قراءة في اندفاع الناس على مركز المساعدات في جنوب غزة


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8356 - 2025 / 5 / 28 - 14:43
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

يمكن تفسير سلوك اندفاع الناس على مركز المساعدات الوحيد في جنوب غزة من جانب اجتماعي عبر عدة عوامل متداخلة، فمع استمرار الحرب، والعدوان، والإبادة الجماعية، وفي سياق الأزمات والظروف الصعبة التي يشهدها القطاع، أصبح الحصول على المساعدات مسألة حياة وبقاء. يعيش السكان ظروفًا مأساوية من الجوع وسوء التغذية، مما يجعل اندفاعهم منطقيًا ومبررًا.
عندما تُقدم المساعدات بعد انقطاع طويل، وفقدان كل أسرة لمخزونها الغذائي، وتأصل المجاعة بين الجميع، يصبح الخروج عن المألوف والطبيعي أمرًا متوقعًا، ويفاقم الوضع ذلك كون التوزيع يتم عبر مركز واحد فقط لتلبية احتياجات عدد كبير من السكان في رفح، وغالبًا تم ذلك وفق خطة توزيع وإجراءات أمنية تفتقر إلى فهم طبيعة المجتمع الفلسطيني وردود فعله في مثل هذه الظروف، وإضافة إلى ذلك، يتولد لدى الناس شعور بالحاجة الماسة والخوف من عدم الحصول على ما يكفي، أو عدم الحصول على أي شيء على الإطلاق. هذا يدفعهم للتدافع والاندفاع لضمان حصتهم، خشية أن تنفد المساعدات أو أن تُغلق الأبواب قبل وصولهم.
وهناك العوامل الاجتماعية والنفسية الكامنة وراء هذا الاندفاع، حيث يعتقد المتخصصون في علم الاجتماع أن بعض السلوكيات الاجتماعية الطارئة هي انعكاس طبيعي للظروف، وتزول بزوال السبب، وخاصة في مثل هذه الحالة، عندما تكون الموارد كالغذاء والدواء والمأوى...الخ شحيحة ومحدودة جدًا، ويتم حصرها في منطقة جغرافية واحدة وفي مركز وحيد، يعزز ذلك الشعور بالندرة والقلة، مما يخلق منافسة شديدة بين المستفيدين كانوا أفرادا أو جماعات للحصول عليها، ويحفز سلوكًا تنافسيًا قد يبدو اندفاعيًا أو غير منظم، فكل مستفيد يرى في الآخر منافسًا لحصته، وهذا قد يؤدي إلى تجاهل بعض القواعد الاجتماعية أو الأخلاقية المعتادة، ويفرض سلوكيات طارئة يمكن تغذيتها والترويج لها من أصحاب الأجندات والأهداف الخفية، سواء كانت سياسية، أو أمنية، أو تجارية.....
وكما أن المعروف في مدارس علم النفس، عند تحليل مثل هذه المواقف والتي تتجمع فيها أعداد كبيرة من الناس الموجوعين، وما زالوا تحت ضغط نفسي وعاطفي كبير، يمكن أن تظهر ظواهر بينهم تعرف بـ "علم نفس الحشود". يمكن تفسير ذلك من خلال عدة جوانب:
• فقدان الهوية الفردية، فعندما يكون الفرد جزءًا من حشد جماهيري كبير، قد يفقد إحساسه بالهوية والمسؤولية الفردية، مما يجعله أكثر عرضة للانخراط في سلوكيات جماعية قد لا يقوم بها لو كان بمفرده، مثل الاندفاع، أو التدافع، أو التساوق مع المحيطين به.
• العدوى الاجتماعية، حيث تنتقل المشاعر والسلوكيات بسرعة بين أفراد الحشد، فعندما يبدأ شخص أو مجموعة صغيرة بالاندفاع، قد يحذو الآخرون حذوهم تلقائيًا خوفًا من أن يفوتهم الشيء.
• الشعور بالخطر والتهديد، وهو ما يدفع المستفيدين والأفراد والجماعات إلى ردود فعل غير عقلانية أحيانًا لدرء الخطر أو الحصول على الأمان.
كما ويمثل غياب الثقة وسوء التخطيط سببين إضافيين في حالتنا هذه، فهناك عدم ثقة في آلية التوزيع أو قدرة الجهات المسؤولة على توفير المساعدات بشكل كافٍ ومنظم، وهذا يزيد من ردة فعل الناس في التعامل مع هذه المواقف، ويتسبب ذلك الاندفاع وانتزاع ما يشعرون بأنه حق لهم، وأيضا التخطيط السيئ لعملية التوزيع، من حيث المساحة، عدد الموظفين، أو طريقة التنظيم، كان له دور كبير في تجمع الناس، وكان سببًا رئيسيًا في الفوضى والاندفاع، وما تبع ذلك من سلوك غير مقبول وخارج عن ثقافتنا الفلسطينية.
الآثار الاجتماعية والنفسية العميقة للحرب:
لو حاولنا هنا أن نعمل قراءة للآثار الاجتماعية والنفسية العميقة لما حدث، فإن سلوك الاندفاع على مركز المساعدات لا يعكس فقط الحاجة الفورية، بل يكشف أيضًا عن آثار اجتماعية ونفسية عميقة تسببت بها الحرب لأكثر من 600 يوم بما تحمل من مآسٍ، وفقدان، ودمار، ونزوح وتشريد...، فكان لذلك الأثر على العديد من الجوانب، منها:
• تدهور الروابط الاجتماعية، فقلة الموارد والتنافس الشديد عليها يؤديان إلى تدهور الروابط الاجتماعية والتعاون بين الأفراد، حيث يرى كل منهم الآخر كمنافس.
• الصدمة النفسية، فالأحداث والمشاهد المؤلمة نفسيًا التي يعيشها الناس في قطاع غزة قد تعبر عنها هذه السلوكيات، مما يزيد من التوتر والقلق لدى الأفراد.
• الاضطرار أحيانًا لممارسة القوة والتدافع للحصول على الأساسيات، وهو ما يفقد الأفراد شعورهم بالقيمة الذاتية، ويمهد لفقدان الكرامة في التعامل مع المواقف التي تحمل تنافسية على الحصص الإغاثية والإعاشية.
أخيرًا، بشكل عام، فإن الاندفاع على مركز المساعدات الوحيد في جنوب قطاع غزة هو انعكاس طبيعي للظروف القاسية التي يعيشها شعبنا، حيث تتزايد الحاجة الملحة مع الندرة والخوف لتوليد سلوك جماعي يسعى للبقاء على قيد الحياة، وهذا ما يدعو إلى ضرورة إعادة النظر الفورية في هذه الآلية لتقديم المساعدات، ومراجعتها ضمن معايير العمل الإنساني، وطبيعة المجتمع، والظروف التي تُقدم بها، فالواجب يجب أن نُحافظ على ما تبقى من الإنسان الفلسطيني في قطاع غزة الموجوع، وهي كرامته وإنسانيته التي تدمرها مثل هذه الطرق في تقديم المساعدات، فهذه الأساليب لتقديم المساعدات، في الحقيقة، هي محاولة للالتفاف والخروج من مأزق الجرائم التي تُرتكب بحق المدنيين في ظل الحرب، وتتعارض مع القوانين الدولية التي تنص على حمايتهم وحقهم في الغذاء والأمان.
حفظ الله أهلنا وثبتهم في أرضهم.