نورد ستريم وأزمة الطاقة و السردية الألمانية الجديدة


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 17:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

حيث نعيش قي عالم لا تعترف قوانينه بالعدالة، بل بتوازنات القوة وتدفق فائض القيمة من الأطراف إلى المركز، لم تكن تفجيرات خطي "نورد ستريم" مجرد عملية تخريبية، بل حلقة في مسلسل طويل من إعادة إنتاج الهيمنة. فما حدث في قاع بحر البلطيق في سبتمبر 2022 ليس حدثاً منعزلاً، بل هو تجسيد مادي لصراع الطبقات على المستوى العالمي: صراع بين "مراكز" الرأسمالية التي تسعى للحفاظ على فائض قيمتها، و"أطراف" كانت تحاول كسر احتكار الطاقة.

المفكر الراحل سمير أمين، الذي أمضى عمره في تفكيك آليات النظام العالمي، لم يكن ليفاجأ بما حدث. فهو من علّمنا أن "الرأسمالية لا تعرف سوى التوسع أو الموت"، وأن "المراكز" لا تتردد في تدمير أي مشروع قد يمنح "الأطراف" استقلالاً نسبياً. في هذا الإطار، يمكن إعادة قراءة سرديات التفجير الثلاث، ليس كروايات متصارعة حول الحقيقة، بل كأدوات لإعادة توزيع القوى في لعبة لا تعترف إلا بمن يمسك بورقة الطاقة.


أولاً: المركز لا يحتمل شريكاً مستقلاً

كان مشروع "نورد ستريم" بمثابة كابوس لـ"مراكز" الرأسمالية الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. فأنابيب الغاز التي تصل روسيا بألمانيا مباشرة، متجاوزة أوكرانيا وبولندا، لم تكن مجرد صفقة تجارية، بل كانت تهديداً وجودياً للنموذج الرأسمالي القائم على:

1. هيمنة الدولار: فائض القيمة الذي تحققه أميركا من طباعة العملة العالمية كان سيواجه بمنافس قوي إذا تحولت أوروبا إلى طاقة روسية رخيصة، وتراجعت حاجتها للنفط والغاز المسال الأميركي.
2. التبعية الأوروبية: الرأسمالية الأوروبية، وخاصة الألمانية، كانت ستحصل على "ريح طاقة مواتية" تعزز قدرتها التنافسية، مما يهدد بتقليص فجوة فائض القيمة بين "مراكز" متعددة (أميركا، ألمانيا، الصين).

من هذا المنظور، فإن أي سردية تشير إلى تورط واشنطن (مثل رواية سيمور هيرش) ليست مجرد "نظرية مؤامرة"، بل هي قراءة بنيوية تتسق مع منطق النظام: المركز يدافع عن مكانته. فكما علّمنا سمير أمين، "الإمبريالية ليست خياراً أخلاقياً، بل ضرورة وظيفية للرأسمالية".

…..

ثانياً: السرديات الثلاث كخطابات أيديولوجية

السردية الألمانية (أوكرانيا "المارقة"): هروب إلى الأمام

عندما تتبنى برلين رواية "الخلية الأوكرانية المستقلة"، فإنها تحاول حل تناقضين:

· تناقض الهوية: ألمانيا جزء من "مركز" الرأسمالية، لكنها في نفس الوقت "طرف" تابع لواشنطن. اتهام أميركا سيعني كشف التبعية، وهو ما لا تستطيع فعله دولة لا تملك جيشاً مستقلاً ولا سياسة طاقية مستقلة.
· تناقض القيمة: تدمير "نورد ستريم" أفقد ألمانيا مصدراً للطاقة الرخيصة، مما يعني أن فائض القيمة الذي كانت تحققه صناعتها يهاجر الآن إلى أميركا (عبر الغاز الباهظ) وإلى الصين (عبر فقدان القدرة التنافسية). إلقاء اللوم على أوكرانيا يحافظ على مظهر "الوحدة الغربية".

السردية الأميركية (هيرش): فضح "المركز" من داخله

تحقيق سيمور هيرش، رغم غياب الأدلة المادية، يمثل "صوت الضمير" داخل المركز نفسه. فهو يكشف ما يرفض الخطاب الرسمي قوله: أن الرأسمالية لا تحتمل منافساً. هيرش لم يقدم مجرد رواية بديلة، بل قدم مفتاحاً لفهم منطق النظام: "من يستفيد؟" والإجابة، كما يقول سمير أمين، هي "المركز" دائماً.

السردية الروسية (العدو الأنجلوسكسوني): تأكيد نظرية الاستقطاب

موسكو، التي تعتبر نفسها "طرفاً" متمرداً على النظام، تتبنى رواية هيرش لتقول للعالم: "انظروا كيف يعمل المركز". هذه السردية تؤكد أطروحة "الاستقطاب": العالم مقسم إلى مركز يستنزف الأطراف، وأي محاولة للخروج عن هذا الممر تواجه بالتدمير. روسيا هنا تقدم نفسها كضحية، لكنها في الحقيقة تحاول بناء "قطب" مضاد، وهو ما يسميه أمين " فك الارتباط مع النظام الرأسمالي ".



ثالثاً: من البلطيق إلى هرمز – استمرار استنزاف الأطراف

إذا كانت تفجيرات "نورد ستريم" قد كشفت كيف يدافع المركز عن هيمنته، فإن أزمة مضيق هرمز اليوم تكشف كيف يتم استنزاف الأطراف. فمنذ مارس 2026، وبعد العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، أغلقت طهران المضيق. النتائج:

· فائض القيمة يهاجر: أسعار النفط تقفز إلى 115 دولاراً، والغاز يتضاعف، والصناعة الألمانية تفقد قدرتها التنافسية. ببساطة، القيمة التي كانت تنتج في مصانع شتوتغارت تنتقل الآن إلى تشينزن وشنغهاي.
· إيران كورقة ضغط: طهران، التي تعتبر نفسها "طرفاً" متمرّداً، تستخدم موقعها الجغرافي لانتزاع حقوقها السيادية من "المراكز" الأوروبية. إنها نسخة معكوسة من لعبة المركز: هنا الطرف يحاول أن يبني معادلة فك ارتباط مع النظام الرأسمالي ، لكن السؤال هل يستمر في ذلك من خلال قوة كافية لتغيير قواعد اللعبة.
· ألمانيا بين فأسين: برلين تبحث عن "حياد نشط" – تتفاوض مع إيران سراً، وترفض المشاركة في التحالف الأميركي، وتوقع عقوداً مع سلطنة عُمان والجزائر. لكن كل هذه الحلول مؤقتة، لأنها لا تغير بنية التبعية.



رابعاً: ماذا تفعل أطراف لا تملك غير فائض قيمتها؟

سمير أمين كان واضحاً: الأطراف لن تتحرر إلا بـ"الانفصال" عن النظام الرأسمالي العالمي، أي ببناء أنظمة إنتاج واستهلاك وتجارة مستقلة. لكن هل تفعل ألمانيا ذلك؟ بالطبع لا. ألمانيا ليست "طرفاً" بالمعنى الكلاسيكي، بل هي "مركز صغير" داخل منظومة "مركز كبير" تقوده أميركا. لذلك، فإن ما تفعله برلين اليوم هو:

1. محاولة تخفيف التبعية: بالتفاوض مع إيران والجزائر، لكن دون كسر العلاقة مع واشنطن.
2. تسريع التحول الطاقي: نحو المتجددة والنووي، لكن هذا يحتاج لسنوات وفائض قيمة لا تملكه اليوم.
3. لا عودة إلى نورد ستريم: حتى لو كان الحل الأرخص، لأن العودة تعني الاعتراف بأن تدميره كان خطأ استراتيجياً، وهذا لا تستطيع ألمانيا فعله وهي جزء من "المركز".



الخاتمة: طاقة بلا استقلال... استقطاب بلا نهاية

ما حدث في نورد ستريم وما يحدث في هرمز ليسا أزمتين منفصلتين، بل وجهان لعملة واحدة: عملة النظام الرأسمالي العالمي الذي يعيد إنتاج نفسه عبر تدمير أي محاولة للاستقلال النسبي. السرديات الثلاث – الألمانية والأميركية والروسية – ليست سوى خطابات تخفي حقيقة واحدة: أن الطاقة أصبحت سلاحاً في يد "المراكز" لاستنزاف "الأطراف".

وربما كان سمير أمين محقاً عندما قال إن "الرأسمالية لن تنهار، بل ستتحول". وهي تتحول اليوم إلى نظام أكثر عنفاً، حيث تنفجر خطوط الأنابيب وتُغلق المضائق، ويدفع الثمن دائماً من لا يملكون سوى قوتهم الشرائية لشراء طاقة تزداد ندرة وسعراً. أوروبا، التي ظنت أنها "مركز"، تكتشف اليوم أنها مجرد "طرف" في لعبة كبرى. وروسيا، التي ظنت أنها "قطب"، تكتشف أنها مجرد أداة في إعادة توزيع الفائض. وأميركا، المركز الوحيد الذي لم يعد مطلقاً، تواصل اللعبة نفسها: إضعاف الجميع لتبقى هي "الأقل ضعفاً".

في هذا العالم، لا يبقى للقارئ سوى أن يتذكر مقولة سمير أمين الأخيرة: "الاشتراكية أو الهمجية". وبين نورد ستريم وهرمز، يبدو أن الهمجية تتقدم بخطى سريعة.