تفجيرات السيل الشمالي: بين التحقيق الألماني، كشف سيمور هيرش، وروايات موسكو
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 15:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
عندما يصبح خط الأنابيب ساحة حرب
هناك ، ليس بعيدا جدا ، في أعماق بحر البلطيق، حيث كانت تتدفق بهدوء كميات هائلة من الغاز الروسي إلى أوروبا، وقع انفجاران غيّرا خريطة الطاقة العالمية إلى الأبد. في 26 سبتمبر 2022، تعرض خطا "السيل الشمالي-1" و"السيل الشمالي-2" لتفجيرات وصفت بأنها "غير مسبوقة"، تاركة أوروبا في حالة ذهول، وألمانيا أمام تساؤلات وجودية حول أمن طاقتها وولائها للتحالفات الدولية. بين تحقيق صحيفة "وول ستريت جورنال" الذي تجسده كتابات الصحفي بويان بانشيفسكي، وتقارير الصحفي المخضرم سيمور هيرش الحائز على جائزة بوليتزر، والروايات الروسية الرسمية، تتشابك الخيوط في قصة قد تكون الأكثر تعقيداً في تاريخ التخريب الدولي. فمن المسؤول حقاً؟ ولماذا يطالب سياسيون ألمان اليوم بوقف دعم كييف على خلفية هذه التفجيرات؟
كتاب بانشيفسكي – "القصة الحقيقية" من واشنطن
صدر في ألمانيا كتاب بعنوان "تفجير السيل الشمالي: القصة الحقيقية للتخريب الذي هز أوروبا" للصحفي بويان بانشيفسكي، وهو تحقيق استقصائي موسع يستند، حسب المؤلف، إلى مقابلات متعمقة مع مشاركين مباشرين في الأحداث، ومحققين دوليين، وضباط مخابرات من دول متعددة. يقدم بانشيفسكي رواية جريئة ومثيرة للجدل: أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وافق شخصياً على تدمير خطي الأنابيب، بتخطيط من قادة عسكريين أوكرانيين، دون علم الحلفاء الغربيين.
يكشف الكتاب أن العملية نفذتها مجموعة من الغواصين الأوكرانيين المدربين تدريباً عالياً، مستأجرين يختاً صغيراً انطلق من ميناء ألماني، ليزرعوا المتفجرات على أعماق تصل إلى 80 متراً تحت سطح البحر. واللافت أن بانشيفسكي يؤكد أن الإدارة الأميركية كانت في حالة جهل تام بالعملية، بل إن واشنطن أبدت غضباً عارماً عندما اكتشفت الحقيقة بعد أيام من التفجيرات، لأن العملية قوضت استراتيجية أميركية أكثر دقة تجاه ألمانيا.
يرسم بانشيفسكي صورة لزيلينسكي كقائد يتخذ قرارات مصيرية بشكل انفرادي، معتبراً أن تفجير السيل الشمالي يمثل ضربة استباقية لمنع ألمانيا من العودة إلى شراء الغاز الروسي في أي مفاوضات سلام مستقبلية. يصف المؤلف كيف أن كييف نظرت إلى خطوط الأنابيب باعتبارها "شريان حياة" للنظام الروسي، وقاعدة طاقة تسمح لموسكو بتمويل حربها، لذلك كان لا بد من قطعها جراحياً، حتى لو كان الثمن غضب برلين.
سيمور هيرش – الرواية الأميركية المضادة
في فبراير 2023، نشر الصحفي الأسطوري سيمور هيرش، الذي كشف فضيحة مذبحة ماي لاي في فيتنام وأبو غريب في العراق و السلاح الكيماوي الذي استخدمته المخابرات القطرية والتركية في سورية ، تحقيقاً مدوياً على منصة "سابستاك" يروي قصة مختلفة تماماً. بحسب هيرش، فإن العملية لم تكن أوكرانية البتة، بل قامت بها الولايات المتحدة بالتعاون مع النرويج، بتوجيه مباشر من الرئيس جو بايدن.
يصف هيرش بالتفصيل كيف أن غواصين من البحرية الأميركية، متخصصين في الحرب تحت الماء، زرعوا المتفجرات خلال مناورات "بالتوبس-22" التي استمرت أسبوعاً في بحر البلطيق، بغطاء من طائرات الاستطلاع النرويجية. وبعد ثلاثة أشهر، فجرت القنابل عن بعد بواسطة إشارة صوتية، مما أدى إلى تسرب كميات هائلة من غاز الميثان إلى الغلاف الجوي، في واحدة من أكبر الكوارث البيئية في التاريخ الحديث.
يرى هيرش أن الدافع الأميركي كان واضحاً: كسر قبضة روسيا على أسواق الطاقة الأوروبية، وإجبار ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي على التوقف نهائياً عن شراء الغاز الروسي، والتحول إلى الغاز الطبيعي المسال الأميركي الأغلى ثمناً. يعتبر هيرش أن بايدن صرح بذلك علناً قبل أشهر من التفجيرات، عندما قال في مؤتمر صحفي: "إذا غزت روسيا أوكرانيا، فلن يكون هناك سيل شمالي-2... سوف ننهيه".
يكمن الفارق الجوهري بين رواية هيرش ورواية بانشيفسكي في هوية الفاعل والدافع. فحيث يرى بانشيفسكي قراراً أوكرانياً مستقلاً، يرى هيرش عملية أميركية مخططة بعناية فائقة، مع رغبة أميركية في إبقاء الحلفاء الأوروبيين في حالة اعتماد تام على واشنطن.
موسكو تتحدث – إرهاب دولي بامتياز
من جانبها، فتحت النيابة العامة الروسية قضية "إرهاب دولي" للتحقيق في التفجيرات، واتهمت الغرب بشكل قاطع بتنفيذ العملية. تصر موسكو على أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة كانتا العقل المدبر والمنفذ، وتستشهد بتصريحات الرئيس جو بايدن وتقارير هيرش كدليل على التورط الأميركي.
تصف المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا التفجيرات بأنها "هجوم إرهابي غير مسبوق على البنية التحتية الحيوية لأوروبا"، وتعتبر أن الدول الأوروبية، وخاصة ألمانيا، هي الضحية الأكبر للعملية. وتؤكد موسكو أن ألمانيا تتعرض لضغوط أميركية هائلة لعدم الكشف عن الحقيقة الكاملة، وأن التحقيقات الرسمية الألمانية والدنماركية والسويدية تتعمد إخفاء الأدلة التي تشير إلى تورط واشنطن.
في خطاب دراماتيكي، وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التفجيرات بأنها "عمل إرهابي يهدف إلى تدمير أمن الطاقة الأوروبي"، محذراً من أن "أولئك الذين فعلوا ذلك يريدون قطع آخر حبال الثقة بين روسيا وأوروبا". وتنشر موسكو باستمرار وثائق وتصريحات تزعم أن الغرب هو المستفيد الوحيد من تدمير خطوط الأنابيب، وأن أوكرانيا لم تكن لتمتلك القدرات التقنية لتنفيذ عملية بهذه الدقة والتعقيد دون مساعدة حلفاء أقوياء.
المقارنة بين الروايات الثلاث
لنقارن الآن بين الروايات الرئيسية الثلاث وفق معايير متعددة:
أولاً: هوية الجاني
· بانشيفسكي: أوكرانيا (بقيادة زيلينسكي شخصياً)
· هيرش: الولايات المتحدة (بالشراكة مع النرويج)
· موسكو: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة
ثانياً: الدافع
· بانشيفسكي: منع ألمانيا من العودة إلى شراء الغاز الروسي مستقبلاً، وتجريد موسكو من سلاح الطاقة
· هيرش: كسر الاحتكار الروسي لسوق الطاقة الأوروبي، وترويج الغاز الأميركي المسال
· موسكو: إضعاف روسيا اقتصادياً، وعزل ألمانيا عن أي حوار مع موسكو
ثالثاً: مستوى التخطيط
· بانشيفسكي: عملية مستقلة نسبياً، نفذها أوكرانيون بيخت مستأجر، دون علم الحلفاء
· هيرش: عملية استخباراتية فائقة التعقيد، استمر التخطيط لها أشهراً، بمشاركة كبرى أجهزة المخابرات
· موسكو: عملية دولية منسقة بمشاركة عدة دول غربية
رابعاً: موقف ألمانيا
· بانشيفسكي: ألمانيا ضحية لخيانة من دولة تعتبرها حليفة
· هيرش: ألمانيا ضحية لخيانة من أعز حلفائها
· موسكو: ألمانيا ضحية ضغوط أميركية تمنعها من كشف الحقيقة
خامساً: مصداقية المصادر
· بانشيفسكي: يستند إلى مقابلات مع مشاركين ومحققين، لكنه يعمل في صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، التي قد تكون معنية بتبرئة واشنطن
· هيرش: صحفي مخضرم بسمعة عالمية، لكنه ينشر على منصة شخصية بدون تدقيق مؤسسي، واتهمه البعض بالاعتماد على مصدر واحد
· موسكو: تقدم رواية متسقة مع مصالحها الجيوسياسية، لكنها تفتقر إلى أدلة ملموسة قابلة للتدقيق المستقل
انعكاسات السياسة الألمانية – دعوات وقف دعم كييف
على خلفية التحقيق الذي نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" والكتاب الصادر عنها، انطلقت موجة من الغضب في المشهد السياسي الألماني. أليس فايدل، زعيمة حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD)، وسارة فاغنكنيشت، زعيمة حزب BSW، دعتا برلين إلى وقف فوري لكل الدعم المالي والعسكري لنظام كييف.
كتبت فايدل على منصة "إكس": "فلاديمير زيلينسكي وافق شخصياً بنفسه على تدمير خط أنابيب السيل الشمالي. ورغم إرهاب الدولة الذي يمارسه نظام كييف ضد المصالح الألمانية، يواصل المستشار الألماني فريدريش ميرتس تحويل مليارات الدولارات إلى أوكرانيا. متى سيتم اتخاذ الإجراءات المناسبة ووقف جميع المدفوعات؟"
أما فاغنكنيشت فكانت أكثر حدة في تعبيرها: "أمر مذهل لا يُصدق، يقولون إن زيلينسكي صادق شخصياً على تدمير بنيتنا التحتية للطاقة. وما زلنا ننقل المليارات من أموال دافعي الضرائب الألمان إلى هؤلاء الإرهابيين الفاسدين في كييف؟ يجب أن يتوقف هذا الجنون".
هذه التصريحات تعكس تحولاً مهماً في الخطاب السياسي الألماني. فحتى وقت قريب، كانت دعوات وقف دعم أوكرانيا حكراً على أقصى اليمين وأقصى اليسار. لكن اليوم، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع فواتير الطاقة، ومع ظهور تقارير تتهم كييف باستهداف البنية التحتية الألمانية، أصبحت هذه الدعوات تجد صدى أوسع في الرأي العام.
لغة الجبل والنار
لنكتب الآن بلغة ترقى إلى مستوى الأحداث الدراماتيكية التي نناقشها، بلغة تمتزج فيها فصاحة العربية بجلالها، وتتدفق فيها الاستعارات كالماء في أنهار الجليد:
عند منتصف ليل خريفي، في عمق بحر لا تراه العيون ولا تسمعه الآذان، ارتطمت صواعق من صنع البشر بأحشاء الأرض. لم تكن صواعق السماء التي تطلقها الغيوم الماطرة، بل صواعق من حديد ومتفجرات، زرعتها أيادٍ خفية في شرايين الطاقة التي تصل الشرق بالغرب. انفجرت أنابيب السيل الشمالي كشرايين قلعة عظيمة تمزقت بالسكاكين، فتفجر منها غاز الميثان يصعد إلى سطح الماء فقاعات عملاقة، كأنما البحر يبكي دموعاً لا تنقطع، أو كأنما أعماقه تئن تحت وطأة الغدر البشري.
ثلاث روايات تتقاتل في سوق الحقيقة، كفرسان ثلاث في ميدان ضيق، كل يلوح بسيفه ويصرخ: أنا صاحب الحق. فبانشيفسكي يرسم زيلينسكي قائداً انفرادياً، يقرر وحدفه مصير قارة بأكملها، كطائر يحلق عالياً ثم يقرر فجأة أن يحطم عشه. وهيرش يروي قصة أميركية باردة محسوبة، كحركة شطرنج أعدت لها مائة نقلة مسبقة، يتحرك فيها البيادق الصغار دون أن يدركوا أنهم يكتبون نهاية اللعبة. وموسكو ترفع الصوت عالياً، كجريح ينزف أمام حشد صامت، تصرخ: أنظروا ماذا فعلوا بي، لكن لا أحد يسمع، أو ربما لا أحد يريد أن يسمع.
وفي برلين، حيث مقر السلطة الألمانية، يشتعل الجدل كالنار في حقل جاف. تطالب أليس فايدل، بلهجة حادة كالسيف المسلول، بوقف كل قرش ألماني يتجه إلى كييف. وتنضم إليها سارة فاغنكنيشت، بكلمات تخرج من فمها كالحمم، تصف حكام أوكرانيا بـ"الإرهابيين الفاسدين". ألمانيا التي كانت حتى الأمس القريب أكبر ممول لأوكرانيا بعد أميركا، تقف اليوم على حافة الهاوية، تتساءل: من خاننا؟ وهل نستمر في دعم من خانه؟ أم نلتفت إلى أنفسنا وجيوبنا التي أضحت خاوية؟
كأنما القدر أراد أن يكتب نهاية هذه القصة بطريقة لا تشبه بدايتها. فالحرب التي بدأت باقتحام دبابات روسية للأراضي الأوكرانية، تنتهي بانفجارات تحت الماء تهز عرش المستشار الألماني نفسه. الحقيقة تظل غائمة كضباب بحر البلطيق في صباح شتوي، لا تتبدى إلا ومضات خاطفة من هنا أو هناك. وكلما اقتربنا من معرفة من فجر الأنابيب، ابتعدنا عن معرفة لماذا فعلوا، ومن المستفيد الأكبر.
يبقى السؤال الأهم: هل ستجرؤ ألمانيا على فتح تحقيق دولي حقيقي؟ أم أن الحقيقة ستبقى أسيرة المصالح الكبرى، كأسيرة في قصر منيف لا ترى ضوء الشمس إلا من خلال قضبان النوافذ العالية؟ وما زالت المياه تضطرب في بحر البلطيق، وما زالت فقاعات الميثان تصعد إلى السطح، وما زالت أوروبا ترتجف برداً في شتاء بلا غاز، في قصة لم تنتهِ بعد، بل ربما لم تبدأ إلا الآن.
تحليل المصالح – من المستفيد الأكبر؟
في أي جريمة دولية، السؤال الأول الذي يطرحه المحققون هو: من المستفيد؟ لنطبق هذا المبدأ على تفجيرات السيل الشمالي:
الولايات المتحدة هي أكبر المستفيدين بلا منازع، وفقاً لمعظم المحللين. فمنذ التفجيرات، ارتفعت صادرات الغاز الطبيعي المسال الأميركي إلى أوروبا بنسبة تزيد على 140%، وأصبحت أوروبا تعتمد على واشنطن لتأمين احتياجاتها من الطاقة. كما أن تدمير السيل الشمالي يجعل من المستحيل على ألمانيا العودة إلى شراء الغاز الروسي حتى لو توصلت إلى اتفاق سلام مع موسكو، مما يعزز الهيمنة الأميركية على أوروبا لعقود قادمة.
أوكرانيا تستفيد أيضاً، لكن بدرجة أقل. فتفجير خطوط الأنابيب يحرم روسيا من عائدات الغاز التي كانت تمول حربها، ويجعل أوروبا أكثر التزاماً بدعم كييف عسكرياً واقتصادياً، لأنه لا توجد الآن أي فرصة لانفراج ألماني روسي على حساب أوكرانيا.
روسيا هي الخاسر الأكبر، بخسارة مليارات الدولارات من عائدات الغاز، وفقدان أداة الضغط الجيوسياسي الأهم على أوروبا، وتدهور العلاقات مع ألمانيا إلى أدنى مستوياتها منذ الحرب الباردة.
ألمانيا هي الخاسر الأكبر أيضاً، فهي فقدت مصدراً رئيسياً للطاقة الرخيصة التي قام عليها نهضتها الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، ودفعت ثمناً باهظاً لاستيراد الغاز الأميركي والأوروبي البديل، وشهدت مصانعها تغلق وآلاف الشركات تعلن إفلاسها.
هذا التناقض في المصالح هو ما يجعل القضية شديدة التعقيد. فلماذا تدمّر أوكرانيا بنية تحتية لا تملك القدرة على إصلاحها، وتغضب بذلك حليفتها الرئيسية ألمانيا؟ ولماذا تتحمل واشنطن مخاطرة شن عملية تخريب ضد حليف في الناتو؟ هذه الأسئلة تظل بلا إجابات قاطعة حتى الآن.
ألمانيا بين المطرقة والسندان
تقف ألمانيا اليوم في موقف بالغ الصعوبة. فمن جهة، هي ملتزمة بدعم أوكرانيا دفاعاً عن المبادئ الغربية وحماية لأمنها القومي. ومن جهة أخرى، تتصاعد الأصوات التي تطالبها بمراجعة هذه السياسة على ضوء تقارير تتهم كييف باستهداف مصالحها الحيوية.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس يواجه ضغوطاً هائلة من حلفائه في الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ومن المعارضة بقيادة حزبي AfD وBSW، لإعادة تقييم الدعم المقدم لأوكرانيا. وفي الوقت نفسه، تذكره واشنطن باستمرار بأن الولاء للتحالف يتطلب الاستمرار في دعم كييف مهما كلف الأمر.
الأزمة تذكرنا بمقولة المستشار الألماني الأسبق فيلي براندت: "إذا أردت السلام، فاعرف عدوك". لكن السؤال اليوم هو: من هو العدو الحقيقي لألمانيا؟ روسيا التي تغزو أوكرانيا؟ أم أوكرانيا التي تفجر بنية ألمانيا التحتية؟ أم الولايات المتحدة التي تتاجر بأمن أوروبا؟
حقيقة غارقة في الأعماق
بعد عامين ونصف من التفجيرات، تظل الحقيقة غارقة في قاع بحر البلطيق، كبقايا خطوط الأنابيب المدمرة. لم تقدم أي من التحقيقات الألمانية أو الدنماركية أو السويدية نتائج حاسمة، ولم تكشف أي من الحكومات الغربية عن أدلة قاطعة تثبت تورط طرف معين.
كتاب بانشيفسكي يضيف رواية جديدة إلى المشهد، لكنه يظل مجرد رواية تحتاج إلى أدلة ملموسة. وتقارير هيرش تقدم سردية مقنعة لكنها تفتقر إلى التأكيد الرسمي. وموسكو تطلق الاتهامات لكنها لا تقدم الأدلة.
في النهاية، يبقى القارئ أمام ثلاثة خيارات: إما أن يصدق رواية واشنطن عبر بانشيفسكي، أو رواية واشنطن أيضاً عبر هيرش (وهما مختلفتان تماماً)، أو رواية موسكو. لكن الأكيد أن ألمانيا لم تعد كما كانت، وأن أوروبا فقدت جزءاً من سيادتها على طاقتها، وأن الحقيقة، مهما كانت، ستبقى أحد أضخم ألغاز القرن الحادي والعشرين.
وربما يكون الأهم من معرفة من فجر الأنابيب، هو السؤال: كيف نمنع تكرار ذلك؟ وكيف نحمي البنية التحتية الحيوية من أن تصبح هدفاً في حروب لا نعرف متى تبدأ أو أين تنتهي؟ فالغواصات والمتفجرات لم تعد تستهدف السفن الحربية فقط، بل أصبحت تستهدف شرايين الحياة نفسها: الماء، والكهرباء، والغاز، والإنترنت. وفي عالم كهذا، لا أحد آمن، ولا شيء مقدس.
تظل قصة السيل الشمالي درساً قاسياً في أن الحروب لم تعد تُشن على الجبهات فقط، بل تحت الماء وفوق السحاب وفي أعماق الخوادم الإلكترونية. وأن الحقيقة، في عصر المعلومات المضللة، أصبحت سلعة نادرة كالغاز نفسه، يشتريها من يدفع أكثر، ويصدقها من يريد أن يصدق.
وهكذا ننهي هذه المقارنة الأدبية الموسعة، عسى أن تكون قد أوفت ببعض جوانب هذه القصة المعقدة، وفتحت آفاقاً للتفكير أكثر مما قدمت إجابات قطعية، لأن بعض الأسئلة، ربما، أجمل حين تبقى بلا إجابة.
.