من دولة المؤسسات إلى سلطة الغنيمة الاحتلالية: سوريا بين منطقين


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 23:43
المحور: الادب والفن     

حين تموت الفكرة قبل أن تموت الجدران

ليست الدولُ في جوهرها جدراناً من إسمنت، ولا طرقاً ممتدة، ولا أبنية شاهقة تطعن السحاب. الدولُ قبل كل شيء فكرةٌ تسكن العقول، ثم روحٌ تحرك المؤسسات، ثم يدٌ تمتد لترعَى الحياة. حين تموت تلك الفكرة، تبقى المباني شاهدةً على غياب من كان يملؤها نبضاً، وتصير الأجهزةُ والكراسي والمقارّ حطاماً صامتاً يشهد على سقوطٍ لم تسمع له الطائرات قنبلةً، ولا رأت له الدباباتُ غباراً.

في سوريا، كما في غيرها من بلدان كانت يوماً مركزية الجسد والنبض، كان هناك زمنٌ – وإن لم يكن مثالياً – كانت فيه كلمة "الدولة" تعني شيئاً أكثر من ختمٍ على ورقة، أو وجهاً في قصر، أو مروحةً تدار من بعيد. كان ذلك الزمن يحمل في طياته تصوراً: أن هناك كياناً أكبر من الأفراد، أبقى من الحكام، وأسمى من المصالح الضيقة. كان ذلك التصور هو ما جعل المواطن يشعر – ولو وخزاً خفيفاً – أنه ليس وحيداً في هذه المعمعة، وأن هناك مؤسسة تتدبّر أمر الكهرباء، وتصنع الدواء، وتسيّر الطائرات، ولو بتعثّر، ولو بفساد، ولو ببطء.

أمّا اليوم، وقد صارت الساحة السورية مرآةً لمأساةٍ متعددة الأوجه، فإن السؤال الذي يعلو فوق أنين الناس ليس "أين الدولة؟" بل "أيُّ منطقٍ حلَّ مكانها؟". ومن التأمل في مصير ثلاث مؤسسات كبرى – الطيران، والدواء، والكهرباء – يتجلّى الفارق شاسعاً كما بين السماء والثرى: بين دولة تمسك بالمؤسسات حافظةً لها، وسلطةٍ تتعامل مع البلاد كما تتعامل الغزاة مع الغنيمة.



زمن الدولة – فكرة اسمها الاستمرار

لم تكن مؤسسات سوريا في عقودها الوسطى نماذجَ يُضرب بها المثل في الكفاءة والشفافية. كان فيها الهدرُ، وكان فيها الواسطةُ، وكان فيها ذلك الثقل البيروقراطي الذي يرهق المواطن قبل أن يخدمه. لكنها كانت مع ذلك جزءاً من عقد اجتماعي غير مكتوب: الدولة تملك، تدير، تخطط، والمؤسسات تنفذ، والمواطن – ولو بصبر متأفف – يستفيد.

تأملوا معي منطق تلك الدولة، فهو قائم على ثلاث ركائز أوهى من أن تنهار بسهولة:

أولاً: المؤسسة فوق الفرد. وحين أقول "فوق" لا أعني العلوّ المطلق، بل أعني الأفق الزمني الأوسع. فالمؤسسة هناك ليست مجرد ظلّ لمديرها؛ بل هي كيانٌ يُفترض أن يبقى حين يرحل المدير. الطائرة هناك كانت تطير ليس لأن المدير العام ذكي أو كريم، بل لأن هناك دولة تتحمل المسؤولية. وحتى لو تسلّق الفسادُ بعضَ زوايا تلك المؤسسات، فإن الهيكل العام كان قائماً: هناك سجلات، هناك معايير، هناك جهات تدقق – ولو بشكل ناقص. لم يكن أحد يجرؤ على تحويل شركة الطيران إلى متجر شخصي يباع فيه كل مقعد لمن يدفع أكثر، لأن فكرة "التبعية للدولة" كانت لا تزال وازعاً.

ثانياً: الخدمة حقّ عام. الكهرباء، والماء، والدواء، والتعليم، والنقل – هذه لم تكن سلعاً تباع في مزاد علني. كانت حقوقاً تقدم للمواطن بحكم كونه مواطناً، لا بحكم جيبه أو ولائه أو علاقاته. كان مبدأ "تكافؤ الفرص" ولو خرقته التطبيقات، لكنه كان المبدأ الموجِّه. لم يكن أحد يقول لفلان: "لن تعطيك شركة الكهرباء أمبيراً واحداً لأنك معارض"، ولا لعلان: "لن تصلك حصة الدواء لأن اسم عائلتك ليس في القائمة". تلك الفكرة – فكرة الحق العام – هي التي كانت تفصل بين دولة خادمة وسلطة مستعبدة.

ثالثاً: الاستقرار أهم من الربح. وهنا نقطة جوهرية تختلف فيها الدول المركزية عن السلطات الهامشية. الدولة التي تؤمن بالاستمرار لا تبيع شركة طيران لأنها خاسرة؛ لأنها ترى في شركة الطيران رمزاً للسيادة ورئةً تربط البلاد بالعالم. لا توقف مصنع أدوية لأنه لا يحقق أرباحاً طائلة؛ لأنها ترى فيه خط دفاع أول عن حياة الناس ولا تسمح لسوق الأدوية العالمي أن يلتهم أجساد مواطنيها بأسعار جائعة. لا ترفع سعر الكهرباء كلما عجزت الخزينة؛ لأنها تعلم أن رفع السعر يرتفع معه سخَط الناس، وأن سخَط الناس مقدمة لسقوط الجدران. الدولة إذن – حتى في أسوأ حالاتها – تفكر بمنطق "الأفق الزمني الممتد"، بينما لا تفكر سلطة الأمر الواقع إلا أسبوعاً أو شهراً أو سنةً على الأكثر.

إذاً، لم يكن زمن الدولة جنّة مفقودة. لكنه كان على الأقل ساحةً يُعرف فيها الحكم، ويُعرف فيها المسؤول، ويُعرف فيها المواطن كطرف ذي حقوق وإن كانت مهضومة أحياناً. ثم جاء زمن آخر، لم يكن سقوط النظام فيه بسبب انقلاب عسكري أو غزو خارجي فقط، بل كان بسبب انهيار ذلك المنطق نفسه: منطق المؤسسة، والحق العام، والاستقرار.



حين تسقط الدولة، لا تسقط المباني وحدها

عندما بدأت ملامح سوريا تتفتت على وقع ما عرفته المنطقة من رياح تغيير، لم تكن الجبهات العسكرية وحدها هي التي تداعت. لقد تداعت معها – وقبلها – الركائز الفكرية التي كانت تمسك المجتمع. في بلد كانت فيه الدولة هي المخطط الرئيسي، حين يضعف المخطط، يتحول كل شيء إلى فوضى هيكلية. لكن الأخطر من ذلك: ظهور "منطق بديل" ليس هو فوضى غياب السلطة، بل هو نظامٌ آخر يقوم على مبدأ مختلف تماماً.

لنسمِّ هذا المنطق: منطق سلطة الأمر الواقع أو منطق الغنيمة. إنه ليس فوضى همجية بالمعنى البدائي، بل هو ترتيب جديد قائم على قاعدة واحدة: لم يعد هناك كيان اسمه "الدولة" كفكرة مقدسة تستحق التضحية والبذل؛ أصبحت البلاد مجرد مساحة جغرافية تضم مواردَ وأصولاً، وهذه الموارد والأصول هي غنيمة يتقاسمها الأقوى، والأذكى في النهب، والأكثر قسوة في التوزيع.

هذا المنطق له خصائصه الدقيقة:

· اللحظية: لا يخطط لأكثر من الغد. لأنه لا يعرف إن كان سيبقى حتى الغد. فهو ينهب الآن ما يمكن أن يفقده بعد ساعة.
· اللامؤسسية: لا يؤمن بالمؤسسات، بل بالأشخاص والعلاقات. فالمؤسسة قد تبقى وتراقب، أما الشخص فيمكن التحكم به وشراؤه وترهيبه.
· السلعية: كل شيء في هذا المنطق يُباع ويُشترى. الهواء، الكهرباء، الدواء، التعليم، الأمن نفسه. ليس هناك حقّ عام، بل هناك سوق يعيد تعريف كل شيء.

هذا المنطق هو ما يفسر لنا المشاهد التي كانت – قبل الحرب وأثناءها وبعدها – تبدو للبعض غير مفهومة: لماذا تباع شركة الطيران الوطنية وكأنها محل بقالة؟ لماذا تتوقف مصانع الأدوية في وقت تموت فيه حاجة الناس للدواء؟ لماذا تصبح الكهرباء سلعة نادرة كالماس في بلد كان يضيء لياليه؟ الجواب أن البلاد لم تعد "بلاداً" في عيون من يديرها، بل أصبحت تركة لأب مات أو مغتصبة من شعب تحت السيف.


ثلاث شهادات على التحول من الخدمة إلى الغنيمة

لنقف قليلاً أمام ثلاث صور، كل واحدة منها تحكي قصة انقلاب كامل في المفهوم:

أولاً: شركة الطيران – من رمز السيادة إلى قطعة في المزاد

ماذا تعني شركة الطيران الوطنية لأي بلد؟ إنها البطاقة التي تقدم بها نفسك للعالم. إنها الصوت الذي تنادي به: "هذا هو طائرنا، هذا هو علمنا، هذه هي كرامتنا". وحين كانت المؤسسة العامة للطيران المدني في سوريا تطير رحلاتها المنتظمة إلى العواصم العربية والأوروبية، لم تكن مجرد خدمة نقل، بل كانت رسالة أن سوريا موجودة وفاعلة. كان عمالها وطياروها وفنيوها جزءاً من منظومة تعرف أصول المهنة، وكانت الطائرات – رغم قدمها أحياناً – خاضعة للصيانة وللمعايير الدولية بقدر الإمكان.

ثم جاء الانقلاب: حين قرر من يملك السلطة فعلاً بيع شركة الطيران هذه – أو تفكيكها أو تسليم مفاتيحها لتاجر مقرب – لم يعد المطلوب هو تطوير الخدمة أو رفع كفاءة النقل. المطلوب كان شيئاً آخر: تصفية تركة دولة. فالشركة فيها طائرات، فيها عقود صيانة، فيها خطوط جوية، فيها مقدرات يمكن تحويلها إلى سيولة نقدية سريعة، يمكن منحها كهدية لأحد الولاة، يمكن بيع أجزائها بالتقسيط لمن يدفعون الولاء.

هكذا تحولت شركة الطيران من "رمز وخدمة" إلى "غنيمة حرب". الطائرات لم تعد تُقلّ المسافرين بقدر ما أصبحت ورقة للعب في أسواق النقل الخاصة. والأهم من ذلك: المواطن الذي كان يوماً يثق أن راية بلده تحميه في الجو، صار يركب طائرة لا يعرف مالكها الحقيقي، ولا يعرف إن كانت صيانتها تخضع لأي جهة، ولا يعرف أي أجنبي سيكون جالساً بجواره. هذه هي الغنيمة: تحويل ما كان عاماً إلى خاص، وما كان وطنياً إلى شخصي، وما كان منظماً إلى فوضى مربحة لمن نهبها.

ثانيا : الدواء – من حق إنساني إلى سلاح اقتصادي

قصة الدواء في سوريا – ربما – أفظع قصة على الإطلاق. لأنها تمس حياة البشر بشكل مباشر. ذات يوم، كانت سوريا دولة تملك مصانع أدوية تغطي جزءاً كبيراً من احتياجاتها، بل وتصدّر للدول المجاورة. كانت هناك مؤسسة عامة للأدوية، كانت هناك خطوط إنتاج، كانت هناك رقابة من وزارة الصحة، وكانت هناك تسعيرة تحد من جشع التجار. لم يكن الوضع خالياً من المشاكل، لكن الفكرة الأساسية أن "الدواء حق" كانت هي المهيمنة.

ماذا حدث؟ بدأت مصانع الأدوية تتوقف واحدة تلو الأخرى. ليس لأن الآلات عطّلت، ولا لأن المواد الأولية انقطعت بالكامل، بل لأن التوقف كان مطلوباً لفتح الباب أمام سوق بديلة. سوق يسيطر عليه أطراف بعينهم، يستوردون أدوية من الخارج بأسعار خيالية، ولا رقابة على نوعيتها أو صلاحيتها. المواطن الذي كان يشتري علبة دواء وطني بسعر رمزي أصبح يدفع أضعاف أضعاف ثمنها لدواء مستورد قد يكون منتهي الصلاحية أو مغشوشاً أو حتى ضاراً.

الدواء هنا لم يعد حقاً، بل سلعة يتحكم بها من يملك القوة. بل والأكثر إيلاماً: أصبح سلاحاً اقتصادياً يستخدم للتضييق على الناس. في ذروة الحصار والعقوبات مثلاً، كان يمكن استخدام الدواء كورقة ضغط سياسي: "ستأخذ دواءك إذا دعمت طرفاً كذا، وإذا صمتَّ عن فساد كذا، وإذا بايعت فلاناً". والأدهى: الدواء نفسه يستخدم أحياناً لابتزاز العائلات التي لديها مرضى مزمنون، فتصبح حياة مريض السكر أو القلب رهينة بقدرة أهله على دفع مبالغ طائلة، في بلد انهارت فيه العملة.

وهنا الفارق الجوهري: مع الدولة (ولو فاسدة جزئياً) كان هناك إطار: الدواء مباح للجميع بثمن مقبول. مع سلطة الغنيمة، الدواء لمن يدفع، ومن لا يدفع فليمت بصمت. هذا هو الانهيار الأخلاقي الذي لا تلتقطه الكاميرات ولا تسجله الإحصائيات.

ثالثاً: الكهرباء – أداة إذلال وإدارة جوع

ظل الكهرباء لسنوات طويلة هو "الفقاعة" التي تنفجر في كل أحاديث السوريين. قبل الحرب، كانت الكهرباء موجودة – وإن بضعف وتقطّع – لكنها كانت موجودة. كان بإمكان المواطن العادي أن يخطط ليومه، وأن ينام ليله دون أن يستيقظ على ظلام خانق. مع تدهور الأوضاع، تحولت الكهرباء إلى كابوس يومي: أربع ساعات وصل، وعشرون ساعة قطع. ثم ساعتان وصل، واثنتان وعشرون ساعة قطع. ثم... ساعة في اليوم، وربما لا شيء في اليوم.

لكن السؤال: هل السبب تقني بحت؟ هل انهارت محطات التوليد وشبكات النقل بالكامل؟ جزئياً، نعم. لكن جزءاً كبيراً من المشكلة هو أن الكهرباء تحولت إلى أداة في يد سلطة الأمر الواقع لتأديب الناس وسحق إرادتهم. حين تجلس عائلة في عز الشتاء، لا تدفئة، ولا إنارة، ولا ثلاجة تحفظ الطعام، ولا مضخة ماء ترفع المياه إلى الخزان، ماذا تفعل؟ ستدفع أي مبلغ للحصول على كهرباء من مولدات الحي التي يملكها "فلان" أو "علان". وهنا تبدأ القصة.

أسعار المولدات الخاصة أصبحت أعلى من راتب شهري في كثير من الأحيان. معناه: نصف دخل الأسرة أو أكثر يذهب للكهرباء التي لا تأتي. المواطن يُستنزف في معركته من أجل ضوء يقرأ به كتاباً، أو تيار يشغل به جهازاً طبياً، أو دفء يحمي أطفاله من لسعة الصقيع. الكهرباء لم تعد خدمة، بل أصبحت كما يقول النص الأصلي "أداة إذلال". إذلال الناس اجباراً على البقاء في دائرة الحاجة، على الركوع أمام صاحب المولد الذي هو نفسه جزء من منظومة الغنيمة.

في سيكولوجية سلطة الغنيمة

ما الذي يجعل سلطةً ما ترى في الوطن غنيمة لا وطناً؟ إنها سيكولوجية عميقة تتشكل في أوقات الانهيار. هناك ثلاثة عناصر رئيسية:

العنصر الأول: الإحساس بعدم الاستقرار. السلطة التي تعلم أنها غير شرعية أو غير قادرة على البقاء طويلاً، لا تفكر في بناء المدارس أو تخطيط المدن، بل تفكر في ملء جيوبها قبل أن تُطرد. لديها ما أسميه "عقلية المطاردة": كل يوم قد يكون الأخير، فلمَ نستثمر في مشاريع طويلة الأجل؟ لمَ نبني مصنعاً سيستغرق سنوات وقد لا نكون هنا بعد شهور؟ الأفضل أن نأخذ ما يمكن أخذه اليوم ونخبئه في حسابات سويسرية أو نهرّبه إلى الخارج. هذه العقلية تفسر لماذا تتعامل هذه السلطة مع شركة الطيران وكأنها صراف آلي: تسحب ما تستطيع ثم تترك الباقي يصدأ.

العنصر الثاني: النظرة إلى الشعب كوسيلة لا كغاية. في منطق الدولة، الشعب هو الغاية: تخدمه وتحافظ عليه ليبقى منتجاً يدعم الدولة. أما في منطق الغنيمة، فالشعب ليس سوى "مورد" (Resource) يستنزف. كما تستنزف مناجم الذهب حتى تنضب، ثمة نظرة إلى المواطن ككيس دماء يُسحب منه القليل كل يوم حتى ينهار. لا يهم إن كان هذا المواطن جائعاً أو مريضاً أو بلا كهرباء؛ المهم أن يبقى على قيد الحياة بالقدر الذي يستمر معه في دفع "الإتاوات" – للكهرباء، للدواء، للتنقل، حتى للهواء الذي يتنفسه.

العنصر الثالث: تحويل كل شيء إلى سوق. هدم فكرة "الحق العام" هو جوهر تحول البلاد إلى غنيمة. حقك في الماء ليس حقاً مكتسباً من كونك إنساناً؛ إنه سلعة تشتريها من صهريج فلان. حقك في التعليم ليس حقاً توفره الدولة؛ إنه درس خصوصي تدفع قيمته للاستاذ الفلاني. حقك في الأمان ليس حقاً يكفله القانون؛ إنه حماية تشتريها من مليشيا الحي. حين تتحول كل علاقات المجتمع إلى علاقات سوق، يصبح المواطن وحيداً، لا تحميه دولة، ولا تؤويه مؤسسة، ولا يبقى له سوى محفظته – إن كانت باقية.

هذه السيكولوجية تفسر لنا لماذا في بعض مناطق سوريا تجد "الخدمات" تقدم من قبل جهات مسلحة، وكأنها تجارة تحت سقف البندقية. لماذا صار الحصول على دواء أو جواز سفر أو رخصة قيادة أشبه بالتفاوض مع عصابة. ليست هذه مجرد فوضى تصاحب الحروب، بل هو نظام بديل له رأسماله، وله قواعده، وله أخلاقياته الخاصة. وأخلاقياته باختصار: "من يملك القوة يملك كل شيء، والضعيف ليس له إلا أن يطيع أو يموت".



المواطن – آخر من يعلم وأول من يدفع

في خضم هذا التحول، أين موقع المواطن السوري العادي؟ ليس متفرجاً قطعاً، بل هو البطل المأساوي لهذه الحكاية. المواطن هو "آخر من يعلم" بما يجري في غرف صنع القرار، لكنه "أول من يدفع" ثمن كل قرار خاطئ.

مع شركة الطيران الوطنية، دفع المواطن ثمناً مزدوجاً: أولاً، عندما تعطلت رحلاته وتوقفت، لم يعد لديه خيار آمن للسفر. ثانياً، عندما تولى القطاع الخاص (شبه العسكري أو المسلح) إدارة النقل، أصبحت التذكرة سلعة كاسدة، والأسعار ترتفع وتنخفض حسب تقدير المحتكر، دون أي جهة تراقب أو تحاسب.

مع الدواء، يدفع المواطن أثماناً لا تطاق للأدوية المهربة أو المغشوشة. يدفع من حسابه المصرفي المنهار، ومن جيوبه الفارغة، ومن صحته التي تتآكل. أحياناً يدفع بحياة عزيز عليه، لأن الدواء الأصلي لم يصل، وآخر بديل كان مسموماً.

مع الكهرباء، يدفع المواطن المال الكثير نظير ساعات محدودة من الضوء، ويدفع أيضاً صحته النفسية التي تتآكل مع كل انقطاع، ويدفع وقته الذي يضيع في البحث عن حلول بديلة، ويدفع كرامته عندما يضطر للتوسل إلى صاحب المولد أن يمد له سلكاً إضافياً.

لكن المواطن لا يدفع مالاً فقط. في عالم الغنيمة، يدفع المواطن أيضاً صمته. كثير من السوريين تعلموا أن الصمت أرخص من الكلام، وأن الاستسلام أرخص من المقاومة. حين تشعر أن من ينهب الكهرباء هو نفسه من يهددك بالسلاح، فلا خيار أمامك إلا أن تحني رأسك وتدفع. هذه هي حلقة الإذلال الكاملة.

بين من يبني ليبقى ومن ينهب ليرحل

في نهاية هذا التأمل المرّ، يبرز سؤال مصيري: هل يمكن العودة إلى منطق الدولة؟ هل يمكن إعادة بناء فكرة أن هناك كياناً أسمى من الأفراد، وأن المؤسسات ليست غنائم، وأن الخدمات ليست سلعاً، وأن المواطن ليس مورداً؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات سريعة، فهي تتطلب تغييراً في الوعي قبل تغيير في القوانين.

ما يمكن تأكيده الآن، بكل أسف، هو أن سوريا تعيش تجربة قاسية في مقارنة منطقين: منطق الدولة البانية ولو بتعثّر، ومنطق سلطة الغنيمة الناهبة بكل جهارة. الأول كان يبني ليستمر، حتى لو كانت حجارته ثقيلة وبطيئة. والثاني ينهب ليرحل، حاملاً معه ما استطاع من أثاث الوطن، تاركاً وراءه جدراناً خاوية وشعباً أنهكه الاستنزاف.

ربما يكون الدرس الذي نستخلصه من هذه المقارنة هو أن المؤسسات ليست كماليات في حياة الأمم، بل هي الجدار الذي يحمي من الانهيار. وعندما تصبح البلاد غنيمة، لا يبقى فيها منتصر حقيقي، فالكل يخسر: الناهب يخسر إنسانيته، والمواطن يخسر حياته، والمستقبل يخسر فرصته.

يبقى الأمل – وهذا هو آخر ما يموت في الشرق – أن تنهض يوماً من جديد فكرة "الدولة" في سوريا، لا كحلم مستحيل، بل كضرورة وجودية لمن يريد أن يعيش بكرامة. دولة لا تتعامل مع مؤسساتها كغنائم، ولا مع مواطنيها كمورد، ولا مع خدماتها كأسلحة. دولة تعيد الاعتبار للحق العام، وللخدمة كحق، وللمؤسسة كحاضنة للحياة. وحينها فقط، سينتهي زمن الغنيمة، ويبدأ زمن البناء الحقيقي.