مقدمة كتاب : -الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس- صمت المدافع: التواطؤ الأوروبي في سياق العدوان على إيران
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 00:21
المحور:
الادب والفن
كتاب : "الطفلات اللواتي كنَّ يرسمْنَ الشمس"
صمت المدافع: التواطؤ الأوروبي في سياق العدوان على إيران
بين شرعية الدفاع عن النفس وسقوط القانون الدولي
المقدمة
في مديح الخراب: لحظة انهيار النظام العالمي
١. استهلال: حين يسقط القناع عن وجه الحداثة
في زمن يتسارع فيه التاريخ كالسهم الطائش، وتتهاوى فيه المعايير كما تتهاوى أعمدة الدخان في سماء معركة لا تعرف الرحمة، نقف اليوم على حافة هاوية جديدة. إنه آذار/مارس 2026، والشمس تشرق على عالم لم يعد كما كان، عالم يشهد ولادة وحش جديد من رحم أوهام الحضارة الغربية. ليس هذا الذي يحدث مجرد عدوان عسكري عابر في بقعة ملتهبة من بقاع الأرض، بل هو إعلان صريح، مكتوب بدماء الأبرياء، عن نهاية زمن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، ذلك النظام الذي وُلد من رحم معسكرات الموت النازية ليعد البشرية: "لن يتكرر الأمر ثانية".
ها هي ذي البشرية تشهد تكراراً، ولكن بصيغة أكثر بشاعة، وأكثر تطوراً في أدواتها، وأكثر خبثاً في خطابها التبريري. إنها النازية بعيون زرقاء وبدلات أنيقة، النازية التي تتحدث بلغة الديمقراطية وحقوق الإنسان بينما تقصف المستشفيات بالأسلحة الذكية، النازية التي تبارك اغتيال رجال الدولة وتصفهم بالإرهابيين. هذه النازية الجديدة لا ترتدي الزي البني ولا ترفع الصليب المعقوف، بل ترتدي ربطة عنق حريرية وتحمل رايات "النظام الدولي القائم على القواعد"، تلك القواعد التي لا تطبق إلا على الضعفاء، والتي تتحول إلى حبر على ورق حين يتعلق الأمر بحلفائها.
نحن أمام مشهد تراجيدي مهيب: تحالف دولي عريض، يمتد من واشنطن إلى تل أبيب، مروراً بعواصم محميات الخليج الصهيو أمريكية وعبر قواعد في قبرص والأردن وتركيا، يتحد لتوجيه ضربات قاتلة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي المشهد ذاته، تقف أوروبا، تلك السيدة العجوز التي كانت يوماً منارة للقانون والحق، تقف صامتة، صامتة بصمت يجلجل كالرعد في صحراء الضمير الإنساني. إنه "صمت أوروبا المذنب"، كما تصفه صحيفة لوموند في مقالتها الشجاعة، ذلك الصمت الذي لا يقل جريمة عن العدوان نفسه.
٢. تأمل في طبيعة اللحظة التاريخية
لكي نفهم ما يجري، علينا أن نخلع عن أعيننا غشاوة السياسة الآنية، وأن ننظر إلى الأحداث بعين المؤرخ الذي يقرأ المستقبل، لا بعين الصحفي الذي ينقل الخبر العاجل. ما نشهده اليوم هو تتويج لمسار طويل من محاولة فرض "النظام العالمي الأحادي" على مقدرات البشرية، ذلك النظام الذي أرادته الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي واجهته مقاومة شرسة من أطراف متعددة في العالم، وفي مقدمتها إيران الإسلامية.
هذا النظام الأحادي لم يكن يوماً مجرد توزيع للقوى على خريطة العالم، بل كان مشروعاً حضارياً متكاملاً، هدفه الأول والأخير هو تحويل كل ما هو خارج عن دائرة "المركز" الرأسمالي الغربي إلى مجرد أدوات وموارد. فكما يقول المنظرون الكبار للنظام العالمي، إن الرأسمالية لا تكتفي باستغلال "الأطراف"، بل تعمل باستمرار على إعادة إنتاج علاقات التبعية التي تضمن استمرار تدفق الثروات من المحيطات إلى المركز.
إيران، في هذا السياق، لم تكن مجرد دولة أخرى في الشرق الأوسط. إيران كانت الحالة الشاذة، الحالة التي قالت "لا" في وجه هذا المشروع. لم تكتفِ بأن تكون مستقلة سياسياً، بل أرادت أن تقدم نموذجاً تنموياً مستقلاً، ونموذجاً سياسياً لا يخضع للإملاءات الغربية، والأهم من ذلك، أن تكون حاضنة لكل من رفض هذا المشروع في المنطقة، من لبنان إلى فلسطين إلى العراق وسوريا واليمن.
لذلك، فإن العدوان على إيران ليس عدواناً عابراً، وليس حرباً تقليدية بين دولتين. إنه حرب وجودية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إنه محاولة يائسة من "المركز" لقطع رأس الأفعى، أي لتصفية آخر مركز قوة مستقلة في المنطقة، بعد أن فشل في تصفية المقاومة في فلسطين ولبنان. إنه اعتراف ضمني بأن كل أدوات الهيمنة الناعمة قد فشلت، وأنه لم يبقَ سوى الخيار العسكري المباشر.
٣. في نقد المصطلح: لماذا "نازي"؟
قد يتساءل البعض: أليس في استعمال مصطلح "نازي" مبالغة أو تحميل للأحداث ما لا تحتمل؟ الجواب، في سياق هذا التحليل، هو لا. إن النازية، كظاهرة تاريخية، لم تكن مجرد حركة سياسية ألمانية، بل كانت تجسيداً متطرفاً لفكرة تفوق عرق على آخر، وحق العرق المتفوق في السيطرة على مقدرات العالم وتصفية من يقف في طريقه. هذه الفكرة نفسها، بجوهرها، هي ما نراه اليوم في خطاب اليمين الصهيوني المتطرف، وفي عقيدة "الاستثناء الأمريكي" التي تبيح لواشنطن ما لا تبيح لغيرها.
عندما يتحدث نتنياهو عن "أمة إسرائيل" وكأنها كيان فوق القانون، وعن حقها في الدفاع عن النفس إلى أقصى الحدود بينما تُحرم الشعوب الأخرى من هذا الحق، فإنه يعيد إنتاج الخطاب النازي بامتياز. وعندما تعلن الولايات المتحدة أن لديها قائمة من الدول "الخارجة عن القانون" التي يجب ترويضها أو إسقاط أنظمتها، فإنها تضع نفسها في موقع "القاضي الأعلى" الذي كان هتلر يحلم به.
لكن الفارق بين النازية القديمة والنازية الجديدة هو في الأدوات والخطاب. النازية القديمة كانت صريحة في عنصريتها ووحشيتها، أما النازية الجديدة فتختبئ وراء أقنعة "القيم العالمية" و"حقوق الإنسان" و"محاربة الإرهاب". إنها نازية مستترة، ولذلك هي أكثر خطورة، لأنها تستطيع أن تجند لها نخباً مثقفة من كل أنحاء العالم، تستطيع أن تجعل ضحاياها يشكون في أنفسهم قبل أن يشكوا في جلاّديهم.
العدوان على إيران في آذار 2026 هو لحظة كشف لهذا القناع. إنه اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويظهر الوجه الحقيقي لهذا المشروع: وجه الوحش.
٤. الطابع النازي للتحالف الدولي
لنتأمل هذا التحالف العجيب الذي يضرب إيران. إنه ليس تحالفاً عسكرياً تقليدياً تجمعه مصالح عابرة. إنه تحالف يقوم على أيديولوجية ضمنية مشتركة: كراهية الآخر المختلف، وكراهية النموذج المستقل، وكراهية المشروع الحضاري الذي لا يخضع للإملاءات الغربية.
الولايات المتحدة، في هذا التحالف، هي القائد التاريخي للمشروع الرأسمالي العالمي، وهي التي تمتلك أدوات القوة المادية والسياسية. إسرائيل، هي الواجهة الاستيطانية لهذا المشروع في المنطقة، وهي التي تقدم الغطاء الأيديولوجي والديني للعدوان. دول الخليج، هي المحميات النفطية التي تقدم المال والأرض والقواعد العسكرية. الأردن، هو الحارس الصامت للحدود الذي يقدم التسهيلات اللوجستية. تركيا، العضو في حلف الناتو، تقدم قاعدة إنجرليك الاستراتيجية. قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي، تقدم قواعدها البريطانية.
هذا التحالف لا يقوم على المصالح فقط، بل يقوم على إرث استعماري طويل، وعلى عقدة نقص حضاري تجاه إيران، تلك الدولة التي كانت يوماً إمبراطورية عظمى عندما كان أجداد هؤلاء لا يزالون في خيامهم. إنه تحالف "الأطراف التابعة" ضد "المركز المستقل"، ولكنه هذه المرة يحدث تحت القيادة المباشرة للمركز الإمبريالي نفسه.
الطابع النازي هنا يتجلى في محاولة "التطهير" الوجودي. ليس المطلوب هزيمة إيران عسكرياً فقط، بل المطلوب تدمير نموذجها السياسي والاقتصادي والثقافي، المطلوب إخضاعها بالكامل، أو تحويلها إلى دولة فاشلة لا تستطيع أن تقدم نموذجاً بديلاً لأي شعب في المنطقة. هذا هو منطق الإبادة الجماعية للنماذج الحضارية، وهو أخطر من الإبادة الجماعية للبشر.
٥. المحميات: من دولة السيادة إلى ثكنات الإمبريالية
لا يمكن فهم المشهد من دون تحليل معمق لوضع "المحميات" الخليجية والعربية. لقد أنتجت عقود من الهيمنة الأمريكية على المنطقة ما يمكن تسميته "دولة القاعدة العسكرية". هذه الدول، التي تحتفظ بسيادة شكلية وعلم يرفرف في الأمم المتحدة، فقدت جوهر السيادة، أي القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة في السياسة الخارجية والأمن القومي.
في الواقع العملي، تحولت هذه الدول إلى مجرد قواعد عسكرية متقدمة للجيش الأمريكي. قيادتها العسكرية مندمجة بالكامل مع القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم). أجهزتها الاستخباراتية تعمل كفروع للـ CIA. اقتصادها مربوط بالدولار ومصالح الشركات الغربية. وأخيراً، قراراتها السياسية تُتخذ في واشنطن قبل أن تُصادق عليها في عواصمها.
عندما تشارك هذه الدول في العدوان على إيران، فإنها لا تقدم دعماً جانبياً، بل تصبح شريكاً أصيلاً في الجريمة. قواعدها الجوية تنطلق منها الطائرات الحربية. مجالها الجوي يعبره الطيران المعتدي. موانئها تستقبل السفن الحربية. أنظمتها الدفاعية تقدم الغطاء للعدوان. في هذه الحالة، لا يمكن الحديث عن "دول محايدة" أو "دول غير مشاركة"، بل عن دول معتدية بكل ما في الكلمة من معنى.
الأردن، على سبيل المثال، كان دائماً يحتفظ بعلاقات خاصة مع الغرب، لكن مشاركته في هذا العدوان تمثل نقطة تحول خطيرة. إن قبول الأردن باستخدام قواعده أو مجاله الجوي لضرب إيران يعني أنه أصبح طرفاً في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، إلا من خلال التبعية العمياء للمشروع الأمريكي. هذا القرار سيكلف الأردن ثمناً باهظاً على المدى البعيد، ليس فقط من علاقاته مع إيران، بل من استقراره الداخلي، ومن مكانته في العالمين العربي والإسلامي.
٦. قبرص وتركيا: التناقض الأوروبي في أقصى تجلياته
المفارقة الكبرى في هذا العدوان تتمثل في دور كل من قبرص وتركيا. قبرص، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، تسمح باستخدام القواعد العسكرية البريطانية على أرضها. هذه القواعد، التي بقيت كآثار استعمارية من الماضي، تتحول اليوم إلى منصات انطلاق لعدوان على دولة مجاورة. بموجب قوانين الاتحاد الأوروبي، يفترض أن تكون قبرص ملزمة بالسياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد، لكنها هنا تتصرف كدولة محايدة تسمح باستخدام أراضيها لأغراض حربية، في تناقض صارخ مع التزاماتها الأوروبية.
تركيا، من جهتها، العضو في حلف شمال الأطلسي، تقدم قاعدة إنجرليك الجوية الاستراتيجية. هذه القاعدة، التي تضم أسلحة نووية أمريكية، أصبحت مركزاً حيوياً للعمليات ضد إيران. المفارقة هنا أن تركيا، التي كانت تسعى لسنوات إلى لعب دور إقليمي مستقل، وإلى تحسين علاقاتها مع إيران، تجد نفسها مرة أخرى في موقع التابع الذي لا يستطيع مخالفة أوامر الحلف.
هذا الوضع يعري التناقضات الكامنة في البنية الأمنية الأوروبية - الأطلسية. فالاتحاد الأوروبي، الذي يتباهى بسياسة خارجية موحدة، لا يستطيع حتى أن يمنع دولة عضو من أن تتحول إلى قاعدة خلفية لعدوان على جارة. وحلف الناتو، الذي يدّعي أنه دفاعي، يستخدم لشن حروب عدوانية خارج حدوده.
٧. أوروبا: سقوط القناع الإنساني
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بنت أوروبا لنفسها صورة "القارة الإنسانية"، القارة التي تعلمت من أخطائها الماضية، والتي تضع حقوق الإنسان والديمقراطية والقانون الدولي في صميم سياساتها. هذه الصورة كانت دائماً محل شك من قبل شعوب الجنوب التي عانت من الاستعمار الأوروبي، لكنها ظلت، على الأقل، تشكل معياراً أخلاقياً يمكن الاحتكام إليه.
العدوان على إيران يسقط هذا القناع نهائياً. أوروبا اليوم، ممثلة بثلاثيتها الكبرى (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا)، لا تكتفي بعدم إدانة العدوان، بل تقدم الدعم السياسي والاقتصادي والاستخباري له. إنها تكرر بذلك سيناريو غزو العراق عام 2003، ولكن بشكل أكثر خزياً، لأنها تفعل ذلك بعد أن شاهدت نتائج ذلك الغزو الكارثية.
صمت أوروبا هو "صمت مذنب" كما تقول لوموند، ولكنه أيضاً صمت فاضح. إنه يكشف أن أوروبا لم تعد سوى ذراع مدني للإمبراطورية الأمريكية. لقد تحول الاتحاد الأوروبي من مشروع سلام إلى مجرد نادٍ اقتصادي يتبع القيادة الأمريكية في كل ما هو استراتيجي. وهذا التحول ليس وليد اليوم، بل هو نتاج عقود من التبعية الأمنية لحلف الناتو، والتبعية الثقافية للنموذج الأمريكي، والتبعية الاقتصادية لسياسات العولمة التي تصممها واشنطن.
ما يثير السخرية المريرة هو أن أوروبا التي ترفع شعارات "الالتزام بالقانون الدولي" في أوكرانيا، تسكت تماماً عن انتهاكات هذا القانون في إيران. لماذا؟ لأن العدوان على إيران يخدم مصالحها الاستراتيجية المباشرة: إضعاف منافس في سوق الطاقة، توجيه ضربة لمحور الممانعة، إرضاء الضغوط الأمريكية، والأهم من ذلك، حماية إسرائيل، تلك الدولة التي ترمز، في اللاوعي الأوروبي ، حسب وسائل إعلام الأقلية الاوليغارشية الغربية ، إلى "التكفير عن ذنب المحرقة"، حتى لو كان ذلك على حساب ملايين الإيرانيين والعرب والمسلمين.
٨. صورة النقيض: الصمت الذي يجلجل
هناك صمت، وهناك صمت. صمت الجاهل الذي لا يعرف، وصمت الخائف الذي لا يجرؤ، وصمت المتواطئ الذي يختار ألا يرى. صمت أوروبا هو من النوع الثالث والأخطر. إنه صمت المتفرج الذي يقف على شاطئ البحر يشاهد غريقاً يصرخ طلباً للنجدة، لا لأنه عاجز عن إنقاذه، بل لأنه يريد له أن يغرق.
هذا الصمت ليس فراغاً، بل هو فعل سياسي بامتياز. إنه يقول للمعتدي: "أنت حر، افعل ما تشاء، لن نقف في طريقك". وهو يقول للضحية: "أنت وحدك، لا تنتظر منا شيئاً". بهذا الصمت، تشارك أوروبا في العدوان أكثر مما تشارك به بعض الدول المشاركة فعلياً.
ولأن الصمت هنا هو فعل، فإنه يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية ذاتها التي يتحملها الفعل المباشر. عندما تصمت ألمانيا، وهي القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، فإنها تعطي الغطاء للعدوان. عندما تصمت فرنسا، صاحبة إعلان حقوق الإنسان، فإنها تخون إرثها الثوري. عندما تصمت بريطانيا، العضو الدائم في مجلس الأمن، فإنها تخون التزاماتها الدولية.
هذا الصمت الأوروبي هو بمثابة إعلان وفاة للقانون الدولي. فالقانون لا يعيش فقط في النصوص، بل في الإرادة السياسية لتطبيقه. حين تختفي هذه الإرادة، يتحول القانون إلى مجرد كلمات على ورق، وإلى أداة في يد القوي يسلطها على الضعيف متى شاء، ويتجاوزها متى شاء.
٩. إيران في مرآة التاريخ
لإيران في هذا المشهد مكانة خاصة. هي ليست مجرد ضحية عادية، بل هي ضحية نموذجية، ضحية لأنها اختارت أن تكون مختلفة. إيران اليوم تدفع ثمن ثورتها الإسلامية عام 1979، تلك الثورة التي قلبت الموازين في المنطقة، والتي قالت بوضوح: لا للهيمنة الأمريكية، لا للتبعية، لا للتطبيع مع إسرائيل.
منذ ذلك التاريخ، وإيران تخوض معركة وجودية مع المشروع الغربي - الصهيوني. حرب الثماني سنوات مع العراق (1980-1988) كانت الحلقة الأولى في هذه المواجهة. ثم جاءت سنوات العقوبات والحصار والتجريم الدولي. ثم تصفية القادة بالاغتيالات والاغتيالات. ثم الحرب السيبرانية. ثم الضغوط الاقتصادية الخانقة. والآن، العدوان العسكري المباشر.
لكن إيران، في كل هذه المحطات، أظهرت صموداً استثنائياً. لقد بنت لنفسها نموذجاً تنموياً مستقلاً، واستطاعت أن تحقق إنجازات علمية هائلة رغم الحصار، ونسجت شبكة من العلاقات الإقليمية مع قوى المقاومة جعلت منها قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها. هذا الصمود هو الذي يغضب الغرب، لأنه يثبت أن النموذج المستقل ممكن، وأن الإرادة الوطنية يمكن أن تنتصر على آلة الهيمنة العالمية.
العدوان الجديد هو محاولة يائسة لكسر هذا الصمود، ولتوجيه ضربة قاضية للنموذج الإيراني. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سينجح؟ التاريخ يقول لا. فإيران التي صمدت أمام ثماني سنوات من حرب شاملة، وأمام أربعين عاماً من العقوبات، ليست دولة يمكن كسرها بضربات جوية، مهما كانت كثيفة.
١٠. المعركة القانونية: من يحاكم من؟
في خضم هذه الحرب الضروس، يبرز سؤال القانون: من هو المجرم؟ ومن هو القاضي؟ القانون الدولي، كما هو مُصاغ اليوم، هو نتاج توازنات القوى بعد الحرب العالمية الثانية. مؤسساته، وفياً للأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، هي محاولة لإضفاء الطابع المؤسسي على العلاقات الدولية، ولفرض بعض القواعد على سلوك الدول.
لكن هذه المؤسسات تعاني من عيوب بنيوية تجعلها عاجزة أمام الدول الكبرى. حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن يشل قدرة المنظمة على التحرك ضد مصالح القوى العظمى. المحكمة الجنائية الدولية تواجه مقاطعة الولايات المتحدة وتهديداتها المستمرة. والمعاهدات الدولية تبقى حبراً على ورق ما لم ترافقها إرادة سياسية للتنفيذ.
مع ذلك، يبقى القانون الدولي ساحة معركة مهمة. إيران، في هذه المعركة، تمتلك أوراقاً قوية. ميثاق الأمم المتحدة، في مادته 51، يعطيها الحق في الدفاع عن النفس. قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن حرمة السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. ومبدأ "المسؤولية عن الحماية" الذي يمكن أن ينقلب ضد من يستخدمه لتبرير العدوان.
المطلوب اليوم هو تحويل هذه الأوراق القانونية إلى أدوات ضغط سياسية. من خلال التحرك الدبلوماسي في المحافل الدولية، ومن خلال رفع دعاوى قضائية ضد قادة الدول المعتدية، ومن خلال فضح ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. هذا النضال القانوني ليس بديلاً عن النضال العسكري والسياسي، لكنه مكمل له.
١١. ترامب ونتنياهو: مجرما حرب بمواصفات خاصة
في قائمة المجرمين الذين يجب تقديمهم للعدالة، يأتي دونالد ترامب في المقدمة. ترامب، الذي انسحب من الاتفاق النووي أحادياً، وفرض أقسى عقوبات في التاريخ على إيران، وأمر باغتيال قاسم سليماني، وقادة المقاومة، وهو الآن يشرف على هذا العدوان الشامل. ترامب يجسد الوجه الأكثر وحشية للرأسمالية الأمريكية، بلا قناع، بلا تبريرات أخلاقية، بلا أي التزام بالقانون الدولي.
بجانبه يقف بنيامين نتنياهو، الرجل الذي كرس حياته لتصفية القضية الفلسطينية وتدمير محور المقاومة. نتنياهو، الذي تحدى المجتمع الدولي مراراً، والذي صرح علناً أنه سيمنع إيران من امتلاك السلاح النووي بأي ثمن. نتنياهو يمثل الوجه الاستيطاني الاستعماري لإسرائيل، بكل ما يحمله من عنصرية وتطرف.
هذان الرجلان، مع قادة المحميات الذين شاركوا في العدوان، يجب أن يكونوا على رأس قائمة المجرمين الدوليين. إنهم مسؤولون عن جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وعدوان، واحتلال. إن العدالة الدولية الحقيقية تبدأ بمحاكمتهم، تماماً كما بدأت العدالة بعد الحرب العالمية الثانية بمحاكمة قادة النازية في نورنبيرغ.
لكن هل ستحدث هذه المحاكمات؟ التاريخ يعلمنا أن العدالة الدولية لا تتحقق إلا عندما تتغير موازين القوى. قادة النازية حوكموا لأن ألمانيا هُزمت. قادة الحرب في يوغسلافيا السابقة حوكموا لأن المشروع الدولي كان بحاجة إلى إضفاء الشرعية على تدخله. أما اليوم، ومع استمرار هيمنة القوى الغربية، فإن محاكمة ترامب أو نتنياهو تبدو مستحيلة.
لكن المستحيل اليوم قد يصبح ممكناً غداً. إذا استمرت إيران في صمودها، وإذا توسعت المقاومة في المنطقة، وإذا تغيرت موازين القوى العالمية لصالح القوى الصاعدة (الصين، روسيا، الهند، البرازيل)، فقد يأتي يوم يجلس فيه هؤلاء المجرمون على قفص الاتهام.
١٢. حق الدفاع عن النفس: المادة 51 في الميزان
المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على "حق الدول في الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي إذا وقع اعتداء مسلح". هذا الحق ليس مشروطاً، وليس معلقاً على موافقة مجلس الأمن، بل هو حق طبيعي أصيل لكل دولة تتعرض للعدوان.
إيران، بعد هذا العدوان الشامل، تمتلك حقاً كاملاً في الدفاع عن نفسها. وهذا الحق لا يقتصر على صد الهجوم على أراضيها، بل يمتد إلى استهداف مصادر التهديد أينما وجدت، بما في ذلك القواعد العسكرية التي انطلق منها العدوان في الدول المجاورة، والمصالح الأمريكية والإسرائيلية في كل مكان، والبنى التحتية الحيوية للدول المعتدية.
لكن ممارسة هذا الحق تخضع لقيود: التناسب، وعدم استهداف المدنيين، والضرورة العسكرية. إيران، في ردها، يجب أن تراعي هذه القيود، ليس فقط من أجل الالتزام بالقانون الدولي، بل أيضاً من أجل الحفاظ على شرعيتها الأخلاقية في المعركة. الرد العسكري يجب أن يكون محسوباً ودقيقاً، بحيث يعاقب المعتدي دون أن يتحول إلى اعتداء جديد.
في المقابل، الدول التي استخدمت أراضيها للعدوان لا تملك حق التذرع بالسيادة لدرء الرد الإيراني. من يفتح أراضيه للمعتدي يتحمل تبعات ذلك. القواعد العسكرية في الخليج، وفي الأردن، وفي قبرص، وفي تركيا، تصبح أهدافاً مشروعة طالما استمر استخدامها في العدوان. ليس هذا انتهاكاً للسيادة، بل هو ممارسة مشروعة لحق الدفاع عن النفس ضد من انتهك السيادة أولاً.
١٣. التعويضات: ليس فقط مالاً، بل اعترافاً
لا يمكن إنهاء هذه الحرب من دون حديث جاد عن التعويضات. فإيران، التي تتعرض لعدوان شامل، والتي تدفع ثمناً باهظاً في الأرواح والبنى التحتية، يحق لها الحصول على تعويضات كاملة وعادلة.
لكن التعويضات هنا تتجاوز البعد المالي. إنها تتضمن:
· التعويض المادي: إعادة إعمار كل ما دمره العدوان من منشآت مدنية وعسكرية، بمليارات الدولارات، تدفعها الدول المعتدية مجتمعة، وتحت إشراف أممي.
· التعويض عن الأضرار البيئية: إذا استخدم العدوان أسلحة تلوث البيئة (كاليورانيوم المنضب أو القنابل الفوسفورية)، فإن الدول المعتدية ملزمة بدفع تكاليف إزالة هذا التلوث ومعالجة آثاره الصحية.
· التعويض عن الأرواح: تعويضات مالية لعائلات الشهداء والجرحى، ليس كـ"دية" تقليدية، بل كتعويض عن جريمة قتل منظمة، بزيادات رادعة.
· التعويض الأدبي والسياسي: الاعتراف الرسمي من الدول المعتدية بمسؤوليتها عن العدوان، وإصدار قرارات رسمية تلغي أي عقوبات ظالمة فرضتها على إيران، وتعتذر للشعب الإيراني عما لحق به من أذى.
هذه التعويضات ليست صدقة، بل هي حق قانوني وأخلاقي. إيران لا تطلب charity، بل تطالب بحقها المسلوب. والمجتمع الدولي، إذا كان يملك ذرة من ضمير، يجب أن يدعم هذا المطلب.
١٤. نحو نظام عالمي جديد: من الهيمنة إلى التعددية
ما حدث في آذار 2026 هو درس قاسٍ، لكنه ضروري. إنه يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن النظام العالمي الحالي فاشل، وأن القانون الدولي لا يحمي الضعفاء، بل يستخدم لحماية الأقوياء. لذلك، فإن الخلاص الوحيد هو العمل من أجل نظام عالمي جديد، متعدد الأقطاب، يقوم على احترام السيادة، والمساواة بين الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
هذا النظام الجديد ليس حلماً طوباوياً، بل هو ضرورة تاريخية. صعود الصين اقتصادياً، وعودة روسيا كلاعب عالمي، وبروز قوى إقليمية كبرى كالهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، كلها عوامل تمهد الطريق لهذا التحول. إيران، بصمودها، تساهم في تسريع هذا التحول، لأنها تثبت أن الهيمنة الأمريكية ليست قدراً محتوماً، وأن البديل ممكن.
في هذا النظام الجديد، يجب أن يكون هناك مكان للمؤسسات الدولية الحقيقية، مؤسسات لا تخضع لسيطرة قلة من الدول، وتعكس التنوع الحضاري للبشرية. يجب أن يكون هناك مكان للعدالة الحقيقية، التي تحاكم المجرمين مهما كانت جنسياتهم، وتحمي الضعفاء مهما كانت قوتهم. والأهم، يجب أن يكون هناك مكان للسلام العادل، الذي يقوم على احترام حقوق الشعور، وليس على توازن الرعب.
١٥. الخلاصة: إيران والرهان التاريخي
تقف إيران اليوم أمام امتحان مصيري. ليست معركتها معركة حدود أو سياسات آنية، بل معركة وجود وحضارة. إنها تخوض، نيابة عن كل المستضعفين في الأرض، معركة تقرير المصير ضد آلة الهيمنة العالمية.
الرهان كبير، والتضحيات جسيمة، لكن الأمل معقود على صمود هذا الشعب العريق، وعلى حكمة قيادته، وعلى دعم كل أحرار العالم. ففي النهاية، العدالة أقوى من الظلم، والحق أقوى من الباطل، وإرادة الشعوب أقوى من جبروت الإمبراطوريات.
صمت أوروبا المذنب لن يدوم إلى الأبد. قريباً، سيكتشف الأوروبيون أن صمتهم اليوم سيكلفهم غداً. سيكتشفون أن التخلي عن المبادئ من أجل المصالح الآنية هو خيانة لمستقبل أطفالهم. وسيكتشفون أن أمنهم الحقيقي لا يتحقق بالتحالف مع الظالمين، بل بالوقوف مع الحق والعدالة.
أما إيران، فستنتصر. ليس لأن لديها أقوى جيش أو أكثر الأسلحة تطوراً، بل لأن لديها الحق، ولديها الإرادة، ولديها التاريخ. في معركة الحق ضد الباطل، النتيجة محسومة منذ الأزل. وقد آن الأوان ليرى العالم هذه الحقيقة تتجلى على أرض الواقع.