رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم ..الجزء الاول
احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن
-
العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 15:16
المحور:
الادب والفن
رواية قصيرة : الجسد الذي كان يحلم
"لأن الإنسان ليس ما يفكر فيه، بل ما يفعله في اللحظة التي يتوقف فيها العالم عن التفكير فيه."
إلى ضحايا الإبادة الجماعية الأمريكية الصهيونية الخليجية في فلسطين و لبنان و ايران ..وكل مكان
الفصل الأول: الحفرة التي كانت بيتاً
1
استيقظ يوسف على صوت لم يتعلم اسمه بعد.
ليس قنبلة، ليس صاروخاً، ليس طائرة. شيء آخر. شيء بين الزجاج المتهشم والخرسانة المنهارة والجدران التي تتنفس للمرة الأخيرة. استيقظ لأنه توقف عن الحلم فجأة، كما لو أن أحدهم قطع سلك الكهرباء عن داخله. كان يحلم بشيء عن البحر، عن ماء بارد على قدميه، عن أمه تصرخ من بعيد "لا تبتعد". ثم انقطع الحلم. وصار هناك هذا الصوت.
فتح عينيه. الظلام ليس ظلاماً طبيعياً. الظلام كثيف، مطاطي، له وزن. حاول أن يحرك يده اليمنى. تحركت. اليسرى؟ لا. اليسرى لا تستجيب. ليست مخدرة، ليست ميتة، فقط هي ليست هناك. لا يشعر بها. نظره نحو مكانها المفترض. لا يرى شيئاً. الظلام يبتلع كل شيء، حتى جسده.
"أمي؟"
صوته خافت، كصوت طفل يختبئ في خزانة. لا جواب. صمت عميق. ليس صمتاً هادئاً. صمتاً مكتظاً. صمتاً يطن. صمتاً يشبه الغرفة التي تفرغ فجأة من كل شيء، فجأة تكتشف أن الجدران كانت تحملك طوال الوقت، والآن الجدران سقطت.
تنفس بعمق. الغبار يدخل إلى رئتيه كوجبة لا يريدها. سعل. الألم يأتي من كل مكان ومن لا مكان. جسده خريطة لم يتعلم قراءتها بعد.
"أمي؟ أبي؟ سارة؟"
أسماء تخرج من فمه كخرز مقطوع، تتدحرج في الظلام ولا تعود.
يوسف. عمره اثنان وثلاثون عاماً. كان معلماً للرياضيات في مدرسة تابعة للأونروا. كان يحب تدريس المتطابقات المثلثية، كان يقول لطلابه: "الزاوية لا تُقاس أبداً من طرف واحد. تحتاج إلى رجلين لتحديد أي زاوية." كان طلابه يضحكون. كان يضحك معهم. كان يعتقد أن الغد موجود. كان مخطئاً.
الآن هو تحت بيت كان بيته. تحت ثلاث طوابق من الخرسانة المسلحة والأثاث المحترق والصور الممزقة وأحلام لم يتح لها وقت لتموت. الآن هو جسد تحت جثث. الآن هو عقل يتذكر ويتذكر ويتذكر، كأن الذاكرة تحاول أن تلفظ كل شيء قبل أن تموت.
تذكر يوم الخميس الماضي. كان يجلس على السطح مع أبيه بعد العصر. أبوه يشرب الشاي بالنعناع، وهو يشرب القهوة. الأب صامت كعادته. يوسف يحاول أن يفتح مواضيع للحديث. الطقس، الجيران، سعر الطماطم. الأب يرد بكلمات مقطعة. فجأة، بدون مقدمات، قال الأب:
"يا يوسف، سامحني إذا كنت قصرت في حقك."
"بابا، ليش هالحكي فجأة؟"
"لا شيء. بس بدّي تسمعني. سامحني. وقل لأختك سارة إنها تسامحني. وقل لأمك... أمك بتعرف."
نهض الأب ونزل الدرج. يوسف بقي على السطح، يحاول أن يفهم. لم يفهم. يفهم الآن. الأب كان يودع. ليس لأنه يعلم ما سيحدث. لأنه كان يشعر. بعض الآباء لديهم تلك القدرة: أن يعرفوا قبل الموت أن الموت قادم، ليس لأنهم أنبياء، بل لأنهم سمعوا الخراب يطرق أبواب الجيران.
الآن يوسف تحت الأنقاض. الآن يوسف يعرف أن الأب كان يودع. الآن يوسف لا يعرف ما إذا كان الأب لا يزال حياً. لا يعرف شيئاً عن أحد. لا يعرف حتى ما إذا كان هو نفسه لا يزال حياً. ربما هذا هو الموت. ربما الموت ليس اسوداداً ولا نوراً في نهاية النفق. ربما الموت أن تكون تحت بيت كان بيتك، وحدك، تسمع صوتك يرتد من جدران سقطت، ولا أحد يجيب.
2
في الضاحية الجنوبية لبيروت، قبل أن تصير أنقاضاً، كانت هناك غرفة صغيرة في الطابق الرابع من مبنى لا اسم له. في تلك الغرفة كانت سلمى تضع المكياج أمام المرآة كل صباح. سلمى، سبعة وعشرون عاماً، مهندسة معمارية تخرجت قبل أربع سنوات، لم تجد عملاً في تخصصها، فاشتغلت في محل لبيع الأجهزة الخلوية. كانت تقول لصديقاتها: "أنا صممت بيوتاً في الجامعة، والآن أبيع هواتف لأشخاص لا يتحدثون مع بعضهم."
في صباح اليوم الذي سيتغير فيه كل شيء، وضعت سلمى المكياج كالمعتاد. أحمر شفاه خفيف، كحل أسود، شيئاً من البودرة. نظرت إلى المرآة للحظة أطول من المعتاد. رأت عينين كبيرتين، حزينتين قليلاً، لكنهما لم تكونا حزينتين اليوم. كان فيهما شيء آخر. تردد. كأن العينين تعرفان شيئاً لا تعرفه سلمى بعد.
خرجت من البيت الساعة السابعة والنصف صباحاً. نزلت الدرج. في الطابق الثالث، قابلت أم محمد، جارتها التي كانت تصعد بحليب وخبز. تبادلتا التحية. في الطابق الثاني، كان أبو حسن يفتح بابه ليخرج لقضاء حاجته. ابتسم لها كما يفعل كل صباح. في الطابق الأول، شاهدت قطط الحارة تتجمع حول صندوق القمامة، تتنافس على بقايا الأمس.
خرجت إلى الشارع. استقلت حافلة صغيرة. جلست بجانب امرأة مسنة كانت تمسك بببغاء صغير في قفص. الببغاء كان يكرر كلمة "لبنان" بصوت مزعج. المرأة المسنة كانت تضحك كل مرة. سلمى ابتسمت. فكرت: "حتى الببغاوات وطنية في لبنان."
لم تكن تعلم أن هذه الببغاء سيموت بعد تسع ساعات مع بقية الحي في القفص، عندما يسقط المبنى المجاور على المبنى الذي تسكن فيه المرأة المسنة. لم تكن تعلم أنها لن ترى القفص ولا الببغاء ولا المرأة المسنة مرة أخرى. لم تكن تعلم أن آخر مرة ترى فيها مرآتها كانت تلك الصباح.
في المحل، كان اليوم بطيئاً. زبونان فقط. الأول كان يريد هاتفاً جديداً لأنه ضاع هاتفه القديم. الثاني كان يريد هاتفاً مستعملاً لأنه لا يستطيع شراء جديد. سلمى تعاملت معهما بصبرها المعتاد. في الرابعة عصراً، سمعت صوتاً لم تسمعه من قبل. ليس كصوت الانفجارات التي اعتادت عليها في حياتها البيروتية. صوتاً آخر. ثقيلاً. زاحفاً. كأن الأرض نفسها تقرع جرساً.
نظرت إلى زميلها في المحل، علي. كان علي ينظر إلى السقف. قال: "ما هذا؟"
قبل أن تجيب، سقط السقف.
3
في جنوب لبنان، في قرية لا تظهر على معظم الخرائط، كان هناك بيت من حجر بازلتي أسود. في ذلك البيت كانت فاطمة تطبخ العدس على نار هادئة. فاطمة، خمسة وخمسون عاماً، أرملة منذ عشرين عاماً، أم لأربعة أبناء، اثنان ماتا في مقاومة الاحتلال، واحد هاجر إلى ألمانيا، وآخر بقي معها في القرية.
كانت فاطمة تطبخ العدس لأنها تحب رائحته. تقول: "ريحة العدس بتذكرني ببيت أهلي. بيت كان فيه حجر كبير في الوسط. كنا نجلس حوله نأكل. كان أبي يغني. كانت أمي تضحك. كنا سبعة إخوة. ماتوا كلهم الآن. بس ريحة العدس لسا بتجيبهم."
في ذلك اليوم، خرجت فاطمة إلى الحديقة الخلفية لبيتها لتقطف بعض البقدونس. الحديقة صغيرة، فيها شجرة تين عمرها أقدم من فاطمة، وشجرة زيتون لا تثمر كثيراً لكنها تعطي ظلاً طيباً، وبعض الأعشاب التي تزرعها فاطمة بنفسها. البقدونس كان خصباً. جذوره عميقة. ورقه أخضر غامق.
بينما هي تقطف، سمعت طائرة استطلاع تحلق على ارتفاع منخفض. نظرت إلى السماء. الطائرة صغيرة، بيضاء، كطائر معدني غريب. فاطمة لا تكره الطائرات. تقول: "الطيار اللي فيها إنسان مثلنا. بس أهله عرفوه غلط." كانت تردد هذا الكلام كثيراً، لدرجة أن ابنها الباقي، حسين، كان يغضب منها: "يا إمي، الطيار بده يموتنا." فاطمة ترد: "كلنا راح نموت. المهم كيف."
قطفت ما تحتاج وعادت إلى المطبخ. وضعت العدس على النار. أضافت الملح والكمون والقليل من زيت الزيتون. غطت القدر. جلست على كرسي خشبي قديم كانت أمها تجلس عليه. أغلقت عينيها. بدأت تذكر. التذكر عند فاطمة ليس هواية. هو عبادة. تذكر من ماتوا كما يصلي المؤمنون.
تذكرت زوجها، الذي استشهد في طريق عودته من الحقل. رصاصة طائشة، قالوا. طائشة أو غير طائشة، الموت واحد. تذكرت ولديها اللذين ماتا وهما في العشرين. لم ترهما تموتان. رأتهما يخرجان من البيت صباحاً ولا يعودان. جاؤوا بهما على أكتاف الرجال. وضعوهما في غرفة المعيشة. فاطمة لم تبكِ. جلست بجانبهما، تمسح وجوههما، تقرأ الفاتحة. قالت للرجال: "شكراً. روحوا كلوا عند جارتكم أم علي. أنا ما عندي أكل."
بعد أيام، جاءها وفد من الحزب يعزون. الشيخ تحدث عن الجنة والحور العين. فاطمة سمعت بصمت. ثم قالت: "يا شيخ، أنا بدي أولادي هون. مش بالجنة. هون. معي. بس." الشيخ صمت. لم يعرف ماذا يقول. لا أحد يعرف ماذا يقول لأم فقدت ولديها.
الآن، فاطمة على كرسيها، تسمع صوت القدر يغلي. العدس ينضج. رائحته تملأ البيت. فاطمة تفتح عينيها. تنظر إلى جدران البيت الحجرية. ترى فيها شقوقاً صغيرة لم تكن بالأمس. تقول لنفسها: "البيت يتعب مثلي." تضحك قليلاً. ثم تسمع الصوت.
الصوت الذي سمعته مئات المرات في حياتها. صوت الصاروخ قبل أن يصل. تلك الصافرة الرفيعة التي تشبه صراخ طفل لا يريد أن يموت. فاطمة لا تجري. لم تعد تجري. تبقى جالسة. تغلق عينيها. تهمس بشيء. لا أحد يعرف ما تهمس به. ربما دعاء. ربما أغنية. ربما أسماء أولادها.
ثم لا شيء.
4
في إيران، في مدينة مشهد، بعيداً عن الحدود، كان رضا يقرأ كتاباً لألكسندر سولجينتسين في غرفته الصغيرة. رضا، تسعة وعشرون عاماً، طالب دكتوراه في الفلسفة، كان يكتب أطروحة عن "الزمن في فلسفة هايدغر". كان يعيش مع والدته، أرملة مصابة بالروماتيزم، في شقة متواضعة قرب الحرم الإمام الرضا.
رضا لم يكن سياسياً. لم يحب المظاهرات، لم يحب الشعارات، لم يحب الانحياز. كان يحب القراءة والكتابة والمشي لمسافات طويلة وحده. كان يعتقد أن الفلسفة هي الطريق الوحيد لفهم العالم. كان يعتقد أن فهم العالم يكفي. كان يعتقد أن من يفهم لا يحتاج إلى أن يقاتل. كان مخطئاً.
في تلك الليلة، نام متأخراً بعد أن قرأ فصلاً عن المعسكرات. حلم حلماً غريباً. حلم أنه يمشي في صحراء بيضاء، بلا نهاية، تحت سماء سوداء. ليس فيها نجوم، ليس فيها قمر، فقط ظلام وصحراء بيضاء. كان يمشي ويتعب ولا يصل. فجأة، رأى شجرة في منتصف الصحراء. شجرة زيتون صغيرة، خضراء، وحيدة. جلس تحتها. بدأ يتذكر كل شيء: وجه أمه، صوت أبيه الذي مات وهو في السابعة، اسم أول فتاة أحبها، لون غرفته عندما كان طفلاً، رائحة المطر على الأسفلت.
استيقظ على صوت المنبه الساعة السادسة صباحاً. كان الجو بارداً. خرج من السراح، وصلى، وجلس يتناول الفطور مع أمه. أمه كانت تتحدث عن ألم ظهرها. رضا كان يستمع ويقول: "إن شاء الله خير". ثم خرج إلى الجامعة.
في الجامعة، التقى بأستاذه الدكتور كريمي. رجل في الستين، شيب، نظارات سميكة، صوت هادئ. الدكتور كريمي كان يعرف كل شيء عن الفلسفة الألمانية، وكان لا يعرف شيئاً عن الحياة. قال لرضا: "كيف حال الأطروحة؟"
"جيدة يا دكتور. أوشك على الانتهاء."
"ممتاز. تعال إلى مكتبي بعد المحاضرة. أريد أن أناقش معك شيئاً عن مفهوم الزمن عند هايدغر."
بعد المحاضرة، ذهب رضا إلى مكتب الدكتور كريمي. جلسا. فتح الدكتور كريمي كتاباً قديماً، بدأ يقرأ فقرة باللغة الألمانية، ثم ترجمها للفارسية: "الزمن ليس شيئاً يمر بنا. الزمن هو نحن. نحن نمر بالزمن."
رضا كان يعرف هذه الفكرة جيداً. لكنه في تلك اللحظة، ولأول مرة، شعر بها فعلياً. شعر أن الزمن ليس ساعات ودقائق. الزمن هو جسده وهو جالس على هذا الكرسي، هو صوته وهو يقول "نعم يا دكتور"، هو انتظاره لرسالة من صديقه في ألمانيا، هو خوفه من أن والدته ستموت يوماً، هو حلمه بالصحراء البيضاء.
خرج من مكتب الدكتور كريمي. كان الظهيرة. الشمس حارة. سمع صوت تكبير من مكبرات المسجد القريب. لم يلتفت. كان يفكر في الصحراء البيضاء. لماذا البيضاء؟ لماذا ليست صفراء؟ لماذا ليست سوداء؟ فكر أن يكتب ملاحظة في دفتره. لكنه لم يفعل.
في المساء، جلس على سطح المنزل كعادته. كان يشرب الشاي وينظر إلى النجوم. كانت السماء صافية. رأى القمر منتصفاً، محاطاً بحلقة ضوئية رقيقة. تذكر بيتاً من الشعر الفارسي القديم: "القمر يضيء للجميع، لكن كل واحد يراه من زاويته."
نام متأخراً. استيقظ على صوت لا يعرفه. ليس صافرة صاروخ، ليس طائرة. كان في مشهد، بعيداً. لكن الصوت كان هناك. غريب. كأن أحدهم يطرق باب العالم كله. خرج إلى الشرفة. رأى ضوءاً في الأفق البعيد. ضوءاً ليس من الشمس. ضوءاً أحمر. ثم سمع النداء: "انفجار. مجمع عسكري قرب المدينة. هجوم. نعم. هجوم."
رضا لم يفهم. كيف يصل الهجوم إلى هنا؟ كان يعتقد أن الحرب بعيدة. كان يعتقد أن الفلسفة تحميه. كان يعتقد أن القراءة تكفي. كان مخطئاً.
بعد ثلاثة أيام، سقطت قنبلة على مبنى مجاور لشقته. لم يصب رضا بأذى جسدي. لكن شيئاً تغير داخله. الصحراء البيضاء التي حلم بها أصبحت لون حياته كلها. وبدأ يفهم أن الزمن ليس ما يمر بنا. نحن ما نمر بالزمن. ونحن نمر به محترقين.
الفصل الثاني: القطعة 107
5
يوسف تحت الأنقاض. الآن يعرف كم مضى من الوقت: يومان. كيف عرف؟ لا يعرف. ربما من عدد المرات التي استيقظ فيها. ربما من العطش. العطش له ساعة داخلية. يبدأ خفيفاً كذكرى، ثم يصير ثقيلاً كحقيقة، ثم يصير هو الحقيقة الوحيدة. لا أم، لا أبي، لا سارة، لا بيت، لا رياضيات، لا متطابقات مثلثية. فقط عطش.
حاول أن يتحرك. نجح في تحريك رجله اليسرى. اليمنى لا تستجيب. لا يشعر بها أيضاً. ربما فقد الاثنتين. لا يعرف. لا يستطيع أن يرى. حاول أن يصرخ. صرخ. صوته خرج خفيفاً كوشوشة. الغبار يملأ فمه. بلع الغبار. طعمه كطعم الموت الذي قرأ عنه في الكتب.
فكر في سارة. أخته الصغرى. عمرها تسعة عشر عاماً. كانت تحلم بأن تصبح طبيبة. كانت تقول: "بدي أعالج الأطفال. بدي أطفال ما يموتوا قدامي." يوسف كان يضحك: "وانتي مين قالك الأطفال بيموتوا؟" سارة كانت ترد: "شفتهم بالتلفزيون." الآن سارة تحت الأنقاض مثله. أو فوق الأنقاض. أو ليست موجودة أصلاً.
تذكر آخر مرة رآها فيها. كانت واقفة على شرفة البيت، تلبس ثوباً أبيض، تنتظر صديقتها لتخرجا معاً. نظرت إليه وابتسمت. قالت: "يا يوسف، أنت عارف إنك أحسن أخ بالعالم؟" قال: "طبعاً عارف." ضحكت. ضحك. ثم نزلت الدرج. لم يراها بعدها.
"سارة!"
صرخ بصوت أعلى هذه المرة. لا جواب. الصدى يرتد من الجدران المتهشمة. الجدران تعرف إجابات لا يريد سماعها.
حاول أن ينام. لا يستطيع. الخوف يمنعه. ليس الخوف من الموت. الموت الآن صديق قديم. الخوف من أن يموت وحيداً. من أن يموت ولا أحد يعرف. من أن يموت ويصبح جسده جزءاً من الأنقاض، ويأتي بعد شهر عمال الإنقاذ، يجدون عظامه، لا يعرفون من هو، يضعونه في كيس أسود مع عظام آخرين، يكتبون عليه "مجهول". هذا هو الخوف: أن تكون مجهولاً. أن تكون رقماً. أن تكون "ضحية 347" في تقرير الأمم المتحدة الذي سيقرأه أحدهم على الغداء ثم ينساه.
تذكر طلابه. كان يدرسهم الرياضيات. كانوا يكرهون الرياضيات. كانوا يقولون: "أستاذ، الرياضيات مالها أي فائدة بالحياة." كان يرد: "الرياضيات هي الحياة. كل شيء أرقام. الزاوية، المسافة، الاحتمالات، الوقت." كانوا يضحكون. كان يضحك. الآن هو يعرف أنهم كانوا محقين. الرياضيات لا فائدة لها عندما تكون تحت ثلاثة طوابق من الخرسانة. الرياضيات لا تجيب على السؤال الوحيد: لماذا؟
فجأة، سمع صوتاً. ليس وهمياً. صوت حقيقي. صوت حفر. صوت بعيد، لكنه قادم. من فوقه. من بعيد. أحدهم يحفر. أحدهم يبحث. أحدهم لم ينسَ أن تحته أناساً أحياء.
"أنا هنا! أنا هنا!"
صرخ بأعلى ما لديه. صوته خشن، مبحوح، كصوت حيوان يئن. لكنه صرخ. ظل يصرخ. ظل يصرخ حتى شعر أن صوته سيتمزق. ثم توقف. استمع. الصوت توقف أيضاً. صمت. صمت طويل.
ثم سمع الصوت مرة أخرى. أقرب هذه المرة. بكى يوسف. بكى كطفل. بكى لأنه سمع أن هناك أحداً يسمعه. بكى لأنه ليس وحيداً. بكى لأنه لا يزال موجوداً.
6
سلمى لم تمت.
استيقظت على صوت صفارة إنقاذ. كانت مستلقية على ظهرها. شعرت بثقل على صدرها. حاولت أن تتنفس. كان صعباً. فتحت عينيها. رأت غباراً وخرسانة وحجارة. رأت يداً لا تعرف لمن. يد صغيرة، مغبرة، مكسورة الأصابع. يدا طفل. نظرت بعيداً. لم ترَ جسداً. فقط يد.
أغمضت عينيها بسرعة. فكرت: "ليس هنا. أنا لست هنا. أنا في غرفتي. في سريري. سأستيقظ بعد قليل. سأضع المكياج. سأذهب إلى العمل. كل شيء عادي."
لكنها لم تستيقظ. كانت مستيقظة بالفعل. كانت في كابوس يقظة.
سمعت صوت رجل: "هناك أحد هنا! بسرعة! جيبوا العتلة!"
حاولت أن ترفع يدها. استطاعت. رفرفتها كطائر مصاب. الرجل رآها.
"أختي! أنا معك. رح أخرجك. بس بدك تتحملي شوية."
لم ترد. لم تستطع. كانت تركز فقط على التنفس. على أن لا تموت قبل أن يصل إليها.
بدأ الرجال يحفرون حولها. سمعت أصوات حجارة تتدحرج، أصوات معاول، أصوات تنفس ثقيل. استغرقت ساعة، ربما أكثر. لا تعرف. أخيراً، شعرت بأن الثقل على صدرها يخف. فتحت عينيها. رأت وجهاً. وجهاً مغبراً، متعباً، لكنه يبتسم.
"أهلاً بالدنيا. شو اسمك؟"
"سلمى."
"سلمى، اسم حلو. أنا أبو علي. رح نخرجك هلق. بس بدك تساعديني. تقدري تتحركي؟"
حاولت أن تتحرك. ألم حاد في ساقها اليمنى. صرخت.
"ساقي. ساقي بتوجعني كتير."
نظر أبو علي إلى ساقها. لم يقل شيئاً. لكن عينيه قالا كل شيء. ساقها كانت تحت كتلة خرسانية كبيرة. لن تخرج سلمى بساقها.
"بدنا ننقل هالكتلة. روحوا جيبوا رافعة صغيرة. بسرعة."
رجال ركضوا. أبو علي جلس بجانب سلمى. أخرج قنينة ماء من جيبه. فتحها. قربها من فمها. شربت قليلاً. الماء كان دافئاً، لكنه كان أجمل ما شربت في حياتها.
"شو صار؟" سألت.
"صار اللي صار يا بنتي. البلد كلها صارت أنقاض. بس إحنا لسا هون. لسا عايشين."
"أهلي؟"
سكت أبو علي لحظة. نظر إلى الأرض. ثم قال: "لما نخرجك، رح نشوف. هلق ركزي مع حالك."
عرفت سلمى أن أهلها ماتوا. عرفت من صمته. من نظراته. من الطريقة التي قال بها "ركزي مع حالك". لم تبكِ. لم تستطع. كانت في صدمة أعمق من البكاء. كانت في منطقة لا بكاء فيها. منطقة أرقام.
جاء الرجال بالرافعة. رفعوا الكتلة الخرسانية ببطء. ألم سلمى كان لا يطاق. صرخت حتى جفت حنجرتها. ثم شعرت بشيء يتحرر. ساقها لم تعد تحت الخرسانة. لكنها لم تعد تشعر بها أيضاً.
نظرت إلى ساقها. كانت موجودة. لكنها كانت ملتوية بشكل غير طبيعي. الدم يخرج من تحت الركبة. أبو علي خلع قميصه وربطه حول ساقها. قال: "بدنا نوديكي المستشفى بسرعة."
حملوها على نقالة بدائية. بدأت تفقد وعيها. قبل أن تغمض عينيها، رأت السماء. كانت زرقاء. زرقاء كأن شيئاً لم يحدث. كأن القنابل لم تسقط. كأن الأطفال لم يموتوا. كأن اليد الصغيرة التي رأتها ليست يد طفل مات وحيداً. السماء زرقاء، ولا تهتم.
7
فاطمة فتحت عينيها.
لم تكن تتوقع هذا. كانت متأكدة أنها ماتت. سمعت الصافرة. أغمضت عينيها. انتظرت. ثم لا شيء. ثم فتحت عينيها.
كانت جالسة على كرسيها. القدر على النار. العدس ينضج. البيت كما هو. الجدران كما هي. الشقوق كما هي. طائر الاستطلاع لم يعد في السماء. كل شيء طبيعي. كأن شيئاً لم يحدث.
نهضت من كرسيها ببطء. ركبتاها تؤلمانها. ذهبت إلى النافذة. نظرت إلى الخارج. الحديقة كما هي. شجرة التين، شجرة الزيتون، البقدونس. لكن هناك شيئاً مختلفاً. شيء في الهواء. الهواء أصبح ثقيلاً. كأنه ينتظر شيئاً.
خرجت إلى الحديقة. مشت إلى شجرة الزيتون. لمست جذعها الخشن. قالت للشجرة: "أنتي لسا هون. أنا كمان لسا هون." الشجرة لم ترد. لكن فاطمة شعرت أنها فهمت.
عادت إلى المطبخ. أطفأت النار تحت القدر. العدس نضج. صبت منه في طبق. جلست تأكل. كانت تأكل ببطء، تتمعن كل لقمة. ليس لأنها جائعة، بل لأنها تريد أن تشعر بأنها حية. أن تتذكر طعم الطعام. أن تتذكر أن اللسان يعمل، أن الأسنان تعمل، أن الحياة تعمل.
بينما هي تأكل، سمعت طرقاً على الباب. نهضت. فتحت. كان حسين، ابنها. كان وجهه شاحباً، عيناه مدمعتان.
"يا إمي، الحمدلله على السلامة. سمعت انه قصفوا الجيران. قلت يمكن صارلك شي."
"أنا بخير يا ابني. أدخل. في عدس."
دخل حسين. جلس على الكرسي الخشبي. لم يأكل. كان يرتجف. فاطمة جلست بجانبه. وضعت يدها على كتفه.
"شو في؟"
"يا إمي، الجيران كلهم ماتوا. بيت أبو حسين، بيت أم سعيد، بيت عائلة خليل. كلهم. طائرة واحدة. صاروا أنقاض."
فاطمة سكتت. كانت تعرف الجيران. كانت تشرب الشاي مع أم سعيد كل خميس. كانت ترسل العدس لأبو حسين عندما يمرض. كانت تعتني بقطط عائلة خليل عندما يسافرون. الآن كلهم ماتوا.
"الله يرحمهم," قالت بصوت خافت.
"يا إمي، أنا خايف. خايف علينا."
"لا تخاف يا ابني. اللي كاتبه ربنا منشوفه."
"بس يا إمي، القصف كل يوم بيقرب. النار بتاكل كل شي."
فاطمة نظرت إلى ابنها. رأت فيه وجه زوجها الراحل. رأت فيه وجهي ولديها الميتين. رأت فيه كل الأولاد الذين يموتون في هذه الأرض كل يوم.
"حسين، أنا عشت أكثر من اللي كنت مفكرة إني راح أعيش. شفت الموت كتير مرات. كان يجي جنبي بس ما ياخدني. يمكن ربي مخبيني لشي. يمكن خلص دوري. ما بعرف. بس اللي بعرفه إنو إحنا ما بنختار وقت موتنا. بس بنختار كيف نعيش قبل ما نموت."
حسين نظر إليها. لم يفهم كل ما قالته. لكنه شعر بشيء. شعر بالقوة التي في أمه. تلك القوة التي تأتي من فقدان كل شيء. تلك القوة التي لا تعرفها إلا الأمهات اللواتي دفن أولادهن.
8
رضا ترك الجامعة.
لم يعد إلى محاضرات الدكتور كريمي. لم يكمل أطروحته عن الزمن عند هايدغر. قرر أن يكتب شيئاً آخر. شيئاً عن الزمن الحقيقي. عن الزمن الذي يمر عندما تنام وجارك يموت. عن الزمن الذي يتوقف عندما ترى طفلاً تحت الأنقاض. عن الزمن الذي يتحول إلى جمر عندما تفقد من تحب.
ذهب إلى المستشفى لزيارة المصابين. لم يعرف أحداً هناك. لكنه ذهب. جلس في بهو المستشفى. كان يرى أناساً يأتون ويذهبون. جثث تخرج. مصابون يدخلون. أطباء يركضون. أمهات يبكين. أطفال يصرخون. رجال يصمتون.
رأى رجلاً في الأربعين، جالساً على كرسي متحرك، كلتا ساقيه مبتورتان. كان الرجل صامتاً. لا يبكي، لا يتكلم، فقط ينظر إلى الحائط. رضا جلس بجانبه.
"كيفك؟"
الرجل لم يرد. ظل ينظر إلى الحائط.
"أنا رضا. جاي أشوف إذا في مساعدة."
الرجل التفت إليه ببطء. عيناه كانتا فارغتين. ليست حزينتين، ليست غاضبتين، فقط فارغتين. كأن شخصاً ما أطفأ نوراً في داخله.
"ما في مساعدة," قال الرجل بصوت خشن. "أنا خسرت كل شي. بيتي. عيلتي. رجليّ. كل شي. شو بدك تساعدني فيه؟"
رضا لم يعرف ماذا يقول. تذكر أطروحته عن الزمن. تذكر هايدغر. تذكر الفلسفة. كلها بدت له الآن كألعاب أطفال. هراء جميل لمن يملكون رفاهية التفكير.
"أنا آسف," قال فقط.
الرجل نظر إليه للحظة. ثم عاد لينظر إلى الحائط.
رضا جلس بجانبه ساعة كاملة. لم يتحدثا. لكنهما كانا معاً. وهذه كانت المرة الأولى التي يشعر فيها رضا أنه يفعل شيئاً مهماً منذ بدأت الحرب.
خرج من المستشفى. السماء كانت ملبدة بالغيوم. بدأ المطر يهطل. وقف تحت المطر. تركه يبلله. أحس بقطرات الماء على وجهه. تذكر حلمه بالصحراء البيضاء. الآن الصحراء صارت مطراً. وصارت الحرب داخله.
قرر أن يكتب. ليس أطروحة. شيئاً آخر. شيئاً يشبه المذكرات. شيئاً يشبه الشهادة. كتب على أول صفحة:
"لم أعد أفهم الزمن. الزمن كان خطاً مستقيماً عند هايدغر. كان نهراً عند هرقليطس. كان حلزوناً عند نيتشه. لكنني رأيته الآن. الزمن هو يد طفل تحت الأنقاض. هو صمت رجل فقد ساقيه. هو عدس يغلي على نار هادئة في بيت ينتظر القنبلة. هذا هو الزمن. وهذا هو كل ما تبقى من الفلسفة."
---
الفصل الثالث: معنى أن تكون حجراً
9
أخرج يوسف من تحت الأنقاض بعد ثلاثة أيام.
كان فاقد الوعي. نقل إلى المستشفى الميداني. كان المستشفى مكتظاً بالجرحى. لم يكن هناك أسرة كافية. وضعوه على الأرض. لم يكن هناك أطباء كافون. انتظر ساعات.
استفاق على صوت طفل يبكي بجانبه. نظر إلى الطفل. كان صبياً في العاشرة تقريباً. ذراعه اليسرى ملفوفة بضمادات ملطخة بالدم. كان يبكي بصوت عالٍ. لا أحد يلتفت إليه. الجميع مشغولون بجراح أكبر.
"شو اسمك؟" سأل يوسف بصوت ضعيف.
الطفل نظر إليه. توقف عن البكاء للحظة. "خالد."
"أنا يوسف. وين أهلك يا خالد؟"
"ما بعرف. لما سقط البيت، ضيعوا مني. ما لقيت حدا."
يوسف تذكر سارة. تذكر أمه. تذكر أباه. لم يعرف أين هم أيضاً. كان هو وخالد في نفس القارب. قارب المفقودين.
"خالد، أنا معك. من اليوم أنا معك."
الطفل نظر إليه بعينين كبيرتين مبللتين. لم يقل شيئاً. اقترب منه أكثر. وضع رأسه على صدر يوسف. نام.
يوسف بقي مستيقظاً. شعر بثقل رأس الطفل على صدره. شعر بدقات قلبه الصغير. شعر بأنه لا يزال حياً. ليس لأنه يتنفس، بل لأن هناك من يحتاجه.
في اليوم التالي، جاءت امرأة تبحث عن ابنها. كانت خالة خالد. عرفتها يوسف من وجهها. قالت إن والدي خالد ماتا. وإن خالد سيعيش معها. أخذت الطفل. قبل أن تذهب، نظر خالد إلى يوسف. قال: "بعد ما أتعالج، رح أرجعلك. وعد."
ابتسم يوسف. لم يقل شيئاً. لم يصدق أن الطفل سيعود. لكنه أحب أن سمعه يقول ذلك.
بعد أسبوع، خرج يوسف من المستشفى. ساقه اليسرى كانت مكسورة، لكنها ستلتئم. ذراعه اليمنى كانت مصابة، لكنها ستتحسن. المشكلة لم تكن في الجسد. المشكلة كانت في شيء آخر. شيء اسمه الروح. أو ما تبقى منها.
ذهب ليبحث عن بيته. لم يجد بيتاً. وجد حفرة كبيرة. وقف على حافتها. نظر إلى الأسفل. رأى حجارة وخرسانة وحطاماً. رأى حذاء طفل. رأى كتاباً مدرسياً ممزقاً. رأى جزءاً من باب الثلاجة. رأى كل شيء إلا البيت.
جلس على حافة الحفرة. لم يبكِ. كان قد استنفذ دموعه في الأيام الثلاثة تحت الأنقاض. كان يحدق في الحفرة. تذكر بيتاً فيه غرف كثيرة. غرفته، غرفة سارة، غرفة أمه وأبيه، المطبخ الذي كانت رائحته دائماً طيبة، السطح الذي كان يشرب فيه الشاي مع أبيه. كل ذلك صار حفرة.
أخرج هاتفه من جيبه. كان مكسوراً لكنه يعمل قليلاً. فتح الكاميرا. صور الحفرة. لم يعرف لماذا. ربما ليشهد. ربما ليتذكر. ربما ليظهر لأولاده في المستقبل، إذا رزق بأولاد، كيف كان بيته قبل أن يصير حفرة.
نهض. مشى. لم يعرف إلى أين. مشى باتجاه لا شيء. كان يمر بأنقاض بيوت، أنقاض مدارس، أنقاض مساجد، أنقاض كل شيء. كان يرى أناساً مثله، يسيرون بلا هدف، بلا بيوت، بلا عائلات، بلا شيء. كانوا كالأشباح. أشباح يمشون تحت شمس لا تشعر بهم.
في الطريق، مر بخيمة صغيرة نصبت على رصيف. جلس بجانبها. رجل عجوز كان جالساً هناك. كان يدخن سيجارة رقيقة.
"تتفضل؟" قدم الرجل سيجارة.
"شكراً. ما بدخن."
"حلو. أنا بدخن عشان أنسى. بس ما بنسى. النسيان صار أصعب من الحياة."
سأله يوسف: "وين بيتك؟"
الرجل أشار بيده نحو الأفق. "كان هناك. قصفوه. ماتت مرتي وولادي. بس أنا طلعت قبلها بشوي. حظي كان وحش كمان مرة."
لم يعرف يوسف ماذا يقول. كيف تعزي من فقد كل شيء؟ لا توجد كلمات. لا توجد فلسفة. لا توجد ديانة. فقط صمت.
جلس بجانب الرجل حتى غروب الشمس. ثم نهض ومشى. لم يعد إلى أي مكان. أصبح كل مكان هو لا مكان. أصبحت غزة كلها حفرة كبيرة. والحفر لا تسكن. الحفر فقط تشهد.
10
سلمى خضعت لعملية بتر. ساقها اليمنى قطعت من تحت الركبة.
استيقظت بعد العملية. نظرت إلى رجلها. لم تكن موجودة. مكانها ضمادات وفراغ. فراغ غريب. فراغ له شكل ساق. فراغ يوجع.
بكت. بكت كثيراً. ليس لأنها فقدت ساقها. بكت لأنها فقدت أهلها. عرفتها الخالة أنها فقدتهم. أخبرها الطبيب بعد العملية. كان لطيفاً، لكنه كان مباشراً. قال: "أهلك كانوا في البيت عندما سقطت القنبلة. لم ينجُ أحد."
سلمى لم تصرخ. لم تنهر. فقط بكت. بكت كالمطر. بكت كالأنهار. بكت حتى جفت. ثم توقفت. ونظرت إلى السقف الأبيض للمستشفى. كانت تفكر في المرآة. في المكياج. في أحمر الشفاه الخفيف. في الكحل الأسود. في البودرة. كانت تفكر في كيف أنها وقفت أمام المرآة في ذلك الصباح، وهي لا تعلم أنها المرة الأخيرة. كيف أنها نظرت إلى عينيها ورأت شيئاً، لكنها لم تفهمه. الآن فهمت. العينان كانتا تودعانها.
بعد أسبوع، جاءها زميلها علي من المحل. كان علي مصاباً أيضاً. يده اليسرى مكسورة. جلس بجانبها.
"كيفك يا سلمى؟"
"زي ما شايف. ناقصة ساق."
"أنا كمان ناقص حاجات كتير. المحل انتهى. صار أنقاض. الزبائن اللي كانوا يجوا... في منهم ماتوا. في منهم سافروا. في منهم مش عارف وين."
"علي، شو بدنا نسوي بحياتنا؟"
علي سكت. لم يكن لديه جواب. ولا أحد لديه جواب. هذا هو السؤال الذي لا يجيب عليه أحد في زمن الإبادة. "شو بدنا نسوي بحياتنا؟" الحياة نفسها أصبحت سؤالاً. وكل الإجابات ماتت مع من ماتوا.
بعد شهر، خرجت سلمى من المستشفى. أعطوها كرسياً متحركاً. بدأت تتعلم كيف تعيش برجل واحدة. كيف تتحرك. كيف تطبخ. كيف تستحم. كيف تفعل كل شيء كانت تفعله برجلين. كانت عملية صعبة. لكنها لم تكن أصعب من عملية فقدان العائلة.
انتقلت للعيش مع خالتها في شقة صغيرة في شمال بيروت. الخالة كانت طيبة، لكنها كانت تتحدث كثيراً عن الماضي. عن كيف كانت بيروت جميلة قبل الحرب. عن كيف كان الناس يضحكون. سلمى كانت تستمع بصبر. لكنها كانت تفكر في شيء واحد: كيف تعود إلى جنوب لبنان. ليس لأنها تحبه. لكن لأن كل ما تبقى منها هناك. تحت الأنقاض. مع يد الطفل التي رأتها. مع جثث أهله. مع مرآتها المكسورة.
في إحدى الليالي، لم تستطع النوم. جلست أمام نافذة الشقة. نظرت إلى البحر البعيد. كان البحر يلمع تحت ضوء القمر. تذكرت أنها كانت تحلم بأن تشتري بيتاً على شاطئ البحر. بيتاً صغيراً، أبيض، له شباك أزرق. كانت تحلم به منذ كانت طفلة. الآن هذا الحلم يبدو غبياً. من يحلم ببيت على البحر في زمن تسقط فيه البيوت من السماء؟
أغمضت عينيها. رأت يد الطفل مرة أخرى. اليد الصغيرة، المكسورة الأصابع، المغبرة. لم تستطع أن تنساها. كانت تطاردها في نومها ويقظتها. كانت تقول لنفسها: "هذه اليد ستبقى معي للأبد. هذه اليد هي تذكير بأنني رأيت الموت عن قرب. رأيته لا كفكرة، بل كيد صغيرة لا تستطيع حتى أن تقبض على شيء."