مقدمة كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 09:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في مرآة النص




كانت الأرض في صيف السابعة والخمسين بعد الهجرة ترتج تحت سنابك الخيول، وتتصدع من وقع السيوف التي تلتقي في فضاء صفين كأنها توشك أن تخلق كونًا جديدًا من الدماء. جيشان إسلاميان، قادتهما يد واحدة في غزوات النبي، وأطعمتهما من صحن واحد في ليالي المدينة، ها هما اليوم يقفان صفًا تجاه صف، لا يريد أحدهما لقاء الآخر إلا ليمحقه. كان علي بن أبي طالب قد أعد العدة، وأدار المعركة بحنكة من لا يريد أن يقتل إخوانه لكنه لا يجد سبيلاً إلى الحق إلا من خلال هذا الممر الضيق من حديد. وكان معاوية بن أبي سفيان قد أعد من المكائد ما يعجز عنه الجيش، فلم يجد بدًا في لحظة انهياره من أن يرفع المصاحف على أسنة الرماح، ويصرخ بأعلى صوته: "دعونا إلى كتاب الله".


في تلك اللحظة، توقف الزمن. توقفت السيوف عن النزيف، وبدأت الكلمات في النزيف بديلاً عنها. المصاحف التي كانت تعلو كأنها أعلام جديدة، كانت في الحقيقة أسيجة تحمي جيشًا منهزمًا من هزيمته. لكن الأكثر عمقًا أن تلك المصاحف انقسمت إلى مصحفين: مصحف رفعه معاوية ليستوقف القتال، ومصحف رفعه جنود علي الذين تلبسوا بالورع الظاهري ليوقفوا قائدهم عند حده. هنا بدأت الحكاية التي لا تنتهي: حكاية النص الذي يُرفع ليُخفض، ويُقدس ليُقتل به، ويُنزل من السماء ليكون سلاحًا في صراعات الأرض.


علي بن أبي طالب كان يعرف اللعبة. كان يعرف أن الكتاب الذي بين الدفتين لا يمكن أن ينطق وحده، وأن من يريد أن يسمع منه صوتًا عليه أن يقرأه بصوته هو. لذلك قال كلمته التي ظلت طي النسيان قرونًا، والتي لم يجرؤ الفقهاء على تداولها إلا في الخفاء: "إن القرآن حَمَّالُ أوجهٍ". بتلك العبارة، شق عليٌّ طريقًا في فهم النص لم يكن ممهدًا، طريقًا يجعل من القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، ومن السياق حاكمًا على النص لا محكومًا به. لكن هذا الطريق كان وعِرًا، وكان أصحاب السلطة يفضلون طريقًا آخر: طريق النص الواحد الذي يتكلم بصوت واحد، هو صوتهم هم.


هذا الكتاب الذي بين يديك ليس كتابًا في التفسير، وليس كتابًا في التاريخ، وليس كتابًا في العقيدة. إنه محاولة لفهم كيف يتحول النص الديني إلى ميدان صراع طبقي، وكيف تتصارع الطبقات على امتلاك لسانه، وكيف يصبح "القرآن دستورنا" شعارًا تحته تتنوع المشاريع السياسية والاقتصادية بقدر تنوع المصالح التي تقف وراءه. نحن هنا لا نناقش قدسية النص، فذلك أمر يخص ضمير كل مؤمن. نحن نناقش كيف يفهم هذا النص، ومن يملك حق فهمه، وكيف يستخدم في ساحات الصراع الدنيوي. إنها مقاربة مادية تاريخية لن تتوقف عند حدود تحليل الأفكار، بل ستغوص في البنى الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج تلك الأفكار وتوزعها.


في مصر، في ميدان التحرير، رفع المئات شعارات: "الشعب يريد تطبيق شرع الله"، "إسلامية رغم أنف العلمانية"، "القرآن دستورنا". كانت شعارات عالية، كأنها تصرخ في وجه السماء. لكن السؤال الذي لم يطرحه أحد يومها: أي قرآن؟ أي دستور؟ وأي إسلام؟ ذلك أن القرآن الذي رفعه السلفيون في التحرير هو نفسه القرآن الذي رفعه الإخوان في مجالس النواب ليصوتوا على نزع ملكية الفلاحين. وهو نفسه القرآن الذي رفعه الشعراوي وهو يبارك سياسات السادات الاقتصادية التي أفقرت ملايين المصريين. وهو نفسه القرآن الذي رفعه آل سعود ليشرعوا نهب ثروات الأمة باسم الدين. هذا التناقض لا يمكن فهمه إلا إذا أدركنا أن النص الديني ليس كيانًا ثابتًا، بل هو مادة قابلة للتشكل، تتشكل وفق أيديولوجية من يقرأه، ومصالح الطبقة التي ينتمي إليها.


فكرة "حمّال الأوجه" التي قالها علي بن أبي طالب قبل أربعة عشر قرنًا، هي نفسها الفكرة التي أعادت المادية التاريخية صياغتها بلغة العصر: أن الوعي (بما فيه الوعي الديني) يتحدد بالوجود الاجتماعي، وأن الأفكار السائدة هي أفكار الطبقة المسيطرة. لكن عليًا لم يكن ماركسيًا، بل كان إمامًا عادلًا أدرك بحسه السياسي العميق أن النص لا يمكن أن يحمل معنى واحدًا جامدًا، وأن الخلاف حول النص هو في الحقيقة خلاف حول السلطة والثروة. لذلك حين قال "حمال أوجه" كان يضع لبنة أولى في نقد التفسير الطبقي للنص، قبل أن تصاغ نظرية الطبقات بآلاف السنين.


منذ صفين وحتى اليوم، والصراع حول النص لم يهدأ. كل طبقة تريد أن تجعل النص يتحدث بلغتها، وأن تثبت أن الله في صفها. الأمويون جعلوا القرآن يقدس الخلافة الوراثية. العباسيون جعلوه يبارك الثورة ضد الأمويين ثم يقدس سلطانهم هم. العثمانيون جعلوه شريعة تبرر سلطان السلطان. وفي عصرنا، آل سعود جعلوا منه وثيقة تقدس التحالف مع أمريكا وتجرم النقابات العمالية. والإخوان جعلوا منه غطاءً للتحالف مع رأس المال الاحتكاري ضد الفقراء. والمالي في إيران جعلوا منه غطاءً لمشروع قومي فارسي يستخدم الطائفية لتمرير هيمنته.


لكن هل هناك وجه آخر للقرآن؟ هل هناك تفسير مختلف، تفسير ينطلق من هموم الفقراء والمهمشين، من العمال والفلاحين، من النساء المقهورات، من الشعوب المستعمرة؟ نعم، كان هناك دائمًا وجه آخر. لكن هذا الوجه كان دائمًا مقموعًا، مضطهدًا، ممنوعًا من الكلام. ابن رشد في قرطبة حاول أن يقول إن العقل لا يتعارض مع النقل، فحرقت كتبه ونفي. محمود طه في السودان قال إن القرآن يحوي رسالتين: رسالة مكية للحرية والعدالة، ورسالة مدنية مرحلية، فأعدم شنقًا بتحريض من الإخوان. علي شريعتي في إيران حاول أن يقدم قراءة ثورية للتشيع، فقُتل في المنفى. هذا الوجه الآخر للقرآن لم يمت يومًا، لكنه ظل في الزنازين والمحارق، ينتظر من يخرجه إلى النور.


هذا الكتاب هو محاولة لاستعادة ذلك الوجه الغائب. ليس بدعوة إلى دين جديد، ولا إلى مذهب جديد، بل بدعوة إلى قراءة مختلفة: قراءة تنطلق من المادية التاريخية كأداة لفهم الصراع حول النص، ومن التحليل الطبقي كوسيلة لتحديد من يقف وراء كل تأويل، ومن الالتزام بقضايا العدالة الاجتماعية كمعيار لتمييز التأويلات التقدمية من الرجعية. هذه القراءة لا تريد أن تلغي النص، بل تريد أن تحرره من احتكار طبقة له، وأن تعيده إلى أهله الحقيقيين: الفقراء، والمضطهدون، والمحرومون، الذين لهم الحق الأكبر في أن يتكلم الدين باسمهم، وليس باسم من ينهبون ثرواتهم ويستعبدون أجسادهم.


سنبدأ رحلتنا من صفين، حيث تحول النص إلى سلاح. ثم سنمضي إلى تحليل التيارات الإسلامية المعاصرة، ونكشف عن جذورها الطبقية وعلاقاتها بالسلطة والنفط. بعدها سنقف عند الوجه الآخر المغيَّب، عند ابن رشد ومحمود طه، لنسأل لماذا قتلت هذه القراءة ولا تزال. ثم سنغوص في نموذج الخليج بوصفه "الإسلام الصهيوني" الذي يجمع بين الاستسلام لأمريكا واستغلال الدين في نهب الثروات. بعدها سنقدم المادية التاريخية كأداة ضرورية لفهم هذه الظواهر. ثم نحلل العلاقة بين العسكر والإسلاميين في مصر والعالم العربي. وأخيرًا، في الخاتمة، نبحث في إمكانية ظهور وجه آخر للقرآن، وجه العدالة والحرية.


هذه رحلة شاقة، لكنها ضرورية. إنها رحلة في أغوار النص والتاريخ والطبقات، لعلنا نخرج منها بفهم جديد: أن القرآن ليس كتابًا يقرأ في المحاريب فقط، بل هو أيضًا ميدان صراع، وأن من يريد أن يفهم الإسلام عليه أن يفهم أولًا من يتحدث باسمه، ولماذا يتحدث، وبأي سلاح يتحدث. فكما أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، فإن النص لا ينطق وحده، بل ينطق على لسان من يملكون القدرة على تفسيره. وتفسير النص اليوم، في عالم البترودولار والإمبراطوريات الإعلامية والأنظمة العسكرية، هو سلاح من أقوى أسلحة الهيمنة. فمن يملك تفسير النص يملك عقول الناس، ومن يملك عقول الناس يملك مقدراتهم.


هذا الكتاب محاولة لنزع ذلك السلاح من أيدي الطبقات الطفيلية، وإعادته إلى صفوف من يستحقونه: الجماهير التي لم يعد يخدعها الشعار العام، والتي تبحث عن دين العدالة لا دين الريع، عن قرآن التحرر لا قرآن الاستسلام. إنه كتاب ضد "حمّال الأوجه" بمعناه السلبي، ومع "حمّال الأوجه" بمعناه الإيجابي: النص الذي يتسع لكل تأويل، لكن التأويل الصحيح هو تأويل المستضعفين، لا تأويل المستكبرين.


فلنبدأ.

.........

الكتاب متوفر مجانا على الرابط التالي :

https://open.substack.com/pub/saloum1/p/452?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw