رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم..الجزء الثاني والاخير
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 15:16
المحور:
الادب والفن
11
فاطمة استمرت في حياتها كالمعتاد. لكن "المعتاد" تغير. لم يعد هناك جيران. لم يعد هناك من تزوره. لم يعد هناك من يشاركها طبق العدس. صار البيت وحيداً في القرية. بيوت كثيرة حولها صارت أنقاضاً. بيوت قليلة بقيت واقفة، لكن أصحابها رحلوا. هاجروا شمالاً، أو ماتوا، أو اختفوا.
فاطمة رفضت الرحيل. قال لها حسين: "يا إمي، تعالي معي. سنذهب إلى بيروت. هناك أكثر أمناً."
فاطمة نظرت إليه كأنه قال شيئاً مضحكاً. "بيروت؟ بأي بيروت؟ بيروت اللي قاعدين بقصفوها كمان؟ أنا بقى هون. هذا بيتي. هون مات أهلي. هون رح أموت."
حسين لم يجادلها. كان يعرف أن أمه لا تجادل. كانت كالحجر. إذا تريد أن تحرك الحجر، تحتاج إلى قوة أكبر من قوة ابن.
في أحد الأيام، بينما كانت فاطمة في حديقتها، سمعت صوت بكاء. بكاء طفل. تتبعت الصوت. وجدت طفلة صغيرة تجلس تحت شجرة التين. عمرها حوالي خمس سنوات. كانت تبكي وتقول "ماما" و"بابا". وجهها مغبر، ثيابها ممزقة، حافية القدمين.
اقتربت فاطمة منها ببطء. جلست بجانبها. لم تسألها شيئاً. فقط جلست. بعد دقائق، توقفت الطفلة عن البكاء. نظرت إلى فاطمة.
"أنا جوعانة," قالت الطفلة بصوت صغير.
فاطمة نهضت. ذهبت إلى المطبخ. أحضرت طبقاً من العدس. أعطتها. أكلت الطفلة بشراهة. فاطمة جلست تشاهدها. كانت تفكر في أولادها. في كيف كانوا يأكلون العدس عندما كانوا صغار. في كيف كانت تمسح أفواههم بمنديل. في كيف كانوا يضحكون وهم يتسابقون على أكل العدس.
"شو اسمك؟" سألت فاطمة.
"ليلى."
"ليلى، وين أهلك؟"
"ما بعرف. سمعت صوت كبير. ركضت. لما وقفت، لقيت حالي لحالي."
فاطمة أخذت ليلى إلى البيت. غسلت وجهها. ألبستها ثوباً قديماً لها. كان كبيراً جداً على ليلى، لكن ليلى لم تشتكِ. نامت في حضن فاطمة كقطه صغيرة.
في الصباح، ذهبت فاطمة لتسأل الجيران عن ليلى. الجيران لم يعرفوها. قالت إحدى النساء: "يمكن من القرية المجاورة. قصفوها أول أمس. يمكن أهلا ماتوا."
فاطمة عادت إلى البيت. ليلى كانت مستيقظة. كانت تجلس على الكرسي الخشبي، تلعب بشعرها.
"ليلى، رح تبقين عندي. إذا حبيتي. عندي تين وزيتون وعدس. رح نعيش مع بعض."
ليلى نظرت إليها. لم تقل شيئاً. نهضت من الكرسي. مشت نحو فاطمة. أخذت يدها. ضغطت عليها. فاطمة ضغطت على يدها. في تلك اللحظة، عادت فاطمة إلى الحياة. ليس لأنها وجدت طفلة، بل لأن الطفلة وجدتها.
12
رضا أنهى كتابه الصغير. لم ينشره. كتبه لنفسه. أسماه "الصحراء البيضاء". كان يتحدث عن الحرب التي رأها بعينيه. عن القنبلة التي سقطت قرب بيته. عن الرجل الذي فقد ساقيه. عن المرأة التي كانت تنتظر ابنها عند باب المستشفى. عن الطفل الذي كان يبيع المناديل في الشارع ثم اختفى. عن كل هؤلاء الذين صاروا أرقاماً قبل أن يصيروا ذكريات.
كتب في الصفحة الأخيرة:
"لم أعد أبحث عن الحقيقة. الحقيقة ليست في الكتب. الحقيقة هي أن طفلاً يموت كل دقيقة في مكان ما في العالم، ونحن نقرأ عن موته وننسى بعد دقيقة. الحقيقة هي أن الإبادة لا تحتاج إلى جلادين فقط. تحتاج إلى متفرجين. ونحن كلنا متفرجون. حتى أنا. حتى أنا عندما أكتب هذه الكلمات، أكون متفرجاً على موت لا أستطيع إيقافه. لكن الكتابة هي ما تبقى لي. الكتابة هي اعترافي بأنني متفرج. الكتابة هي محاولتي لأن لا أكون متفرجاً صامتاً."
أخفى الكتاب تحت سريره. لم يقرأه أحد. لم يخبر عنه أحداً. كان سره. سره الذي لن يشاركه مع العالم. لأن العالم لا يستحق هذه الكلمات. العالم الذي يسمح بالإبادة لا يستحق أن يقرأ عن ألمها.
بعد شهر، سمع رضا أن الدكتور كريمي توفي. لم يمت بقنبلة. مات بنوبة قلبية. كان يقرأ كتاباً عن هايدغر في مكتبه. سقط على الأرض. وجدته زوجته بعد ساعات. كان الكتاب لا يزال مفتوحاً على الصفحة التي كان يقرأها.
ذهبت رضا إلى جنازته. وقف بين المشيعين القلائل. سمع الإمام يقرأ سورة يس. كان يفكر في كلمة "يس". ما معناها؟ هل هي اسم؟ هل هي رمز؟ هل هي صوت؟ تذكر أن هايدغر قال إن اللغة بيت الوجود. الآن بيت الوجود كان يهدم. واللغة لم تعد تكفي. لا "يس" ولا غير "يس" تستطيع أن تعيد الموتى. لا هايدغر ولا سولجينتسين يستطيعان أن يعيدا ساقي الرجل الذي جلس بجانبه في المستشفى.
بعد الجنازة، عاد رضا إلى بيته. جلس على سطحه كالعادة. نظر إلى النجوم. تذكر حلمه بالصحراء البيضاء. أغمض عينيه. رأى الصحراء. لكن هذه المرة، الصحراء لم تكن خالية. كانت مليئة بالأشباح. أشباح غزة، أشباح لبنان، أشباح إيران، أشباح كل الذين ماتوا في حروب لا يعرفون سببها. كانت الأشباح تمشي في الصحراء البيضاء، تبحث عن شيء. عن ماء؟ عن بيت؟ عن اسم؟ عن قبر؟ لا أحد يعرف.
فتح عينيه. القمر كان منتصفاً. بدا له أن القمر يبكي. بكى رضا أيضاً. بكى لأنه لم يعد يستطيع أن يفهم. بكى لأنه كان يعتقد أن الفلسفة ستعطيه إجابات. لكنها أعطته فقط أسئلة أكثر. وأسئلة أكثر. حتى غرق في الأسئلة.
نام على السطح. لم يشعر بالبرد. كان جسده قد اعتاد على كل شيء. حتى على الوحدة.
الفصل الرابع: الذين بقوا
13
يوسف أصبح معلماً بلا مدرسة.
المدرسة التي كان يدرس فيها تحولت إلى ملجأ للنازحين. لم تعد هناك صفوف، ولا سبورات، ولا طباشير. أصبحت المدرسة مكاناً ينام فيه الناس على الأرض، يأكلون فيه ما توزعه المنظمات الإغاثية، يبكون فيه على من فقدوا.
يوسف حاول أن يعلم الأطفال في الملجأ. جمعهم في زاوية. كانوا حوالي خمسة عشر طفلاً. جلوس على الأرض. لم يكن لديه سبورة. لم يكن لديه كتب. لم يكن لديه سوى صوته وحبه للرياضيات.
قال لهم: "اليوم رح نتعلم الزوايا."
ضحك بعض الأطفال. قال أحدهم: "أستاذ، أي زوايا وأحنا نايمين عالأرض؟"
يوسف ابتسم. "الزوايا موجودة في كل مكان. حتى الأرض اللي نايمين عليها لها زاوية. حتى الجدار اللي جنبنا له زاوية. حتى أنت لما ترفع إيدك، تصنع زاوية."
بدأ الأطفال ينظرون إلى أيديهم، إلى الأرض، إلى الجدران. بدأوا يرفعون أيديهم، ينظرون إلى الزوايا التي تصنعها أذرعهم. ضحكوا. نسوا للحظة أنهم فقدوا بيوتهم، أنهم نازحون، أنهم جائعون. كانوا أطفالاً يتعلمون الرياضيات. وكان يوسف سعيداً.
في المساء، كان يوسف يجلس وحده. كان يفكر في سارة. لم يعثر على جثمانها. لم يعثر على جثمان أمه وأبيه. كل ما وجده كان حفرة كبيرة. سأل الجيران. قالوا له: "شهداؤنا كثر. المستشفى ما استقبل كل الجثث. في جثث دفنت في عراء. في جثث لسا تحت الأنقاض. ما حدا عارف وين صارت سارة."
يوسف لم يصدق أنهم ماتوا. كان يعتقد أنهم في مكان ما. أنهم هاجروا إلى الجنوب. أنهم سيأتون يوماً ويطرقون بابه. كان يعيش على هذا الأمل. الأمل الذي لا دليل عليه. الأمل الذي يعرف أنه كذب، لكنه يحتاجه ليتنفس.
في أحد الأيام، جاءه خالد. الطفل الذي التقاه في المستشفى. كان خالد يضحك. قال: "أستاذ يوسف، أنا جيت. وعدتك."
يوسف احتضنه. شعر بدموعه تنهمر. كان يبكي لأول مرة منذ أسابيع. بكى لأنه رأى طفلاً أوفى بوعده. بكى لأنه شعر أن هناك من لم ينسَه. بكى لأن الحب لا يموت حتى في زمن الإبادة.
خالد جلس بجانبه. قال: "أستاذ، بدي أتعلم رياضيات. بدي أبقى مثلك معلم. بدي أعلّم أولاد."
يوسف مسح دموعه. قال: "خلينا نبلش. أول درس: كيف نعرف إنو الزاوية اللي قدامنا زاوية قائمة؟"
خالد كان يستمع بانتباه. وكان يوسف يعلم. وكانت الحياة تستمر. ليس لأنها قوية، بل لأنها عنيدة. لأنها ترفض أن تموت. لأنها تجد دائماً طريقة. تحت الأنقاض، في الحفر، في الخيام، في قلوب المعلمين الذين يصرون على تعليم الأطفال رغم كل شيء.
14
سلمى تعلمت المشي على رجل اصطناعية.
كانت العملية صعبة. سقطت مئات المرات. تعبت. يئست. لكنها كل يوم كانت تنهض من جديد. كانت تتذكر يد الطفل التي رأتها تحت الأنقاض. كانت تقول لنفسها: "تلك اليد لن تعود. لكن أنا عندي يدين. أنا عندي عينين. أنا عندي أذنين. أنا عندي رجل واحدة على الأقل. هذا أكثر مما يملكه ذلك الطفل. هذا أكثر مما يملكه الملايين الذين ماتوا. يجب أن أعيش. يجب أن أستحق هذه اليدين، هذه العينين، هذه الأذنين، هذه الرجل."
بدأت ترسم. كانت ترسم قبل الحرب كهواية. الآن أصبحت الرسم حاجة. كانت ترسم ما رأته. كانت ترسم اليد الصغيرة. كانت ترسم مرآتها المكسورة. كانت ترسم بيتها المنهار. كانت ترسم وجه أمها الذي لن تراه مرة أخرى. كانت ترسم كل شيء لئلا تنسى. لئلا ينساها العالم.
نشرت رسوماتها على وسائل التواصل الاجتماعي. لاقت انتشاراً واسعاً. بدأ الناس يشاركون رسوماتها. بدأ الإعلام يتحدث عنها. أصبحت رمزاً. لم ترد أن تكون رمزاً. كانت تريد فقط أن ترسم. لكن العالم يحتاج إلى رموز. والعالم اختارها.
في مقابلة تلفزيونية، سألتها المذيعة: "سلمى، ماذا تريدين أن تقولي للعالم؟"
نظرت سلمى إلى الكاميرا. رأت عيون الملايين الذين سيشاهدونها. رأت الفرصة. قالت: "أريد أن أقول للعالم: لا تنسوا. لا تنسوا يد الطفل التي رأيتها. لا تنسوا البيوت التي سقطت. لا تنسوا الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن. لا تنسوا الآباء الذين ماتوا وهم يحاولون حماية عائلاتهم. لا تنسوا. النسيان هو القبر الحقيقي. طالما تذكرتم، فنحن لم نَمُت."
بعد المقابلة، بكت سلمى كثيراً. ليس لأنها حزينة، بل لأنها شعرت أن كلماتها وصلت. أن أحداً سمعها. أن الطفل الذي رأته لن يُنسى. أن يدَه الصغيرة ستبقى في ذاكرة العالم. قليلاً من الناس سيتذكرون، لكن هذا أفضل من لا أحد.
ذهبت إلى جنوب لبنان بعد أن تحسنت حالتها. وقفت على أنقاض بيتها. لم تجد شيئاً. كل شيء كان رماداً. لكنها وجدت شيئاً واحداً: المرآة. كانت مكسورة، مغبرة، لكنها كانت لا تزال هناك. التقطتها. نظرت إلى انعكاس وجهها في الزجاج المكسور. لم ترَ وجهاً واحداً. رأت عدة وجوه. كل كسرة تعطي وجهاً مختلفاً. كان وجهها يتشقق ويتوزع كذكرياتها.
أخذت المرآة معها. وضعتها في غرفتها. كل صباح، تنظر إليها. تتذكر. تتذكر أنها كانت تضع المكياج أمام مرآة كاملة. الآن المرآة مكسورة. وهي أيضاً مكسورة. لكن كلاهما لا يزال موجوداً. كلاهما لا يزال يعكس شيئاً. كلاهما لا يزال يشهد.
15
فاطمة وليلى أصبحتا عائلة.
ليلى نسيت أهلها. ليس لأنها تريد أن تنسى، بل لأن عمرها لا يحتفظ بالذكريات طويلاً. أصبحت فاطمة هي أمها. كان تناديها "تيتا" (جدتي)، لكنها كانت تعاملها كأم. تنام في حضنها، تأكل من يدها، تضحك معها، تبكي بين ذراعيها.
فاطمة كانت تعلم ليلى كل شيء. علمتها كيف تزرع البقدونس. كيف تطبخ العدس. كيف تعتني بشجرة الزيتون. كيف تخاف من الطائرات. كيف لا تخاف من الموت. كيف تبقى قوية عندما يسقط كل شيء.
في أحد الأيام، جاء جنود إسرائيليون إلى القرية. كانوا يبحثون عن مقاتلين. دخلوا كل البيوت. دخلوا بيت فاطمة. كانوا شباباً، وجوههم مرهقة، عيونهم خائفة. كانوا يصرخون بالعبرية. فاطمة لا تفهم العبرية. كانت جالسة على كرسيها، وليلى في حجرها، تنظر إليهم بلا خوف.
قال أحد الجنود بالعربية المكسرة: "في مقاتلين هنا؟"
فاطمة نظرت إليه. نظرت إلى عينيه الشابتين. رأت فيهما طفلاً خائفاً. طفلاً أرسلته حكومته ليقاتل في أرض ليست أرضه. شعرت بالشفقة عليه.
"ما في مقاتلين. في طفلة عجوز وطفلة صغيرة. بس."
الجندي نظر حوله. لم يجد شيئاً. همس لزميله شيئاً بالعبرية. ثم خرجوا.
قبل أن يخرج، قال الجندي لفاطمة: "أنا آسف. أنا مش عايز أكون هنا."
فاطمة لم ترد. نظرت إليه فقط. نظرته كانت كفيلة بأن تجعله يشعر بالعار. خرج مسرعاً.
ليلى سألت: "مين هدول يا تيتا؟"
فاطمة فكرت قليلاً. كيف تشرح لطفلة في الخامسة معنى الاحتلال؟ كيف تشرح لها أن هناك أناساً يأتون من بعيد ليهدموا بيوتها؟ كيف تشرح لها أن العالم ظالم؟ اختارت البساطة.
"هدول ناس تايهين يا ليلى. ضايعين. ما بعرفوا وين رايحين. تعالي نأكل عدس."
ليلى قفزت من حجرها. ركضت إلى المطبخ. فاطمة تبعتاها. استمرت الحياة. لأنها لا تعرف كيف تتوقف. لأنها تجد دائماً من يعيشها.
في المساء، جلست فاطمة وحدها على كرسيها الخشبي. كانت تفكر في الجندي الشاب. كانت تفكر في عينيه الخائفتين. كانت تفكر في كيف أن الحرب تحول الجميع إلى ضحايا. حتى الجلادين. حتى أولئك الذين يضغطون على الزناد. هم أيضاً ضحايا. ضحايا لنظام يجبرهم على قتل آخرين أو يقتلهم. لا أحد ينتصر في الحرب. الجميع يخسر. الجميع يموت. بعضهم يموت جسداً. وبعضهم يموت روحاً. وبعضهم يموت ضميراً. لكن الجميع يموتون.
نامت فاطمة وليلى في حضنها. لم تحلم بأي شيء. كانت متعبة جداً لدرجة أنها لم تستطع الحلم. كانت ترغب فقط في أن تستيقظ على يوم جديد. يوم آخر من العدس والتين والزيتون. يوم آخر من الحياة.
16
رضا سافر إلى ألمانيا.
لم يعد يتحمل البقاء في إيران. لم تكن الحرب فقط. كان هناك شيء آخر. شيء في داخله. شعور بأنه بحاجة إلى رؤية العالم من بعيد. إلى النظر إلى بلده من خارج حدوده. إلى أن يكون شاهِداً من بعيد.
في ألمانيا، عاش في شقة صغيرة في برلين. كان يعمل في مطعم عربي. يغسل الأطباق. لم يشعر بالعار. كان يعتقد أن غسل الأطباق أنبل من كتابة أطروحة عن الزمن لا يقرأها أحد.
في أوقات فراغه، كان يكتب. كتب عن غزة، عن لبنان، عن إيران. كتب عن القنابل التي تسقط على الأطفال. كتب عن الأمهات اللواتي يفقدن أبناءهن. كتب عن الجنود الشباب الذين يبكون في الليل. كتب عن كل شيء رآه وسمعه.
نشر كتابه "الصحراء البيضاء" في ألمانيا. لم يقرأه كثيرون. لكن من قرأوه تأثروا. جاءته رسائل من أناس لم يعرفهم. قال أحدهم: "كتابك جعلني أبكي. لم أكن أعرف أن كل هذا يحدث. شكراً لأنك أخبرتني."
رضا لم يكن يريد شكراً. كان يريد فقط أن يعرف العالم. أن يعرفوا أن هناك أناساً يموتون كل يوم. أن يعرفوا أن صمتهم يقتل. أن يعرفوا أن "الموضوعية" في مواجهة الإبادة هي خيانة.
في أحد الأيام، دعته جامعة برلين لإلقاء محاضرة عن كتابه. وقف على المنصة. نظر إلى الحضور. كانوا حوالي مائتي شخص. وجوه بيضاء، معظمها شابة. نظراتهم فضولية. أرادوا أن يسمعوا من شاهد الموت.
بدأ رضا يتحدث. صوته كان هادئاً. كان يحكي عن الرجل الذي فقد ساقيه. عن الطفل الذي كان يبيع المناديل. عن المرأة التي كانت تنتظر ابنها. عن فاطمة وليلى. عن سلمى ومرآتها المكسورة. عن يوسف وخالد. عن كل الذين التقاهم.
في منتصف المحاضرة، بدأ يبكي. لم يستطع التوقف. بكى أمام مائتي شخص. بكى لأنه تذكر. بكى لأنه لم ينسَ. بكى لأنه كان يحكي عن أشخاص حقيقيين، عن آلام حقيقية، عن موت حقيقي، والحضور كانوا يصفقون في النهاية ويذهبون إلى بيوتهم الدافئة.
بعد المحاضرة، جاءت إليه امرأة شابة. قالت: "أنا متأثرة جداً بقصصك. كيف يمكنني المساعدة؟"
نظر رضا إليها. رأى نية طيبة. رأى رغبة صادقة. لكنه لم يعرف ماذا يقول. كيف تساعدين؟ الحرب مستمرة. القنابل لا تتوقف. السياسيون لا يهتمون. اللوبيات تمول الإبادة. ماذا يمكن أن تفعل امرأة شابة في برلين؟
قال لها: "تذكري. فقط تذكري. ولا تسكتي. إذا سمعت أحداً يبرر القتل، قولي له إنه مخطئ. إذا رأيت أحداً يصمت، قولي له إن صمته يقتل. إذا شعرت بالعجز، تذكري أن التذكر وحده هو مقاومة."
المرأة نظرت إليه. لم تفهم كل شيء. لكنها وعدته بأنها ستتذكر.
رضا عاد إلى شقته الصغيرة. جلس على السرير. نظر إلى السقف الأبيض. تذكر سقف غرفته في مشهد. كم كان مختلفاً. كم كان قريباً. كم كان بعيداً الآن.
نام. حلم بالصحراء البيضاء مرة أخرى. لكن هذه المرة، الصحراء لم تكن وحدها. كانت مليئة بالناس. يوسف، سلمى، فاطمة، خالد، ليلى، كلهم كانوا هناك. كانوا يمشون في الصحراء البيضاء، يبحثون عن شيء. عن بيت. عن وطن. عن سلام. عن معنى. كانوا يمشون بلا توقف. وكان رضا يمشي معهم. كلهم كانوا يبحثون عن شيء لا يجدونه. لكنهم كانوا معاً. وكان هذا كافياً.
الفصل الخامس: حجر في جدار
17
بعد ثلاث سنوات، عاد يوسف إلى غزة.
لم تكن غزة كما تركها. كانت أكثر دماراً. لكنها كانت أيضاً أكثر حياة. الناس كانوا يعيدون بناء بيوتهم. المدارس عادت للعمل. المستشفيات تعالج الجرحى. الأطفال يعودون إلى الشوارع يلعبون. الحياة تعود، ليس لأن الجروح اندملت، بل لأن الناس تعلموا كيف يعيشون مع الجروح.
يوسف عاد إلى المدرسة نفسها. لم تعد ملجأ. عادت مدرسة. صفوف، سبورات، طباشير. طلاب جدد. خالد كان في صفه. كبر خالد. أصبح في الثالثة عشرة. كان لا يزال يحب الرياضيات. كان يريد أن يصبح معلماً.
في أول يوم دراسي، وقف يوسف أمام الطلاب. نظر إليهم. رأى وجوهاً جديدة. رأى عيوناً فيها خوف، فيها أمل، فيها فضول. تذكر أول مرة وقف فيها أمام طلاب قبل الحرب. كيف كان كل شيء سهلاً. كيف كان يضحك معهم. كيف كانوا يشتكون من صعوبة الرياضيات. الآن لا أحد يشتكي. كلهم يعرفون أن الرياضيات أسهل من الحياة. كلهم يعرفون أن أصعب مسألة ليست في المتطابقات المثلثية، بل في كيف تبقى إنساناً بعد أن رأيت ما رأيت.
قال لهم: "أهلاً بكم في صف الرياضيات. هنا سوف نتعلم الأرقام. سوف نتعلم الزوايا. سوف نتعلم الاحتمالات. لكن سوف نتعلم أيضاً شيئاً آخر. سوف نتعلم كيف نفكر. كيف نسأل. كيف لا نصدق كل ما نسمعه. كيف نبحث عن الحقيقة بأنفسكم."
الطلاب نظروا إليه باهتمام. خالد ابتسم. كان يعرف أن يوسف أفضل معلم في العالم. ليس لأنه يشرح الرياضيات جيداً، بل لأنه يعرف كيف يعلم الحياة.
بعد المدرسة، ذهب يوسف إلى الحفرة. إلى المكان الذي كان فيه بيته. لم يعد حفرة. بنى عليه غرفة صغيرة. غرفة واحدة. ينام فيها ويأكل ويعيش. كان يقول: "البيت الكبير مش ضروري. المهم يكون في سقف يحميني من المطر وجدران تذكرني إنو أنا لسا موجود."
جلس أمام الغرفة. كان يشرب الشاي. نظر إلى السماء. كانت زرقاء. زرقاء كأن شيئاً لم يحدث. ابتسم. تذكر سارة. تذكر أمه. تذكر أباه. قال بصوت خافت: "سامحوني. سامحوني لأني بقيت. سامحوني لأني لسا عايش. أنا بعرف إنو أنا مو أفضل واحد كان المفروض يبقى. بس أنا هون. وأنا راح أحاول أكون قد الأمانة. راح أحاول أكون أستاذ كويس. راح أحاول أعلّم ولادكم. راح أحاول أخلي ذكراكم تفضل حية. هذا وعد."
شرب الشاي حتى آخر قطرة. ثم دخل إلى غرفته. نام. لم يحلم بأي شيء. كان مرتاحاً. لأول مرة منذ ثلاث سنوات، كان مرتاحاً.
18
سلمى فتحت مشغلاً لتعليم الرسم للأطفال الذين فقدوا أطرافهم.
كانت تقول: "الرسم لا يحتاج إلى رجلين. يحتاج إلى روح. وهذه الأرواح تحتاج إلى أن تعبر عن نفسها."
كان الأطفال يأتون إليها كل يوم. كانوا يرسمون بيوتاً، أشجاراً، بحراً، شمساً. كانوا يرسمون أهاليهم الذين ماتوا. كانوا يرسمون أحلامهم. كانوا يرسمون حرباً لا يفهمونها. كانت سلمى تساعدهم. كانت تمسح دموعهم. كانت تحتضنهم. كانت تقول لهم: "أنتم أقوياء. أنتم فنانين. أنتم مستقبل."
في أحد الأيام، جاءت طفلة صغيرة إلى المشغل. كانت تفتقد ذراعها اليسرى. جلست أمام الورقة. نظرت إلى الألوان. بدأت ترسم. رسمت يداً. يداً صغيرة. بخمسة أصابع. كل الأصابع كاملة. سلمى نظرت إلى الرسم. تذكرت اليد التي رأتها تحت الأنقاض. بكت.
الطفلة نظرت إليها. قالت: "يا أستاذة، ليش عم تبكي؟"
سلمى مسحت دموعها. قالت: "لأن رسمتك حلوة كتير. لأنك ذكرتيني بشي مهم."
الطفلة ابتسمت. أكملت رسمها. كانت ترسم بفمها لأنها لا تستخدم يدها اليمنى جيداً بعد. كانت ترسم بشفاهها. سلمى تعلمتها. كانت ترسم بشغف. كانت ترسم بحب. كانت ترسم وكأن الرسم هو الحياة.
في المساء، عندما يغادر الأطفال، كانت سلمى تجلس وحدها. كانت تنظر إلى المرآة المكسورة. كانت تتأمل انعكاس وجهها. كانت ترى الكسور. كانت ترى الندوب. كانت ترى الألم. لكنها كانت ترى أيضاً الجمال. الجمال الذي يأتي بعد الخراب. الجمال الذي لا يمكن أن يوجد بدون ألم.
كتبت في مذكراتها: "لم أعد أخاف من المرآة المكسورة. لم أعد أخاف من رؤية نفسي مبعثرة. أنا مبعثرة مثلي مثل هذه المرآة. لكن التبعثر ليس نهاية. التبعثر يمكن أن يكون بداية. بداية لرؤية الأشياء من زوايا متعددة. بداية لفهم أن الكمال وهم. وأن القيمة الحقيقية ليست في أن تكون كاملاً، بل في أن تكون حقيقياً."
أغلقت المذكرات. نامت. حلمت بالبحر. كان البحر أزرقاً، جميلاً، هادئاً. وكانت تمشي على شاطئه برجل واحدة. لم تكن بحاجة إلى أكثر من ذلك.
19
فاطمة كبرت. صارت في الثامنة والستين. لكنها كانت لا تزال تطبخ العدس. لا تزال تزرع البقدونس. لا تزال تعتني بشجرة الزيتون. لا تزال تحتضن ليلى كل ليلة.
ليلى كبرت أيضاً. صارت في الثامنة. كانت تذهب إلى المدرسة. كانت تحب الرسم مثلم سلمى. كانت تحب الرياضيات مثلم يوسف. كانت تحب القراءة مثلم رضا. كانت فاطمة تقول عنها: "هاي البنت بتشبه كل اللي ماتوا. فيها روح الكل. لهيك أنا بحبها كتير."
في أحد الأيام، مرضت فاطمة. مرضاً شديداً. لم تستطع النهوض من سريرها. ليلى جلست بجانبها. كانت تمسح جبينها. كانت تقرأ لها الفاتحة. كانت تغني لها أغاني كانت تغنيها فاطمة لها عندما كانت صغيرة.
قالت فاطمة بصوت ضعيف: "ليلى، بدي منك شي."
"أمريني يا تيتا."
"بدي إياك تفضلي قوية. بدي إياك تفضل تحبي. بدي إياك تفضل تعيشي. مش بس عشانك. عشان كل اللي ماتوا. عشان أولادي. عشان جيراني. عشان كل اللي راحوا و ما رجعوا. عيشي يا ليلى. عيشي كأنك عشرين شخص. عيشي عنا كلنا."
بكت ليلى. بكت كثيراً. لكنها وعدت. وعدت بأن تعيش. بأن تكون قوية. بأن تحب. بأن تتذكر.
بعد أسبوع، ماتت فاطمة. دفنت في حديقتها، تحت شجرة الزيتون. كما أوصت. قالوا: "هذه أوصت بأن تدفن تحت الشجرة." قالوا: "هذه امرأة غريبة." لكن ليلى عرفت أن تيتا ليست غريبة. تيتا كانت تعرف أن الشجرة ستسقيها بجذورها. وأنها ستصبح جزءاً من الأرض. جزءاً من الحياة. جزءاً من كل شيء.
ليلى جلست تحت شجرة الزيتون. كانت تبكي. كانت تذكر. كانت تعد. كانت تحلم. كانت تريد أن تكون مثل تيتا. قوية، صامدة، تحب العدس والتين والبقدونس، ولا تخاف من الموت.
نامت تحت الشجرة. حلمت بأن تيتا جاءتها. كانت تبتسم. قالت لها: "أنا لسا هنا يا ليلى. أنا في الشجرة. في التراب. في الهوا. في كل مكان. أنا معك دايماً."
استيقظت ليلى. الشمس كانت مشرقة. نهضت. ذهبت إلى المطبخ. طبخت العدس. أكلت وحدها. لكنها لم تكن وحدها حقاً. كانت فاطمة معها. في كل لقمة. في كل رشفة ماء. في كل نبضة قلب.
20
رضا عاد إلى إيران بعد خمس سنوات.
عاد لأنه اشتاق. اشتاق إلى رائحة المطر على التراب. إلى صوت الأذان. إلى شاي أمه. إلى سطح البيت حيث كان ينظر إلى النجوم. اشتاق إلى الألم نفسه. لأن الألم كان جزءاً من هويته. جزءاً من وطنه.
وجد أمه أكبر سناً. كانت تجلس على كرسي متحرك. الروماتيزم أكل عظامها. لكن عينيها كانتا لا تزالان حادتين. نظرت إليه. قالت: "أخيراً رجعت. ظننت أنك نسيتنا."
رضا جلس بجانبها. أخذ يدها. كانت يداها دافئتين. قال: "ما نسيت يا أمي. ما نسيت أبداً. كنت بعيداً بجسدي فقط. أما روحي فكانت هنا. معك. مع مشهد. مع كل شيء."
نام في غرفته القديمة. نظر إلى السقف. كان السقف نفسه. نفس التشققات. نفس الطلاء المتقشر. نفس الذكريات. أغمض عينيه. رأى الصحراء البيضاء. لكنها هذه المرة لم تكن صحراء. كانت مدينة. مدينة مشهد. بنفس شوارعها، بيوتها، أناسها. كان يوسف هناك. وكانت سلمى. وكانت فاطمة. وكانت ليلى. وخالد. كانوا جميعاً هناك. يعيشون. يتنفسون. يطبخون العدس. يعلمون الرياضيات. يرسمون. يكتبون. يزرعون الزيتون.
فتح عينيه. بكى. بكى لأنه عاد. بكى لأنه لم ينسَ. بكى لأنه كان لا يزال إنساناً.
قرر أن يعود إلى الجامعة. لم يكمل أطروحته عن هايدغر. بدأ أطروحة جديدة. عنوانها: "الزمن تحت الأنقاض: دراسة في كيف لا يموت الإنسان حتى عندما يموت." لم يكن عنواناً أكاديمياً. لكنه كان عنواناً حقيقياً. واقعياً. بشرياً.
الدكتور كريمي لم يعد موجوداً ليشرف عليه. لكن رضا كان يعرف أن الدكتور كريمي سيكون فخوراً. ليس لأنه فهم هايدغر، بل لأنه تجاوزه. لأنه عاش الفلسفة بدلاً من أن يدرسها. لأنه صار فيلسوفاً بالحياة لا بالكتب.
في اليوم الذي سلم فيه الأطروحة، خرج إلى سطح البيت. نظر إلى النجوم. كانت النجوم كما هي. لم تتغير. كانت تشهد كل شيء. كل الحروب. كل الإبادات. كل الدموع. كل الضحكات. كل الأمل. كل اليأس. وكانت لا تزال هناك. تشهد. تذكر. لا تنسى.
رفع يده إلى السماء. قال بصوت خافت: "نحن لا نزال هنا. نحن لا نزال نشهد. نحن لا نزال نتذكر. نحن لا نزال نحب. نحن لا نزال نأمل. نحن لا نزال نعيش. هذه هي رسالتنا للعالم. ليس لدينا غيرها."
نزل من السطح. دخل إلى بيته. نام. لم يحلم بشيء. كان متعباً. لكنه كان مرتاحاً. لأول مرة منذ سنوات، كان يعرف أنه في المكان الصحيح. ليس لأنه حل شيئاً. بل لأنه شهد. وهذا كان كافياً.
….
المعنى الذي لا يموت
لا تنتهي هذه الرواية. لأن رواية الإبادة لا تنتهي أبداً. تنتهي القنابل، لكن الندوب تبقى. تنتهي الحروب، لكن الأحلام المكسورة تبقى. يموت الناس، لكن من يعيشون يحملون ذكراهم كجذور تحت الأرض.
يوسف لا يزال يعلّم الرياضيات في غزة. خالد أصبح مساعداً له. معاً يعلمان الأطفال كيف يحسبون الزوايا. وكيف يحسبون أيضاً قيمة الحياة.
سلمى لا تزال ترسم. فتحت معرضاً صغيراً لرسومات أطفالها. الناس يأتون ليشاهدوا. يبكون. يبتسمون. يتذكرون. تشتري اللوحات. تعلقها في بيوتها. تروي لأولادها قصص الأطفال الذين رسموها. هكذا تنتقل الذاكرة. هكذا لا تموت الحكايات.
ليلى كبرت. أصبحت شابة. درست الزراعة. عادت إلى القرية. زرعت أشجار زيتون جديدة بجانب شجرة تيتا. قالت: "هذه أشجار تيتا الجديدة. ستعيش بعدي. كما عاشت تيتا بعد من ماتوا قبلها."
رضا أصبح أستاذاً في الجامعة. يدرّس الفلسفة. لكنه يدرّسها بطريقة مختلفة. يبدأ محاضراته بسؤال: "ماذا تفعل عندما تعرف أن جارك يموت وأنت صامت؟" طلابه لا يعرفون ماذا يجيبون. لكنهم يبدأون في التفكير. وهذا هو المهم.
هؤلاء الأربعة لم يغيروا العالم. لم يوقفوا الحرب. لم يعيدوا الموتى. لكنهم فعلوا شيئاً آخر. لقد بقوا. لقد شهدوا. لقد تذكروا. لقد علموا. لقد رسموا. لقد كتبوا. لقد زرعوا. لقد أحبوا.
وهذا، في النهاية، هو كل ما يمكن أن يفعله الإنسان في زمن الإبادة. ليس الانتصار. بل الشهادة. ليس القتل. بل البقاء. ليس الكراهية. بل الحب. ليس النسيان. بل الذكرى.
لأن الإنسان، كما قال الجد العجوز في غزة، ليس ما يملك. وليس ما يفعل. وليس ما يقول. الإنسان هو ما يبقى منه بعد أن يسقط كل شيء. وما يبقى هو الحب. هو الذكرى. هو الأثر. هو الرغبة في أن يقول: "كنت هنا. كنت إنساناً. تذكروني."
وهذا هو العقل تحت الإبادة. ليس عقل الانتقام. ولا عقل اليأس. ولا عقل الجنون. بل عقل الشهادة. عقل يقول: "أنا لم أمت بعد. ولن أموت. لأن من يحب لا يموت. ومن يتذكر لا يُنسى. ومن يشهد يصبح جزءاً من التاريخ. والتاريخ لا يموت. حتى لو حاولوا قتله."
النهاية
لكن النهاية ليست نهاية. لأن كل نهاية في زمن الإبادة هي مجرد بداية لذكرى جديدة.