مسرحية -طاولتان في الربيع-..كوميديا سياسية
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 15:27
المحور:
الادب والفن
مشهدان من ملحمة الشرق الأبدية
مسرحية سياسية ساخرة في ثلاثة فصول وسبعة مشاهد
تنطبق على كل زمان ومكان تشابهت فيه المواصفات
……
الشخصيات الرمزية
المحور الأول – في مدينة "جبل السلام" (إسلام آباد الرمزية):
· الرئيس "ت" – رئيس دولة عظمى سابقة وحاضرة، رماد يتكلم، يجيد فن الصفقة الخاسرة
· رئيس الوزراء "ن" – رئيس حكومة كيان محتل، ديك حطمته العواصف، لا يزال يصيح
· قائد "ف" – قائد ميداني من بلاد القوافل، يبتسم بابتسامة النمور
المحور الثاني – في مدينة "البيت الأبيض الرمزي" (واشنطن بلا تسمية):
· سفيرة "ح" – سفيرة بلاد الأرز في عاصمة الإمبراطورية، تتحدث بلسان "الدولة الضعيفة"
· رئيس الحكومة "س" – رئيس حكومة بلاد الأرز، رجل البدلة والابتسامة المصطنعة
· المستشار "ر" – مستشار سياسي، يعرف أسعار العملة أكثر مما يعرف حدود وطنه
المحميات (جوقة من المهزومين الخالدين):
· أبو المحمية الأول – تاجر حروب ينتظر الإعمار في كل زمن
· أبو المحمية الثاني – إعلامي يكتب ما يملى عليه في كل عصر
· أبو المحمية الثالثة – سفير سابق يبيع الذكريات في كل مكان
شخصيات ثانوية رمزية:
· وزير الخارجية "م" – وزير خارجية الإمبراطورية، وسيط مبتسم بلا قرار
· سفير الكيان "ي" – سفير الكيان المحتل، يتعلم لغة الضعفاء من أجل توقيع الهزيمة
الأصوات:
· صوت الراوي الساخر – حكيم المجلس، يعلق على الأحداث بلسان التاريخ
الأمكنة الرمزية:
· قاعة "النصر المؤجل" – في مدينة جبل السلام
· قاعة "التبعية الدائمة" – في قلب عاصمة الإمبراطورية
الأزمنة الرمزية:
· ربيع لا يموت – حيث تتكرر فيه المآسي بأشكال مختلفة
……..
الفصل الأول: طاولة جبل السلام – حيث يتحدث المنتصر
المشهد الأول: افتتاحية على وقع الانفجارات البعيدة
(يُفتح الستار على قاعة فخمة في مدينة "جبل السلام". طاولة مستديرة كبيرة. على طرف منها يجلس قائد "ف"، يرتدي زياً عسكرياً أنيقاً، يبتسم بثقة. على الطرف الآخر، يجلس الرئيس "ت" ورئيس الوزراء "ن"، وجوههما منهكة، عيونهما على السقف كما لو كانا ينتظران قذيفة في أي لحظة. صوت الراوي الساخر يعلو من خلف الكواليس)
صوت الراوي الساخر (بصوت يشبه صوت التاريخ القديم):
"في ربيع لا يُنسى، وبعد حرب لم تدم طويلاً لكنها كانت كافية لتغيير الخرائط، دمر خلالها جيش بلاد القوافل ثلاثة عشر معقلاً من معاقل الإمبراطورية في ربوع آسيا، ووسع سيطرته على الممر المائي الحيوي، ورفع أسعار الذهب الأسود إلى عنان السماء، وألحق بالكيان المحتل خسائر لم يعرفها منذ أجيال... يجلس الطرفان إلى طاولة المفاوضات. المنتصر يبتسم. المهزوم يتنهد. والمشهد يتكرر كما تكرر في فيتنام والجزائر وأفغانستان. فقط الأسماء تتغير. والجوهر يبقى."
(قائد "ف" يرفع كوب الشاي ببطء، يتمتم بدعاء قصير، ثم يشرب. الرئيس "ت" ينظر إليه كمن ينظر إلى كابوس يتكرر)
الرئيس "ت" (بصوته الأجش، يحاول أن يبدو واثقاً):
"أريد أن أقول شيئاً... أعني... لقد كانت حروباً رائعة... أعني... لا، لم تكن رائعة... لكنني ربحت كل الحروب... أعني... حسنناً، ربما لم أربح هذه... لكنني سأفاوض أفضل مفاوضات في التاريخ... هذا ما أقوله دائماً، وهذا ما يصدقه الجميع."
قائد "ف" (يضع كوب الشاي بهدوء، يبتسم ابتسامة عريضة):
"سيد الرئيس... أنت لست في سوق من أسواق مدينتك. أنت على طاولة المفاوضات بعد أن دمرنا معاقلك. لن نتفاوض على رفع الحصار. سنتفاوض على اعترافك بنا كقوة لا تُقهر في هذه البقاع. هذه هي الشروط منذ الأزل. خذها أو اتركها. فالزمن لا ينتظر."
رئيس الوزراء "ن" (يحاول أن يرفع صوته، لكن صوته يخرج متعباً كأنه من جيل مضى):
"ولكن... ولكن... لدينا جيش لا يُقهر... لدينا قوة لا تُرى بالعين... لدينا حليف لا ينام..."
قائد "ف" (يقاطعه بهدوء من يشرح درساً لتلميذ عاق):
"سيد رئيس الوزراء... قوتكم التي لا تُرى لم تمنع صواريخنا من تدمير معاقلكم الحيوية. حليفكم الذي لا ينام لم يمنع طائراتنا من ضرب قواعده. جيشكم الذي لا يُقهر لم يمنع مقاتلينا من عبور حدوده. كل ما لديكم هو كلام يذروه الريح. ونحن لدينا حقائق لا تمحى. الحقائق على الطاولة. الحقائق في الممر المائي. الحقائق في سماء البلاد المحتلة. فافهموا إن كنتم تعقلون."
(صمت ثقيل. الرئيس "ت" ورئيس الوزراء "ن" ينظران إلى بعضهما كمن يبحثان عن مخرج من متاهة. قائد "ف" يشرب شايه بهدوء. وصوت الراوي الساخر يهمس من الخلف)
صوت الراوي الساخر (بصوت من يقرأ لوحاً قديماً):
"هكذا كان التفاوض منذ أن عرف البشر الحروب. من ينتصر في الميدان ينتصر على الطاولة. ومن ينهزم في الميدان يذهب إلى الطاولة ليكتب شروط هزيمته بيده. هذه سنة لا تتبدل. وهذه حقيقة لا تتغير. وإن ظن الضعفاء أن الأقوياء سيرحمونهم، فالتاريخ يخبرهم أن الرحمة لا تُطلب، بل تُفرض."
……..
المشهد الثاني: مونولوج الرئيس "ت" – اعترافات قائد مهزوم في كل زمان
(تخفت الأضواء على بقية المسرح. بقعة ضوء على الرئيس "ت" وحده. يقف من على كرسيه، يتحدث إلى الجمهور كمن يعترف في محراب التاريخ)
الرئيس "ت":
"تعرفون... تعرفون شيئاً؟ أنا رجل أعمال قبل أن أكون رجل حرب. أنا أفهم الصفقات. أنا كتبت كتاباً عن الصفقات... فن الصفقة الرابحة ... كان كتاباً تعلم منه الملايين... لكن هذه الصفقة... هذه الصفقة كانت مختلفة. لم تكن صفقة رابحة. كانت هزيمة نادرة. أعني... ثلاثة عشر معقلاً؟ ثلاثة عشر! هل تعلمون كم تكلفة المعقل الواحد؟ خزائن من ذهب! خزائن من ذهب... ذهبت أدراج الرياح... دمرت... احترقت... وأنا جالس هنا... أنا... الرئيس "ت"... أجلس مع قائد من بلاد القوافل... ويقول لي بهدوء: هذه شروطي ... شروطه! أنا من يضع الشروط في العادة... أنا من يقول: أنتم الطريد ... لكنه الآن يقول لي: أنت الطريد ... هذا مضحك... هذا محزن... هذا... هذا (يتنهد بعمق) هذا هو التاريخ يعيد نفسه."
(يوقف نفسه فجأة، كمن تذكر شيئاً مهماً)
"لكن... لكن... هناك بصيص ضوء في نفق الظلام. هناك بلاد الأرز... نعم، بلاد الأرز... في عاصمة الإمبراطورية... سفيرتهم تجلس مع سفير الكيان المحتل... تطلب نزع سلاح المقاومة هناك... هذا... هذا شيء! هذا انتصار رمزي! ليس انتصاراً لنا على بلاد القوافل... لكنه انتصار معنوي على الضعفاء... أعني... شخص ما لا يزال يطلب مساعدتنا... شخص ما لا يزال يصدق أننا أقوياء... هذا يساعدني في التفاوض هنا... أن أقول لقائد "ف": انظر، لا تزال لنا هيبة... انظر إلى بلاد الأرز... لكنه يضحك... يضحك ويقول: بلاد الأرز التي تقاتل مقاومتها في تلالها الجنوبية؟ بلاد الأرز التي تسيطرون على سفيرتها فقط؟ هذا ليس نفوذاً يا سيد الرئيس، هذا استجداء بالنظام القديم ."
(يضحك ضحكة مريرة تجعل الجمهور يرتاح)
"نعم... هذا هو قدري في كل زمن. أربح صفقة في بلاد الأرز، وأخسر حرباً في بلاد القوافل. أربح سفيرة، وأخسر ثلاثة عشر معقلاً. أربح توقيعاً على ورق، وأخسر دماً على أرض. هل هذه تجارة؟ هل هذه صفقة؟ لا... هذه... هذه (يبحث عن الكلمة) هذه هي متلازمة الانتصار في المكان الخطأ ... يخترعها المؤرخون ليضحكوا على قادتهم."
(يعود إلى كرسيه. الأضواء تعود إلى طبيعتها. قائد "ف" لا يزال يشرب شايه بهدوء. وصوت الراوي الساخر يعلق)
صوت الراوي الساخر:
"هكذا كان الرئيس "ت" في كل مرة. يظن أن انتصاراً رمزياً في بقعة ما يعوضه عن هزيمة استراتيجية في بقعة أخرى. ويظل يردد: لدي صفقة، لدي صفقة ، والنار تحرق معاقله واحدة تلو الأخرى. هذا هو فارق العبقرية والحماقة. العبقري يعرف أين ينتصر. والحماقة تظن أن كل انتصار وهمي حقيقي."
……..
المشهد الثالث: حوار النهاية – إملاء الشروط الخالدة
(قائد "ف" يضع كوب الشاي أخيراً. يخرج لفيفة من جيبه. يضعها على الطاولة)
قائد "ف" (بصوت هادئ، حازم، كمن يلقي درساً في التاريخ):
"هذه هي شروطنا التي لا تتغير. أولاً: اعتراف الإمبراطورية بنا كقوة لا يُستهان بها في هذه البقاع. ثانياً: رفع كل القيود عن اقتصادنا. ثالثاً: تعويضات عن كل ضرر لحق بنا منذ بدء الخلاف. رابعاً: انسحاب قوات الإمبراطورية من كل ربوع آسيا الغربية. خامساً... (يبتسم) سادساً... حسنناً، اقرأوا الباقي في صحف الغد. لديكم وقت قصير. فالزمن لا ينتظر."
الرئيس "ت" (يحاول أن يبدو غاضباً، لكنه يفشل كما يفشل دائماً):
"هذا... هذا غير مقبول منذ تأسيس الإمبراطورية... هذه شروط مهينة... أنا لن أوافق... أبداً... أبداً... (ينظر إلى الورقة مرة أخرى) حسناً، ربما أوافق بعد تعديلات صغيرة... لكن ليس الآن... ليس في هذا الربيع..."
رئيس الوزراء "ن" (بصوت منكسر كمن يعرف النهاية مسبقاً):
"نحن بحاجة إلى مهلة... إلى تفكير... إلى مؤتمر... إلى..."
قائد "ف" (يقاطعهما بهدوء المؤرخ الذي يختصر الزمن):
"لم يعد هناك وقت للتفكير. الذهب الأسود في الممر المائي يرتفع كل ساعة كأنه يصعد سلماً لا ينتهي. أسواقكم تئن كجريح لا يجد طبيباً. شعوبكم تغضب كبركان على وشك الانفجار. أنتم من طلبتم هذه الطاولة. ونحن نمنحكم إياها كرماً لا استجداءً. اقبلوا أو ارفضوا. لكن القرار لكم. والنتيجة لنا."
(صمت. الرئيس "ت" ينظر إلى رئيس الوزراء "ن". رئيس الوزراء "ن" ينظر إلى الأرض كمن يبحث عن فكرة. قائد "ف" يبتسم. يرفع كوب الشاي للمرة الأخيرة)
قائد "ف" (كمن يختتم حديث الأبدية):
"في التاريخ، كانت هناك فيتنام. وكانت هناك الجزائر. وكانت هناك أفغانستان. وكانت هناك مقاومة في بلاد الأرز. والآن، هناك نحن. من يفاوض من موقع القوة يكتب سفر التاريخ. ومن يفاوض من موقع الضعف... يقرأ ما كُتب عليه. أنتم تقرؤون اليوم ما كتبته أيديكم. ونحن نكتب غداً ما سيقوله الأحفاد."
(يُطفأ ضوء الفصل الأول على هذه الجملة. صوت الراوي الساخر يضحك من خلف الكواليس، ضحكة المؤرخ الذي رأى太多)
……..
الفصل الثاني: طاولة عاصمة الإمبراطورية – حيث يوقع التابع
المشهد الرابع: قاعة التبعية – اللقاء الأول والأخير
(يُفتح الستار على قاعة فخمة في قلب عاصمة الإمبراطورية. طاولة مستطيلة كأنها تابوت طويل. في الوسط يجلس وزير الخارجية "م"، يبتسم ابتسامة الدبلوماسيين المصطنعة منذ فجر التاريخ. عن يمينه سفيرة "ح"، سفيرة بلاد الأرز، ترتدي بدلة أنيقة، وجهها يخضب بالقلق الذي لا ينتهي. عن يساره سفير الكيان "ي"، يحاول أن يبدو واثقاً كمن يشتري بضاعة رخيصة. خلفهم مستشارون يكتبون ملاحظات لا معنى لها منذ قرون. صوت الراوي الساخر يعلو من جديد)
صوت الراوي الساخر:
"في عاصمة الإمبراطورية، وفي ربيع آخر من ربيعات التبعية، يُعقد أول لقاء مباشر بين بلاد الأرز والكيان المحتل منذ أجيال. ليس في بلاد الأرز، ولا في أي عاصمة من عواصم الجوار، بل في قلب قصر الإمبراطورية نفسها. الراعي: الإمبراطورية التي لا تغيب عنها شمس الهيمنة. الموضوع: نزع سلاح المقاومة في بلاد الأرز. النتيجة: كانت معروفة قبل أن يبدأ الاجتماع. لأن من يجلس على طاولة في قصر الإمبراطورية لا يفرض شروطه منذ الأزل، بل يستوفي شروط غيره."
(وزير الخارجية "م" يفتح الاجتماع بابتسامة عريضة كمن يفتح قفصاً)
وزير الخارجية "م" (بصوت دافئ مصطنع كالعسل المخلوط بالسم):
"أود أن أرحب بسعادة سفيرة بلاد الأرز، وسعادة سفير الكيان الصديق، في هذا الاجتماع التاريخي الذي سيكتبه المؤرخون بحروف من نور... أو من ظلام... على حسب الجهة التي ينتمون إليها. نحن هنا لصنع السلام. سلام في هذه البقاع المكلومة. سلام يبدأ من بلاد الأرز هذه المرة. سلام يعني... حسنناً، يعني أشياء كثيرة في قواميس الدبلوماسية... لكن أهمها في هذه اللحظة: نزع سلاح كل من يزعجنا."
(يلتفت إلى سفيرة "ح" كمن يلقي شبكة على عصفور)
"سعادة السفيرة، أرض الكلمة لمن يملك الأرض."
سفيرة "ح" (تتحدث بصوت رسمي كمن تقرأ نصاً كتبه غيرها، لكن يخونها التوتر كمن تقف على حافة الهاوية):
"شكراً سيد الوزير. نيابة عن حكومة بلاد الأرز، رئيس الحكومة "س"، وفريقه من المستشارين... نؤكد استعدادنا للتعاون الكامل مع المجتمع الدولي الذي تمثلونه... من أجل... من أجل نزع سلاح كل الميليشيات... أقصد كل المقاومين... أقصد... حسنناً، نزع سلاح كل من لا يتبع أوامرنا ويعطل مسيرة الدولة التي نبنيها منذ قرن."
سفير الكيان "ي" (بصوت ساخر كمن يسخر من تلميذ في الامتحان):
"أتفهم صعوبة المصطلحات عند سعادة السفيرة. ففي بلاد الأرز، كما في كل بلاد الضعفاء، هناك من يسمي نفسه مقاوماً وهناك من نسميه إرهابياً منذ أن عرفنا السياسة. نحن نعتبر كل من يحمل سلاحاً ضدنا تنظيم إرهابي منذ تأسيس كياننا. ونأمل أن توافق حكومة بلاد الأرز على هذا التصنيف الذي لا يقبل الجدل."
سفيرة "ح" (بتردد كمن يمشي على بيض):
"نحن... نحن ندرس هذا الموضوع في لجان مغلقة... الحكومة... برئاسة رئيس الحكومة "س"... تؤمن بأن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة فقط... لكن التصنيف... التصنيف يحتاج إلى... إلى مراجعات دستورية... وتوافقات وطنية... وجلسات حوار..."
وزير الخارجية "م" (يقاطعها بلطف مصطنع كمن يغمد سيفاً في جرح):
"سعادة السفيرة، نحن الآن في قلب الإمبراطورية. ليس في عاصمتكم المكلومة. هنا، الأمور أوضح من ضوء الشمس في الظهيرة. التصنيف ليس مطروحاً للنقاش منذ بدأ التاريخ، بل هو شرط مسبق للمفاوضات التي لم تبدأ بعد. فإما أن تصنفوا كل مقاومة تنظيماً إرهابياً ، وإما... وإما أن نجد طرقاً أخرى للتعاون لا تحبونها ولا نكرهها."
(صمت كصمت المقابر. سفيرة "ح" تنظر إلى الأوراق أمامها كمن يبحث عن مخرج. سفير الكيان "ي" يبتسم كمن وجد ضالته. وزير الخارجية "م" ينتظر كمن يصطاد سمكة)
……..
المشهد الخامس: مونولوج السفيرة – اعترافات دبلوماسية بين نارين
(تخفت الأضواء. بقعة ضوء على سفيرة "ح" وحدها. تقف من على كرسيها، تتحدث إلى الجمهور بصوت منكسر كمن يبوح بسر عمره)
سفيرة "ح":
"هل تعلمون ما هو أصعب شيء في مهنتي؟ أن أكون سفيرة لبلاد الأرز في عاصمة الإمبراطورية في هذا الزمن الذي يتكرر كالحلم المزعج. من جهة، هناك مقاومة في تلال الجنوب تسقط دبابات المحتل كأنها تلعب لعبة أطفال. ومن جهة أخرى، هناك إمبراطورية تطلب مني أن أُصنف هذه المقاومة إرهابية كي تبرر هزائمها. ومن جهة ثالثة... حسنناً، ليس هناك جهة ثالثة في هذه المعادلة. هناك جهتان فقط: جهة تطلب بغطرسة، وجهة تطلب بذل. وأنا في المنتصف كخيط مشدود بين جبلين.
(تمسح دمعة لم تنزل بعد)
أنا لست سياسية محنكة تخوض الحروب. أنا دبلوماسية صغيرة. مهمتي أن أمثل بلدي حيث لا يمثله أحد. لكن كيف أمثل بلداً نصفه يقاتل كالأسود ونصفه يريد الاستسلام كالحملان؟ كيف أتحدث باسم شعب يرى في المقاومة أبطالاً يكتبون الملاحم، بينما حكومتهم تراهم عثرة في طريق التطبيع؟ كيف أوقع على وثيقة تطلب نزع سلاح من يحمي كل ما تبقى من كرامة؟
(تتنهد كمن يستعد للموت)
أتذكر كلمات رئيس الحكومة "س" قبل أن أغادر عاصمة الأرز: سفيرة، مهمتك صعبة كتسلق الجبال. لكنها ضرورية كالهواء. بلاد الأرز بحاجة إلى السلام مع المحتل. والمقاومة هي الحجر الذي يعطل مسيرة هذا السلام. قلت له بجرأة: لكن المقاومة تحمي بلاد الأرز من المحتل نفسه. قال لي بنبرة المعلم: الحماية الحقيقية تأتي من الإمبراطورية وحدها، وليس من ميليشيات تحسب حسابها على بلاد القوافل. قلت له: لكن الإمبراطورية خسرت ثلاثة عشر معقلاً. قال لي مبتسماً: لهذا نحن نطلب مساعدتها أكثر. فالخاسرون أكثر كرماً من المنتصرين.
مساعدة الخاسرين... يا لها من كلمات تهز السخرية في أعماقها! إمبراطورية دمرت معاقلها في آسيا... إمبراطورية هزمتها بلاد القوافل... إمبراطورية تبحث عن أي انتصار معنوي كمن يبحث عن سراب... وهي تجد في بلاد الأرز ضالتها المنشودة. نحن لسنا شركاء في هذا القصر المهيب. نحن ورقة ضغط في لعبة كبرى. نحن أداة ترمى بعد الاستخدام. نحن... نحن (تبحث عن الكلمة) نحن المحمية التي تنتظر سيدها ليأخذها إلى المسلخ.
(تبكي بصمت كمن يبكي على وطن)
لكني سأواصل مع ذلك. سأوقع رغم أنفي. سأصنف رغم يقيني. سأفعل كل ما يطلب مني كالجندي المطيع. لأنني... لأنني لا أملك خياراً آخر في هذه اللعبة. لأن بلاد الأرز لا تملك خياراً آخر بعد أن راهنت على الحصان الخاسر. لأن الضعف... الضعف يجعل الإنسان يفعل أشياء كان يظنها مستحيلة. والضعف... الضعف هو عنوان هذا المشهد الذي يتكرر منذ بدأت المسرحية."
(تعود إلى كرسيها كالروبوت. الأضواء تعود. وزير الخارجية "م" لا يزال يبتسم. سفير الكيان "ي" يصفق بصمت. وصوت الراوي الساخر يعلق كمن يقرأ حكمة قديمة)
صوت الراوي الساخر:
"هكذا كانت السفيرة "ح" في كل مرة. توقع وهي تعلم أنها توقع على وطنها. تبتسم وهي تعلم أن الدموع خلف الابتسامة. وتقول إنها تفعل كل شيء من أجل السلام، والجميع يعلم أنها تفعل كل شيء من أجل البقاء في كرسي لا يستحق البقاء. هذه هي تراجيديا الضعفاء. يعرفون أنهم يخطئون، لكنهم يواصلون الخطأ لأنه أسهل من الصواب."
…….
المشهد السادس: تدخل المحميات – جوقة المهزومين الخالدين
(فجأة، تظهر مجموعة من الشخصيات على جانبي المسرح. إنهم المحميات: جوقة من الساسة والوجهاء الذين يتكررون في كل زمان ومكان، والذين يدعمون حكومة بلاد الأرز ويساندون مسار التبعية. يرتدون بدلات أنيقة تعبر العصور، لكن وجوههم شاحبة كأنها مرسومة على جدران الكهوف. يتحدثون بصوت واحد، كجوقة يونانية قديمة، لكن جوقة ساخرة تصلح لكل زمان)
أبو المحمية الأول (بصوت تاجر يفاوض منذ الأزل):
"نحن مع السلام منذ خلق الله الدنيا... السلام يعني إعماراً... الإعمار يعني أموالاً تنهال كالمطر... الأموال تعني مشاريع نسرقها... المشاريع تعني عمولات ننام عليها... والعمولات... حسنناً، العمولات تعني سعادة لا تنتهي."
أبو المحمية الثاني (بصوت إعلامي مأجور في كل عصر):
"المقاومة إرهاب باسم الدين... الإرهاب يجب أن يُزال من جذوره... الإزالة تحتاج إلى قرار من الإمبراطورية... القرار يحتاج إلى توقيع من ضعفائنا... والتوقيع... حسنناً، التوقيع موجود منذ قرون."
أبو المحمية الثالثة (بصوت سفير سابق يبيع خبرته):
"الإمبراطورية حليف استراتيجي أبدي... التحالف الاستراتيجي يعني حماية من كل سوء... الحماية تعني أماناً من الخوف... الأمان يعني استقراراً وهمياً... والاستقرار... حسنناً، الاستقرار هو ما نسميه الموت البطيء ."
(يتوقفون فجأة. ينظرون إلى بعضهم كمن اكتشف سراً. ثم يتحدثون معاً بصوت واحد يزلزل المسرح)
الجوقة كلها (بصوت كالرعد):
"لكن... لكن... أين بلاد الأرز في كل هذا؟ أين الشعب الذي لا نراه؟ أين الدماء التي تسيل على تلال الجنوب؟ أين الشهداء الذين تكتب أسماؤهم على الحجارة؟ أين... أين... أين الضمير الذي مات منذ قرون؟"
(صمت يمتد كالصمت الذي يسبق الزلزال. ثم يضحكون ضحكة هستيرية تشبه ضحك المجانين)
الجوقة كلها (بصوت أعلى من الجبل):
"الضمير... الضمير يتناسب عكسياً مع العملة الصعبة. كلما ارتفعت العملة، انخفض الضمير. وكلما انخفض الضمير، ارتفعت السعادة الوهمية. نحن سعداء كالسكارى. سعداء جداً لدرجة أننا لا نشعر بالعار. لأن العملة مرتفعة كالسماء. والضمير... حسنناً، الضمير في خبر كان منذ أن دخلنا هذه القاعة."
(يختفون كما جاءوا كالسراب. سفيرة "ح" تنظر إليهم برعب كمن رأى أشباحه. وزير الخارجية "م" يبتسم كالحجر. سفير الكيان "ي" يصفق بهدوء كمن يشاهد مسرحية هزلية)
…….
المشهد السابع: التوقيع – لحظة العار الخالدة
(وزير الخارجية "م" يخرج وثيقة طويلة كلفيفة عمرها قرون. يضعها أمام سفيرة "ح" باحتفالية كمن يضع تاجاً على رأس ميت. يضع نسخة أخرى أمام سفير الكيان "ي" كمن يضع وعداً)
وزير الخارجية "م" (بصوت احتفالي كمن يعلن ميلاد عصر جديد):
"هذه هي الوثيقة التي سيكتبها التاريخ بحروف من نار. تتضمن ثلاثة بنود خالدة. أولاً: تصنيف كل مقاومة في بلاد الأرز كتنظيم إرهابي يعادي السلام. ثانياً: نزع سلاح المقاومة في بلاد الأرز بالكامل، تسليمه للإمبراطورية. ثالثاً: بدء مفاوضات مباشرة بين بلاد الأرز والكيان المحتل تحت رعاية الإمبراطورية إلى أن يشاء الله. سعادة السفيرة، هل لديك أي ملاحظة تخفف من حدة العار؟"
سفيرة "ح" (بصوت خافت كهمس الموتى):
"لدي... لدي سؤال يلح عليّ كالكابوس. ماذا عن... ماذا عن المقاومة التي لا تزال تقاتل في تلال الجنوب؟ ماذا عن الدماء التي تسيل الآن كالأنهار؟ ماذا عن..."
وزير الخارجية "م" (يقاطعها بحزم كمن يقطع رقبة دجاجة):
"سعادة السفيرة، تلال الجنوب بعيدة عن قصور الإمبراطورية. هنا، في هذه القاعة المقدسة، نتعامل مع الحقائق الدبلوماسية الجامدة، وليس مع الميدان المتحرك. الميدان سنتعامل معه لاحقاً بالدبابات والطائرات. الآن، التوقيع هو كل شيء. التوقيع هو التاريخ. والتاريخ يكتب الآن."
سفير الكيان "ي" (بصوت بارد كالثلج في الصحراء):
"السفيرة تعرف أن التوقيع هو بداية الطريق الطويل. أما تلال الجنوب... فسنهتم بها لاحقاً. بالحديد والنار. كما اعتدنا منذ أن عرفنا الوجود."
(سفيرة "ح" تلتقط القلم كمن يلتقط ثعباناً. ترتجف يدها كمن يصاب بالحمى. تنظر إلى الوثيقة كمن ينظر إلى قبره. تنظر إلى وزير الخارجية "م" كمن ينظر إلى جلاّد. تنظر إلى سفير الكيان "ي" كمن ينظر إلى شبح. ثم... توقع. يُسمع صوت القلم على الورق كصوت نعش يُغلق على أمة)
صوت الراوي الساخر (من خلف الكواليس، بصوت حزين ساخر كمن يقرأ نعي حضارة):
"وفي قصر الإمبراطورية، وقّعت سفيرة بلاد الأرز على وثيقة العار الخالدة. وفي تلال الجنوب البعيدة، كانت المقاومة توقّع على وثيقة المجد بدماء شهدائها الجدد. طاولتان في ربيع واحد: الأولى في جبل السلام كتبت النصر كما تكتبه الأسود، والثانية في عاصمة الإمبراطورية كتبت الهزيمة كما يكتبها الحملان. والمضحك المبكي الذي لا يتبدل أن الطاولتين جمعتا الإمبراطورية والكيان المحتل. لكن على الأولى، كان قائد "ف" يبتسم كمن يوزع هدايا. وعلى الثانية، كانت سفيرة "ح" تبكي كمن توزع تراب وطنها. هذه هي بقاعنا. هذا هو تاريخنا الأبدي. وهذا... هذا هو نصيب كل ضعيف يظن أن القوي سيرحمه."
(يُطفأ ضوء الفصل الثاني على هذه الكلمات. صوت الراوي الساخر يبكي ويضحك في آن)
…….
الفصل الثالث: طاولة افتراضية خالدة – حيث يجتمع المتناقضون إلى الأبد
المشهد الثامن: لقاء الرئيس "ت" ورئيس الوزراء "ن" ورئيس الحكومة "س" والمستشار "ر" – مؤتمر الخالدين
(المسرح ينقسم إلى قسمين كأنهما عالمين لا يلتقيان. في القسم الأيمن، الرئيس "ت" ورئيس الوزراء "ن" يجلسان أمام شاشة كبيرة تعود بزمن. في القسم الأيسر، رئيس الحكومة "س" والمستشار "ر" يجلسان أمام شاشة أخرى أحدث لكنها تنقل نفس العار. الأضواء تخفت تدريجياً، وتظهر الشاشتان كأنهما نافذتان على عوالم متوازية من الهزيمة)
صوت الراوي الساخر:
"بعد ساعات من التوقيع في قصر الإمبراطورية، يُعقد مؤتمر عبر الأثير بين الفريق الذي خسر حرباً لكنه يريد أن يبيع نفسه كمنتصر في جبل السلام، والفريق الذي خسر كل شيء في قصر الإمبراطورية لكنه يريد أن يشتري وهماً. الرئيس "ت" يريد أن يبيع الفكرة لرئيس الحكومة "س". ورئيس الحكومة "س" يريد أن يشتري أي شيء يبقيه في كرسيه المتزعزع. والنتيجة... حسنناً، النتيجة مشهد خالد يتكرر كما تتكرر الفصول."
(تظهر صورة الرئيس "ت" على شاشة رئيس الحكومة "س"، وصورة رئيس الحكومة "س" على شاشة الرئيس "ت" كأنهما في مرآة مكسورة)
الرئيس "ت" (بصوته الأجش الذي لا يتغير، يحاول أن يبدو واثقاً كمن يبيع سلعة فاسدة):
"سيد رئيس الحكومة... أريد أن أقول لك كلمة صادقة: أنت رجل عظيم في تاريخ بلاد الأرز... أعني... لقد فعلت شيئاً عظيماً لم يفعله أحد قبلك... التوقيع في قصر الإمبراطورية... كان توقيعاً سيكتب بماء الذهب... أنا فخور بك كأب... صدقني، كل الإمبراطورية فخورة بك."
رئيس الحكومة "س" (يبتسم ابتسامة مصطنعة كقناع فرعوني، يحاول أن يبدو راضياً كمن شرب سماً ظنه عسلاً):
"شكراً سيد الرئيس. نحن في بلاد الأرز نؤمن بالسلام منذ أن خلق الله الأرز... السلام هو خيارنا الاستراتيجي الذي لا نتراجع عنه... ونحن على استعداد للتعاون الكامل مع الإمبراطورية العظيمة... في كل المجالات التي تطلبونها."
رئيس الوزراء "ن" (يتدخل فجأة كالثعبان، بصوت حاد كالسكين):
"سيد رئيس الحكومة، أريد أن أتأكد من شيء يقلقني... أنتم في بلاد الأرز ستسلمون سلاح المقاومة ... صحيح؟ ليس بعد موسم الحصاد، ولا بعد عيد الأضحى، بل الآن... فوراً... كالبريد السريع."
رئيس الحكومة "س" (يتردد كمن يمشي على حبل، ينظر إلى المستشار "ر" الذي يهمس في أذنه كالشيطان على الكتف):
"نحن... نحن نعمل على ذلك في غرف مغلقة... هناك تفاصيل صغيرة... تفاصيل لوجستية... أمنية... دستورية... طائفية... لكننا ملتزمون كالحجر... ملتزمون بالاتفاق كالعروس في ليلة زفافها."
المستشار "ر" (يهمس بصوت عالٍ كمن يريد أن يسمعه كل التاريخ):
"قل له نعم فقط... نعم ولا شيء غير نعم... لا تقل له كيف، ولا متى، ولا لماذا... فقط نعم... الباقي سنرتبه في لبنان بعد أن نرتب أمورنا... المهم أن نرضيهم اليوم... ونبقى في كراسينا إلى الغد."
الرئيس "ت" (يضحك ضحكة قصيرة كمن يسمع نكتة قديمة):
"أسمعك يا سيد المستشار ... أنت رجل عملي كمن نعرف... أنا أحب الرجال العمليين من كل قلبي... في مدينتي القديمة، كنا نسميهم رجال الظل ... أنت رجل ظل ماهر... وأنا أيضاً رجل ظل... لكن ظلنا... ظلنا معاً... سيكون أطول ظل في التاريخ... لأنني... لأننا... سنري العالم أن إمبراطوريتنا لا تزال قوية كالحديد... وأن بلاد الأرز ستكون نموذجاً للسلام الذي نريده... نموذجاً... لدولة منزوعة السلاح كالأعزل... في مواجهة بلاد القوافل المسلحة كالنمر... هذه... هذه صفقة مربحة... مربحة جداً لمن يبيع أوهاماً."
(رئيس الوزراء "ن" ينظر إلى الرئيس "ت" باستغراب كمن يسمع خرافة. رئيس الحكومة "س" ينظر إلى المستشار "ر" بقلق كمن ينتظر حكماً بالإعدام. المستشار "ر" يبتسم كمن ابتلع جرادة)
صوت الراوي الساخر (يهمس كالريح):
"هكذا كانت مكالمات الخالدين. يتحدثون ولا يقولون شيئاً. يعدون ولا يفون. يبتسمون وهم يبكون. يظنون أنهم يصنعون التاريخ، والتاريخ يصنع منهم أضحوكة. هذا هو قانون الضعفاء: يظنون أن الكذب على الأقوياء ينجيهم، والكذب لا ينجي من قدر."
…….
المشهد التاسع: مونولوج رئيس الحكومة "س" – اعترافات رئيس بلا وطن في كل زمان
(تخفت الأضواء. بقعة ضوء على رئيس الحكومة "س" وحده. يقف من على كرسيه كمن يقوم من قبر، يتحدث إلى الجمهور بصوت مرتعش كمن يرتجف من برد الماضي)
رئيس الحكومة "س":
"هل تعرفون ما هو أصعب شيء في رئاسة حكومة بلاد الأرز في كل العصور؟ أن تكون رئيساً لبلد لا تحكمه. أن تتحدث باسم شعب لا يستمع إليك. أن توقع اتفاقيات لا تؤمن بها منذ البداية. أن تبتسم كالقناع وأنت تبكي كالطفل. أن تشكر من يذبحك كالمعتوه. أن تبارك من يسرقك كالأحمق.
(يمسح جبينه الذي يتصبب عرقاً كأنهار)
لقد جئت إلى الحكم على أكتاف المحميات الخالدين... أولئك الذين راهنوا على الإمبراطورية منذ أن عرفوا السياسة... الذين راهنوا على التطبيع مع المحتل منذ أن عرفوا العار... الذين راهنوا على نهاية كل مقاومة في كل زمان... لكن المقاومة لا تنتهي في بلاد الأرز. إنها كالنهر الجاري. وما زالت تقاتل في تلال الجنوب. وما زالت تسقط الدبابات كأنها تسقط تفاحاً. وما زالت تكتب المجد بدماء أبنائها كأنها تكتب وصية.
وأنا هنا... في قصر الرئاسة الذي لا أحكمه... أو في عاصمة الأرز التي لا أملكها... أو أينما كان كرسي ينتظرني... أوقع أوراقاً لا معنى لها كمن يوقع على ريح. أطلب نزع سلاح من لا يمكن نزع سلاحه كمن يطلب من البحر أن يجف. أتفاوض مع عدو لا يريد السلام كمن يفاوض ذئباً على قطيع. أرضي إمبراطورية هزمتها بلاد القوافل كمن يرضي جزاراً بسكينه. أخدم كياناً محتلاً يريد تدمير بلادي كمن يخدم سيده على حساب أهله.
(يضحك ضحكة مريرة كمن يضحك على جنازته)
أنا لست خائناً بالمعنى التقليدي للخيانة. أنا وهمي بالمعنى الحديث للوهم. أنا رئيس وهمي لبلد وهمي. أنا أتصرف كما لو أن لدي قوة كالجبابرة، وأنا لا أملك من القوة ما يعادل ذبابة. أنا أتحدث كما لو أن لدي قراراً كالسلاطين، وأنا لا أملك من القرار ما يعادل صفراً. أنا... أنا مجرد محمية أخرى في قائمة المحميات الخالدة. محمية ترتدي بدلة رئيس حكومة وتظن أنها تختلف عن غيرها.
(ينظر إلى الجمهور بعينين دامعتين كمن يودع الحياة)
لكنني سأستمر في اللعبة. سأوقع كالأعمى. سأتفاوض كالأبكم. سأبتسم كالميت. لأن هذا هو كل ما تبقى لي من حياة. لأن البديل... البديل المخيف هو أن أعترف بأنني فاشل كغيري. وأن السياسة التي اخترتها فاشلة كأختها. وأن المحميات التي تدعمني... هي مجرد أوهام كباقي الأوهام. أوهام تتبخر كالسراب مع أول صاروخ ينطلق من تلال الجنوب.
(يبتسم ابتسامة ميتة كمن يرى قبره مفتوحاً)
فليضحك التاريخ علي كما ضحك على أمثالي. فليكتب اسمي في قائمة الخالدين بالعار. فليسجلوني كأغبى رئيس حكومة في تاريخ بلاد الأرز الطويل. المهم... المهم أن أبقى في الكرسي يوماً إضافياً. وأوقع ورقة إضافية. وأبتسم ابتسامة إضافية. لأن هذا... هذا هو كل ما تبقى لي من كرامة. وكرامة الضعيف أن يظل جالساً."
(تعود الأضواء. الرئيس "ت" لا يزال يتحدث على الشاشة كالنبي الكذاب. رئيس الحكومة "س" يعود إلى كرسيه كالروبوت الذي نفدت طاقته)
صوت الراوي الساخر (يهمس كمن يقرأ تعويذة):
"هكذا كان رئيس الحكومة "س" في كل مرة. يجلس على كرسيه ويحلم أنه يحكم. ويوقع أوراقه ويظن أنه يصنع. ويتحدث إلى شعبه ويخاله أنه يسمع. ويبقى في منصبه ويعد نفسه أنه ينتصر. والواقع خلفه يضحك ضحكة التاريخ. ضحكة لا تنتهي ولا تهدأ."
…….
المشهد العاشر: مونولوج المستشار "ر" – اعترافات مستشار بلا ضمير يصلح لكل عصر
(تخفت الأضواء. بقعة ضوء على المستشار "ر" وحده. يقف مبتسماً كمن يلقي محاضرة في أكاديمية الشر، كمن يشرح قوانين السقوط)
المستشار "ر":
"سيداتي سادتي الخالدين... دعونا نكن واقعيين كالحجارة. السياسة ليست أخلاقاً من عند الله. السياسة مصالح من صنع البشر. والمصالح تُحسب بالذهب الأصفر، وليس بالدماء الحمراء. أنا مستشار في هذه المسرحية. ومهمتي منذ تعاقدت مع أول رئيس أن أقدم النصيحة لمن يدفع أكثر في المزاد. ومن يدفع أكثر اليوم؟ الإمبراطورية بذهبها. ومن يدفع أقل؟ المقاومة بدمائها. إذاً، النصيحة كالشمس: راهن على الإمبراطورية في كل مرة. حتى لو خسرت صفقة، ستربح صفقة. لأن الخسارة مع الإمبراطورية أفضل من الربح مع المقاومة. لماذا؟ لأن الإمبراطورية تملك المال الذي يشتري كل شيء. والمقاومة تملك الدم الذي يلوث البدلات البيضاء. والمال... المال يمكن صرفه في لندن وباريس. أما الدم... فالدم يبقى على الأيدي إلى الأبد.
(يضحك ضحكة قصيرة كمن يضحك على حماقة البشر)
أعرف أن كلامي يخدش المشاعر كالسكين. لكنها الحقيقة التي لا تقبل الجدل كموت الغد. بلاد الأرز ليست جنة على الأرض. بلاد الأرز بلد طائفي كالفسيفساء، فاسد كالمستنقع، مدمر كالبيت القديم. من يريد البقاء فيه كحاكم يجب أن يكون عملياً كالجزار. وأنا عملي كالحجر. عملي لدرجة أنني فقدت القدرة على التمييز بين السماء والأرض. كل ما أعرفه: العملة ترتفع كالصاروخ، وأنا مع العملة. العملة تنخفض كالحجر، وأنا مع العملة أيضاً. لأن العملة... العملة هي الإله الوحيد الذي لا يخون في هذه البقاع. الإله الذي يصعد وينزل لكنه لا يموت.
(ينظر إلى ساعته الخالدة)
الآن، يجب أن أعود إلى الاجتماع الخالد. الرئيس "ت" لا يزال ينتظر رداً مني كالمنتظر. وسأعطيه الرد المعتاد: نعم، سيد الرئيس العظيم. سنفعل كل ما تطلبه كالعبيد. سنصنف، سننزع، سنوقع، سنفعل... لأننا... لأننا المحميات التي تنتظر الإعمار من سيدها. نعم... هذا هو الرد الخالد. وهذا هو دوري في كل مسرحية. وهذا... هذا هو مصيري الأبدي كظل لأسياد لا يرحمون."
(يعود إلى كرسيه. الرئيس "ت" لا يزال يبتسم على الشاشة كالقمر في ليلة اكتماله)
………
المشهد الحادي عشر والأخير: الخاتمة – طاولتان لا تلتقيان إلى أبد الآبدين
(تعود الأضواء إلى كامل المسرح. في القسم الأيمن، الرئيس "ت" ورئيس الوزراء "ن" ينهيان المكالمة كمن ينهيان صلاة. في القسم الأيسر، رئيس الحكومة "س" والمستشار "ر" يغلقان الشاشة كمن يغلقان نافذة على جحيم. فجأة، يظهر قائد "ف" في منتصف المسرح، كمن كان هناك منذ بدء الخليقة لكنه كان خلف الحجاب. يبتسم ابتسامة المنتصر الخالدة)
قائد "ف" (بصوت هادئ، عميق، كصدى الجبال):
"طاولتان في ربيع لا يموت. الأولى في جبل السلام، جمعت منتصراً يكتب ومهزوماً يملي. والثانية في قصر الإمبراطورية، جمعت تابعاً يسجد ومتبوعاً يرفع رأسه. الأولى كتبت النصر للإرادة التي لا تنكسر. والثانية كتبت الهزيمة للضعفاء الذين لا يتعلمون. الأولى ستبقى في سفر التاريخ ملحمة تروى للأجيال. والثانية ستبقى في هوامشه... مهزلة تروى للساخرين.
(يمشي ببطء نحو مقدمة المسرح كمن يمشي على سجادة من نجوم)
في جبل السلام، كنا نتفاوض كالأحرار المتوجين. كنا نكتب شروطنا بدمائنا على جبين الزمن. كنا نُسمع صوتنا كالرعد لأننا امتلكنا قوة الجبال. في قصر الإمبراطورية، كانوا يتفاوضون كالعبيد المسوقين. كانوا يستوفون شروط غيرهم كالآلات. كانوا يهمسون كالذباب لأنهم فقدوا ظل القوة.
(يتوقف. ينظر إلى الجمهور كمن يلقي وصيته)
هذا ليس انتصاراً لبلاد القوافل وحدها. هذا انتصار لكل من يؤمن بأن القوة وحدها تصنع التاريخ في هذه البقاع. وأن الضعف يمحو الهوية كالماء يمحو الكتابة على الرمل. وأن من لا يملك قوة لا يملك حقاً في الكلام منذ بدأ الزمان. بلاد الأرز... بلاد الأرز تكنز قوة كالجبل. لكنها ترمي بها كالحصى. تكنز مقاومة كالسيف. لكنها تحاربها كالعدو. تكنز كنزاً يغنيها عن كل كنوز الأرض. لكنها تريد التخلص منه كالقاذورات. وهذا... هذا هو سر هزيمتها الأبدية.
(يبتسم ابتسامة حزينة كمن يبكي على جريح)
أما نحن... فسنواصل المسيرة. سنواجه الجيوش. سننتصر في الحروب. لأننا تعلمنا من التاريخ كالتلاميذ المجتهدين. وتعلمنا أن من يفاوض من موقع القوة... يكتب التاريخ بيده. ومن يفاوض من موقع الضعف... يقرأ التاريخ بعين غيره. ونحن... نحن نكتب اليوم كما كتبنا بالأمس. ونحن سنكتب غداً كما سنكتب بعد غد. وإلى أن تستفيق بلاد الأرز من غفلتها الطويلة... وإلى أن تدرك أن سلاحها هو عزها... وإلى أن تفهم أن من يسلم سلاحه يسلم روحه... سيبقى مشهدنا هذا... مشهداً خالداً... في مسرحية لا تنتهي ولا تمل."
(يخرج قائد "ف" من المسرح كمن يخرج من حلم. تظهر الجوقة الخالدة مرة أخرى. لكن هذه المرة، لا تتحدث. تكتفي بالضحك. ضحك هستيري أبدي يملأ المسرح كالغبار. الأضواء تخفت تدريجياً كالشمس في المغيب. على الشاشة الخلفية، تظهر صور متناوبة خالدة: تلال الجنوب تحت القصف كأنها لوحة، وقصر الإمبراطورية في احتفالاته كأنها حفلة، وجبل السلام في هدوء النصر كأنها أسطورة. صوت الراوي الساخر يختم كما يختم التاريخ)
صوت الراوي الساخر (بصاحب من يقرأ نهاية العالم):
"وانتهت المسرحية كما بدأت. المنتصر عاد إلى قلاعه يبتسم. المهزوم عاد إلى أوهامه يبكي. والمحميات عادت إلى ثقوبها تنتظر. وطاولتان بقيتان في خيال المسرح: طاولة العزة وطاولة الذلة. طاولة الكرامة وطاولة التبعية. طاولة النصر وطاولة الهزيمة. وكل من يشاء فليختر أي طاولة يجلس عليها. فالمسرحية لا تنتهي. والستار لا يسقط. والجمهور لا يغادر. والتاريخ... (يضحك ضحكة طويلة)... والتاريخ يكتب نفسه بنفسه."
(يُسدل الستار ببطء. يُسمع من ورائه ضحك الجوقة الخالدة مختلطاً ببكاء السفيرة "ح" وصمت رئيس الحكومة "س" وتنهيدة قائد "ف". ثم صمت. صمت أبدي كصمت القبور. تنتهي المسرحية)
---
خاتمة المؤرخ الساخر
كُتبت هذه المسرحية في ربيع لا يُنسى، لكنها تنطبق على كل ربيع تشابهت فيه المواصفات. وهي تسعى إلى توثيق لحظة خالدة في تاريخ البقاع، حيث تقاطعت ملحمة النصر مع مهزلة الاستسلام، واجتمع الأبطال على طاولة مع الخونة، وكتب الدم سطور المجد في مكان وكتب الحبر سطور العار في مكان آخر.
نهدي هذه المسرحية إلى كل ضعيف يظن أن القوي سيرحمه. وإلى كل قوي يظن أن الضعف أبدي. وإلى كل مؤمن بأن الطاولة المستديرة تعني المساواة. فالتاريخ يعلمنا أن الطاولة قد تكون مستديرة، لكن من يجلسون عليها ليسوا سواء. بعضهم يكتب شروطه بيده، وبعضهم يستوفي شروط غيره بيد ترتجف.
وهكذا تدور المسرحية. وهكذا نكتب نحن ما نراه. وهكذا يقرأ من بعدنا ما كتبناه. فيضحكون. أو يبكون. أو يفعلون كليهما معاً. لأن هذه هي حال هذه البقاع. وهذه هي سنة التاريخ. وهذه... هذه هي مسرحيتنا التي لا تنتهي.
نهاية المسرحية
وسبحان الطبيعة التي جعلت العبرة في العبر، والمسرحية في الحياة، والحياة مسرحية.