المقاربة السوسيولوجية والقانونية في مكافحة الفساد وتحصين الجبهة الداخلية
سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن
-
العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 23:39
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
مع استمرار حالة الجمود والتراجع القسري في قطاع غزة، وفي ظل ما يتجرعه المواطن من قهر وظلم مركب طال مناحي الحياة كافة جراء الحرب وتداعياتها الكارثية، تبرز معضلة أشد فتكاً بالنسيج المجتمعي؛ تتمثل في التنصل من المسؤوليات، والعجز السياسي، والفراغ القانوني. وفي هذه البيئة الخصبة، يتأصل الفساد وتتسع رقعته كطبيعة حتمية للأزمات الكبرى وحالات النزوح الجماعي، حيث لم يعد الفساد مجرد انحراف إداري عابر، بل تحول إلى ظاهرة هيكلية عابرة للبنى المحلية والدولية، تهدد الوجود الاجتماعي وتماسك الجبهة الداخلية.
إن ما يثير القلق والاصطدام الأخلاقي في غزة المكلومة، هو سلوك بعض المؤسسات – محلياً ودولياً – التي تدعي الوفاء للمجتمع وتتمنطق باستعراضات الإنجاز الزائف والتقارير المبهرجة، في حين أنها مفرغة من أي مضمون قيمي، وتمارس تمرير مصالح إداراتها والنخب المهيمنة عليها على حساب المواطن بوقاحة وتجبر. هذا الواقع المأزوم يستوجب دقاًّ عاجلاً لناقوس الخطر، وتدخلاً حاسماً لكبح هذا التغول الذي تمارسه منظومات المصالح وسماسرة الأزمات على حساب عذابات المهجرين والنازحين. إن مواجهة هذا الانحدار تتطلب مغادرة مربع المعالجات السطحية والشعارات الإنشائية الجوفاء، والاعتماد على قراءة علمية رصينة تدمج بين الأبعاد السوسيولوجية لفهم الظاهرة، والأطر القانونية لتفكيكها وردعها.
أولاً: الأبعاد السوسيولوجية للفساد في بيئة الأزمات
من منظور علم الاجتماع (السوسيولوجيا)، لا ينشأ الفساد من فراغ، بل هو نتاج مباشر لخلل بنيوي في البناء الاجتماعي، وتراجع حاد في سلطة الضبط الاجتماعي الرسمي. ويمكن تفكيك هذه الظاهرة في سياق الأزمات والنزوح عبر عدة مظاهر:
• مأسسة الاستغلال و"ابتكار الضرورة المشوه": في ظروف الحصار والتشريد، تلجأ الفئات المسحوقة إلى ابتكار آليات بدائية للبقاء؛ إلا أن غياب الرقابة يحوّل هذا السلوك لدى أصحاب المصالح الضيقة إلى "ابتكار مشوه" قائم على التربح والسمسرة. يتحول الفساد هنا إلى "مؤسسة أمر واقع غير رسمية" تفرض قواعدها الجائرة على الفئات الهشة، التي تضطر للقبول بالاستغلال كسبيل وحيد لتأمين مقومات الحياة الأساسية.
• إعادة إنتاج النفوذ والمحسوبية الفئوية: تعيد شبكات المصالح إنتاج نفسها عبر تحويل الموارد العامة والمساعدات الإغاثية إلى أدوات لتعزيز النفوذ الاجتماعي، وتكريس الشللية والتكتلات النفعية المتبادلة. هذا السلوك الإقصائي يمزق النسيج الاجتماعي، ويُذكي مشاعر الغبن والاضطهاد بين أفراد المجتمع الواحد.
• ثقافة التكيف السلبي وتآكل رأس المال الاجتماعي: إن أخطر الآثار السوسيولوجية لاستشراء الفساد هو "التطبيع المجتمعي" معه؛ حيث يفقد المواطن الثقة في المؤسسات الاجتماعية والأهلية ومدعي الحوكمة، وينمو لديه شعور حاد بالاغتراب والاتكالية، مما يؤدي في النهاية إلى تآكل "رأس المال الاجتماعي" القائم على الثقة المتبادلة والتضامن العضوي.
ثانياً: سوسيولوجيا التخادم المصلحي بين المنظومات الدولية والمحلية
إن القراءة السوسيولوجية الشاملة لواقع قطاع غزة تفرض عدم حصر الظاهرة في النطاق المحلي الصرف؛ فالفساد القائم يتغذى على "علاقة تخادم بنيوي" بين بيروقراطية المؤسسات الدولية (الأممية وغير الحكومية) وانتهازية بعض النخب المحلية. وتتبدى هذه الديناميكية المشبوهة في مظهرين خطيرين:
1. "غسيل السمعة المؤسسي" عبر الاتصال الرقمي: تلجأ العديد من المنظمات الدولية والمحلية إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي والتقارير المصورة كأداة لغسيل سمعتها الإدارية واستدامة تمويلها. يتم تسليع معاناة النازحين وتصوير طفل يحصل على فتات المساعدات لاستجلاب ملايين الدولارات، بينما يختفي الأثر الحقيقي لهذه الأموال خلف جدار البيروقراطية ورواتب الموظفين الكبار ونفقاتهم التشغيلية الخيالية، والتي تلتهم حصة الأسد من الموازنات الإغاثية على حساب المستحقين الفعليين.
2. خصخصة الإغاثة وتخليق "سوق سوداء": إن تعمد غياب "قاعدة بيانات رقمية موحدة وممغنطة" للمتضررين والنازحين ليس عجزاً تقنياً، بل هو خيار سوسيولوجي مقصود من قِبل شبكات المصالح. إن العشوائية والمشاعية تسمح بتكرار الأسماء وتوجيه الدعم للمحاسيب، مما يؤدي إلى تسريب المساعدات من مخازن المؤسسات الكبرى لتباع علناً في "السوق السوداء" بأسعار فلكية، ليعاد تدوير المال العام في جيوب سماسرة الحروب وأمراء الأزمات أمام أعين الجوعى والمهجرين.
ثالثاً: الأطر والآليات القانونية للمكافحة والإصلاح
إذا كانت السوسيولوجيا تشخص الداء وتفسر تغلغل شبكات المصالح، فإن القانون يوفر الترياق وأدوات الحسم والمحاسبة. إن الانتقال إلى مربع الإصلاح الفعلي يتطلب تفعيل المنظومة القانونية عبر مسارات حتمية:
• تطبيق سيادة القانون وتكافؤ الفرص: القانون هو المظلة والضمانة الجوهرية لإلغاء الامتيازات الفئوية. يجب إخضاع كافة المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الأهلية – دون استثناء أو حصانة – للرقابة القانونية الصارمة، وتطبيق معايير العدالة الاستحقاقية في توزيع الموارد. إن الحصول على الإغاثة والحق في الحياة يجب أن يكون مساراً قانونياً ثابتاً لا منّة فيه ولا محسوبية. وهنا نتساءل باستهجان: ألا يكفي مرور ما يقارب السنوات الثلاث على هذه الأزمة دون وجود قاعدة بيانات موحدة ومنظومة عمل متكاملة تقوم على العدالة وتكافؤ الفرص؟ إن واقع الحال يشير إلى أن العشوائية في التدخلات هي السبيل المتعمد للتغطية على شبكات الفساد، وهو ما تجب مراجعته ومحاسبة المسؤولين عنه فوراً.
• مأسسة الحوكمة والرقابة المستقلة: إن الادعاء الشكلي بالحوكمة والشفافية، وتنفيذ البرامج عبر حسابات مشتركة صورية، يمثل الالتفاف الأكبر على روح القانون. تفعيل الحوكمة قانونياً يعني إلزام المؤسسات بنشر تقاريرها المالية والإدارية بشكل دوري وعلني، وإخضاعها لتدقيق صارم من جهات رقابية وقضائية مستقلة تملك صلاحية المساءلة والمحاسبة، بعيداً عن تضارب المصالح والمحسوبيات التي جعلت القاعدة الحاكمة للعمل لدى البعض هي حجم المكاسب الشخصية والنفوذ المحقق. ويظهر ذلك جلياً في التعيينات المشبوهة، وتبادل فرص التشغيل القائمة على المحسوبية، وتوزيع الطرود الإغاثية والمساعدات الثمينة "المحرزة" وفقاً لسياسة تبادل المنافع والقرابة والعلاقات الشخصية.
• المساءلة القانونية العابرة للحدود: لم يعد كافياً التلويح بالقوانين المحلية المكبّلة بالفراغ السياسي؛ بل يجب تفعيل أدوات "الامتثال الدولي" ومخاطبة الجهات المانحة والمؤسسات الأممية بآليات مكافحة الاحتيال والفساد (-$-Anti-Fraud-$-) الصارمة التي تشترطها دساتيرها. إن التربح من المساعدات الحيوية وتسهيل احتكارها وحرمان مستحقيها في ظل الفقر والبطالة والأوضاع السيئة القائمة، يرتقي قانونياً إلى "شبهة المشاركة في جريمة التجويع والتربح من الحروب والجرائم ضد الإنسانية". ويجب تكييف الدعاوى القانونية لملاحقة مسؤولي هذه المنظمات (الأجانب والمحليين) أمام القضاء الدولي والمحاكم الوطنية للدول المانحة لضرب شرعيتهم الأخلاقية والمالية.
رابعاً: دور القوى الوطنية والنقابات والنخب في تفعيل المقاربتين
إن إحداث الاختراق المطلوب في جدار هذه المنظومة الفاسدة يتطلب تكاملاً وظيفياً ونضالياً بين القوى الفكرية والسياسية والنقابية:
• القوى الوطنية والفصائلية: على كافة القوى الوطنية التي تؤمن حقيقةً بعدالة القضية الفلسطينية وتحرص على كرامة المواطن، أن تضطلع بدورها الطليعي في ملاحقة ومحاسبة الفاسدين وعزلهم وعرضهم على العدالة وكشفهم للرأي العام. لقد حان الوقت لمغادرة مربع الصمت والتواطؤ والتخاذل والتنكر للحقوق، ولتسقط كل الرايات والشعارات الفئوية التي تزرع الفتنة وتمس بكرامة الناس وقوت أطفالهم.
• النخب والمفكرون (الوعي السوسيولوجي): تقع على عاتق الأكاديميين والمفكرين مسؤولية التفكيك المعرفي لآليات الفساد، ومحاربة تغلغل ثقافته في الوعي الجمعي، وتقديم قراءات علمية كاشفة لزيف الشعارات والممارسات المؤسسية المشبوهة، مع صياغة بدائل وسياسات حوكمة مرنة تتلاءم مع ظروف الاستثناء والمعاناة المعيشية.
• النقابات والاتحادات (الضغط القانوني والمجتمعي): تمثل النقابات الأداة القانونية والتنظيمية لترجمة الوعي إلى قوة ضغط ملموسة على الأرض. ومن خلال موقعها الشرعي، يمكن للنقابات قيادة حراك "المساءلة الاجتماعية"، والضغط على المؤسسات للامتثال للنظم والقوانين، والمطالبة بتشكيل لجان رقابية وطنية مستقلة تفحص الأداء وتقيم الأثر وفق أرفع المعايير المهنية والأخلاقية.
خاتمة
من المحزن والمخجل حقاً أن ننشغل بالحديث عن الفساد الداخلي والمؤسساتي في وقت يدفع فيه شعبنا فاتورة باهظة من الدم والظلم والعدوان، في ظل غياب رؤية وطنية جامعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. إن تحصين الجبهة الداخلية وحماية المواطنين من المعاناة المركبة للنزوح والاستغلال ليس ترفاً فكرياً، بل هو خط الدفاع الأول عن كرامة المجتمع ووجوده.
إن إرساء معادلة حازمة تجمع بين الفهم السوسيولوجي لعمق الأزمة، والالتزام القانوني الصارم بقيم العدالة والحوكمة العابرة للمؤسسات المحلية والدولية، هو السبيل الوحيد لتفكيك تحالف المصالح الضيقة، وإعادة بناء مؤسساتنا على أسس من النزاهة الكفيلة بصون المجتمع وحفظ بقائه واستمراره في وجه العواصف العاتية.