. هناك عدة سيناريوهات للمستقبل:
السيناريو الأول: انتصار إيران العسكري. أن تتمكن إيران من صد العدوان، وتكبيد المعتدين خسائر فادحة، وإجبارهم على الانسحاب. هذا السيناريو هو الأفضل، وهو ممكن إذا استمر صمود إيران، وتكبدت أمريكا خسائر بشرية ومادية كبيرة، وضاق عليها الخناق دولياً.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة. أن يتحول العدوان إلى حرب استنزاف، تشبه حرب الثماني سنوات مع العراق. هذا السيناريو مكلف للطرفين، لكن إيران أثبتت في الماضي قدرتها على الصمود في حروب طويلة.
السيناريو الثالث: تدخل دولي لوقف الحرب. أن يتحرك المجتمع الدولي (الصين، روسيا، الأمم المتحدة) لفرض وقف إطلاق النار، وبدء مفاوضات. هذا السيناريو مرهون بمدى قدرة القوى الدولية على الضغط على أمريكا.
السيناريو الرابع: توسع رقعة الحرب. أن تتحول الحرب إلى صراع إقليمي واسع، يشارك فيه حلفاء إيران (حزب الله، الحوثيون، فصائل المقاومة في العراق وسوريا) بشكل أكبر، مما قد يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة.
السيناريو الخامس: انتصار أمريكي محدود. أن تحقق أمريكا بعض أهدافها العسكرية دون أن تتمكن من إسقاط النظام. هذا السيناريو هو الأسوأ، لأنه سيشجع أمريكا على تكرار العدوان في المستقبل.
مهما كان السيناريو، هناك أمر واحد مؤكد: إيران لن تكون كما كانت قبل العدوان. ستكون أقوى أو أضعف، لكنها لن تكون نفسها. والعالم لن يكون كما كان. التحالفات ستتغير، الموازين ستتبدل، والقواعد ستُعاد كتابتها.
٩. دروس للعالم من صمود إيران
صمود إيران في وجه هذا العدوان يقدم دروساً مهمة للعالم، وخاصة لشعوب الجنوب التي تبحث عن التحرر من الهيمنة:
الدرس الأول: الاستقلال ممكن. إيران تثبت أن الدولة يمكن أن تكون مستقلة، حتى في مواجهة أقوى إمبراطورية في التاريخ. الاستقلال ليس حلماً، بل هو خيار، وثمنه الصمود.
الدرس الثاني: التنمية الذاتية ممكنة. رغم عقود من العقوبات، حققت إيران تقدماً علمياً وتكنولوجياً مذهلاً. هذا يثبت أن الاعتماد على الذات هو الطريق الوحيد للتحرر الحقيقي.
الدرس الثالث: التحالفات الشعبية أقوى من التحالفات الرسمية. إيران لم تعتمد فقط على جيشها، بل على شبكة واسعة من حركات المقاومة الشعبية في المنطقة. هذه الشبكة أثبتت فعاليتها في موازنة القوة العسكرية الأمريكية.
الدرس الرابع: الصبر الاستراتيجي ينتصر. إيران لم تستعجل الرد، ولم تنفعل. صبرت، وحسبت، وخططت، وانتظرت اللحظة المناسبة. الصبر ليس ضعفاً، بل هو قوة.
الدرس الخامس: الإعلام البديل يصنع الفارق. إيران استطاعت، عبر قنواتها الإعلامية، أن تقدم روايتها للعالم، وأن تكسر احتكار الرواية الغربية. الإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو ساحة معركة.
الدرس السادس: الوحدة الوطنية هي خط الدفاع الأول. رغم الانقسامات الداخلية، وقف الإيرانيون صفاً واحداً في مواجهة العدوان. هذا يثبت أن الوحدة الوطنية هي أقوى سلاح في مواجهة الأعداء.
١٠. ماذا تفعل إيران الآن؟ استراتيجيات المرحلة القادمة
في المرحلة القادمة، أمام إيران عدة أولويات:
أولاً: استكمال الصمود العسكري. الاستمرار في صد العدوان، وتكبيد المعتدين خسائر، وإطالة أمد الحرب إذا لزم الأمر. الهدف هو إجبار أمريكا على الاعتراف بأنها لا تستطيع كسر إيران عسكرياً.
ثانياً: تعزيز الوحدة الوطنية. استثمار العدوان لتوحيد الصف الداخلي، وتجاوز الخلافات، وتقوية اللحمة الوطنية. العدو الخارجي يمكن أن يكون عامل توحيد إذا تم استثماره بذكاء.
ثالثاً: توسيع التحالفات الإقليمية والدولية. تعزيز العلاقات مع روسيا والصين، وتعميق التعاون مع دول الجوار الصديقة (العراق، سوريا، لبنان، اليمن)، وفتح قنوات مع دول أخرى في الجنوب العالمي.
رابعاً: توثيق جرائم الحرب. جمع الأدلة، وشهادات الضحايا، وتقارير الخبراء، لإعداد ملف قانوني متكامل لمقاضاة مجرمي الحرب في المحافل الدولية.
خامساً: إعادة الإعمار. البدء فوراً في إعادة بناء ما دمره العدوان، واستثمار التعويضات (عند الحصول عليها) في مشاريع تنموية كبرى.
سادساً: تطوير القدرات الدفاعية. الاستفادة من دروس الحرب لتطوير القدرات العسكرية، وتعزيز الردع، ومنع تكرار العدوان.
سابعاً: الحفاظ على الروح المعنوية. دعم الشعب، وتكريم الشهداء، ورعاية الجرحى، والحفاظ على الروح المعنوية العالية التي أظهرها الإيرانيون خلال العدوان.
١١. رسالة إلى الأطفال الإيرانيين: أنتم المستقبل
لكن الرسالة الأهم هي إلى الأطفال الإيرانيين، خاصة أولئك الذين نجوا من المجازر، والذين فقدوا أحباءهم، والذين يعيشون في خوف وحزن.
أيها الأطفال:
أنتم لستم مجرد ضحايا. أنتم أبطال. أنتم من ستبنون إيران الغد. أنتم من ستحملون راية الشهداء. أنتم من ستثبتون للعالم أن إيران لا تموت.
نحن نعلم أن ما حدث لكم فظيع. أنتم رأيتم ما لا ينبغي لأطفال أن يروه. فقدتم من تحبون. عشتم لحظات من الرعب لا توصف. لكن تذكروا دائماً: أنتم أقوى مما تتصورون. دماء الشهداء في عروقكم. إرث الحضارة الإيرانية في عقولكم. وحب الوطن في قلوبكم.
سيبكي العالم عليكم اليوم، لكنه سينتظر منكم الغد. غداً ستصبحون أطباء يعالجون الجرحى، ومهندسين يعيدون بناء ما دمر، وعلماء يطورون البلاد، وفنانين يعبرون عن الألم والجمال، وسياسيين يدافعون عن حقوق شعبكم.
لا تنسوا أبداً ما حدث. لا تنسوا أسماء الشهداء. لا تنسوا وجوه القتلة. لكن لا تدعوا الكراهية تملك قلوبكم. استخدموا الألم وقوداً للبناء، لا للهدم. استخدموا الذكرى دافعاً للتميز، لا للانتقام.
أنتم المستقبل. والمستقبل يبدأ اليوم.
١٢. رسالة إلى الشباب الإيراني: أنتم صانعو الغد
وإلى الشباب الإيراني، الذين هم في خضم الحياة، يدرسون ويعملون ويحبون ويحلمون، نقول:
أنتم جيل الصمود. جيل رأى بلاده تحت الحصار والعقوبات والتهديدات والعدوان، ومع ذلك صمد. جيل تعلم أن الاستقلال له ثمن، وأن الكرامة لا تعطى مجاناً.
أنتم مدعوون اليوم إلى مهمة تاريخية: بناء إيران الغد. إيران التي تخرج من هذه المحنة أقوى مما دخلتها. إيران التي تحول التحديات إلى فرص. إيران التي تثبت للعالم أن النموذج المستقل ممكن.
هذه المهمة تتطلب منكم:
العلم والمعرفة: استثمار كل لحظة في التعلم والتطور. إيران بحاجة إلى علمائها ومهندسيها وأطبائها ومفكريها.
الوحدة: تجاوز الخلافات، والتكاتف خلف الوطن. العدو يريدكم متفرقين، فكونوا يداً واحدة.
الوعي: فهم طبيعة الصراع، وأبعاده المحلية والإقليمية والدولية. لا تنخدعوا بالشعارات البراقة. ابحثوا عن الحقيقة بأنفسكم.
المشاركة: لا تكتفوا بالمشاهدة. شاركوا في بناء البلاد، في السياسة، في الاقتصاد، في الثقافة، في كل مجال.
الأمل: لا تفقدوا الأمل أبداً. إيران ستنتصر، لأن الحق معها. والتاريخ يقف إلى جانب المستضعفين.
أنتم جيل الفجر. جيل سيشهد شروق شمس جديدة على إيران والعالم. فكونوا على قدر المسؤولية.
١٣. رسالة إلى العالم الإسلامي: وحدة المصير
وإلى العالم الإسلامي المقاوم وليس التكفيري المتامر، من المحيط إلى الخليج، نقول:
ما يحدث في إيران اليوم ليس شأناً إيرانياً داخلياً. هو عدوان على الأمة الإسلامية كلها. إيران تستهدف لأنها مسلمة مقاومة ، ولأنها رافضة للهيمنة، ولأنها داعمة للمقاومة في فلسطين ولبنان.
إذا سقطت إيران اليوم، فغداً سيسقط غيرها. غداً ستكون فلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق، واليمن. غداً ستكون كل دولة ترفض الخضوع للإملاءات الأمريكية.
الوحدة العربية والعالمثالثية ليست شعاراً عاطفياً، بل هي ضرورة استراتيجية. لا يمكن لأمة عربية عالمثالثية أن تواجه الإمبراطورية وحدها. لكن الأمة مجتمعة ، وثرواتها الهائلة، وموقعها الاستراتيجي، يمكنها أن تغير موازين القوى.
ما نطلبه من العالم الإسلامي ليس مجرد بيانات تأييد. بل:
قطع العلاقات مع الدول المعتدية. طرد السفراء، إغلاق السفارات، مقاطعة المنتجات.
فتح الحدود والمجالات الجوية. تقديم المساعدات الإنسانية، السماح بمرور الإمدادات.
الدعم الاقتصادي. كسر الحصار، تقديم قروض ومنح، الاستثمار في إيران.
الدعم السياسي. الضغط في المحافل الدولية، التصويت لصالح إيران، فضح جرائم المعتدين.
الدعم الإعلامي. كشف الرواية الإيرانية، مواجهة الدعاية الغربية، توثيق الجرائم.
الدعم الشعبي. مظاهرات، حملات مقاطعة، تضامن رمزي ومعنوي.
ما يحدث في إيران هو اختبار للأمة العربية والعالمثالثية . فلتثبت الأمة أنها لا تزال حية، وأنها قادرة على الدفاع عن نفسها، وأنها لن تتخلى عن أبنائها.
١٤. رسالة إلى الجنوب العالمي: معاً نحو التحرر
وإلى دول وشعوب الجنوب العالمي (آسيا، إفريقيا، أمريكا اللاتينية)، نقول:
ما يحدث في إيران هو جزء من صراع أوسع بين الشمال والجنوب، بين المركز والأطراف، بين الهيمنة والاستقلال. إيران تقاتل اليوم نيابة عن كل من يرفض أن يكون تابعاً.
الجنوب العالمي نهب لقرون. استعمر، واستغل، وأذل. شعوبه عانت ولا تزال تعاني. ثرواته نهبت. ثقافاته هُدمت. هويته شوهت.
لكن الجنوب بدأ ينهض. الصين تقدم نموذجاً تنموياً بديلاً. الهند تصبح قوة اقتصادية كبرى. البرازيل تعود إلى السياسة الخارجية المستقلة. جنوب إفريقيا ترفع قضايا عادلة في المحافل الدولية.
هذا الصعود يحتاج إلى تضامن. إيران اليوم بحاجة إلى دعم الجنوب. وفي المقابل، إيران ستكون دائماً في صف قضايا الجنوب العادلة: فلسطين، الصحراء الغربية، الشعوب الأصلية في أمريكا اللاتينية.
ما نطلبه من الجنوب العالمي:
التصويت لصالح إيران في المحافل الدولية. استخدام ثقلكم العددي لموازنة النفوذ الغربي.
كسر الحصار الاقتصادي. التعامل التجاري مع إيران، فتح أسواقكم، تقديم تسهيلات مصرفية.
نقل التكنولوجيا. مشاركة الخبرات، التعاون العلمي، المشاريع المشتركة.
الدعم السياسي. إدانة العدوان، الاعتراف بحق إيران في الدفاع عن نفسها، دعم مطالبها بالتعويضات.
بناء تحالفات جديدة. "بريكس"، منظمة شانغهاي، حركة عدم الانحياز. هذه المؤسسات يجب أن تتحول إلى أدوات حقيقية للتحرر الجماعي.
معاً، يمكننا بناء عالم جديد. عالم لا يهيمن فيه الشمال على الجنوب. عالم تحترم فيه سيادة الدول. عالم توزع فيه الثروات بشكل عادل. عالم يعيش فيه الجميع بكرامة.
١٥. رسالة إلى أوروبا: تذكروا مبادئكم
وإلى أوروبا، القارة العجوز التي كانت منارة للقيم والحقوق، والتي تخون اليوم مبادئها بصمتها المخزي، نقول:
تذكروا من أنتم. تذكروا تاريخكم. تذكروا مآسيكم.
أنتم من نهضتم من رماد الحرب العالمية الثانية لتبنوا مشروعاً سلامياً فريداً. أنتم من قلتم "لن يتكرر أبداً". أنتم من أسستم محكمة حقوق الإنسان. أنتم من رفعتم راية حماية المدنيين في النزاعات.
أين أنتم اليوم؟ أين صوتكم؟ أين مبادئكم؟ أين ضميركم؟
نحن نعلم أنكم تحت ضغوط أمريكية. نعلم أنكم خائفون من فقدان حليفكم الاستراتيجي. نعلم أن لديكم مصالح اقتصادية مع إسرائيل ودول الخليج.
لكن المبادئ لا تباع ولا تشترى. حقوق الإنسان لا تخضع للمساومة. دماء الأطفال لا تساوي شيئاً في ميزان المصالح.
تذكروا أن الصمت على الظلم هو مشاركة فيه. أن عدم إدانة الجريمة هو تشجيع لمرتكبيها. أن التخلي عن المبادئ من أجل المصالح هو انتحار أخلاقي.
أوروبا التي تصمت اليوم على قتل الأطفال الإيرانيين، ستدفع الثمن غداً. ستفقد مصداقيتها. ستفقد شرعيتها. ستفقد احترام شعوب العالم.
وغداً، عندما يأتي العدوان إلى أبوابكم، ولن يأتي متى كانت هناك إرادة جماعية لمواجهته.
في النهاية، تبقى الكلمة الأخيرة لأطفال ميناب. أولئك الذين سقطوا وهم يحلمون، والذين قتلوا وهم يضحكون، والذين دفنوا تحت الأنقاض وهم يمسكون بدفاترهم المدرسية.
هؤلاء الأطفال يقولون لنا من تحت الأنقاض:
"لا تنسونا. لا تتركوا قضيتنا. لا تيأسوا من تحقيق العدالة. نحن الآن في عالم آخر، عالم لا ظلم فيه ولا حرب. لكننا ننتظر منكم أن تصنعوا هذا العالم على الأرض. أن تجعلوا من ذكرانا وقوداً للتغيير. أن تحولوا آلامنا إلى أمل. أن تجعلوا من موتنا حياة."
هذه هي الوصية. وهذه هي المسؤولية. وهذه هي الأمانة.
فهل نحن حاملوها؟
……..
ملحق
التحليل النفسي والجيوسياسي لظاهرة ترامب - إبستين
أو: في سيكوباتية السلطة واغتصاب الطفولة وإبادة الأمل
١. مدخل: عندما يلتقي الجنسي بالسياسي
في تاريخ البشرية، نادراً ما كان الشر السياسي منفصلاً عن الانحراف النفسي والجنسي. نادراً ما كانت الإبادة الجماعية تحدث دون أن تسبقها أو تصاحبها وحشية فردية تتجلى في اغتصاب الأطفال وتعذيب الضعفاء. نيرون أضرم النار في روما وهو يعزف على القيثارة. كاليغولا اغتصب أخواته وأعلن نفسه إلهاً. هتلر كان لديه ميول سادية واضحة، ومات ايفا براون في مخبئه بعد ليلة زفافها.
ترامب وإبستين ليسا شاذين عن هذه القاعدة، بل هما تجسيد معاصر لها. هما نموذجان لالتقاء المرض النفسي بالسلطة السياسية، والانحراف الجنسي بالتحكم المالي، واغتصاب الأطفال باغتصاب الشعوب. في هذا الملحق النفسي الجيوسياسي، سنحاول تفكيك هذه الظاهرة من جذورها: من علاقة ترامب بإبستين، إلى شبكة إبستين العالمية، إلى علاقة هذه الشبكة بالمؤسسات المالية الكبرى (كعائلة روتشيلد)، إلى دور هذه المؤسسات في تمويل الفاشية والنازية عبر التاريخ، وأخيراً إلى العلاقة العضوية بين هذه الظواهر النفسية الفردية والإبادة الجماعية الجماعية: إبادة أربعين ألف طفل فلسطيني في غزة، ومئة وستين طفلة في مدرسة ميناب الإيرانية.
هذا التحليل ليس مجرد فضح لجرائم الماضي، بل هو محاولة لفهم الحاضر، واستشراف المستقبل. لأن من لا يفهم سيكوباتية السلطة، لن يفهم لماذا تقصف المدارس، ولماذا يموت الأطفال، ولماذا يبقى المجرمون طلقاء.
٢. ترامب وإبستين: سيرة صداقة مريبة
لنبدأ من البداية. كيف تعرف دونالد ترامب على جيفري إبستين، وماذا كانت طبيعة علاقتهما؟
البدايات في بالم بيتش: في أواخر الثمانينيات، التقى الرجلان في بالم بيتش بولاية فلوريدا. كلاهما كان من سكان المنطقة الأثرياء، وكلاهما كان يتردد على نفس الحفلات والمناسبات الاجتماعية. منزل إبستين كان على بعد دقائق فقط من منتجع مارالاغو الشهير المملوك لترامب .
الصداقة الوثيقة: بحلول التسعينيات، كانت الصداقة بين الرجلين قد تعمقت. صور عديدة تجمعهما في حفلات ومناسبات. إبستين حضر زفاف ترامب على مارلا مابلز. ترامب وصف إبستين في مقابلة عام 2002 مع مجلة نيويورك بأنه "رجل رائع"، وأضاف عبارة أصبحت تاريخية: "يُقال إنه يحب النساء الجميلات مثلي، والكثير منهن في سن أصغر" .
طائرة "لوليتا إكسبرس": سجلات رحلات الطيران الخاصة بإبستين تظهر أن ترامب سافر على متن طائرته الشهيرة (الملقبة إعلامياً بـ"لوليتا إكسبرس") عدة مرات في التسعينيات . إبستين نفسه كان يتباهى أمام معارفه بأن ترامب نام مع ميلانيا لأول مرة على متن طائرته الخاصة.
دفاتر العناوين: اسم ترامب ورد في دفاتر العناوين الخاصة بإبستين، مما يشير إلى أن العلاقة لم تكن عابرة.
ماذا كانا يفعلان معاً؟ لم تكن الصداقة مجرد صداقة اجتماعية عابرة. كان الرجلان يتبادلان الزيارات، ويحضران حفلات بعضهما البعض، ويتشاركان الاهتمام نفسه: النساء الشابات، بل القاصرات. تقارير عديدة أشارت إلى أن إبستين كان يتردد بانتظام على مارالاغو، وأنه كان يُرى مع فتيات صغيرات في المنتجع.
٣. تحول ترامب: من "رجل رائع" إلى "دجل ديمقراطي"
ما يثير الاهتمام حقاً هو كيف تغيرت رواية ترامب عن إبستين مع مرور الوقت. هذا التغيير يكشف كثيراً عن شخصية ترامب وعن محاولته المستميتة لإبعاد نفسه عن صديق القديم.
2002 (قبل اكتشاف فضيحة إبستين): "عرفتُ جيف منذ خمسة عشر عاماً. رجل رائع. من الممتع قضاء الوقت معه. يُقال إنه يحب النساء الجميلات مثلي، والكثير منهن في سن أصغر."
2019 (بعد اعتقال إبستين): "لم أكن معجباً به كثيراً. لم أتحدث معه منذ خمسة عشر عاماً. طردته من نادي مارالاغو."
2020 (بعد اعتقال غيلين ماكسويل): عندما سُئل عن غيلين ماكسويل، شريكة إبستين، قال ترامب: "أتمنى لها الخير، بصراحة."
2023-2025: بدأ ترامب يصف قصة إبستين بأنها "دجل ديمقراطي" و"مؤامرة من هيلاري وكومي وشيف".
2025: على متن الطائرة الرئاسية، قال ترامب: "لم أذهب أبداً إلى جزيرته... لقد سرق أشخاصاً كانوا يعملون لديّ - فتيات السبا. قلت له: لا تفعل هذا مرة أخرى... طردته - أصبح شخصاً غير مرغوب فيه."
التحليل النفسي لهذا التحول:
· الإنكار التدريجي: ترامب لا ينكر علاقته بإبستين دفعة واحدة، بل يغير روايته تدريجياً، مضيفاً تفاصيل جديدة مع كل مرة.
· تحويل الاتهام: بدلاً من مواجهة الحقيقة، يحولها ترامب إلى مؤامرة سياسية ضده. هذا نمط سلوكي متكرر في شخصيته.
· تبرير الصداقة السابقة: ترامب يحاول تبرير سبب صداقته لإبستين بأنه "لم يكن يعرف"، أو أن "كل أحد في بالم بيتش كان يعرفه".
· الانفصال عن المسؤولية: ترامب يتصرف وكأن علاقته بإبستين كانت عابرة، رغم الأدلة على أنها كانت وثيقة واستمرت لسنوات.
من منظور التحليل النفسي، هذا السلوك يتوافق مع اضطراب الشخصية النرجسية: إنكار الواقع، تحويل المسؤولية، إعادة كتابة التاريخ، وتصوير الذات كضحية.
٤. إبستين: من هو حقاً؟
جيفري إبستين لم يكن مجرد مليونير عادي. كان شخصية معقدة، ذات أبعاد متعددة:
الخلفية: وُلد إبستين في بروكلين لعائلة من الطبقة المتوسطة. لم يكمل تعليمه الجامعي، لكنه استطاع أن يبني ثروة هائلة من خلال علاقاته وعمله في مجال التمويل.
العلاقة مع ليزلي ويكسنر: بدأت ثروة إبستين الحقيقية عندما عمل مع الملياردير ليزلي ويكسنر، مالك علامة "فيكتوريا سيكريت". ويكسنر وثق بإبستين لدرجة أنه أعطاه توكيلاً عاماً لإدارة شؤونه المالية. هذا الموقع فتح أمام إبستين أبواب النخبة المالية والسياسية في أمريكا.
شبكة العلاقات: إبستين بنى شبكة علاقات هائلة امتدت من السياسيين (بيل كلينتون، دونالد ترامب) إلى الملوك (الأمير أندرو) إلى العلماء (ستيفن هوكينغ) إلى رجال الأعمال (ليون بلاك، جلين دوبين). هذه الشبكة لم تكن مجرد علاقات اجتماعية، بل كانت أداة لحماية نفسه وتوسيع نفوذه.
جزيرة الشيطان: اشترى إبستين جزيرة "ليتل سانت جيمس" في جزر العذراء الأمريكية، وحولها إلى ما يشبه القلعة المحصنة. الجزيرة كانت مسرحاً لجرائمه: استقدام فتيات قاصرات من جميع أنحاء العالم، اغتصابهن، وتصويرهن، وربما مشاركتهن مع ضيوفه من النخبة.
الانتحار الغامض: في أغسطس 2019، وُجد إبستين ميتاً في زنزانته في سجن متروبوليتان كوريكشنال سنتر في نيويورك. الرواية الرسمية تقول إنه انتحر، لكن الظروف الغامضة لوفاته (تعطل كاميرات المراقبة، نقص الحراسة، إزالة رفيق زنزانته قبيل الحادثة) أثارت الكثير من نظريات المؤامرة التي تشير إلى أنه صفي حساباً لئلا يتكلم.
٥. لماذا القاصرات؟ التحليل النفسي لسيكوباتية إبستين
السؤال الأعمق: لماذا كان إبستين (وترامب بدرجة أقل) مهووسين بالفتيات القاصرات تحديداً؟ ما الدافع النفسي وراء هذا الانحراف؟
التحليل الأول: السيطرة المطلقة. القاصرات أسهل في السيطرة من النساء البالغات. هن أكثر خوفاً، أقل خبرة، أسهل في الترهيب والابتزاز. بالنسبة لشخص مثل إبستين، الذي كان يعاني من عقدة نقص رغم ثروته، كانت السيطرة على فتاة صغيرة تمنحه شعوراً بالقوة المطلقة التي كان يفتقدها في علاقاته مع نظرائه من الرجال الأقوياء.
التحليل الثاني: إعادة إنتاج الصدمة. دراسات نفسية تشير إلى أن الكثير من المعتدين جنسياً كانوا هم أنفسهم ضحايا اعتداء في الطفولة. إبستين ربما كان يعيد إنتاج الصدمة التي تعرض لها، محولاً نفسه من ضحية إلى جَلاد. هذه الآلية النفسية تفسر لماذا يصر المعتدون على أن ضحاياهم في نفس السن التي كانوا عليها عندما اعتدوا عليهم.
التحليل الثالث: التمرّد على الموت. الطفولة ترمز إلى الحياة والخصوبة والبدايات الجديدة. اغتصاب طفلة هو، في التحليل النفسي العميق، محاولة لاغتصاب الحياة نفسها، وسرقة حيويتها لتعويض الموت النفسي الذي يعيشه المعتدي. إنها طقوسية شيطانية بالمعنى النفسي، وليس فقط الجسدي.
التحليل الرابع: ثقافة النخبة المنحرفة. في أوساط النخبة العالمية، هناك ثقافة سرية تعتبر القاصرات "سلعة فاخرة". الأمير أندرو، مثلاً، كان صديقاً مقرباً لإبستين واتُهم بالاعتداء على قاصرة. هذه الثقافة تجعل من اغتصاب الأطفال ليس مجرد جريمة فردية، بل طقساً للانتماء إلى نادٍ سري للأقوياء.
التحليل الخامس: الابتزاز كأداة سلطة. إبستين لم يكن فقط يعتدي على الفتيات، بل كان يصوّرهن. هذه الصور والفيديوهات كانت أداة ابتزاز ضد ضيوفه من النخبة. جعلهم متواطئين في الجريمة يعني ضمان صمتهم وولائهم. لقد بنى إبستين إمبراطورية من النفوذ على عظام الأطفال.
٦. فرضية أكل اللحم: بين الحقيقة والأسطورة
من أكثر الفرضيات إثارة للجدل هي تلك التي تتحدث عن أن إبستين وشبكته كانوا يمارسون طقوساً دموية تشمل أكل لحوم الأطفال. هذه الفرضية تحتاج إلى معالجة دقيقة:
مصادر الفرضية: انتشرت هذه الفرضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد ظهور صور لمبنى أزرق مخطط على جزيرة إبستين، زُعم أنه "معبد" مخصص للإله الكنعاني القديم "مولوخ" الذي كانت تقدم له قرابين بشرية (أطفال) في العصور القديمة .
التأويل الرمزي: حتى لو لم تكن الفرضية حقيقية حرفياً، فإنها تحمل دلالة رمزية عميقة. "أكل الأطفال" هو تعبير مجازي عن الاستغلال الأقصى، عن التضحية بالضعفاء من أجل قوة الأقوياء. في هذا المعنى، فإن كل من يستغل الفقراء، ويدمر مستقبل الأجيال القادمة، ويقتل الأطفال في الحروب، هو "آكل لحوم بشر" بالمعنى الرمزي.
الاستنتاج: يجب التعامل مع هذه الفرضية بحذر. من جهة، لا يمكن تبنيها كحقيقة مثبتة، لأن الأدلة المادية غائبة. من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل دلالتها الرمزية، خاصة في سياق الحديث عن استغلال الأطفال جنسياً وقتلهم في الحروب.
٧. إبستين وعائلة روتشيلد: من هم حقاً؟
الآن ننتقل إلى البعد الأكثر تعقيداً: علاقة إبستين بالمؤسسات المالية الكبرى، وتحديداً عائلة روتشيلد. ملفات إبستين التي نُشرت حديثاً (2026) كشفت عن تبادل إلكتروني مثير للاهتمام بين إبستين والمصرفية ماريان دي روتشيلد .
محتوى التبادل الإلكتروني: في 31 ديسمبر 2018، تبادل إبستين ودي روتشيلد رسائل حول نظرية مفادها أن أدولف هتلر عاش في شبابه في ملجأ للمشردين موّلته ثلاث عائلات يهودية ثرية: غوتمان، إبستين، وروتشيلد .
إصرار إبستين: إبستين أصر على أن المعلومة "صحيحة 100%" .
العلاقات المالية: الأهم من هذه المراسلة هو أن الوثائق أظهرت وجود تعاملات مالية بين إبستين ومجموعة روتشيلد. في أكتوبر 2015، دخل إبستين عبر شركته "ساوثرن تراست كومباني" في اتفاقية مع مجموعة روتشيلد بقيمة 25 مليون دولار، لتقديم خدمات تحليل المخاطر والخوارزميات .
٨. عائلة روتشيلد: تاريخ من التمويل والنظريات
عائلة روتشيلد هي واحدة من أشهر العائلات المصرفية في التاريخ. بدأ صعودها في أواخر القرن الثامن عشر على يد ماير أمشيل روتشيلد في فرانكفورت، ثم توسعت فروع العائلة إلى لندن وباريس وفيينا ونابولي.
الدور التاريخي: لعبت العائلة دوراً حاسماً في تمويل الحروب الأوروبية، بما في ذلك الحروب النابليونية. كان ناثان روتشيلد في لندن ممولاً رئيسياً للحكومة البريطانية في حربها ضد نابليون.
نظريات المؤامرة: بسبب ثرائها الهائل ونفوذها العابر للحدود، أصبحت عائلة روتشيلد محوراً للعديد من نظريات المؤامرة، خاصة تلك التي تتحدث عن "مؤامرة يهودية عالمية" للسيطرة على العالم. أشهر هذه النظريات هي "بروتوكولات حكماء صهيون" المزورة، والتي تزعم وجود مخطط يهودي للهيمنة على العالم .
التمويل والصراعات: لا يمكن إنكار أن العائلات المالية الكبرى (سواء روتشيلد أو غيرها) لعبت أدواراً في تمويل أطراف مختلفة في الصراعات العالمية. هذا ليس بالضرورة بسبب "مؤامرة"، بل بسبب طبيعة الرأسمالية التي تمول كل الأطراف طالما أن العائدات مضمونة.
العلاقة بإبستين: يبقى السؤال: لماذا كان لإبستين علاقات مالية مع روتشيلد؟ الإجابة الأبسط هي أن إبستين كان مصرفياً استثمارياً، والتعامل مع أكبر البيوت المالية في العالم هو جزء من عمله. لكن العلاقة قد تكون أعمق: روتشيلد، مثلهم مثل غيرهم من الأثرياء، كانوا جزءاً من شبكة النخبة التي تحركها إبستين.
٩. من روتشيلد إلى هتلر: تمويل الفاشية عبر التاريخ
واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل هي علاقة رأس المال الكبير (بما في ذلك عائلات مصرفية يهودية) بصعود الفاشية والنازية. هذه القضية تحتاج إلى معالجة موضوعية:
تمويل هتلر: من الثابت تاريخياً أن الحزب النازي تلقى تمويلاً من كبار الصناعيين الألمان في أوائل الثلاثينيات. أسماء مثل ألفريد كروب، فريتز تيسن، وإميل كيردورف معروفة في هذا السياق. بعض المصادر تشير إلى تمويل من بيوت مصرفية ألمانية..
الجدل حول التبادل الإلكتروني: التبادل الإلكتروني بين إبستين ودي روتشيلد حول ملجأ هتلر لا يثبت ولا ينفي شيئاً بخصوص تمويل النازية. هو مجرد نقاش حول معلومة تاريخية .
العلاقة المعقدة: الحقيقة هي أن العلاقة بين رأس المال اليهودي والفاشية كانت معقدة. من جهة، كانت النازية معادية للسامية بشراسة. من جهة أخرى، كانت بعض العائلات المالية اليهودية تعمل في ألمانيا وتحاول التكيف مع النظام الجديد، بينما هاجر معظمها.
١٠. من النازية إلى النازية الجديدة: استمرارية التمويل
ما يهمنا أكثر هو استمرارية آليات التمويل. النازية الجديدة في القرن الحادي والعشرين، بأشكالها المختلفة (اليمين المتطرف في أوروبا، الميليشيات في أمريكا، الجماعات الإرهابية في العالم الإسلامي كالإخوان المسلمين المدعومين من محمية قطر الإرهابية )، كلها تحتاج إلى تمويل. ومن أين يأتي هذا التمويل؟
مصادر التمويل التقليدية: تمويل الجماعات المتطرفة يأتي عادة من:
· تبرعات الأفراد الأثرياء.
· أنشطة غير مشروعة (مخدرات، أسلحة، اتجار بالبشر).
· دعم حكومات (مثل دعم بعض الدول الخليجية لجماعات متطرفة في الماضي).
· منظمات غير حكومية تتلقى تمويلاً غربياً.
التمويل عبر المؤسسات المالية الكبرى: السؤال الأصعب: هل تمول المؤسسات المالية الكبرى (مثل روتشيلد) هذه الجماعات؟ لا توجد أدلة مباشرة على ذلك. لكن هناك أدلة غير مباشرة: الأموال تتدفق عبر النظام المالي العالمي لا سيما من احتكارات روتشيلد ، ولا يصعب تتبع مصدرها النهائي.
قضية ليلاند ليهرمان: مثال حديث: ليلاند ليهرمان، الذي عُين مديراً تنفيذياً لمعهد "MAHA" المرتبط بوزير الصحة روبرت كينيدي الابن، تبين أنه كان يروج لنظريات مؤامرة معادية للسامية، بما في ذلك "بروتوكولات حكماء صهيون" . هذا المثال يظهر كيف يمكن لأفراد يتبنون أفكاراً متطرفة أن يصلوا إلى مواقع نفوذ في الإدارة الأمريكية، بدعم من تيارات سياسية ومالية.
١١. أوكرانيا: تمويل النازية الجديدة في كييف
من أكثر الحالات وضوحاً لتمويل النازية الجديدة هي أوكرانيا. منذ منح موسكو استقلالها المشروط بالحياد وعدم الانضمام للحلف الاستعماري الناتو ، شهدت أوكرانيا صعود جماعات قومية متطرفة تعيد إحياء رموز نازية:
أزوف وقطاع اليمين: كتيبة "أزوف" وقوات "قطاع اليمين" استخدمت رموزاً نازية (كالشمس السوداء، وولفسانغل)، وتبنى أعضاؤها أفكاراً معادية للسامية وروسيا. هذه الجماعات تلقت تمويلاً من:
· أوليغارش أوكرانيين.
· الشتات الأوكراني في أمريكا وكندا.
· بعض المؤسسات الغربية التي رأت فيها "مدافعين عن الديمقراطية" ضد روسيا.
الدور الغربي: الولايات المتحدة وبريطانيا قدمتا دعماً عسكرياً وتدريباً للجيش الأوكراني، الذي اندمجت فيه هذه الجماعات. هذا لا يعني أن الغرب يدعم النازية الجديدة بشكل مباشر، لكنه يعني أن المصالح الجيوسياسية (إضعاف روسيا) تغلب على الاعتبارات الأخلاقية.
الدرس: النازية الجديدة في أوكرانيا تذكير بأن الغرب مستعد للتعامل مع أي قوة، مهما كانت متطرفة، طالما أنها تخدم مصالحه الاستراتيجية.
١٢. إسرائيل والصهيونية: علاقة معقدة
العلاقة بين إسرائيل والصهيونية من جهة، والفاشية الجديدة من جهة أخرى، معقدة ومتناقضة:
الصهيونية كحركة عنصرية إقصائية استيطانية احلالية : في أصلها، كانت الصهيونية حركة فاشية لعصابات مرتبطة بتمويل الاحتكارات المالية كروتشيلد من أجل احتلال الوطن العربي عبر تقسيمه إلى شرق و غرب وافقاره وإضعاف مصر
.
التقارب مع اليمين المتطرف: مع مرور الوقت، حدث تقارب بين بعض تيارات الصهيونية واليمين المتطرف في الغرب. هذا التقارب يقوم على:
· العداء المشترك للإسلام المقاوم الإيراني اليمني واليسار.
· المصالح الاستراتيجية: إسرائيل بحاجة إلى دعم غربي، واليمين المتطرف بحاجة إلى شرعية.
اليمين المتطرف في إسرائيل: داخل إسرائيل نفسها، هناك تيارات يمينية متطرفة (مثل إيتمار بن غفير، بتسلئيل سموتريتش) تتبنى خطاباً عنصرياً ضد الفلسطينيين، وتتحدث عن "تفوق يهودي"، وتدعو إلى ضم الضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين. هذه التيارات تجد صدى لدى اليمين المتطرف في الغرب.
التناقض الظاهري: التناقض الظاهري (يمين متطرف غربي معاد للسامية يتعاون مع إسرائيل) يحله تحليل المصالح: الكراهية المشتركة للإسلام واليسار تخلق تحالفاً غريباً بين من كانوا أعداء أمس.
١٣. الوهابية والإخوانجية التكفيرية: تمويل وتوجيه
الآن ننتقل إلى العالم الإسلامي. الحديث عن "النازية الجديدة" لا يقتصر على الغرب، بل يشمل الجماعات التكفيرية التي تتبنى خطاباً إقصائياً عنيفاً، وتقتل المسلمين قبل غيرهم.
الوهابية: الحركة الوهابية، التي نشأت في الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر، تبنت تفسيراً متشدداً للإسلام، وكفّرت مخالفيها، واستخدمت العنف لنشر دعوتها. هذا الفكر وجد دعماً مالياً من الدولة السعودية الأولى والثانية، ثم من المملكة العربية السعودية لاحقاً.
الإخوانجية (الإخوان المسلمون): جماعة الإخوان المسلمين، التي نشأت في مصر عام 1928، تبنت مشروعاً سياسياً إسلامياً تكفيريا فاشيا ، لكن بعض فروعها (خاصة في سوريا و الحزائر وليبيا ) تطورت نحو التشدد والعنف الفاشي .
التمويل الخليجي: من الثابت تاريخياً أن دولاً خليجية، خاصة السعودية وقطر، مولت جماعات إسلامية في جميع أنحاء العالم الإسلامي. هذا التمويل كان جزءاً من صراعها مع النفوذ الإيراني، ومن رغبتها في تصدير نموذجها الإسلامي التكفيري الداعشي الإخوانجي الفاشي .
العلاقة مع الغرب: المفارقة أن هذه الجماعات، التي كانت معادية للغرب نظرياً، تلقت أحياناً دعماً غربياً غير مباشر. في أفغانستان، مولت أمريكا المجاهدين الأفغان (ومنهم من تطور لاحقاً إلى القاعدة). في سوريا، دعمت أمريكا وحلفاؤها جماعات إسلامية إرهابية من الاخوان المسلمين والقاعدة وداعش والنصرة وهيئة تحرير الشام التكفيرية لمواجهة النظام السوري العلماني نسبيا .
التكفيريون والنازية الجديدة: التشابه بين الجماعات التكفيرية والنازية الجديدة ليس تشابهاً أيديولوجياً، بل تشابهاً في الأساليب: خطاب الكراهية، الإقصاء، تكفير الآخر، استخدام العنف الوحشي، واستهداف المدنيين. كلاهما نتاج لأزمات هوية عميقة، ولكراهية وجودية للآخر المختلف.
١٤. غزة: أربعون ألف طفل بين الإبادة والصمت
الآن نأتي إلى الصلة الأكثر إيلاماً بين كل هذه الظواهر: إبادة الأطفال في غزة. وفقاً لتقارير اليونيسف، حتى فبراير 2026، قُتل 21,289 طفلاً فلسطينياً في غزة منذ أكتوبر 2023 . هذا الرقم لا يشمل آلاف المفقودين تحت الأنقاض، ولا آلاف الأطفال الذين ماتوا بسبب الجوع والبرد ونقص الرعاية الصحية.
الأطفال كأهداف: ما يحدث في غزة ليس "أضراراً جانبية" لحرب على حماس. استهداف الأطفال منهجي ومتعمد. قصف المدارس، المستشفيات، المنازل، كلها أماكن يتواجد فيها المدنيون، وخاصة الأطفال.
التجويع كسلاح حرب: منع إدخال الغذاء والماء والدواء والوقود إلى غزة هو جريمة حرب مكتملة الأركان. الأطفال يموتون من الجوع والبرد . هذا ليس "حصاراً"، بل هو عقاب جماعي متعمد.
الصمت العالمي: كما في قضية إيران، العالم يصمت. الحكومات العربية تصدر بيانات وتنام. الحكومات الغربية تدعم إسرائيل وتسلحها. الأمم المتحدة عاجزة. المجتمع الدولي متفرج.
العلاقة مع إبستين: ما العلاقة بين اغتصاب الأطفال في جزيرة إبستين وقتل الأطفال في غزة؟ العلاقة هي: ازدراء الحياة، وتحويل الأطفال إلى أدوات، وفقدان الإنسانية. في الحالتين، هناك نخبة روتشيلدية ومن مليارديرات امريكان تعتبر نفسها فوق القانون، ولديها القدرة على تبرير أبشع الجرائم باسم "الحرية" و"الديمقراطية" و"حق الدفاع عن النفس".
١٥. ميناب: مئة وستون طفلة في ذاكرة التاريخ
وفي إيران، وبالتحديد في 28 فبراير 2026، تكررت المأساة. مدرسة "الشجرة الطيبة" للبنات في ميناب قُصفت مرتين متتاليتين، مما أسفر عن مقتل 165 شخصاً، معظمهن طفلات بين 7 و12 سنة .
الاستهداف المزدوج: التقارير تشير إلى أن المدرسة تعرضت لـ"قصف ثان" بعد القصف الأول بوقت قصير. القصف الثاني استهدف عمداً عمال الإنقاذ وأهالي الطالبات الذين تجمعوا لإنقاذ الأطفال . هذه جريمة حرب مزدوجة: قصف المدرسة أولاً، ثم قصف المنقذين ثانياً.
المدرسة المستهدفة: المدرسة كانت منفصلة تماماً عن أي منشأة عسكرية. جدرانها كانت مزينة برسوم ملونة للأطفال . لم يكن هناك أي مبرر عسكري لاستهدافها.
تبريرات القتلة: كما في غزة، التبريرات متناقضة: "خطأ في تحديد الهدف"، "المدرسة كانت قرب قاعدة عسكرية"، "حماس تستخدم المدارس". لكن التحقيقات المستقلة كشفت أن المدرسة كانت معروفة للمهاجمين، وأنها كانت مدرسة مدنية بحتة.
١٦. التحليل النفسي للإبادة: من الفرد إلى الجماعة
هنا نصل إلى لب التحليل النفسي: كيف ينتقل الانحراف الفردي (كاغتصاب الأطفال) إلى الانحراف الجماعي (كقتل الأطفال في الحروب)؟
التطبيع: الخطوة الأولى هي التطبيع. عندما يتكرر السلوك المنحرف دون عقاب، يصبح "طبيعياً". عندما يُقتل الأطفال في فلسطين وإيران دون أن يتحرك العالم، يصبح قتلهم مقبولاً.
إزالة الإنسانية: الخطوة الثانية هي إزالة إنسانية الضحية. الفلسطينيون "إرهابيون" أو "حيوانات بشرية". الإيرانيون "متخلفون" أو "إرهابيون". الأطفال الذين يرتدون الحجاب "يستحقون الموت". هذه اللغة تجرد الضحايا من إنسانيتهم، وتجعل قتلهم أسهل.
الانقسام: الخطوة الثالثة هي الانقسام النفسي: الفصل بين الذات "الطيبة" والأفعال "الشريرة". القائد الذي يأمر بقصف مدرسة يعتبر نفسه "مدافعاً عن الديمقراطية". الجندي الذي يضغط على الزر يعتبر نفسه "ينفذ الأوامر". هذا الانقسام يسمح للإنسان بارتكاب الفظائع دون أن يشعر بأنه وحش.
التبرير الأيديولوجي: الخطوة الرابعة هي التبرير الأيديولوجي. "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". "محاربة الإرهاب". "نشر الديمقراطية". هذه الشعارات تبرر أي جريمة، وتحول القاتل إلى بطل.
التواطؤ الجماعي: الخطوة الخامسة هي التواطؤ الجماعي. عندما يصمت المجتمع الدولي، وعندما تدعم الحكومات، وعندما يبرر المثقفون، يصبح القتل مشروعاً.
١٧. الدوافع المالية: لماذا يقتل الأطفال؟
لكن التحليل النفسي وحده لا يكفي. هناك دوافع مادية: لماذا يقتل الأطفال في غزة وإيران؟ ما المصلحة؟
السيطرة على الموارد: غزة ليست غنية بالنفط، لكنها جزء من فلسطين، وفلسطين مفتاح غرب آسيا . السيطرة على فلسطين تعني السيطرة على الممرات الحيوية، وتمرير مشاريع مثل "قناة بن غوريون" المنافسة لقناة السويس.
تدمير نماذج المقاومة: إيران تقدم نموذجاً للاستقلال والمقاومة. تدمير إيران يزيل هذا النموذج، ويجعل الدول الأخرى أكثر استعداداً للخضوع.
إعادة ترتيب المنطقة: الحرب في غزة والعدوان على إيران جزء من مشروع أمريكي إسرائيلي لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، وتصفية القضية الفلسطينية، وضمان الهيمنة الإسرائيلية.
الأسلحة والاستثمارات: الحرب تدر أرباحاً هائلة لشركات الأسلحة. هذه الشركات تمول الحملات الانتخابية، وتضغط على الحكومات. هناك مصلحة مالية مباشرة في استمرار الحروب.
١٨. دور الاحتكارات المالية: هل هناك مؤامرة؟
السؤال الأكبر: هل هناك مؤامرة عالمية تديرها عائلات مالية كبرى (كروتشيلد) لقتل الأطفال والسيطرة على العالم؟
الإجابة المختصرة: لا. لا توجد أدلة على وجود "مؤامرة" بالمعنى التآمري الضيق.
الإجابة الطويلة: هناك "نظام" روتشيلدي ، الاحتكارات المالية الغربية ، وليس بالضرورة "مؤامرة". هذا النظام يتكون من:
· مصالح اقتصادية متشابكة.
· تحالفات سياسية.
· مؤسسات دولية.
· إعلام موجه.
· نخب متشابهة في التفكير.
هذا النظام لا يجتمع في غرفة مظلمة ليخطط لقتل الأطفال، لكنه ينتج نفس النتيجة: حماية مصالح الأقوياء على حساب حياة الضعفاء. الأطفال يموتون ليس لأن هناك من يكرههم شخصياً، بل لأن بقاءهم يهدد مصالح من يملكون المال والسلطة.
١٩. إسقاط التحليل على القادة الحاليين: ترامب نموذجاً
بالعودة إلى ترامب، كيف يمكن تطبيق هذا التحليل عليه؟
الشخصية: ترامب يجسد النرجسية المرضية بامتياز: غياب التعاطف، تضخم الذات، الحاجة المستمرة للإعجاب، استغلال الآخرين كأدوات، الإنكار المرضي للواقع.
العلاقة بإبستين: ترامب لم يكن مجرد عابر سبيل في حياة إبستين. كان صديقاً مقرباً، يشاركه الاهتمام نفسه بالنساء الشابات. إنكاره المتأخر لا يمحو تاريخه.
السياسة الخارجية: سياسة ترامب الخارجية تعكس شخصيته: عدوانية، متقلبة، تفتقر إلى المبادئ، قائمة على المصالح الشخصية الضيقة. دعمه لإسرائيل غير المشروط، وعدائه لإيران، وإطلاقه النار على المتظاهرين السلميين (في انتخابات 2020)، كلها تتسق مع شخصية مستبدة ترى في القوة الحل الوحيد.
ازدراء القانون الدولي: ترامب انسحب من الاتفاق النووي، واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، واغتال سليماني، واغتال المرشد الإيراني الخامنئي والآن يشرف على عدوان شامل على إيران. هو يجسد النزعة الأمريكية المتغطرسة التي تعتبر نفسها فوق القانون.
٢٠. نتنياهو: الوجه الآخر للوحش
بجانب ترامب، يقف بنيامين نتنياهو:
الشخصية: نتنياهو يجمع بين الذكاء الحاد والنرجسية الباردة. هو رجل مخلص لفكرة "إسرائيل الكبرى" أكثر من إخلاصه لأي شيء آخر، بما في ذلك شعبه (كما يتهمه خصومه بتدمير إسرائيل من أجل خلاصه الشخصي من قضايا الفساد).
العلاقة مع النخبة العالمية: نتنياهو متقن في التعامل مع النخبة العالمية. يتحدث الإنجليزية بطلاقة، ويعرف كيف يبيع روايته. علاقاته مع المليارديرات اليهود في أمريكا (مثل شيلدون أديلسون) وثيقة، وهؤلاء يمولون حملاته وحزبه.
سياسة الاغتيالات: نتنياهو صاحب نظرية "قطع الرؤوس": اغتيال قادة المقاومة بدلاً من مواجهة الشعوب. هنية، نصر الله، سليماني، المرشد الخامنئي كلهم اغتيلوا في عهده أو بتحريض منه.
الإبادة في غزة: تحت قيادة نتنياهو، ارتكبت إسرائيل أبشع المجازر في غزة. عشرات الآلاف من الشهداء، معظمهم أطفال ونساء. تدمير ممنهج للبنية التحتية. تجويع وحصار. كل ذلك باسم "القضاء على حماس".
٢١. جزر إبستين الاستراتيجية: جغرافيا الجريمة
جزيرة إبستين لم تكن مجرد ملاذ شخصي. موقعها له دلالات استراتيجية:
الموقع: جزر العذراء الأمريكية هي منطقة تخضع للقانون الأمريكي لكنها تتمتع بحكم ذاتي. هذا الوضع يسمح بقدر من المرونة والتهرب من الرقابة الصارمة.
البنية التحتية: الجزيرة كانت مجهزة بمهبط طائرات، وميناء، ومساكن فاخرة، ومنشآت مشبوهة (كالمبنى الأزرق الذي أثيرت حوله ضجة). كانت "منتجعاً" متكاملاً للنخبة، معزولاً عن أعين العالم.
العلاقة مع القواعد العسكرية: جزيرة إبستين قريبة من بورتوريكو حيث توجد قواعد عسكرية أمريكية. هذا القرب يوفر حماية ضمنية.
الدلالة الرمزية: جزر إبستين ترمز إلى "المناطق الرمادية" التي تعمل فيها النخبة خارج القانون. هي جزر إمبراطورية، حيث لا تطال يد العدالة، وحيث يمكن ارتكاب أبشع الجرائم في مأمن من المساءلة.
٢٢. زورو رانش: معمق التجارب البشرية
مزرعة "زورو رانش" في نيومكسيكو هي الموقع الآخر المرتبط بإبستين. هذه المزرعة الشاسعة (أكثر من 7000 فدان) كانت مسرحاً لجرائم مختلفة .
التجارب البشرية: تقارير غير مؤكدة تشير إلى أن إبستين كان يجري "تجارب بشرية" في المزرعة، تتعلق بزراعة الأعضاء، والتلقيح الصناعي، وربما محاولات لإنشاء "عرق متفوق" باستخدام الحمض النووي الخاص به .
الاغتصاب والقتل: اتهامات خطيرة تشير إلى أن نساء كن يُغتصبن ويُقتلن في المزرعة، وتُدفن جثثهن في أراضيها الواسعة .
المسؤولية الرسمية: حكومة نيومكسيكو أنشأت "لجنة الحقيقة إبستين" للتحقيق في الجرائم التي حدثت في المزرعة، وأعادت فتح التحقيق الجنائي .
العلاقة بالنخبة: المزرعة كانت تستقبل ضيوفاً من النخبة، بينهم سياسيون ورجال أعمال ومشاهير .
٢٣. خادما إبستين: غوردون وفيسوسكي
من الشخصيات المهمة في شبكة إبستين، خادماه المخلصان: برايس غوردون وزوجته كارين، والطيار لاري فيسوسكي.
غوردون: مواطن نيوزيلندي، كان مدير مزرعة زورو رانش لـ17 عاماً. كان مسؤولاً عن شراء الأسلحة، واستقبال الضيوف، وتنظيم الرحلات . عندما تحدث مع مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 2007، تلقى اتصالاً هاتفياً من "المكتب الرئيسي" يأمره بالتوقف عن الكلام، فامتثل فوراً .
الولاء: في وصيته الأخيرة، ترك إبستين 2 مليون دولار لبرايس غوردون .
فيسوسكي: الطيار الشخصي لإبستين، طار به آلاف الساعات إلى جميع أنحاء العالم. كان يعرف الكثير عن تحركات إبستين وضيوفه.
الدور: هؤلاء الخدم لم يكونوا مجرد موظفين. كانوا حراس الأسرار. معرفتهم بجرائم إبستين كانت واسعة، لكنهم بقوا صامتين لعقود.
٢٤. الدلالات النفسية للجزر والمزارع
من منظور التحليل النفسي، لجوء إبستين وغيره من الأقوياء إلى "الجزر الخاصة" و"المزارع المعزولة" له دلالات عميقة:
العزلة: العزلة عن المجتمع تسمح بتعليق القوانين والأخلاق. في الجزيرة، لا أحد يراقب. لا أحد يحاسب.
السيطرة المطلقة: الجزيرة هي عالم مصغر، يسيطر عليه المالك بشكل مطلق. كل من فيها خاضع لإرادته. هذه هي النرجسية المتطرفة: أن تكون إلهاً في عالمك الخاص.
الطقوسية: تحويل الجريمة إلى طقس. الاغتصاب ليس مجرد فعل جنسي، بل هو طقس لتأكيد السلطة. الجزيرة هي "معبد" هذه الطقوس.
الانفصال عن الواقع: الأقوياء الذين يعيشون في جزرهم الخاصة يعيشون في واقع موازٍ. يرون أنفسهم فوق البشر العاديين، ولهم قوانينهم الخاصة.
٢٥. الخلاصة: نحو فهم شامل لسيكوباتية السلطة
في النهاية، ما نحاول فهمه هو ظاهرة "سيكوباتية السلطة": كيف أن السعي إلى السلطة المطلقة يفسد النفس البشرية، ويحولها إلى وحش لا يعرف الرحمة.
السلطة تفسد: مقولة اللورد أكتون الشهيرة "السلطة تميل إلى الفساد، والسلطة المطلقة تفسد إطلاقاً" تثبت صحتها يومياً. ترامب، نتنياهو، إبستين، كلهم أدمنوا السلطة حتى أعمتهم عن رؤية أنفسهم كوحوش.
الإفلات من العقاب: سر الفساد هو الإفلات من العقاب. عندما يعرف القوي أنه لن يحاسب، تنهار كل الحواجز الأخلاقية.
المال والجنس والموت: في أعماق النفس البشرية، هناك صلة غامضة بين المال والجنس والموت. المال يشتري الجنس، والجنس ينفي الموت (على الأقل رمزياً). القتل هو تأكيد نهائي للسلطة على الحياة.
الأطفال كضحايا: الأطفال هم الأكثر ضعفاً، والأكثر براءة، والأكثر رمزية للحياة والمستقبل. اغتصابهم أو قتلهم هو أقصى تأكيد للسلطة المطلقة.
المقاومة: في مواجهة هذه الوحوش، لا خلاص إلا بالمقاومة. إيران تقاوم. فلسطين تقاوم. كل من يؤمن بالحياة يقاوم.
هذا الملحق النفسي هو محاولة متواضعة لفهم ما لا يُفهم، ولتفسير ما لا يُفسر. لكنه ضروري. لأن من لا يفهم أعماق الشر، لن يقدر على مواجهته. ومن لا يعرف كيف يفكر الوحش، لن يستطيع هزيمته.
الأطفال الذين قتلوا في غزة، والطفلات اللواتي اغتصبن في جزيرة إبستين، والطفلات اللواتي استشهدن في ميناب، كلهم يصرخون في وجدان الإنسانية: لا تنسوا. لا تسامحوا. لا تيأسوا.
هذه الصرخة هي ما يبقينا أحياء. وهي ما سينتصر في النهاية.
………
الطفلات اللواتي كن يرسمّن الشمس
دراسة مقارنة في أدب المقاومة والذاكرة والجرح الجماعي
مقدمة الدراسة: في مدارات الأدب المقاوم
عندما يسقط الصاروخ على مدرسة، وعندما تختلط دفاتر الرسم بالدماء، وعندما تتحول أحلام الطفولة إلى شهداء تحت الأنقاض، لا يبقى أمام الكلمات إلا أن تبحث عن طريقها إلى النور. الأدب، في تلك اللحظات، ليس ترفاً ولا تسلية، بل هو الفعل الوحيد القادر على انتشال الموتى من براثن النسيان، وتحويل الجثث إلى أسماء، والأرقام إلى حكايات، والمأساة إلى ذاكرة جماعية.
كتاب "الطفلات اللواتي كن يرسمّن الشمس" الذي بين أيدينا، وهذا العنوان الشاعري الذي يختزل مأساة مئة وستين طفلة في مدرسة ميناب الإيرانية، ليس مجرد كتاب عن حدث عابر. إنه جزء من تقليد أدبي عريق يمتد عبر الثقافات واللغات، تقليد "أدب المقاومة" و"أدب الذاكرة" و"أدب الجرح الجماعي". إنه يقف على أكتاف عمالقة قبله، يتنفس من ذات الجراح، ويحلم بذات الأحلام.
في هذه الدراسة المقارنة، سنحاول وضع هذا الكتاب في سياقه الأدبي والإنساني الواسع. سنقارنه بأعمال خالدة من أدب المقاومة الفلسطيني (غسان كنفاني، محمود درويش)، وأدب السجن والمعاناة (دوستويفسكي)، وأدب الذاكرة والطفولة (بول أوستر)، وأدب الحرب والدمار (يوسف إدريس، الطيب صالح). سنبحث عن القواسم المشتركة، ونحلل الاختلافات، ونستخلص الدلالات. سنحاول أن نرى كيف أن كل مأساة، رغم خصوصيتها، تتصل بغيرها في نسيج إنساني واحد، وكيف أن كل كلمة تكتب عن موت طفل هي انتصار صغير على الموت نفسه.
في مفهوم أدب المقاومة: من الخاص إلى الكوني
١. تأصيل المفهوم
قبل الدخول في المقارنات، لا بد من وقفة تأصيلية لمفهوم "أدب المقاومة". هذا المصطلح، الذي أطلق بشكل واسع على الأدب الفلسطيني خاصة، يتجاوز كونه مجرد أدب "سياسي" أو "ملتزم". إنه أدب ينبثق من جرح جماعي، ويكتب بلغة الضحايا، ويحمل في طياته رفضاً وجودياً للظلم والموت.
أدب المقاومة ليس بالضرورة أدباً يحرض على القتال، أو يرفع شعارات سياسية. أرقى ما فيه هو عندما يركز على الإنساني، على التفاصيل الصغيرة، على الحياة اليومية التي يدمرها الاحتلال أو العدوان. عندما يكتب الشاعر عن طفل يلعب في الحديقة، ثم يقصف، فهو لا يكتب قصيدة سياسية بالمعنى الضيق، بل يكتب قصيدة إنسانية تفضح السياسة من خلال إنسانيتها.
٢. كتاب "الطفلات اللواتي كن يرسمّن الشمس" في سياق أدب المقاومة
كتابنا ينتمي إلى هذا التقليد بامتياز. العنوان نفسه يحمل هذه الثنائية: "الطفلات" (البراءة، الحياة، المستقبل) و"الشمس" (النور، الأمل، الدفء). الفعل "كن يرسمّن" يشير إلى لحظة الحياة العادية التي كانت قائمة قبل الموت. الكتاب لا يبدأ من لحظة القصف، بل من لحظة ما قبله: لحظة الرسم، الضحك، الأحلام الصغيرة.
المقال الافتتاحي الذي كتبته تشاو لي جون، رئيسة دار مجلة الصين اليوم، تحت عنوان "على أنقاض ميناب" ، يجسد هذه الروح. تقول الكاتبة: "في الساعة العاشرة وخمس وأربعين دقيقة من صباح ذلك اليوم، كان ينبغي أن تتردد في صفوف مدرسة الشجرة الطيبة الابتدائية للبنات أصوات القراءة الجهرية". هذا الاستحضار للحياة قبل الموت هو جوهر أدب المقاومة: إعادة الحياة إلى الضحايا، ولو بالكلمات.
وتضيف: "ربما كانت الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين السابعة والثانية عشرة قد فتحن للتو كتب الفصل الدراسي الجديد، وربما كانت إحداهن تعقد حاجبيها أمام مسألة رياضية، وربما استغلت إحداهن لحظة التفات المعلمة لتبادل زميلتها ابتسامة خفية". هذه التفاصيل الدقيقة، التي تبدو عادية، هي التي تجعل المأساة إنسانية. ليست أرقاماً، بل فتيات كن يضحكن ويحلمن.
٣. أدب المقاومة الفلسطيني: النموذج الأقرب
لا يمكن الحديث عن أدب المقاومة دون المرور بتجربة فلسطين. فالأدب الفلسطيني، عبر سبعة عقود من النكبة والاحتلال، أنتج كنزاً حقيقياً من الأعمال التي تصر على كتابة الإنسان رغم كل شيء.
غسان كنفاني هو الأقرب إلى روح كتابنا. في روايته "عائد إلى حيفا" ، يروي قصة سعيد وزوجته صفية اللذين يغادران بيتهما في حيفا خلال نكبة 1948، ويتركان فيه طفلهما الرضيع. بعد عشرين عاماً، يعودان ليجدا أن ابنهما أصبح جندياً إسرائيلياً. الرواية لا تكتفي بسرد المأساة، بل تتوقف عند التفاصيل الإنسانية: غرفة الطفل، ألعابه، ذكريات العائلة.
ما يجمع كنفاني بكتاب "الطفلات" هو هذه النظرة إلى "المكان" كحامل للذاكرة. المدرسة في ميناب، كما البيت في حيفا، لم تعد مجرد مبنى، بل أصبحت أيقونة للجرح. التفاصيل الصغيرة (دفاتر الرسم، الكتب، الوجوه) هي ما يبقى بعد الدمار.
رواية كنفاني الأخرى، "رجال في الشمس" ، تحكي قصة ثلاثة لاجئين فلسطينيين يحاولون عبور الحدود إلى الكويت داخل صهريج ماء، فيموتون اختناقاً. السارد يسأل في النهاية: "لماذا لم يقرعوا جدران الخزان؟" هذا السؤال الموجع يتردد في كتابنا: لماذا لم تُقرع جدران المدرسة؟ لماذا لم ينتبه العالم؟
محمود درويش، شاعر فلسطين الأكبر، هو الآخر حاضر في روح كتابنا. في قصيدته "بطاقة هوية"، يكتب:
"سَجِّلْ!
أَنَا عَرَبِي
وَرَقْمُ بِطَاقَتِي خَمْسُونَ أَلْف
وَأَطْفَالِي ثَمَانِيَة
وَالتَّاسِعُ... سَيَأْتِي بَعْدَ صَيْفِ"
هذا الإصرار على كتابة التفاصيل الشخصية (الأطفال، الرقم، المهنة) في وجه محاولات التذويب والإلغاء، نجده في كتابنا عندما تحاول الكاتبة استعادة أسماء الطفلات: "ما أسماء هؤلاء الفتيات؟ وما اللون الذي كنّ يحببنه؟ وماذا كنّ يحلمن أن يصبحن عندما يكبرن؟" .
في قصيدته "مديح الظل العالي"، يكتب درويش عن حصار بيروت:
"أَيُّهَا المَارُونَ بَيْنَ الكَلِمَاتِ الْعَابِرَةْ
احْمِلُوا اسْمِي وَلَعْبَةَ الشِّطْرَنْجِ وَالذَّاكِرَةْ
وَامْشُوا فِي طَرِيقِ الشَّامِ قَلْباً وَاحِداً..."
هذا النداء إلى العابرين ليحملوا الذاكرة، نجده في خاتمة كتابنا عندما يخاطب الكاتب العالم: "تذكّروا ميناب". الذاكرة هي المقاومة الأخيرة. هي ما يبقى عندما يُدفن الجميع.
٤. أوجه التشابه والاختلاف
التشابهات:
· التركيز على الضحايا المدنيين: في الأدبين، المدنيون (الأطفال، النساء، الشيوخ) هم الأبطال الحقيقيون. ليس الجنود، بل الذين يريدون فقط العيش بسلام.
· استحضار التفاصيل الصغيرة: الاهتمام بالحياة اليومية، بالأشياء الصغيرة التي تمنح الحياة معناها.
· رفض اختزال الضحايا إلى أرقام: الإصرار على إعادة الأسماء والوجوه إلى المأساة.
· النظرة النقدية إلى العالم: فضح صمت المجتمع الدولي، ازدواجية المعايير، التواطؤ.
الاختلافات:
· الزمن: الأدب الفلسطيني يمتد لعقود، ويعكس تطور القضية. كتابنا يركز على لحظة واحدة، لكنها لحظة مركزية.
· السياق: فلسطين تعيش تحت احتلال مستمر، بينما إيران تتعرض لعدوان خارجي. هذا يخلق فروقاً في التجربة والشكل.
· اللغة: الأدب الفلسطيني كتب بالعربية، لغة الضحايا. كتابنا (في النسخة التي بين أيدينا) صدر بعدة لغات، مما يعكس بُعداً دولياً في التضامن.
تحت الأرض: دوستويفسكي وكتابة المعاناة
١. "رسائل من تحت الأرض" و"رسائل من تحت الأنقاض"
العنوانان متقاربان، لكن الفرق شاسع. دوستويفسكي كتب "رسائل من تحت الأرض" عن رجل يعيش في قبو، منعزلاً عن المجتمع، يعاني من وعيه المفرط ومرارته. الكتاب ليس عن سجن خارجي، بل عن سجن داخلي: سجن الوعي التعيس.
في مراجعة للكتاب على موقع أبجد، يكتب القارئ: "بالرغم من أن دوستويفسكي يحاول الإيهام بأنها مذكرات شخص آخر، إلا أنها تفوح برائحة معاناته وعذاباته وتجربته الأليمة في معتقل سيبيريا الرهيب" .
دوستويفسكي نفسه عانى من السجن والنفي في سيبيريا. تجربته هناك شكلت رؤيته للعالم. يكتب في المذكرات: "كنت أستعرض حياتي السابقة وأحلل أدق تفاصيلها، وأطيل التفكير فيها، وأحكم على نفسي بغير رحمة ولا شفقة" .
هذه "الكتابة من تحت الأرض" تشبه "الكتابة من تحت الأنقاض" في كتابنا. في الحالتين، هناك موقع جغرافي للكتابة: تحت الأرض، تحت الأنقاض. هذا الموقع يمنح الكاتب رؤية خاصة، رؤية من الأسفل، من حيث لا يرى الأقوياء شيئاً.
٢. الإنسان في مواجهة الآلة
أحد أهم themes في أدب دوستويفسكي هو مقاومة الإنسان للآلة، للعقلانية المجردة، للنظريات التي تختزل البشر إلى أرقام. في "رسائل من تحت الأرض"، يهاجم الرجل "قصر الكريستال" الذي يرمز إلى المدينة الفاضلة العقلانية، ويدافع عن حق الإنسان في أن يكون غير عقلاني، في أن يعاني، في أن يكون حراً.
هذه المقاومة نجدها في كتابنا عندما يرفض اختزال الطفلات إلى أرقام. الكاتبة تقول: "165 اسماً، 165 عائلة، تعني 165 فتاة استيقظت صباحاً، وربما سرّحت شعرها أمام المرآة، ولوّحت لوالدتها قبل أن تخرج" . هذا هو انتصار الإنسان على الرقم، والرواية على الإحصاء.
٣. السؤال الأخلاقي
دوستويفسكي معلم في طرح الأسئلة الأخلاقية الكبرى. في "الجريمة والعقاب"، يسأل: هل يحق للإنسان المتفوق أن يتجاوز القوانين الأخلاقية من أجل هدف أسمى؟ في "الإخوة كارامازوف"، يطرح إيفان سؤاله الشهير عن "دمعة الطفل": إذا كان ثمن التناغم العالمي هو دمعة طفل واحد، فهل يستحق هذا التناغم أن يُدفع؟
هذا السؤال بالذات هو قلب كتابنا. ماذا نقول عن مئة وستين طفلة قُتلن في مدرستهن؟ أي تناغم عالمي يمكن أن يبرر هذا؟ الكاتبة تجيب: "لا توجد إجابة لهذه الأسئلة. لأنه في الحرب، لا يوجد أبداً إنسانية دقيقة ، بل هناك فقط طفولة ممزقة ومستقبل ممحو" .
٤. المعاناة والتطهير
في أدب دوستويفسكي، المعاناة ليست عبثية. هي طريق إلى التطهير (catharsis)، إلى الفداء، إلى إعادة اكتشاف الإنسانية. راسكولينكوف لا يجد الخلاص إلا من خلال اعترافه بجريمته وتحمل عقوبته في سيبيريا. ديمتري كارامازوف يقبل المعاناة كطريق إلى تطهير روحه.
كتابنا لا يصل إلى هذا الحد. المعاناة هنا ليست مختارة، وليست طريقاً إلى الخلاص. هي معاناة الأبرياء الذين لم يرتكبوا جرماً. التطهير هنا ليس فردياً، بل جماعي: هو في أن يتذكر العالم، وأن يتحرك، وأن يغير. الكاتبة تقول: "مناهضة الحرب تعني أن نرفض تهدئة أنفسنا بكلمة خطأ ، وأن نرفض تخدير أنفسنا بكلمة لا مفر منه " .
ذاكرة الطفولة: بول أوستر و"اختراع العزلة"
١. "اختراع العزلة": البحث عن الأب
بول أوستر، في كتابه "اختراع العزلة" ، يكتب عن أبيه. أب كان بعيداً، بارداً، غائباً حتى وهو موجود. أوستر يحاول، عبر الكتابة، أن يفهم هذا الرجل، أن يقترب منه، أن "يخترع" عزلة ليستطيع التعامل معها.
الكتاب ليس عن طفولة سعيدة، بل عن طفولة تعيسة، عن غياب الحب، عن الفراغ العاطفي. لكنه أيضاً عن محاولة تجاوز هذا الفراغ عبر الكتابة. أوستر يقول، في مكان ما، إنه يكتب ليخلق عالماً بديلاً، عالماً يمكنه السيطرة عليه، عالماً تتصالح فيه الأشياء.
٢. الطفولة في كتاب "الطفلات"
في كتابنا، الطفولة ليست تعيسة بل كانت سعيدة، ثم قُطفت فجأة. الفرق بين الغياب البطيء (غياب الأب العاطفي) والغياب العنيف (الموت بالقصف) كبير. لكن ما يجمع الكتابين هو فكرة أن الكتابة تحاول "اختراع" شيء لا يمكن استعادته.
في "اختراع العزلة"، يحاول أوستر اختراع صورة لأبيه لم تعد موجودة. في كتابنا، تحاول الكاتبة اختراع صور الطفلات اللواتي لن يكبرن. الكاتبة تسأل: "من كانت أفضل صديقة لهن؟ إجابات هذه الأسئلة دُفنت تحت الأنقاض" . الكتابة هي محاولة استعادة هذه الإجابات، ولو تخييلاً.
٣. الذاكرة والهوية
بول أوستر يطرح سؤالاً مركزياً: من نحن بدون ذاكرتنا؟ إذا فقدنا القدرة على تذكر الماضي، هل نفقد أنفسنا؟ في "اختراع العزلة"، الذاكرة مؤلمة، لكنها ضرورية للهوية.
في كتابنا، الذاكرة هي ما تبقى. الجثث دُفنت، المدرسة هُدمت، لكن الذاكرة باقية. الكاتبة تقول: "لكننا، نحن الأحياء، نستطيع أن نختار تخليد ذكراهم. ليس تخليد أرقام، بل تخليد ذكرى 165 فتاة ضحكن وبكين وحلمن في هذا العالم" . هذا التخليد هو فعل مقاومة ضد الموت، ضد النسيان.
٤. الأسلوب: البساطة والتعقيد
أسلوب بول أوستر بسيط ظاهرياً، لكنه معقد في عمقه. جمل قصيرة، صور واضحة، لكنها تحمل طبقات من المعنى. هذا الأسلوب نجده في كتابنا أيضاً. الكاتب يكتب بلغة بسيطة، مباشرة، لكنها مؤثرة. "كان ينبغي أن تتردد في صفوف مدرسة الشجرة الطيبة الابتدائية للبنات أصوات القراءة الجهرية" . هذه البساطة هي التي تجعل الكلمات تخترق القلب.
حرب غزة وأدب الإبادة
١. غزة في الأدب الفلسطيني
حرب غزة المتكررة، وآخرها حرب 2023-2024 التي راح ضحيتها أكثر من أربعين ألف طفل فلسطيني ، أنتجت أدباً خاصاً. أدب يكتب تحت القصف، من بين الأنقاض، بلغة لا تشبه أي لغة أخرى.
يوسف إدريس، في قصصه عن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كتب عن بطولات المصريين العاديين . لكن أدب غزة يختلف: إنه أدب لا يملك ترف البطولة الكلاسيكية. إنه أدب الصمود، أدب الحياة رغم الموت.
٢. المقارنة مع كتاب "الطفلات"
ما يجمع غزة وميناب هو أن الضحايا في الحالتين أطفال، والمكان في الحالتين مدرسة، والقاتل في الحالتين (في النهاية) هو الصاروخ الأمريكي. مقال "الحرب التي تحدث ولا تحدث على شاشة هاتف الرئيس الأميركي" يفضح هذه المفارقة: ترامب يتحدث عن الحرب وكأنها لعبة فيديو، بينما الأطفال يموتون فعلاً.
الكاتب يقول: "في قاموس ترمب من الأشياء الرائعة التي تحدث له ولأي مكان أو شخص يحتك به أو يوليه أي درجة من الاهتمام، لا مكان للواقع، لأنه هو نفسه تمكن من تدمير الواقع مرة بعد مرة، بمجرد قول إنه لا يحدث" . هذا هو وجه المقارنة المرعب: القتلة يعيشون في عالم افتراضي، بينما الضحايا يموتون في العالم الحقيقي.
٣. العدد والأسم
أربعون ألف طفل في غزة. مئة وستون طفلة في ميناب. الأرقام تذهل، لكنها تخدر أيضاً. عندما يصبح العدد كبيراً جداً، يفقد معناه. هذا ما يحذّر منه أدباء غزة وميناب معاً: لا تجعلوا الأرقام تخفي الوجوه.
في غزة، كما في ميناب، هناك أسماء: محمد، سارة، عمر، فاطمة. هناك أعمار: ثلاث سنوات، سبع سنوات، اثنتا عشرة سنة. هناك أحلام: أن تصبح طبيبة، أن تلعب كرة القدم، أن تسافر. أدب المقاومة هو الذي يحول الأرقام إلى أسماء، والأسماء إلى قصص، والقصص إلى ذاكرة.
الطيب صالح و"موسم الهجرة إلى الشمال": صراع الحضارات
١. "موسم الهجرة إلى الشمال" والاستعمار
رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال" تحكي قصة شاب سوداني يدرس في بريطانيا، ويعود إلى قريته حاملاً صراعاته الداخلية. الرواية تناقش قضايا الاستعمار، الهوية، العلاقة بين الشرق والغرب.
البطل، مصطفى سعيد، يجسد التناقض: ينجذب إلى الغرب، وفي نفس الوقت يريد الانتقام منه. علاقاته مع النساء البريطانيات تنتهي بمأساة. الرواية تطرح سؤالاً: هل يمكن التحرر من الاستعمار نفسياً بعد التحرر السياسي؟
٢. إيران والغرب في كتاب "الطفلات"
كتابنا يطرح سؤالاً مشابهاً، لكن من زاوية مختلفة. هنا، العلاقة مع الغرب ليست حباً وكراهية، بل هي علاقة ضحية بجلاد. الغرب (أمريكا وإسرائيل) هو الذي يقصف. إيران هي التي تقصف.
لكن الكتاب يتجاوز هذه الثنائية البسيطة. هو لا يدعو إلى الكراهية العمياء، بل إلى العدالة. يفرق بين الشعوب الغربية (التي يمكن أن تتضامن) والحكومات الغربية (التي تصمت). يقول الكاتب في أحد المقاطع: "نحن نوجه أصابع الاتهام إلى الحكومات الأوروبية: التي صمتت أو أصدرت بيانات القلق الخجولة".
٣. الآخر في المرآة
في "موسم الهجرة إلى الشمال"، الآخر (الغربي) حاضر في وعي البطل حتى عندما يكون بعيداً. في كتابنا، الآخر حاضر بالصواريخ التي يرسلها. الفرق كبير، لكن النتيجة متشابهة: الشرق لا يستطيع أن يكون بمعزل عن الغرب. العلاقة مفروضة، حتى لو كانت علاقة ألم.
نجيب محفوظ و"صباح الورد": الحياة اليومية كأدب
١. "صباح الورد": تفاصيل لا تموت
نجيب محفوظ، في "صباح الورد" ، يكتب عن الحياة اليومية بمصر. عن الناس العاديين، همومهم الصغيرة، أحلامهم المتواضعة. هذا الاهتمام بالتفاصيل هو ما يجعل أدب محفوظ خالداً. لأنه يوثق لحياة كانت، ولن تعود.
كتابنا يقوم بالشيء نفسه. يوثق لحظة صباحية عادية في مدرسة عادية. فتيات يذهبن إلى فصولهن، يفتتحن كتبهن، يتبادلن الابتسامات. هذه العادية هي التي تجعل المأساة مأساوية. لو كان المكان ثكنة عسكرية، لكان القصف مفهوماً (بالمعنى العسكري). لكنه مكان عادي، حياة عادية، أطفال عاديون.
٢. العادي كسياسة
كتابة العادي هي موقف سياسي. لأنها تقول: حياة هؤلاء الناس العاديين تستحق أن تُحكى، وتستحق أن تُحمى. الكاتبة تقول: "كانت حياة الفتيات اللواتي قُتلن في ميناب عادية جدا. الذهاب إلى المدرسة، العودة منها، كتابة الواجبات، اللعب مع الأصدقاء، والاستماع إلى نصائح الوالدين. تلك العادية هي ما تسلبه الحرب بأكثر الطرق قسوة" .
هذا هو جوهر الرسالة: العادي مقدس. الحياة اليومية مقدسة. الأطفال الذين يعيشون حياتهم العادية هم أبطال، ليس لأنهم فعلوا شيئاً بطولياً، بل لأنهم كانوا يعيشون فقط.
الأدب كشهادة: بين التوثيق والتخييل
١. هل هذا أدب أم صحافة؟
سؤال مشروع: هل كتاب "الطفلات اللواتي كن يرسمّن الشمس" هو عمل أدبي أم عمل صحفي؟ الإجابة: هو كليهما معاً. هو صحافة لأنه يوثق حدثاً حقيقياً. هو أدب لأنه يرويه بطريقة تتجاوز الخبر إلى الحكاية.
الفرق بين الخبر الصحفي والحكاية الأدبية هو أن الخبر يموت بعد يوم، بينما الحكاية تعيش. الخبر يقول: "مقتل 160 طفلة في قصف على إيران". الحكاية تقول: "كانت فاطمة في التاسعة، تحب الرسم، وتريد أن تصبح معلمة". كتابنا يحول الخبر إلى حكاية، والأرقام إلى بشر.
٢. الشهادة كالتزام
الكاتب هنا لا يكتب من برج عاجي. هو ملتزم، منحاز. منحاز للضحايا، ضد القتلة. هذا الانحياز ليس عيباً أدبياً، بل هو شرط أساسي لكتابة الشهادة. من يكتب عن مذبحة ويبقى "محايداً" هو إما مخادع أو متواطئ.
في أدب المقاومة الفلسطيني، الانحياز واضح. غسان كنفاني لم يخفِ انحيازه. محمود درويش لم يخفِ انحيازه. هذا الانحياز هو ما يعطي الكتاب قوته. لأنه يقول للقارئ: أنا أكتب من داخل الألم، وليس من خارجه.
٣. الصوت الجماعي
كتابنا يكتب بصوت فردي (كاتب واحد)، لكنه يعبر عن صوت جماعي. هو ليس مجرد رأي شخصي، بل هو تعبير عن جرح أمة. هذه هي معجزة الأدب الحقيقي: أن يكون فردياً وجماعياً في آن. أن يحكي قصة شخص، فيحكي قصة شعب.
في "على أنقاض ميناب" ، الصوت الفردي للكاتبة تشاو لي جون يمثل تضامناً دولياً مع إيران. هي صينية، تكتب عن إيران، بالعربية. هذا التعدد اللغوي والثقافي يعبر عن البعد العالمي للمأساة.
اللغة والأسلوب: كيف تكتب عن الموت؟
١. لغة البساطة
أحد أهم تحديات كتابة المأساة هو إيجاد اللغة المناسبة. لغة عالية قد تبدو متكلفة. لغة باردة قد تبدو قاسية. الحل الأمثل هو البساطة. لغة بسيطة، واضحة، مباشرة، لكنها تحمل ثقلاً عاطفياً هائلاً.
في كتابنا، نقرأ: "في ميناب، الناس يحفرون القبور الآن. ليس قبراً واحداً، بل صفوفاً وصفوفاً منها" . هذه البساطة هي التي تجعل الصورة حاضرة بقوة. لا حاجة إلى استعارات معقدة. الحفر، القبور، الصفوف: هذه الكلمات البسيطة ترسم المشهد بكامل رعبه.
٢. التكرار كأداة
التكرار، عندما يستخدم بذكاء، يمكن أن يكون أداة قوية. في كتابنا، تتكرر كلمة "ربما". "ربما كانت الفتيات قد فتحن للتو كتب الفصل الدراسي الجديد، وربما كانت إحداهن تعقد حاجبيها أمام مسألة رياضية، وربما استغلت إحداهن لحظة التفات المعلمة لتبادل زميلتها ابتسامة خفية" .
هذا التكرار يخلق إيقاعاً، ويؤكد على احتمالات الحياة التي كانت ممكنة قبل أن يقضي عليها الصاروخ. كل "ربما" هي حياة لم تُعش، وأمل لم يتحقق.
٣. السؤال البلاغي
الأسئلة البلاغية هي أداة أخرى يستخدمها الكتاب. "كم يجب أن تكون المسافة بين طاولة فتاة في السابعة من عمرها وأقرب منشأة عسكرية حتى تكون آمنة؟" . هذا السؤال لا ينتظر إجابة، بل يفضح عبثية المنطق العسكري.
في أدب دوستويفسكي، الأسئلة البلاغية هي جوهر الفلسفة. إيفان كارامازوف يسأل عن "دمعة الطفل" ولا ينتظر إجابة، لأن الإجابة مستحيلة. في كتابنا، الأسئلة تشبه أسئلة إيفان: إنها تفضح عجز كل التبريرات.
الاستقبال والنقد: كيف استقبل العالم هذه الكتب؟
١. استقبال "الطفلات"
كتاب "الطفلات اللواتي كن يرسمّن الشمس" لم يصدر بعد بشكل رسمي (هذه نسخة مجانية تقدم في موقع الحوار المتمدن ). لكن المواد المنشورة عنه، خاصة مقال "على أنقاض ميناب" ، لاقت تفاعلاً واسعاً. المقال نُشر بعدة لغات، وتم تداوله على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي.
التعليقات على المقال تظهر انقساماً: متضامنون مع إيران ومنددون بالعدوان من جهة، ومبررون للضربة أو مشككون في الرواية الإيرانية من جهة أخرى. هذا الانقسام يعكس طبيعة الصراع: حتى الموت لا يوحد العالم.
٢. استقبال "رسائل من تحت الأرض"
رواية دوستويفسكي لاقت استقبالاً مختلفاً. منذ صدورها، اعتبرت من أهم الأعمال الفلسفية في الأدب الروسي. النقاد أشادوا بعمقها النفسي، وجرأتها في طرح أسئلة عن الحرية والعقل والأخلاق .
في العالم العربي، تُرجمت الرواية مرات عديدة، وقرأها المثقفون العرب باهتمام. كثيرون وجدوا في بطل "تحت الأرض" صدى لتجربتهم مع الأنظمة القمعية. السجين الذي يكتب من تحت الأرض وجد قارئاً في السجون العربية.
٣. استقبال الأدب الفلسطيني
الأدب الفلسطيني واجه تحدياً خاصاً: كيف يُقرأ في العالم؟ بعض النقاد الغربيين اتهموه بأنه "ملتزم" أكثر من اللازم، وبالتالي "غير موضوعي". آخرون رأوا فيه صوتاً ضرورياً يجب سماعه.
غسان كنفاني، مثلاً، واجه اتهامات بأن رواياته "سياسية" أكثر منها "أدبية". لكن الزمن أثبت أن رواياته تبقى حية، بينما تموت روايات كثيرة كتبها "محايدون". الأدب الحقيقي لا يموت، حتى لو كان ملتزماً.
الخلاصة: في مدارات الألم والأمل
١. ما يجمع هذه الكتب
في نهاية هذه الرحلة المقارنة، نعود إلى السؤال: ما الذي يجمع هذه الكتب المتباعدة زمنياً وجغرافياً؟
إنه الالتزام بالإنسان. في عالم تحاول فيه القوى الكبرى اختزال البشر إلى أرقام، وإلى أدوات، وإلى عقبات في طريق مشاريعها الكبرى، يأتي الأدب ليقول: لا. كل إنسان هو عالم. كل طفلة هي كون. كل دمعة هي محيط.
إنها الكتابة كشهادة. هؤلاء الكتّاب لا يكتبون للتسلية، بل للشهادة. يشهدون على ما رأوا، وما عانوا، وما خسروا. شهادتهم هي سلاحهم الوحيد في وجه النسيان.
إنه الأمل رغم كل شيء. في قلب كل هذه الكتب، هناك بصيص أمل. أمل أن يتغير العالم. أمل أن ينتصر العدل. أمل أن يتذكر أحد.
٢. خصوصية كتاب "الطفلات اللواتي كن يرسمّن الشمس"
ما يميز كتابنا عن غيره هو لحظته الآنية. كتب عن حدث وقع لتوه، بينما جراحه ما زالت تنزف. هذا يمنحه قوة خاصة، ولكنه أيضاً يمنحه هشاشة. القوة تأتي من العاطفة الجياشة، من الغضب الحي. الهشاشة تأتي من عدم توفر المسافة الكافية للتأمل.
لكن هذه الهشاشة هي أيضاً قوة. الأدب لا يحتاج دائماً إلى مسافة. أحياناً، الكتابة من قلب الحدث هي الأصدق.
٣. رسالة أخيرة
في النهاية، يبقى كتاب "الطفلات اللواتي كن يرسمّن الشمس" صرخة في وجه العالم. صرخة تقول: انظروا! هنا كان أطفال يرسمون الشمس. هنا كانت طفلة تتعلم القراءة. هنا كانت طفلة تحلم بالمستقبل. ثم جاء الصاروخ، ومحا كل شيء.
لكن الصرخة تقول أيضاً: رغم كل شيء، سنواصل الرسم. سنواصل الحلم. سنواصل الكتابة. لأن هذا هو ما يغضب القتلة أكثر من أي شيء آخر: أن نظل بشراً، نظل نحب الحياة، نظل نرسم الشمس حتى تحت الأنقاض.
كما قالت الكاتبة الصينية في ختام مقالها: "على أنقاض ميناب، نحن بحاجة إلى أن نسمع صوت السلام من جديد" . هذا هو صوت الأمل. هذا هو صوت الأدب. هذا هو صوت الإنسان الذي يرفض الانكسار.
ثبت المصادر والمراجع
1. Goodreads, "Readers who enjoyed The Invention of Solitude", يتضمن مراجع لأعمال نجيب محفوظ ويوسف إدريس وآخرين
2. تشاو لي جون، "على أنقاض ميناب، نحن بحاجة إلى أن نسمع صوت السلام من جديد"، مجلة الصين اليوم، 2026
3. Goodreads, "Readers who enjoyed مختارات من رسائل جبران خليل جبران", يتضمن مراجع لأعمال غسان كنفاني والطيب صالح
4. فيودور دوستويفسكي، "رسائل من تحت الأرض"، مراجعات على موقع أبجد
5. مجلة المجلة، "الحرب التي تحدث ولا تحدث على شاشة هاتف الرئيس الأميركي"، تحليل لموقف ترامب من حرب إيران وغزة
6. الشرق الأوسط، "تقرير: إحداثيات قديمة وراء الضربة الأميركية على مدرسة إيرانية"، تحقيق حول مجزرة ميناب