في عالم مقلوب: حين تُحاكَم الشعوب ويُعفى النظام


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 09:35
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية     

في تأمل العدالة المعكوسة ومأساة الإنسان المعاصر


تمهيد على مشارف الهاوية

في زمن تتكاثر فيه الشاشات كما تتكاثر الفطريات في ظلمة الكهوف، وتتناقص فيه الحقائق حتى تكاد تصير أندر من الكبريت في ليالي الشتاء القارس، يخيل إلى الإنسان — أي إنسان ما زال يحتفظ ببقية من بصيرة — أن العالم يسير على منطق ما، مهما تاهت معالمه، ومهما تشوّهت قواعده. بل يخيل إليه أن العدالة، تلك الكلمة التي رُفعَت على مدى آلاف السنين رايةً للثائرين وعزاءً للمظلومين، لا بدّ أنها — مهما تعثّرت خطاها، ومهما طال بها الطريق — ستجد في النهاية طريقها إلى حيث الدماء الزكية والأرواح البريئة.

لكنّ نظرة واحدة، لا أكثر، إلى خرائط الحصار التي تزين جدران غرف العمليات في وكالات الأنباء، ثم نظرة أخرى إلى وجوه الأطفال في المستشفيات المطفأة الأنوار، والمدارس التي تحولت إلى ركام، والحقول التي أكلتها القنابل قبل أن تأكلها الجراد — نظرة واحدة إلى كل هذا تكفي لأن نعلم، بيقين لا يتسرب إليه الشك، أن المنطق الوحيد الذي يحكم هذا العالم المضطرب ليس هو منطق العقل، ولا منطق الضمير، ولا منطق القانون. إنّه منطق آخر، أكثر عراقة في الشرّ، وأكثر رسوخاً في الجبروت: إنّه قانون القوة، لا قوة القانون.



عدالة ذات وجهين

هناك في هذا العالم شعوبٌ تُحاسَب على أنفاسها، كما لو كان التنفس جريمة، والنبض تهمة، والوجود بذاته دليلاً على الإجرام. شعوبٌ تُحاصر لأنها اختارت — أو لأنها وُلدت — في المكان الخطأ، وفي الزمان الخطأ، وتحت سماء لا تريدها. هناك دولٌ تُعاقب لأنها أصرّت على أن تبني مدارسَ بدل قواعدَ عسكرية، ومستشفياتٍ بدل مصانعَ للسلاح، وحدائقَ عامةٍ بدل صوامعَ للصواريخ.

وفي المقابل — في ذلك الجانب الآخر من الميزان الذي لا يرى أحدٌ كفّته الهاوية — هناك منظوماتٌ كاملة، أنظمةٌ عتيقةٌ أو حديثة، تُعفى من المساءلة كما يُعفى الملوك من انتظار الدور في طوابير الجوع. منظومات تصنع القرارات التي تُسقط مدناً بأكملها في ليلة واحدة، وتُزهق أرواحاً لا تُحصى في ومضة قنبلة، وتترك شعوباً بأكملها معلّقة بين السماء والأرض، لا هي ماتت فاستراحت، ولا هي عاشت فتنعمت.

أي عدل هذا؟ وأي منطق يرضى به العقل قبل أن يرضى به القلب؟

إنها العدالة التي لا ترى إلا الفقراء. العدالة الحادّة البصر حين تبحث عن الضعفاء، العمياء حين تفتش في دفاتر الأقوياء. في دول كثيرة من هذا العالم — تلك التي تملأ نشرات الأخبار، وتتصدر عناوين الصحف — يُقاد الفقير إلى منصة الإعدام أو إلى الزنزانة الانفرادية لأنه قتل فرداً واحداً. والفقير هناك يستحق العقاب، بلا شك، فالجريمة جريمة والدم دم. لكنّ القرارات التي تقتل آلاف المدنيين — عبر حصار خانق، أو حرب مدمرة، أو منع دواء، أو قطع ماء، أو إطفاء كهرباء — تلك القرارات لا تجد طريقها إلى أي محكمة، ولا ترى نور أي قاعة عدل.

وهذه المفارقة، أيها القارئ، ليست حادثاً عابراً، ولا خللاً طارئاً في نظام يمكن ترميمه. بل هي البنية ذاتها، هي النسيج كلّه، هي الهندسة العميقة لنظام عالمي قام على تفاوت مطلق بين الدماء: دماء غالية ودماء رخيصة، دماء تبكى على المنصات ودماء تمرّ كخبر عابر في نشرة المساء.

عدالة حادّة كالسيف على الضعفاء، رخوة كالطين أمام الأقوياء. عدالة تُحاكم اليد التي تحمل السكين، وتتجاهل اليد التي تضغط على زرّ يطفئ مدينة بأكملها. عدالة تأخذ الفقيرَ بجريمته الصغيرة وتترك الغنيّ بجريمته الكبيرة، وكأن القتل الجماعي ليس قتلاً، وكأن الإبادة البطيئة بالحصار ليست إبادة.



شعوب لا تُستشار وأنظمة تصنع موافقتها

ليس الشعب — أي شعب في أي مكان — هو من يقرّر الحصار. ليس الشعب هو من يقرّر الحرب. ليس الشعب هو من يقرّر إرسال السلاح إلى هذا الطرف أو ذاك، أو قطع الدواء عن هذه الأمة أو تلك. الشعوب، في كل مكان من هذا الكوكب المكدّس بالبشر، تعيش داخل روايات جاهزة، تُصنع لها كما تُصنع الإعلانات التجارية، وكما تُصنع أغاني المسابقات الغنائية: بألوان جذابة تخطف البصر، وخوف محسوب يضبط الإيقاع، ومعلومات منتقاة بعناية تجعل الأبيض أسود والأسود أبيض، والضحية جلاداً والجلاد بطلاً.

وحين تُصنع الرواية، تُصنع الموافقة. وحين تُصنع الموافقة، تصبح الحرب ـ في عيون من يشاهدون من بعيد ـ «ضرورةً أخلاقية»، والحصار «أداة ضغط مشروعة»، ومعاناة المدنيين «تفاصيل جانبية مؤسفة ولكنها حتمية». وكأن الأطفال الذين يموتون من الجوع أو من نقص الأنسولين أو من برد الشتاء في خيام بلا سقف، ليسوا أطفالاً حقاً، بل أرقاماً في تقرير، أو صوراً عابرة في شريط أخبار.

هذا هو السر الأعظم لاستمرار الظلم: ليس فقط قوّة الظالم، بل أيضاً موافقة المقهورين، أو على الأقل سكوتهم. ليس فقط سطوة السلاح، بل أيضاً ضعف الإرادة، وتعب الضمير، واستسلام العقول للروايات الجاهزة. والشعوب، أيها القارئ، لا تختار حكامها في كل مرة، ولكنها تختار — أحياناً — أن تصدق ما يقال لها، لأن التصديق أسهل من التحقيق، والتكاسل عن المعرفة أرحم من عناء البحث عن الحقيقة.


كوبا مثالاً… لا استثناء

في أرخبيل الكاريبي، على بعد مرمى حجر من إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، تقع جزيرة صغيرة لم تكن يوماً إلا شوكة في حلق القوة العظمى. جزيرة اختارت — أو اضطرت — أن تسير في طريق يختلف عن كل الطرق، وأن تدفع الثمن غالياً، وأن تبقى صامدة، لا لأنها قوية بالسلاح، بل لأنها قوية بالعزيمة.

كوبا، ذلك البلد الفقير بموارده، الغني بإرادته، المحاصر منذ أكثر من ستين عاماً، حصاراً لا تعرف البشرية له نظيراً في الطول والقسوة. ومع ذلك، ووسط كل هذا الحصار، بنى هذا البلد الصغير نظاماً صحياً ونظاماً تعليمياً يثير دهشة العالم، ويجعل كبار المحللين والخبراء يحكون رؤوسهم حيرة: كيف يمكن لدولة محاصرة أن يكون لديها أطباء أكثر من أسرة المستشفيات؟ كيف يمكن لدولة تعاني نقصاً مزمناً في الوقود والدواء وقطع غيار المستشفيات أن ترسل أطباءها إلى القارات الخمس، إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، حيث ينقذون الأرواح في المناطق النائية والمنكوبة؟

كوبا تواجه الحصار بالعلم، والفقر بالكرامة، والعزلة بالتضامن. وهذا النموذج وحده، أيها القارئ، يكفي ليكشف حجم المفارقة: كيف يمكن لدولة محاصرة أن تبني ما تعجز عنه دول غنية لا تعرف معنى الحصار؟ وكيف يمكن لحصار طويل، قاس، جائر، أن يُبرَّر أمام العالم باسم «السياسة» أو «الضغط من أجل الديمقراطية»، بينما يدفع ثمنه الحقيقي ليس السياسيين ولا الدبلوماسيين، بل الأطفال والمرضى والنساء والعجزة؟

أي حضارة هذه التي تسمح لنفسها أن تجويع شعب بأكمله لأن حكومته لا تعجبها؟ وأي أخلاق هذه التي تجعل من دواء الطفل ورغيف الخبز سلاحاً في معركة سياسية؟


الإنسان… الضحية الدائمة

في غزة، حيث الحصار يضيق والموت يوسع، وفي إيران حيث العقوبات تخنق والمرض ينتظر الدواء، وفي اليمن حيث الجوع صار لغة والحرب صارت حياة، وفي العراق حيث كل شيء انكسر ولم يبق إلا الألم، وفي أفريقيا حيث القارة العجوز تئن تحت وطأة استعمار جديد بأسماء جديدة، وفي أميركا اللاتينية حيث التاريخ يعيد نفسه بوجوه مختلفة — في كل هذه الأماكن، وفي غيرها كثير، الضحية واحدة، والألم واحد، والصرخة واحدة.

الضحية هي الإنسان. الإنسان الذي لا يعرف شيئاً عن الجغرافيا السياسية، ولا عن صفقات السلاح، ولا عن حسابات الانتخابات، ولا عن توازنات القوى، ولا عن المصالح الاستراتيجية. الإنسان الذي يريد فقط أن يعيش، أن يذهب إلى المدرسة في الصباح، أن يجد دواءً في المستشفى حين يمرض، أن ينام في بيته بلا خوف من قنبلة تسقط من سماء لا ذنب له فيها، أن يأكل رغيف خبز ليس فيه رماد ولا حصى.

هذا الإنسان البسيط، العادي، المهمش، هو الذي يدفع الثمن. هو الذي يموت في الحروب ولا يموت صنّاع الحرب. هو الذي يجوع في الحصار ولا يجوع المخططون للحصار. هو الذي يفقد بيته ووطنه وذكرياته، بينما أولئك الذين صنعوا قرار فقدانه يجلسون في مكاتب مكيّفة، على كراسٍ جلدية، يحتسون القهوة ويناقشون «سيناريوهات الخروج».

لكنّ العالم اليوم — هذا العالم الذي نعيش فيه — لا يُدار وفق حاجات الإنسان، بل وفق مصالح الأنظمة. والأنظمة، حين تتصارع، وحين تتزاحم، وحين تتنافس على النفوذ والثروات، لا ترى البشر إلا كأرقام على شاشة، أو كعوائق يجب إزالتها، أو كأدوات يمكن استعمالها ثم رميها.


صرخة الكاتب… لا صرخة العنف

الكاتب، أيها القارئ، حين يرى هذا كلّه بعينيه، ويقرأه في التقارير، ويسمعه من أفواه الضحايا، لا يملك إلا أن يصرخ. صرخة ليست دعوة إلى العنف، فالعنف ولّدَ ما نحن فيه، والمزيد من العنف لن يلد إلا المزيد من الدمار. صرخة ليست شعاراً حزبياً، ولا بياناً سياسياً، ولا خطاباً تحريضياً.

إنها صرخة إنسانية، من إنسان إلى إنسان، تقول: إذا كان العالم يملك محاكم، فلتكن للجرائم الكبرى قبل الصغرى. إذا كان العالم يملك قوانين، فلتُطبَّق على من يصنع المأساة، لا على من يقع تحت المأساة. إذا كان العالم يملك صوتاً، فليكن للضحايا قبل الجيوش، وللأطفال قبل المصالح، وللحياة قبل أي شيء.

هذه الصرخة ليست رغبة في الانتقام — فالانتقام لا يردّ ميتاً ولا يبني بيتاً مهدمّاً — بل هي رغبة في أن يستعيد العالم شيئاً من إنسانيته التي أضاعها في دهاليز السلطة ودهاليز المال ودهاليز الإعلام. رغبة في أن يعرف القوي — أي قوي كان — أن الضعيف إنسان مثله، وأن دمه كدمه، وأن ألمه كألمه، وأن حقه في الحياة لا يقل عن حق أي إنسان آخر.

وفي النهاية، يبقى السؤال عالقاً في الهواء، ثقيلاً كالرصاص، محرقاً كالنار: متى ينتهي هذا العالم المقلوب؟ متى تعود العدالة إلى نصابها؟ متى يحاكم النظام كما تحاكم الشعوب؟ متى يكون الإنسان — كل إنسان — هو القيمة، لا السلاح، ولا المال، ولا الحدود؟

لا أعرف الجواب. لكنني أعرف أن الصراخ واجب، وأن الصمت خيانة، وأن الكلمة — مهما كانت عاجزة — تبقى الشعلة الوحيدة في هذا الظلام الدامس.