رواية : امارات الفقاعة..سياسية ساخرة
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 09:09
المحور:
الادب والفن
(أو: كيف علّمنا الغرب حب الديمقراطية بالمال والرصاص)
رواية سياسية ساخرة
الفصل الأول: في البدء كان البترودولار
ليس صحيحاً أن الله خلق الأرض في ستة أيام ثم استراح في السابع. هذا كلام جميل لكنه غير دقيق. الصحيح أن الله خلق البترودولار أولاً، ثم استراح، ثم وكّل مهمة خلق كل شيء آخر إلى مصرفيين سويسريين ومستشارين أمريكيين سابقين في وكالة المخابرات المركزية.
أما البترودولار الذي أقصد، فليس بترودولار العراق الخبيث، ولا إيران الملعونة، ولا فنزويلا الفقيرة المعدمة. كلا. ذلك البترودولار نجس، ينتن برائحة الكراهية للغرب وديمقراطيته التي لا تعرف كيف تصنع الفقاعات العقارية في الصحراء. إنما أقصد بترودولار المحميات الخليجية، ذلك الذهب الأبيض المطهر ثلاث مرات: مرة بدماء ضحايا أفغانستان، ومرة بأموال الإعلاميين الذين يبيعون ضمائرهم بالكيلوغرام، ومرة ببركة رأس المال الأمريكي الذي يباركه كهنة وول ستريت كل صباح وهم يلبسون رباطات عنقهم الحريرية.
من هذا المقدس الجديد، خلق الله "حقوق الإنسان" النسخة الخليجية الصهيونية. نصها مكتوب بالإنكليزية بالطبع، لأن العربية لغة خشنة لا تعرف كيف تنطق "إل جي بي تي كيو بلس" دون أن تتعثر. وروحها صهيونية بالكامل، لأن الروح الفلسطينية ممنوع تصديرها خارج الحدود الإدارية لسلطة رأس المال. وتطبيقها يتم بالديناميت الأمريكي الصنع على مدن العراق وسوريا وغزة.
وهكذا، في أحد أيام دبي المشمسة، حيث ترتفع ناطحات السحاب كما ترتفع أسعار النفط أيام الحروب، اجتمع فلاسفة الفقاعة الكبار ليعلنوا ميلاد عصر جديد: عصر "الديمقراطية المريحة". ديمقراطية لا تتعب صاحبها بانتخابات حقيقية، ولا تكلفه شيئاً سوى بضع تريليونات من الدولارات تذهب إلى جيوب مرتزقة داعش مقابل "إحلال السلام" في سوريا.
كان أبو جابر، شيخ القبيلة الخليجي، جالساً على كرسيه المذهّب يقلب سبحة ياقوتية في يده اليمنى، بينما في يده اليسرى هاتف آيفون يعرض عليه سعر سهم شركة أسلحة أمريكية استثمر فيها بالأمس. قال لأحد مرافقيه بصوته الأجش الذي يشبه صوت محرك سيارة لامبورغيني يعاني من كتمة:
– "يا ولدي، هؤلاء الأمريكيين أغبياء. يعتقدون أني أموّل داعش لأني أحب الدين. أنا لا أحب الدين، ولا أحب السياسة، ولا أحب حتى زوجتي الثانية. أنا أحب شيئاً واحداً فقط: أن تظل أسعار النفط فوق المئة وعشرين دولاراً للبرميل. فإن حدثت حرب في سوريا ارتفع السعر. وإن حدثت مجزرة في غزة ارتفع السعر. وإن انفجرت فقاعة دبي العقارية، هبط السعر. لذلك أنا مع الحروب والمجازر، ومع الفقاعات أيضاً، لأن الفقاعة الجديدة تبني مدينة جديدة، والمدينة الجديدة تحتاج إلى كهرباء، والكهرباء تحتاج إلى نفط، والنفط يحتاج إلى حرب. هكذا يا ولدي، هكذا تدور عجلة الاقتصاد الرباني".
فضحك المرافق، ليس لأنه فهم شيئاً، بل لأنه يتقن فن الضحك في الوقت المناسب، وهو ما تعلمه في دورة "التواصل الفعال" التي أقامتها غرفة تجارة دبي بالتعاون مع البنتاغون.
الفصل الثاني: مؤتمر دافوس دبي
في اليوم التالي، افتتح "مؤتمر دافوس دبي" تحت عنوان عريض بالذهب عيار 24: "حقوق الإنسان 4.0: الإصدار الجديد". كان المؤتمر يُعقد في فندق يطل على نخلة الجميرة، تلك الجزيرة الاصطناعية التي شكلت رمزاً للفقاعة قبل أن تعلن وفاتها السريرية.
على المنصة الرئيسية، جلست رندة، الناشطة الحقوقية الخليجية التي تدرس في جامعة كولومبيا، بجانب توماس، المستشار الأسبق في إدارة بايدن وترامب معاً (وهي معجزة سياسية تشبه جمع الماء والنار في كأس كوكتيل واحد). وإلى جانبهما الدكتورة كلارا، خبيرة استراتيجية في "مؤتمر ميونيخ للأمن"، تلك المرأة التي تستطيع أن تشرح لمدة ثلاث ساعات متواصلة كيف أن حرق المدارس في غزة هو "ثمن الديمقراطية"، وكيف أن تجويع السودان هو "أداة لبناء السلام".
كانت رندة ترتدي حجاباً حريرياً من ماركة شانيل، وساعة رولكس ذهبية تخفي تحت كمها، ونظارة شمسية من ديور على رأسها رغم أنها في قاعة مغلقة. كانت تبدو كمن صممها مصمم أزياء إيطالي بعد أن قرأ كتاباً واحداً عن "الإسلام المعتدل" وخلط بينه وبين "الإسلاموفوبيا" في ذهنه الثرثار.
وقفت رندة لتلقي كلمتها. سعلت قليلاً، ثم بدأت بصوت نديّ كصوت مذيعة راديو تدعو للتبرع لضحايا الزلازل:
– "سيداتي سادتي، أيها الحضور الكريم... إن حقوق الإنسان ليست حكراً على أحد. لا على الغرب، ولا على الشرق، ولا حتى على الكيان الصهيوني الذي نكن له كل احترامنا وتقديرنا، لكننا نختلف معه في بعض التفاصيل الصغيرة، كتفاصيل الأرض مثلاً، والماء، والقدس. لكننا معه في كل شيء آخر. في القيم، في الديمقراطية، في محاربة الإرهاب... ذلك الإرهاب الذي يموله والدي، لكنه يموله عن طريق الخطأ، بدافع الخير، لأنه شيخ طيب القلب يحب الشهداء، لكنه لا يعرف أنهم شهداء، يظنهم لاجئين سوريين يبحثون عن عمل في ألمانيا...".
ضحك الحضور ضحكة خجولة، لا تعرف إن كان هذا مزاحاً أم اعترافاً. توماس صفق بحماس، وكلارا أومأت برأسها وكتبت على هاتفها: "تحتاج رندة إلى تدريب إضافي على الارتجال. لكنها جيدة. ستصلح أن تكون وزيرة خارجية لدولة عربية بعد خمس سنوات من التمويل".
أبو جابر، الذي كان جالساً في الصف الأمامي، نظر إلى رندة نظرة الأب البخيل الذي يرى ابنته تبدد ثروته على أشياء لا تفهمها. همس في أذن مرافقه:
– "هذه البنت غبية. تعلمتها الجامعات الأمريكية أن تتحدث وكأنها ضمير العالم، وهي لا تعرف حتى كيف تميز بين بندقية كلاشنيكوف وبندقية إم 16. والديها أرسلاها إلى هناك لتعود إلينا شيوعية، لكنها عادت إلينا صهيونية أكثر من الصهاينة أنفسهم. يا له من جيل فاشل".
رد عليه المرافق بابتذال مفرط: "ولكنها جميلة يا سيدي".
قال أبو جابر: "جميلة؟ كل النساء جميلات عندما تملك كل واحدة منهن ثلاثة مليارات دولار في حسابها السويسري".
الفصل الثالث: جنيف، ذاكرة قديمة
بينما كانت رندة تتحدث عن "حقوق الإنسان" و"العدالة الاجتماعية" و"تسوية الصراع الفلسطيني على النمط الجنوب أفريقي"، انطلقت كاميرات التلفزيون لتظهر فلاش باك طويل. فلاش باك لا يريده أحد، لكنه يأتي دائماً في اللحظة الخطأ، كما تأتي فواتير الضرائب أو ذكريات الحب الأول.
جنيف، 1985.
غرفة فندقية مظلمة. على طاولة خشبية صغيرة، يجلس رجلان: أحدهما بدين، له نظارات سميكة وابتسامة تذكرنا بابتسامة تمساح جائع. هذا هو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق. والآخر طويل، نحيف، يرتدي عباءة بيضاء نظيفة، ويبدو أصغر سناً بكثير. هذا هو أبو جابر قبل أن يصبح شيخاً، قبل أن تعلوه السمنة ويخيم عليه الكسل.
بريجينسكي يشرب كأساً من الويسكي. أبو جابر يشرب كأساً من العصير الطازج لأنه لا يشرب الخمر، إلا الخمر الذي يباع في سويسرا فهو حلال كما قال له مفتيه الخاص بثلاثة ملايين دولار سنوياً.
يقول بريجينسكي بصوته الأجش الذي يشبه صوت محرك دبابة أبرامز في الصباح البارد:
– "اسمعني يا صديقي، وافهمني جيداً. نحن لا نريد منك أن تحب أمريكا. لا. هذا ساذج. نحن نريد منك أن تكره السوفييت أكثر مما تكره أمريكا. وأن تعلم أبناءك على كره السوفييت. وأن تبني مدارس في باكستان تعلمهم كيف يفجرون الدبابات الروسية بالصواريخ، وكيف يقطعون رؤوس الملحدين، وكيف ينعمون في الجنة مع سبعين عذراء من حور العين. أما الباقي، فهذا شأنك".
ينظر أبو جابر إلى بريجينسكي بعيون واسعة كعيون غزال صغير رأى أسداً لأول مرة:
– "ولكن سيدي، نحن عندنا تصوف. عندنا تسامح. عندنا ابن عربي والحلاج. ماذا نفعل بهؤلاء؟"
يقهقه بريجينسكي ضحكة تملأ الغرفة بالدخان والغبار:
– "ابن عربي؟ الحلاج؟ يا صديقي العزيز، هل تعتقد أن دبابة تي 72 السوفييتية تهتم بابن عربي؟ هل تعتقد أن ضباط الكي جي بي يقرؤون الحلاج في أوقات فراغهم؟ انس هؤلاء. اذهب إلى ابن تيمية. اذهب إلى محمد بن عبد الوهاب. أولئك هم جنودك الحقيقيون. هم من سيصنعون لك جيشاً من المجانين الذين يضحون بأنفسهم من أجل الله، ثم من أجل أمريكا سراً، ثم من أجل البترودولار علناً. هذه هي المعادلة يا صديقي. تذكرها: ابن تيمية + أموالنا + جنونك = أفغانستان خالية من الروس".
يمسك أبو جابر بيده على قلبه كأنه يحلف اليمين:
– "وعد مني يا سيدي. سأفعل. سأبني المدارس. سأوزع الكتب المدرسية التي تعلّم الأطفال كيف يحسبون المسافات بينهم وبين الروس ليرشوهم بالرصاص. وسأجعل من الصحراء العربية مزرعة للشهداء، ومصنعاً للمجاهدين، ومطبعة لفتاوى التكفير التي لا تتوقف".
يقف بريجينسكي ليصفق له بحرارة:
– "برافو. برافو. بهذه الروح سننتصر. والآن، لنوقع العقد. أنت تمول، ونحن نحمي. أنت تبني المدارس، ونحن نرسل السلاح. أنت تخرج الإرهابيين، ونحن نسميهم مقاتلي الحرية . وإذا سألك أحد يوماً عن القتلى من المدنيين الأفغان، فقل لهم: ثمن الحرية غالٍ . هذه العبارة مجانية. خذها هدية مني".
ويوقع العقد. ليس بقلم حبر، بل بمصافحة حارة، ومظروف بنكي سويسري يحتوي على خمسة مليارات دولار كدفعة أولى، وكتيب صغير بعنوان: "كيف تصنع إرهابياً في ثلاثين يوماً: دليل المستخدم".
ينتهي الفلاش باك. نعود إلى مؤتمر دافوس دبي.
الفصل الرابع: أفيون الشعب الجديد
بعد انتهاء كلمة رندة، وقف توماس ليلقي كلمته. توماس هذا رجل عجوز لكنه يحاول أن يبدو شاباً. يرتدي جينزاً ضيقاً، وحذاء رياضياً أبيض، ونظارة شمسية حتى في الليل، ويبدأ كل جملة بعبارة "يا شباب" كأنه في حفلة موسيقى روك.
قال توماس بصوته الأجش الذي يذكرنا بصوت مغني راب أصيب بالتهاب حاد في الحبال الصوتية:
– "يا شباب، دعني أقول لكم شيئاً. نحن في أمريكا، صنعنا أفيوناً جديداً. ليس أفيون الموت، كما يظن أعداؤنا. كلا. أفيون الحرية. أفيون الديمقراطية. أفيون حقوق الإنسان. هذا الأفيون أفضل من أفيون المورفين وأرخص من أفيون الهيروين. نعطيه للشعوب العربية جرعة جرعة، فتسكر به، تنسى همومها، تنسى أنها جائعة، تنسى أنها عطشى، تنسى أن بيوتها تُقصف بالطيران الأمريكي. تسكر بنا، وتظن أننا أصدقاؤها، وأن من يقصف بيوتها هو الإرهاب وليس نحن".
يتوقف قليلاً ليشرب جرعة ماء، ثم يكمل:
– "يا شباب، انظروا إلى دبي. قبل ثلاثين سنة كانت قرية صيد صغيرة. اليوم، هي فقاعة رائعة. ناطحات سحاب، جزر اصطناعية، متاجر غوتشي وبرادا، وناس يركضون وراء المال كأنه شريحة لحم أمام كلب جائع. هذه هي ديمقراطيتنا. هذه هي حقوق الإنسان التي نريدها للعالم العربي. ليست حقوقاً في التعليم أو الصحة أو الحرية الحقيقية. بل الحق في الشراء، والبيع، والاستهلاك، والنوم في فنادق سبع نجوم، ومشاهدة التلفزيون طوال اليوم دون أن تفكر في شيء".
أبو جابر يصفق بحماس من مقعده، رغم أنه لم يفهم نصف ما قاله توماس. لكنه يفهم شيئاً واحداً: توماس يتحدث عن المال. وأبو جابر يتقن لغة المال أكثر من أي شخص آخر في القاعة.
ترفع رندة يدها لتسأل توماس سؤالاً يبدو ذكياً، لكنه في الحقيقة سؤال تلميذة تحفظ الدرس دون أن تفهمه:
– "ولكن سيد توماس، ألا تعتقد أن هذا الأفيون الجديد الذي تصفه هو بالضبط ما ينتجه الإسلام الصهيوني الذي يتحدث عنه بعض المحللين المتطرفين؟ أعني ذلك الإسلام الذي صنعتموه في الثمانينات لاستنزاف السوفييت، ثم تحول ضدكم، ثم أعادتم توظيفه ضد العرب والصين وإيران؟"
يصمت توماس لثوان. ثم يبتسم ابتسامة عريضة كابتسامة تمساح يشاهد فريسته تقترب منه دون أن تدري:
– "رندة العزيزة، أنت تطرحين سؤالاً ممتازاً. سؤالاً يصلح لأن يكون عنواناً لأطروحة دكتوراه في جامعة هارفارد. لكن دعيني أختصر لك الإجابة في جملة واحدة: نحن لا نصنع الأفيون لنأكله. نحن نصنعه ليأكله غيرنا. أما من يأكله، سواء كان إسلاماً صهيونياً، أو مسيحية صليبية، أو بوذية تكفيرية، فليس مهماً. المهم أن يأكله، ويشغله عنا، وعن سرقتنا للنفط، وعن قصفنا لبلاده، وعن دعمنا لإسرائيل في كل حروبها. هذا كل شيء. هذا هو السر الكبير الذي يبحث عنه الجميع ولا يجده. السر ليس في الأيديولوجيا. السر في الأكل. في الإدمان. في تشغيل الناس بشيء لا يفيدهم، لينشغلوا به عنا".
يصفق الجميع بحرارة. أبو جابر يصفق بيديه ورجليه معاً. رندة تبتسم وكأنها اكتشفت للتو أن الحياة مسرحية، وأنها تلعب دور البطولة فيها دون أن تدفع أجراً.
الفصل الخامس: بيروت، أو كيف تبني مدينة بعد أن تدمرها
الفلاش باك الثاني يأتي من بيروت. ليس بيروت اليوم، بل بيروت 2020. بعد الانفجار الكبير بعشرة أيام. كانت رندة في زيارة عاجلة إلى لبنان بتكليف من "مؤسسة حقوق الإنسان الخليجية" التي تديرها بالوكالة عن والدها.
التقت رندة بالدكتورة كلارا في حفل كوكتيل على سطح فندق لم يتضرر كثيراً من الانفجار. كانت كلارا ترتدي فستاناً أسود أنيقاً، وعقداً لؤلؤياً يلمع كأنه قطع من القمر الصغير.
جلسن على أريكة جلدية حمراء، أمامهما طاولة زجاجية تحمل كأسين من الشمبانيا الفرنسية، وطبقاً صغيراً من الكافيار الإيراني (المهرّب بالطبع، لأن العقوبات الأمريكية لا تمنع الكافيار إذا كان لصديقات كلارا).
قالت كلارا بصوتها الحاد الذي يخترق الجدران كالمثقاب الكهربائي:
– "عزيزتي رندة، دعيني أقول لك شيئاً عن بيروت. هذه المدينة كانت جميلة في الماضي. جميلة لكنها فوضوية. شوارعها ضيقة، بيوتها قديمة، ناسها يعتقدون أنهم أحرار. لا، عزيزتي. الحرية ليست فوضى. الحرية هي النظام. والنظام هو ما نصنعه نحن. نحن الغرب. نحن أصحاب رأس المال. نحن من نعرف كيف نبني مدينة على الطريقة الصحيحة".
تنظر رندة إلى كلارا بعيون واسعة مليئة بالدهشة والإعجاب:
– "لكن يا دكتورة كلارا، الانفجار دمر نصف المدينة. قتل مئات الأشخاص. شرد الآلاف. كيف يمكن أن يكون هذا ضرورياً للبناء؟"
تضحك كلارا ضحكة قصيرة تشبه صهيل حصان صغير:
– "أوه، عزيزتي، أنت ساذجة إلى حد ما. الانفجار لم يكن ليدمر بيروت لوحدنا. الانفجار كان خطأ. حادث مؤسف. لكن بما أنه حدث، لماذا لا نستغله؟ انظري إلى المخطط المعماري الجديد الذي أعددناه للمدينة. شوارع عريضة، أبراج زجاجية، مراكز تسوق ضخمة، وفوق كل شيء، ميناء جديد تسيطر عليه شركة أمريكية صديقة. هذا هو مستقبل بيروت. ليس بيروت القديمة بتلك البيوت الحجرية والطرقات المتعرجة. لا. بيروت الجديدة: بيروت الاستعمارية... أقصد، بيروت العصرية".
رندة تشعر باضطراب داخلي، لكنها لا تستطيع مقاومة سحر كلارا المنطقي:
– "ولكن ماذا عن الناس الذين فقدوا منازلهم؟ ماذا عن الجرحى؟ ماذا عن الأيتام؟"
تضع كلارا يدها على كتف رندة بحنان زائف:
– "لهؤلاء، سنبني لهم مدينة جديدة. ليس في بيروت، بالطبع. بيروت الآن أغلى من أن تسكنها الطبقة المتوسطة. سنبني لهم في الضواحي. بيوتاً صغيرة، متقاربة، تشبه بيوت الدجاج. نسميها المدن السكنية الآمنة . وسنضع فوق أبوابهم صور رفيق الحريري يبتسم لهم، كي يتذكروا كم كان يحبهم، وكي ينسوا أنه هو من مول الحرب الأهلية على الطرفين ليعود ويبنيها وفق النمط المعماري الاستعماري... عفواً، وفق النمط المعماري الحديث".
تسأل رندة ببراءة مرعبة:
– "ولكن ألن يشعر الناس بالغضب؟ ألن يخرجوا في مظاهرات؟"
تضحك كلارا من جديد، وهذه المرة تضحك طويلاً حتى كادت تختنق:
– "عزيزتي، هل رأيت أحداً يخرج في مظاهرة في دبي؟ هل رأيت أحداً يرفع صوته في قطر؟ هل رأيت أي مظاهرة في الرياض؟ هؤلاء الناس تعلموا درساً. تعلموا أن المال يصنع السعادة، وأن الغضب يصنع الفقر. ونحن نعطيهم المال. قروضاً صغيرة، مساعدات إنسانية، منحاً دراسية. كل ما يريدون. فقط لا يغضبوا. فقط لا يتذكروا أن بيوتهم دمرت بقنابل أمريكية، وليس بانفجار عرضي في المرفأ".
تنتهي الجلسة، وتقف رندة لتودع كلارا بقبلة على الخد. وهي تهم بالمغادرة، تهمس كلارا في أذنها:
– "لا تنسي أن ترسلي لي تقريرك الشهري عن حالة حقوق الإنسان في الخليج. أكتبي أنه جيد جداً. ممتاز. الأفضل في العالم. فكلما كتبتِ ذلك، زاد التمويل لمؤسستك، وزاد راتبك، وزاد احترام الناس لك. هذا هو معنى حقوق الإنسان يا عزيزتي: أن يكون راتبك الشهري كافياً لشراء حقيبة شانيل جديدة كل شهر".
الفصل السادس: غرفة العمليات السرية
نعود إلى دبي، ولكن ليس إلى قاعة المؤتمر. بل إلى غرفة تحت الأرض في أحد أبراج الإمارات. غرفة لا يعرف بوجودها إلا اثنا عشر شخصاً في العالم، جميعهم من عملاء وكالة المخابرات المركزية وكبار الشيء في محميات الخليج.
يجلس توماس على كرسي دوار أمام سبع شاشات عرض. على كل شاشة، خريطة لدولة مختلفة: سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، السودان، أفغانستان، وغزة.
يقول توماس لمساعديه الثلاثة الذين يقفون خلفه كالتماثيل:
– "يا شباب، لنراجع ميزانية هذا الشهر. كم أنفقنا على داعش في سوريا؟"
يجيب المساعد الأول بصوت آلي كصوت جهاز الرد الآلي:
– "تريليونا دولار يا سيدي، تماماً كما أمر رئيس وزراء قطر عندما قال: سأصرف تريليوني دولار لقيادة مقاول السي أي إيه بالباطن أردوغان ".
يضحك توماس:
– "أحسنت. هذا رجل يفهم معنى الاستثمار. تريليونان دولار ثمناً لقتل وجرح وتشريد مئات الآلاف من السوريين؟ صفقة رائعة. لو كنا فعلنا ذلك بالطائرات لقصفنا، لكلفنا الأمر ضعف المبلغ وسبع فضائح دولية".
يسأل المساعد الثاني:
– "وماذا عن السودان يا سيدي؟ لقد انتهينا تقريباً من تدمير سلة غذاء العرب وأفريقيا عبر الوباء الإخواني كما تسميه وسائل إعلامنا. هل نواصل التمويل؟"
يضغط توماس على زر أحمر صغير، فتظهر على الشاشة الخامسة أرقام ضخمة:
– "طبعاً نواصل. السودان بلد غني بالموارد، فقير بالعقول. نحن نحتاج إلى عقول فقيرة لتنفيذ مخططاتنا. الإخوان المسلمون هناك يقومون بعمل ممتاز. يزرعون الفتنة، يشعلون الحروب الأهلية، يسرقون المال العام، ثم يهربون إلى إسطنبول أو لندن ليشتروا شققاً فاخرة بأموال التمويل الأمريكية الخليجية. هكذا يكون النجاح".
يتقدم المساعد الثالث، وهو شاب خليجي يرتدي بدلة إيطالية وساعة رولكس بلاتينية:
– "سيدي توماس، ماذا عن حرب غزة؟ لقد فتحنا الطريق البري لإسرائيل عبر أراضينا، وأرسلنا شحنة الأسلحة الثالثة عبر ميناء أشدود. لكن الإيطاليين أوقفوا سفينة سعودية في جنوة تحمل أسلحة إلى تل أبيب. ماذا نفعل؟"
يصر توماس بأسنانه كمن يعض على جرح قديم:
– "الإيطاليون... هؤلاء دائماً يفسدون المتعة. لا بأس. سنرسل الأسلحة عبر ألبانيا، أو عبر قبرص. المهم أن تصل. وغزة يجب أن تبقى تحت الحصار. لا طعام، لا دواء، لا ماء. نحن نريد أن يموت الفلسطينيون ببطء، بصمت، دون أن يلاحظهم أحد. وعندما يسألنا العالم: أين حقوق الإنسان؟ نقول لهم: حماس هي من تمنع إيصال المساعدات . هكذا نكون قد بررنا الإبادة بجملة واحدة".
يسأل المساعد الأول بفضول:
– "ولكن سيدي، ألا تخاف من كشف الحقيقة؟ ألا تخاف من أن يخرج أحد ويقول للناس ما يحدث بالفعل؟"
يضحك توماس ضحكة طويلة، مرتفعة، تملأ الغرفة بالصدى:
– "ومن سيصدقه؟ الإعلام كله في جيوبنا. قنوات الجزيرة والعربية والحدث، كلها إما مملوكة لنا أو ممولة منا. حتى بي بي سي والسي إن إن تتردد في نشر أي تحقيق يمس مصالحنا. أما وسائل التواصل الاجتماعي، فخوارزمياتها مصممة لتدفن أي محتوى لا يروق لنا. لذلك، لا تقلق يا صديقي. الحقيقة ليست ما يحدث، بل ما نقوله نحن عما يحدث. وهذه هي اللعبة. لعبناها منذ الثمانينات في أفغانستان، وما زلنا نلعبها حتى اليوم في غزة، وسنلعبها غداً في إيران. القادم أعظم".
الصفحة السابعة
الفصل السابع: قمة غزة الخيالية
المشهد ينتقل فجأة إلى غزة، ولكن ليس غزة الحقيقية المدمّرة، بل غزة خيالية على مسرح إحدى قاعات المؤتمرات في دبي. إنه جزء من "فعالية تفاعلية" ضمن مؤتمر دافوس دبي، حيث يقوم الحضور بتمثيل أدوار في محاكاة ساخرة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
أبو جابر يؤدي دور "حماس". يرتدي كوفية فلسطينية حمراء فوق عباءته البيضاء، ويحمل بندقية كلاشنيكوف خشبية (لأن الأسلحة الحقيقية ممنوعة في الفنادق). رندة تؤدي دور "السلطة الفلسطينية". ترتدي بدلة رسمية داكنة، وتحمل حقيبة جلدية سوداء مليئة بأوراق نقدية مزيفة. توماس يؤدي دور "إسرائيل". يرتدي بدلة زرقاء مع نجمة داود مرسومة على صدره بقلم حبر جاف. كلارا تؤدي دور "الأمم المتحدة". ترتدي وشاحاً أزرق فاتح، وتحمل مطرقة خشبية صغيرة كتلك التي يستخدمها رؤساء الجلسات.
يقف المخرج المسرحي (وهو إعلامي خليجي شهير يدعى "ناصر") ليشرح الفكرة:
– "السادة الحضور، سنقوم اليوم بتمثيل مشهد قصير عن عملية السلام في الشرق الأوسط . القاعدة بسيطة: كل من يخطئ في دوره، يدفع غرامة قدرها مليون دولار تذهب إلى صندوق إعادة إعمار غزة الذي نديره نحن في الخليج. طبعاً، لن يتم إعادة إعمار غزة بهذه الأموال، بل سنشتري بها يخوتاً جديدة. لكن هذه تفاصيل ثانوية. لنبدأ".
يبدأ المشهد. توماس (إسرائيل) يصرخ بأعلى صوته:
– "هذه الأرض لنا! لنا وحدنا! لنا منذ زمن طويل جداً، منذ زمن النبي إبراهيم، أو حتى قبله. من يختلف فليتفضل بالخروج من القاعة!"
أبو جابر (حماس) يرد بصوت أجش:
– "بل لنا! نحن الشعب الأصلي! نحن من عشنا هنا آلاف السنين قبل أن تأتوا أنتم من أوروبا وأمريكا وروسيا! كلنا لاجئون، وكلنا سنعود!"
رندة (السلطة الفلسطينية) تحاول التوسط بصوت واهن:
– "لماذا لا نتحدث؟ لماذا لا نتفاوض؟ لماذا لا نجلس على طاولة المفاوضات كما يفعل العقلاء؟"
توماس يصرخ في وجهها:
– "اجلسي! لا أحد طلب رأيك! أنتِ هنا فقط لتوقيع الاتفاقيات التي نكتبها نحن، وتقولين للناس إنكِ حققتِ إنجازاً تاريخياً، بينما لا تحققين شيئاً سوى حماية مكتسباتك الشخصية!"
كلارا (الأمم المتحدة) تقرع مطرقتها الخشبية:
– "صه... صه... لنتحضر. نحن هنا لنصنع سلاماً، لا لنصنع فوضى. أقترح الآتي: إسرائيل تأخذ القدس، وغزة، والضفة، وكل شيء. وحماس تأخذ مبلغاً رمزياً من المال، وتذهب لتعيش في قطر. والسلطة الفلسطينية تستمر في استلام رواتبها الشهرية دون أن تفعل شيئاً. من يوافق؟"
توماس يرفع يده بسرعة. أبو جابر يرفع يده ببطء بعد أن نظر إلى توماس الذي أشار إليه بإبهامه لأعلى. رندة ترفع يدها مترددة ثم تخفضها ثم ترفعها مرة أخرى.
كلارا تقرع مطرقتها:
– "تمت الموافقة بالإجماع. السلام قد حل في الشرق الأوسط. نحن فخورون بأنفسنا. الآن، لنذهب لنتناول طعام الغداء. البوفيه مفتوح، وهناك كباش مشوية على الطريقة الخليجية، وكافيار إيراني، وشرائح لحم أمريكية مستوردة من تكساس".
يصفق الجميع بحرارة. أبو جابر يخلع كوفيته ويأمر مرافقه بإحضار سيارته الليموزين لينطلق إلى المطعم. توماس يخلع بدلته الزرقاء ويطلب ويسكي. رندة تخلع بدلتها الرسمية وتضع حقيبتها الجلدية جانباً. كلارا تخلع وشاحها الأزرق وترتدي نظارة شمسية ديور.
المسرحية انتهت. السلام انتهى. والحرب ستعود غداً، لأن الحرب أكثر ربحاً من السلام. هذه هي القاعدة الذهبية التي تعلمها الجميع في مؤتمر دافوس دبي.
الفصل الثامن: نداء من باغرام
في الليل، بعد انتهاء فعاليات المؤتمر، استيقظ توماس على صوت هاتفه الخاص. رقم غير معروف. لكنه رفع السماعة لأنه يعرف أن الأرقام غير المعروفة في الليل تحمل أخطر الرسائل.
كان المتصل جنرالاً أمريكياً من قاعدة باغرام في أفغانستان. صوته مبحوح، وكأنه لم ينم منذ أسبوع:
– "توماس، الوضع سيء هنا. ترامب يريد استعادة القاعدة. يقول إنها ضرورية لمراقبة الصين. لكن طالبان ترفض. الروس غاضبون. الصينيون يهددون. والهنود قلقون. ماذا نفعل؟"
يتثاءب توماس ثم يجلس على سريره:
– "اهدأ يا جنرال. باغرام ليست مجرد قاعدة عسكرية. باغرام هي عين أمريكا على آسيا. من هناك، نرى كل شيء: الصين، الهند، روسيا، إيران، حتى باكستان. لو فقدناها، سنفقد نصف قدرتنا على التجسس في المنطقة".
يقول الجنرال بقلق:
– "لكن طالبان تصر على إخلاء القاعدة بالكامل. تقول إن أفغانستان دولة مستقلة، وإن الوجود الأمريكي على أراضيها انتهاك للسيادة الوطنية".
...يضحك توماس:
– "السيادة الوطنية؟ منذ متى وأفغانستان تعرف معنى السيادة الوطنية؟ أفغانستان ليست دولة بالمعنى الذي تفهمه أنت. أفغانستان فكرة. فكرة جغرافية اخترعها الإنجليز والروس ليتقاسموا فيما بينهم على مناطق النفوذ. ثم جئنا نحن الأمريكيون، وجعلناها معملاً للتجارب. جربنا فيها استنزاف السوفييت، نجح. جربنا فيها صناعة الإرهاب، نجح أكثر مما توقعنا. جربنا فيها الديمقراطية على الطريقة الأمريكية، فشل فشلاً ذريعاً. والآن، نريد أن نجرب فيها قاعدة عسكرية دائمة لمراقبة الصين. وهذا سينجح، ولو اضطررنا إلى شراء كل شيوخ القبائل الأفغان بمليارات الدولارات".
يسأل الجنرال بقلق:
– "وماذا عن طالبان؟ إنهم يهددون باستهداف القاعدة إذا بقينا".
يضحك توماس من جديد:
– "طالبان؟ هؤلاء هم أولادنا. نحن من ربيناهم، نحن من صنعناهم، نحن من علمناهم كيف يفجرون أنفسهم ويفجرون الآخرين. صحيح أنهم عضوا اليد التي أطعمتهم، لكن هذا لا يمنع أنهم يظلون، في أعماقهم، أطفالنا المدللين. سنتفاوض معهم. سنعطيهم ملياراً هنا، وملياراً هناك، وسنعدهم بأننا سنرحل يوماً ما، لكننا لن نرحل أبداً. هذه هي اللعبة يا جنرال. لعبة لا نهاية لها. طالما هناك نفط في الخليج، وطالما هناك صين تصعد، وطالما هناك روسيا تحاول العودة، فسنبقى في أفغانستان. ليس لأننا نحب الأفغان، بل لأننا نحب موقع أفغانستان على الخريطة".
يضع توماس السماعة ويسقط على سريره منهكاً. قبل أن يغمض عينيه، همس لنفسه:
– "كم تمنيت لو أن كيسنجر وبريجينسكي يرون ما فعلوه. لقد صنعوا وحشاً جميلاً. وحش لا يموت، ولا يتعب، ولا يكف عن القتل. والجميل في هذا الوحش أن ضحاياه ليسوا هم من يبكون عليه، بل أعداؤنا. هكذا تكون الهندسة العكسية للتاريخ".
ويغفو توماس على صوت قصف بعيد قادم من جهة غزة. لا يعرف إن كان القصف حقيقياً أم وهماً من كوابيسه المتكررة. لكنه لا يهتم. المهم أن القصف مستمر، لأن استمرار القصف يعني استمرار التمويل، واستمرار التمويل يعني استمرار رواتب المتعاقدين معه، واستمرار رواتبهم يعني استمرار نومه المريح في فنادق دبي الفاخرة.
الفصل التاسع: حفل توزيع جوائز "نوبل البديلة"
بعد ستة أشهر من مؤتمر دافوس دبي، اجتمع الحضور نفسه في قاعة "ألبرت هول" الملكية بلندن. لكن هذه المرة ليس لمناقشة حقوق الإنسان، بل لتوزيع جوائز "نوبل البديلة" التي ترعاها مؤسسة خليجية ضخمة، تمولها شركات أمريكية وصهيونية، وترعاها إعلامياً قنوات بي بي سي والعربية والحدث.
الجوائز هذا العام كانت كالتالي:
الجائزة الأولى: "جائزة السلام البديلة" – فاز بها أبو جابر لدوره الكبير في "تهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط". يقول نص الجائزة: "تقديراً لجهوده المخلصة في جمع الفرقاء حول طاولة حوار واحدة، وتوفير بيئة آمنة لانعقاد مؤتمرات السلام في فنادقه الفاخرة بدبي وأبو ظبي".
أبو جابر يصعد إلى المنصة باكياً. يبكي كطفل فقد لعبته المفضلة. يمسح دمعه بمنديل حريري، ثم يبدأ كلمته:
– "أشكر الله أولاً، ثم أشكر أمريكا ثانياً، ثم أشكر الكيان الصهيوني ثالثاً، ثم أشكر زوجاتي الأربع رابعاً... هذا التكريم ليس لي فقط، بل لكل شيخ خليجي آمن بالسلام، وآمن بالحوار، وآمن بأن المال قادر على شراء أي شيء، حتى السلام. وأنا أدعو إخواني في غزة والعراق وسوريا إلى التمسك بالسلام، لأن السلام وحده هو الذي يجعلنا ننام مرتاحين في فنادقنا الخمس نجوم".
الجائزة الثانية: "جائزة حقوق الإنسان البديلة" – فازت بها رندة لدورها "الرائد في الدفاع عن حقوق المرأة الخليجية وتعزيز قيم التسامح والاعتدال".
رندة تصعد إلى المنصة بفستان أحمر طويل من توقيع "إيلي صعب". شعرها منسدل، حجابها الحريري من شانيل، وحذاؤها من لوي فيتون. تبتسم ابتسامة عريضة تظهر أسنانها البيضاء كأحجار الشطرنج المصقولة.
تبدأ كلمتها بصوت عالٍ واضح:
– "سيداتي سادتي، أيها الحضور الكريم... إن حقوق الإنسان ليست حكراً على أحد. نحن في الخليج تعلمنا من الغرب كيف نحترم حقوق الإنسان، وكيف ندافع عنها، وكيف نوظفها في خدمة السلام العالمي. صحيح أن هناك من يتهمنا بتمويل الإرهاب، لكن هذا الكلام عارٍ عن الصحة تماماً. نحن لا نمول الإرهاب، نحن نمول مقاتلي الحرية . وهناك فرق كبير بين الاثنين. الإرهابي يقتل المدنيين، أما مقاتل الحرية فيقتل المدنيين أيضاً، لكنه يفعل ذلك باسم الله والوطن وحقوق الإنسان".
يضحك الحضور. رندة تضحك معهم. توماس يصفق بحماس. كلارا ترفع كأسها وتشرب نخباً صامتاً.
الجائزة الثالثة: "جائزة الخدمة الإعلامية البديلة" – فاز بها ناصر، الإعلامي الخليجي الذي أدار المسرحية التفاعلية في مؤتمر دافوس دبي.
ناصر يصعد إلى المنصة مرتدياً بدلة رمادية وربطة عنق زرقاء. يقول بصوته الإعلامي المعتاد:
– "هذه الجائزة هي اعتراف من العالم بأن الإعلام الخليجي يقوم بدور محوري في نشر الوعي ومحاربة الإرهاب. صحيح أن بعض المشاهدين يتهموننا بالتحيز، لكننا نقول لهم: الحياد التام مستحيل في عالم متحيز أصلاً. نحن نتحيز للحق، وللعدالة، ولمصالح بلداننا. وإذا كان هذا التحيز يعني أحياناً التغطية المشوهة للأحداث، فهذا ثمن بسيط ندفعه مقابل استقرار المنطقة".
الفصل العاشر: والمسرحية مستمرة
بعد انتهاء الحفل، خرج الجميع إلى البهو الكبير لالتقاط الصور التذكارية. توماس يضع يده على كتف رندة، وكلارا تعانق أبو جابر، وناصر يبتسم للكاميرات كمن يبيع معجون أسنان على التلفزيون.
فجأة، انطفأت الأضواء. للحظة، ساد الظلام والصمت التام. ثم أضاءت شاشة ضخمة على الجدار الخلفي للقاعة. ظهر على الشاشة وجه شاحب، عيون غائرة، وجسد نحيل كأنه لم يأكل منذ شهور.
كان وجه طفل فلسطيني من غزة. ليس طفلاً خيالياً، بل طفلاً حقيقياً صورته كاميرات الأخبار قبل أن تموت بطاريته.
الطفل كان يبكي بصمت. ثم قال بصوته المتعب الذي بالكاد يُسمع:
– "لماذا تتحدثون عن حقوق الإنسان ونحن نموت؟ لماذا تعطون الجوائز لمن يمول قتلنا؟ لماذا تضحكون ونحن نبكي؟ لماذا... لماذا..."
لم يكمل الطفل جملته. سقطت الكاميرا. انقطعت الإشارة. عادت الأضواء لتشتعل من جديد.
صمت الحضور لثوان. ثم بدأ توماس يصفق بحماس:
– "برافو! برافو! مشهد تمثيلي رائع! من أخرج هذا؟ أحتاج إلى رقم هاتفه ليعمل معنا في حملتنا الإعلامية القادمة!"
كلارا تضحك وتقول:
– "أظنه أحد نشطاء غزة الحقيقيين. ربما مات قبل أيام. لكن لا يهم. المهم أن المشهد كان مؤثراً. سأقترح عرضه في مؤتمر ميونيخ للأمن العام القادم".
أبو جابر يمسح عرقه بمنديله:
– "الحمد لله أنها مجرد شاشة. ظننت للحظة أن أحد ضحايانا جاء يطالبنا بالحق. لكن بعدين تذكرت أن الأموات لا يعودون، وأن الأحياء لا يجرؤون. فلنكمل احتفالنا".
رندة تبتسم ابتسامة متكلفة:
– "أنا مستعدة للصورة التذكارية. لكن من فضلكم، تأكدوا أن خلفية الصورة هي شعار حقوق الإنسان ، وليس شعار غزة تنتصر أو أي شيء من هذا القبيل".
ناصر يصيح بالمصور:
– "صور! صور! هذه الصورة ستتصدر غلاف مجلة تايم الأسبوع القادم! العنوان: ضحك على جراح العالم ... أو ربنا بناء السلام في زمن الإبادة ... لا أدري، سيختارون العنوان المناسب هناك".
يقف الجميع في وضعية التصوير: توماس في الوسط، كلارا عن يمينه، رندة عن يساره، أبو جابر خلفهم، وناصر جاثياً على ركبتيه أمامهم. يبتسمون جميعاً ابتسامة عريضة.
"تيك... توك... سميلي..."
تنتهي الصورة.
تبدأ الحرب من جديد.
النهاية
ملحق خلف الكواليس:
بعد انتهاء الحفل، سأل صحفي مستقل (وهو الصحفي الوحيد الذي لم يتم شراؤه من قبل أي طرف) رندة:
– "ألست خائفة من أن يقرأ أحفادك هذه الصفحات يوماً ما؟"
نظرت إليه رندة ببرود، ثم قالت:
– "أحفادي سيكونون مشغولين بالاستمتاع بثرواتي. لن يقرأوا تاريخاً، ولن يبحثوا عن حقائق. سيكونون مثل آبائهم: أغنياء، جهلة، وسعداء. وهذه هي أسعد نهاية يمكن أن تنتهي بها أي قصة".
وغادرت القاعة في سيارة ليموزين سوداء، تاركة خلفها دخاناً أبيض وضحكة عالية لا تزال تتردد في أروقة "ألبرت هول" حتى اليوم.