بلجيكا: شفق التوافق الاجتماعي حين تلتهم صفقات السلاح أحلام الشارع
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 15:45
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بلجيكا: شفق التوافق الاجتماعي
حين تلتهم صفقات السلاح أحلام الشارع
مقدمة: غضب لا يشبه بلجيكا
بلجيكا... ذلك البلد الهادئ، صاحب البيوت القرميدية الحمراء والساحات المرصوفة بحجارة الذاكرة، خرج فجأة عن صمته المألوف. لم تعد شوارع بروكسل تحتضن فقط الدبلوماسيين الأنيقين وسيّاح البيرة والشوكولاتة، بل امتلأت بوجوه أخرى: وجوه متقاعدين رفعوا عصيّ المشي كرايات احتجاج، وأمهات يدفعن عربات أطفالهن وسط الزحام، وعمال صناعة يرتدون بزاتهم الزرقاء وكأنهم في إضراب دائم.
لم يكن المشهد احتجاجاً عابراً كتلك التي تعتري الديمقراطيات بين حين وآخر. كان أشبه بلوحة زيتية قاتمة تعكس تشققاً عميقاً في جدار الثقة بين الشعب والسلطة. ففي بلد بُني على فكرة التوافق، حيث تذاب الخلافات في بوتقة الحوار المستمر، يصبح الغضب الشعري حدثاً وجودياً بامتياز.
لكن ما الذي حدث؟ كيف تحولت بلجيكا، النموذج الأوروبي المصغّر للديمقراطية الاجتماعية، إلى ساحة مفتوحة على أسئلة مصيرية لا تتعلق فقط بالمعاشات أو الإعانات، بل بجوهر الدولة نفسها؟ هل هي درع اجتماعي يحمي الضعفاء، أم آلة سياسية تنفّذ أجندات دولية مهما كان الثمن الداخلي؟
---
الفصل الأول: حمّى الشارع البلجيكي
1. جحيم المتقاعدين ونداءات العاطلين
في كل زاوية من زوايا المظاهرات، تقف حكاية إنسانية تبحث عن بطل. ها هو ريتشارد، سبعيني كان يعمل في مناجم الفحم بوالونيا، يقف الآن تحت المطر يحمل لافتة كتب عليها بخط يد مرتجف: "لقد أعطيتُ عمري للبلاد، فلماذا تتركونني أعيش على فتات الخبز؟". إلى جانبه، تصرخ سيدة في الخمسين: "ابني يبحث عن عمل منذ ثلاث سنوات، والآن يريدون قطع الإعانة عنه بحجة أنه لا يبحث بجدية كافية!".
هذه المشاهد ليست استثناء، بل أصبحت القاعدة. فالمتقاعد الذي ينتظر زيادة بسيطة في معاشه لا تتجاوز عشرين يورو، والأم العازبة التي تعتمد على دعم الأطفال لتسد رمق الشهر، والشاب الحاصل على شهادة جامعية ويعمل في "اقتصاد المؤقت" دون أمان وظيفي... كل هؤلاء يشعرون اليوم بأن الدولة تتنصل من وعودها.
والأكثر إيلاماً أن هذه الفئات لا تطلب معجزات. إنها تطلب فقط ما وعدت به. فالنموذج البلجيكي، الذي كان يُدرّس في كليات العلوم السياسية كنموذج للعدالة الاجتماعية، ها هو ينهار تحت وطأة سياسات لا تشبه روح هذا البلد. سياسات تجعل من المواطن مجرد رقم في معادلة اقتصادية باردة، بدلاً من أن يكون محور كل سياسة وهدف كل تنمية.
2. حين يصبح المواطن عبئاً
ما يحدث اليوم في بلجيكا ليس مجرد إصلاحات اقتصادية تقليدية. إنه تحول أنثروبولوجي في نظرة الدولة إلى المواطن. ففي الخطاب الحكومي الجديد، لم يعد العاطل عن العمل "ضحية ظروف اقتصادية"، بل أصبح "مستفيداً من الكسل". ولم يعد المريض "إنساناً يحتاج الرعاية"، بل أصبح "تكلفة على نظام الصحة". ولم تعد المدرسة العمومية "حقاً دستورياً"، بل أصبحت "قطاعاً يحتاج إلى المنافسة والخصخصة".
هذا التحول اللغوي ليس بريئاً. إنه يسبق التحول السياسي ويمهّد له. فعندما يتحول المواطن في الخطاب الرسمي إلى "عبء"، يصبح من السهل تقليص خدماته، وقطع إعاناته، وتبرير كل ذلك بمنطق "الكفاءة الاقتصادية" و"الاستدامة المالية".
لكن السؤال المقلق هو: أين تذهب هذه الأموال التي تُقتطع من جيوب الفقراء والمتقاعدين والمرضى؟ الإجابة قد تكون أكثر إيلاماً من السؤال نفسه.
---
الفصل الثاني: الدولة الحارسة... لمن؟
1. الميزانية التي تسير في اتجاهين متعاكسين
بينما تعلن الحكومة عن "ضرورة التقشف"، وعن "الحاجة إلى إصلاح نظام التقاعد"، وعن "استحالة زيادة الرواتب في القطاع العام"... نجدها في الجهة المقابلة تفتح الخزائن على مصراعيها لصفقات لا تمت بصلة إلى حياة المواطن اليومية.
ففي غضون سنوات قليلة، تضاعفت ميزانية الدفاع البلجيكية. وتم توقيع عقود ضخمة مع شركات أمريكية لشراء مقاتلات "إف-35" الشبحية. وتم تحديث القواعد العسكرية. وتم إرسال جنود إلى مهام خارجية لا يعرف المواطن العادي عنها شيئاً سوى أنها "ضرورية للأمن القومي".
هذا التناقض الصارخ بين تقليص مظلة الحماية الاجتماعية وتوسيع المظلة العسكرية يخلق انطباعاً لا يمحى بأن الدولة تعيد تعريف أولوياتها. لم تعد الأولوية لرعاية المواطن، بل لرعاية "المصالح الاستراتيجية" التي غالباً ما تكون مصالح الحلفاء أكثر مما هي مصالح البلجيكيين أنفسهم.
2. سامير أمين وقراءة الأزمة البلجيكية
لنفهم هذا التناقض بعمق، نحتاج إلى نظارة تحليلية حادة. نظارة مفكر اقتصادي كبير أمضى حياته في تفكيك آليات التراكم الرأسمالي على المستوى العالمي. إنه المفكر الذي قدّم لنا مفهوم "المركز" و"الأطراف"، وحلل كيف أن الرأسمالية العالمية لا تعمل إلا من خلال إنتاج وتعميق التفاوتات.
هذا المفكر، الذي ظل لسنوات يحاضر في دكار والقاهرة، قد لا يكون قد كتب سطراً واحداً عن بلجيكا تحديداً. لكن أدواته التحليلية تسمح لنا بفهم ما يجري في بروكسل كما لو كان يرسم خريطة للمدينة بنفسه.
ففي تحليله للرأسمالية المعاصرة، يشرح هذا المفكر كيف أن "المركز" الإمبريالي (الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون) يعيد إنتاج هيمنته من خلال آليتين أساسيتين: الأولى هي السيطرة على التكنولوجيا والتدفقات المالية، والثانية هي العسكرة الدائمة.
ما يحدث في بلجيكا اليوم هو أن الدولة، بدلاً من أن تكون درعاً اجتماعياً لمواطنيها، تتحول إلى ترس في ماكينة الهيمنة هذه. الأموال التي تُسحب من جيوب الفقراء لا تذهب فقط إلى الميزانية العامة، بل تذهب تحديداً إلى شراء أسلحة أمريكية، وإلى تمويل وجود عسكري تحت راية الناتو، وإلى المشاركة في حروب لا تعني المواطن البلجيكي العادي في شيء.
وهنا يكمن العمق التحليلي لهذا المفكر: إنه يعلّمنا أن ننظر إلى ما وراء الأرقام. فالزيادة في ميزانية الدفاع ليست مجرد خيار تقني، بل هي خيار سياسي يعيد تموضع بلجيكا داخل النظام الإمبريالي العالمي. وهي خيار له ثمن داخلي باهظ: تفكيك الدولة الاجتماعية، وتهميش الفئات الشعبية، وتحويل المواطن من شريك في المشروع الوطني إلى مجرد أداة في لعبة كبرى لا يملك مفاتيحها.
3. العقد الاجتماعي الممزق
كل مجتمع يقوم على عقد غير مكتوب. هذا العقد يقول: أنت، أيها المواطن، تدفع الضرائب وتلتزم بالقوانين، وفي المقابل، نوفر لك أنا، الدولة، الأمن والتعليم والصحة والكرامة.
في بلجيكا، كان هذا العقد مقدساً. كان التوافق الفلاماني-الوالوني، التوافق بين النقابات وأرباب العمل، التوافق بين اليسار واليمين... كل هذه التوافقات كانت تقوم على فكرة أساسية: أن الدولة مسؤولة عن مواطنيها، وأن النمو الاقتصادي يجب أن يتقاسمه الجميع.
اليوم، هذا العقد يتمزق. المواطن يشعر بأنه يدفع ضريبته في وقتها، لكن الخدمات التي يتلقاها تتراجع. يشعر بأنه يضحي من أجل "التقشف"، بينما يرى الأموال تذهب إلى صفقات لا تفهمها. يشعر بأن الدولة لم تعد في صفه، بل في صف آخرين لا يعرفهم ولا يرى منهم سوى الظلال.
إنه شعور عميق بالخيانة. ليس خيانة شخصية، بل خيانة مؤسساتية، خيانة للوعد الذي قامت عليه الدولة الحديثة نفسها.
---
الفصل الثالث: وجوه متعددة لأزمة واحدة
1. فلاندرز ووالونيا: انقسام جديد فوق الانقسام القديم
بلجيكا بلد الانقسامات المعروفة: الفلامان الناطقون بالهولندية في الشمال، والوالون الناطقون بالفرنسية في الجنوب. لكن الأزمة الحالية تضيف طبقة جديدة فوق هذا الانقسام التاريخي.
ففي والونيا، المنطقة التي عانت من تراجع الصناعة الثقيلة والبطالة المزمنة، تشتد وطأة سياسات التقشف. الناس هنا يشعرون بأنهم يدفعون ثمن أزمة لا ذنب لهم فيها. وفي فلاندرز، المنطقة الأكثر ازدهاراً، هناك أيضاً غضب، لكنه غضب مختلف: غضب الطبقات المتوسطة التي ترى أن ضرائبها تذهب لدعم مناطق أخرى بينما هي نفسها تواجه صعوبات متزايدة في نهاية الشهر.
هذا الانقسام الجديد - انقسام بين "المنتجين" و"المستهلكين" للخدمات الاجتماعية، بين "الأغنياء" و"الفقراء" داخل كل منطقة - يخلط الأوراق القديمة. فالحزب الاشتراكي في والونيا يجد نفسه في موقف صعب: كيف يدافع عن الفقراء دون أن يبدو وكأنه يدافع عن "كسالى الجنوب"؟ والحزب الديمقراطي المسيحي في فلاندرز يسأل نفسه: كيف يبرر لجمهوره من الطبقة المتوسطة أن يدفعوا المزيد بينما تتراجع خدماتهم؟
2. جيل يدفع الثمن
ولعل أكثر ما يثير القلق في هذه الأزمة هو تأثيرها على الأجيال الشابة. جيل الألفية وجيل زد في بلجيكا يواجه واقعاً قاسياً: سوق عمل غير مستقر، رواتب لا تواكب غلاء المعيشة، صعوبة في الحصول على سكن لائق، وشعور دائم بأن مستقبله أسوأ من ماضي آبائه.
هذا الجيل لم يعد يثق في الخطاب السياسي التقليدي. لم يعد يصدق وعود الأحزاب. وهو يبحث عن أشكال جديدة للتعبير عن غضبه. بعضه يذهب إلى التصويت للأحزاب المتطرفة، والبعض الآخر يعزل نفسه في فقاعات رقمية، وقلة قليلة تنزل إلى الشارع وتحاول تغيير الواقع من الداخل.
لكن الغالبية العظمى تعيش حالة من الإحباط المزمن. إحباط يتحول أحياناً إلى غضب، وأحياناً أخرى إلى لامبالاة، لكنه نادراً ما يتحول إلى أمل. وفي مجتمع بلا أمل، تصبح الديمقراطية مجرد شكل بلا مضمون.
---
الفصل الرابع: قراءة في أعماق الأزمة
1. ما وراء الاحتجاجات: أزمة شرعية عميقة
الاحتجاجات الحالية ليست مجرد موجة عابرة. إنها أزمة شرعية حقيقية للنظام السياسي البلجيكي. فالمواطن الذي يخرج إلى الشارع لا يحتج فقط على سياسة معينة، بل يحتج على غياب صوته في القرارات المصيرية.
الحكومة تقول: "يجب زيادة ميزانية الدفاع لأن التهديدات تتزايد". المواطن يسأل: "ومن قرر أن هذه هي الأولوية؟ هل سُئلنا؟ هل ناقشنا هذا في البرلمان بحضورنا؟ هل كانت هناك حملة تفسير حقيقية لما يعنيه هذا القرار؟"
هذا الشعور بأن القرارات المهمة تتخذ في غرف مغلقة، بعيداً عن أعين الناس ونقاشاتهم، هو ما يغذي الشعور بالاغتراب السياسي. وعندما يضاف إلى ذلك التراجع في الخدمات الاجتماعية، يصبح المزيج قابلاً للانفجار في أي لحظة.
2. بين التابع والمتبوع: بلجيكا في النظام العالمي
لكن الأزمة البلجيكية لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الدولي. بلجيكا جزء من حلف شمال الأطلسي، وجزء من الاتحاد الأوروبي، وجزء من تحالف وثيق مع الولايات المتحدة. هذه العضوية لها ثمن.
الضغط الأمريكي على الحلفاء الأوروبيين لزيادة ميزانيات الدفاع معروف. والخطاب الرسمي يتحدث عن "تقاسم الأعباء" وعن "المسؤولية المشتركة". لكن الثمن الحقيقي لهذه الزيادة تدفعه الفئات الأكثر هشاشة داخل المجتمعات الأوروبية.
هذه هي مفارقة "المركز" التي تحدث عنها مفكرنا الكبير: الدول التي تقع في قلب النظام الرأسمالي العالمي تضطر، للحفاظ على موقعها، إلى توجيه مواردها نحو الحفاظ على الهيمنة الخارجية، حتى لو كان ذلك على حساب رفاهية مواطنيها. وبهذا المعنى، فإن متقاعدي والونيا والعاطلين في بروكسل يدفعون، بطريقة غير مباشرة، ثمن الحفاظ على الهيمنة الأمريكية على العالم.
3. الدولة بين وظيفتين: الحماية الاجتماعية والحماية العسكرية
في قلب هذه الأزمة سؤال نظري قديم لكنه حاضر بقوة: ما هي وظيفة الدولة الأساسية؟ هل هي حماية المواطنين من المخاطر الاجتماعية (البطالة، المرض، الشيخوخة)؟ أم هي حمايتهم من المخاطر الخارجية (العدو، الإرهاب، التهديدات الجيوسياسية)؟
في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، حاولت الدول الأوروبية التوفيق بين الوظيفتين. كانت هناك دولة الرفاه الاجتماعي من جهة، والتحالفات العسكرية من جهة أخرى. لكن الميزان كان يميل لصالح الوظيفة الاجتماعية.
اليوم، هذا الميزان يميل بشكل حاد نحو الوظيفة العسكرية. الخطاب عن "التهديدات الوجودية" يطغى على الخطاب عن "الحقوق الاجتماعية". وكلما كبرت الميزانية العسكرية، صغرت الميزانية الاجتماعية. وهذا التحول ليس تقنياً بحتاً، بل هو تحول في تصور الدولة لنفسها ولدورها في العالم.
---
الفصل الخامس: نحو أفق جديد
1. أصوات بديلة: هل من مخرج؟
في خضم هذه الأزمة، ثمة أصوات تحاول أن تقدم بدائل. بعض النقابات اقترحت نماذج تمويل بديلة للدفاع، تعتمد على الضرائب التصاعدية على الثروات الكبرى بدلاً من التقشف على الفقراء. بعض الباحثين يدعون إلى "تحويل صناعي" لقطاع الدفاع، بحيث تنتج المصانع العسكرية معدات مدنية مفيدة للتحول البيئي. بعض الأحزاب الصغيرة تطرح فكرة "الحياد النشط" كبديل عن الانخراط الكامل في حلف الناتو.
هذه الأصوات لا تزال هامشية في النقاش العام، لكنها موجودة. وهي تشكل بذور أمل في مستقبل مختلف. مستقبل لا يُطلب فيه من الفقراء أن يدفعوا ثمن أسلحة لا تحميهم، وأمن لا يشعرون به.
2. إعادة اختراع العقد الاجتماعي
الطريق إلى الخروج من الأزمة يمر عبر إعادة اختراع العقد الاجتماعي. ليس العودة إلى النموذج القديم كما كان، لأن العالم تغير والاقتصاد تغير والمجتمع تغير. لكن إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أسس جديدة.
هذه الأسس الجديدة يجب أن تبدأ بإعادة تعريف الأولويات. فبدلاً من أن تكون الأولوية لشراء أسلحة أمريكية، يمكن أن تكون الأولوية لبناء مدارس ومستشفيات. وبدلاً من أن تكون الأولوية للمشاركة في حروب بعيدة، يمكن أن تكون الأولوية لمعالجة البطالة والفقر في الداخل.
وهذا يتطلب نقاشاً وطنياً حقيقياً، لا يقتصر على النخب والخبراء، بل يشارك فيه المواطنون العاديون. نقاش حول: أي مجتمع نريد؟ أي مستقبل نرسم لأطفالنا؟ أي دور لبلجيكا في عالم متغير؟
3. الشارع يقول كلمته الأخيرة
ما رأيناه في الأسابيع الأخيرة من احتجاجات وتظاهرات هو الكلمة الأولى في هذا النقاش. الشارع البلجيكي قال: "نحن هنا، نسمع أصواتنا، لا نقبل أن نكون مجرد أرقام في موازنة، لا نقبل أن تُتخذ القرارات المصيرية من وراء ظهورنا".
لكن السؤال هو: هل ستكون هذه الكلمة الأولى هي أيضاً الكلمة الأخيرة؟ أم أن هناك كلمات أخرى قادمة؟ الجواب يعتمد على قدرة الحكومة على الاستماع، وعلى قدرة المجتمع على التنظيم، وعلى قدرة الجميع على ابتكار حلول وسط تحفظ كرامة الناس وأمن البلاد معاً.
في بلد مثل بلجيكا، حيث الاستقرار هش بطبيعته، وحيث التوازنات معقدة، وحيث الانقسامات عميقة، قد يكون ثمن عدم الاستماع باهظاً. بل قد يكون ثمناً لا يستطيع أحد دفعه.
---
خاتمة: دروس من الأزمة البلجيكية
بلجيكا اليوم مرآة تعكس أزمة أوسع تعصف بالديمقراطيات الغربية. أزمة الثقة في المؤسسات، أزمة إعادة توزيع الثروة، أزمة الأولويات بين الداخل والخارج، بين الاجتماعي والعسكري.
ما يحدث في شوارع بروكسل ولييج وشارلروا هو إنذار مبكر. إنذار بأن النموذج الاجتماعي الأوروبي، الذي كان يفاخر به العالم، يتآكل من الداخل. وإنذار بأن الخيارات السياسية لها ثمن، وأن هذا الثمن يدفعه دائماً الأكثر ضعفاً.
لكن الأزمة تحمل أيضاً دروساً. درس في أهمية المشاركة الشعبية، وفي قوة الحركات الاجتماعية، وفي ضرورة عدم التسليم بـ"حتمية" السياسات الاقتصادية. ودرس في أن الأمن الحقيقي ليس ما توفره الصواريخ والدبابات، بل ما توفره المدارس والمستشفيات والضمان الاجتماعي.
الأيام المقبلة ستحدد ما إذا كانت بلجيكا ستجد طريقها إلى إصلاح عقدها الاجتماعي، أم ستستمر في الانزلاق نحو مزيد من التفكك والتشرذم. وفي كلتا الحالتين، ستكون التجربة البلجيكية درساً للآخرين، سواء في أوروبا أو خارجها.
لأن ما يحدث اليوم في بروكسل، قد يحدث غداً في باريس أو برلين أو روما. والأسئلة واحدة: لمن ندفع ضرائبنا؟ من يحمينا حقاً؟ وأين تذهب أحلامنا بينما ننام؟
12/03/2026
بروكسل - ربيع 2026