النقابات العمالية والتنمية الصامدة والتحرر من القيد


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 18:19
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

تمثل الحالة النقابية الفلسطينية نموذجاً استثنائياً فريداً في السوسيولوجيا المعاصرة، نظراً لما تواجههُ من تحديات بنيوية ومتغيرات متسارعة فرضتها تداعيات حرب الإبادة المستمرة وانعكاساتها الوجودية على الطبقة العاملة. هذا الواقع المركّب يستدعي تجاوز الأطر النظرية الغربية الكلاسيكية، وصياغة مقاربات نقدية نابعة من خصوصية المعاناة الفلسطينية، تُعين العمل النقابي على إحداث اختراقات وتدخلات فاعلة، قادرة على الانتقال بالإنسان العامل نحو التمكين والصلابة، لاسيما في ظل شروط الاقتصاد الرقمي وتحديات الانعتاق من الحصار، وبما يؤسس لـ "التحرر من القيد" المفروض على الذات والإنتاج.
في هذا السياق، تبدو "نظرية التحديث" الكلاسيكية القائمة على مفاهيم الحداثة الغربية عاجزة تماماً عن تفسير أو تفكيك الواقع الفلسطيني؛ فهذه النظرية تفترض مساراً خطيّاً هادئاً للمجتمعات، وانتقالاً مرناً من الطور التقليدي إلى الطور الصناعي والرقمي في ظل سيادة الدولة واستقرار السوق. أما القراءة السوسيولوجية الواعية للواقع الفلسطيني، فتفرض علينا تبني منظور "سوسيولوجيا المقاومة والتنمية الصامدة" في إطار فكر "ما بعد الاحتلال " وتفكيك البنى الاستعمارية. فالبيئة الفلسطينية ذات الخصوصية الكولونيالية لا تواجه تحديات حداثة عادية، بل تواجه سياسات ممنهجة لـ "تثبيط التنمية"، والتدمير الشامل لبُنى الإنتاج، وفي قلبها الحركة العمالية والنقابية.
بناءً على ذلك، فإن الربط بين "النقابات العمالية" و"التنمية الصامدة" لم يعد محصوراً في النضال المطلبي التقليدي (الأجور وساعات العمل)، بل بات يتمحور حول مدى قدرة المؤسسة النقابية على قيادة استراتيجيات الصمود، وإعادة إنتاج المجتمع عبر الاستثمار في الإنسان باعتباره "رأس المال الاجتماعي" الأهم، وتحويل أدوات الاقتصاد الرقمي و"العمل عن بُعد" من مجرد مظاهر حداثية إلى أدوات للمقاومة الاقتصادية والسيادية البديلة الكفيلة بكسر قيود الحصار والتبعية.
ثنائية "اقتصاد الضرورة" وصدمات الواقع الفلسطيني
تكتسب هذه المقاربة السوسيولوجية النقدية أهمية قصوى في الحالة الفلسطينية، وتحديداً في ظل ما يعيشه قطاع غزة من تداعيات كارثية جراء الحصار المستمر وحرب التدمير الممنهج. في هذا السياق، نحن لا نتعامل مع سوق عمل طبيعي محكوم بقوانين العرض والطلب الكلاسيكية، بل نحن أمام بيئة مركبة تقوم على "سوسيولوجيا واقتصاد الضرورة والبقاء"؛ حيث يتحول العمل هنا من وسيلة لتحقيق الرفاه والارتقاء الطبقي إلى "أداة صمود، وبقاء بيولوجي، وحماية للتماسك المجتمعي من التحلل".
وحين تعمد آليات الاحتلال إلى تدمير البنى التحتية المادية، والمصانع، والمنشآت الاقتصادية، تتبخر الأشكال التقليدية للرأسمال المالي والفيزيائي. في هذه اللحظة الوجودية الحرجة، لا يتبقى للمجتمع سوى "رأسماله الاجتماعي والبشري" المتمثل في المهارات، المعارف، وشبكات التضامن والتكافل العضوي العابر للأزمات. من هنا، يبرز الدور التنموي المقاوم للمنظمات النقابية؛ حيث تخرج النقابات عن دورها النمطي المعتاد، لتقوم بدور ريادي في التنمية البشرية كركيزة للتعافي والنهوض بمتطلبات البقاء والتمكين المستدام من وسط الركام، متصديةً لسياسات تصفية الوجود الاقتصادي للفرد الفلسطيني.
الأدوار القيادية للنقابات: من الإغاثة الطارئة إلى الإنقاذ الاجتماعي والتعافي التنموي
في ظل هذه الأوضاع المعقدة، يتسع دور النقابات العمالية ليتجاوز الدفاع الحقوقي النظري، متمحوراً حول قيادة جبهة "الإنقاذ الاجتماعي" وإعادة إحياء سوق العمل المتهالك، وتحضير البيئة العمالية للمراحل القادمة من التعافي والتحرر الاقتصادي. ويتبلور هذا الدور عبر ثلاثة مسارات حيوية متكاملة:
1. الضغط لتطوير سياسات التدخل الإغاثي التنموي: تضطلع النقابات بمسؤولية وطنية واجتماعية تتمثل في ممارسة الضغط المنظم والتعبئة والمناصرة على الجهات الحكومية، والمؤسسات الدولية، والشركاء التنمويين لتطوير سياسات إغاثية لا تقف عند حدود "الإعالة"، بل تتسم بالعدالة والشمولية، وتستجيب للاحتياجات الأساسية الفورية للعمال وأسرهم الذين فقدوا مصادر رزقهم، ممهدةً الطريق لتشغيلهم واستعادة فاعليتهم الإنتاجية.
2. صناعة أدوات الإنقاذ الاجتماعي والتكافل العضوي: إن حماية النسيج المجتمعي من التحلل والانقسام نتيجة الفقر والبطالة غير المسبوقة يتطلب من النقابات ابتكار شبكات أمان اجتماعية ومبادرات تضامنية شعبية. يعني ذلك تحويل المقرات والبرامج النقابية إلى رافعات للدعم والتمكين، لحماية كرامة العامل وتعزيز صلابته النفسية والاجتماعية في مواجهة الكارثة، وعلى وجه الخصوص في مخيمات النزوح، ومراكز الإيواء، وأماكن تواجد العمال المختلفة.
3. التأسيس للتعافي وإعادة إحياء سوق العمل: لا تقف النقابة عند مربع التباكي على الأطلال، بل تمتد رؤيتها استشرافياً للمراحل القادمة كفاعل اجتماعي أساسي، وإن إحياء سوق العمل المدمر يتطلب خططاً عاجلة لإعادة دمج العمال، وفتح قنوات تشغيلية بديلة، وتوجيه الدعم اللوجستي والمعرفي لإعادة تشغيل المنشآت الصغيرة والتعاونيات الحيوية التي تقود قاطرة التعافي المبكر وتحد من التبعية الاقتصادية.
معايير التنمية البشرية: أدوات حاسمة لتطوير "مقدرات" الصمود العمالي
إن الانخراط الفاعل للنقابات في معركة الإنقاذ يتطلب تبني "معايير التنمية البشرية" كأدوات مرجعية وحاسمة لتطوير مهارات وقدرات العمال، وتمكينهم من انتزاع فرص البقاء والمنافسة، استناداً إلى مقاربة المقدرة البشرية التي تصقل أربعة مرتكزات أساسية:
• المعيار المعرفي والتعليمي (التعلّم المستمر وتحرير المهارات): تحويل النقابات إلى منصات لبناء المعرفة الرقمية والتدريب المستمر الذي يتجاوز التعليم المهني التقليدي (الذي دمر الاستعمار بنيته التحتية المادية) إلى مهارات الحاسوب، البرمجة، واللغات، والتفكير الإبداعي وحل المشكلات، وهي أسلحة عابرة للحدود بطبيعتها لتتجاوز قيود الواقع الفيزيائي.
• المعيار الصحي (الرعاية والصلابة النفسية والاجتماعية): تقديم برامج الدعم والمساندة النفسية والاجتماعية لتأهيل العمال والشباب للتعامل مع صدمات الحرب، وإعادة إدماجهم في عجلة الإنتاج بكفاءة وتوازن روحي ونفسي يعزز مناعتهم الجمعية.
• معيار مستوى المعيشة اللائق (عدالة الدخل ومناهضة الاستغلال): وضع أطر تشريعية ونقابية طارئة تحمي العمال في قطاعات العمل الافتراضية والمنصات المستجدة من الاستغلال، وتضمن لهم عائداً مالياً يكفل استقرارهم الأسري، ويعزز من قدرتهم الذاتية على البقاء دون الارتهان للمساعدات الخارجية المشروطة.
• معايير العمل اللائق كركيزة للتنمية البشرية: إيجاد قنوات فعالة لتوفير الحماية الاجتماعية الشاملة للعمال وتأمينهم من المخاطر المهنية والوجودية؛ بهدف الحفاظ على الإنسان العامل والارتقاء بواقعه نحو سوق عمل عادل يحفظ الكرامة الإنسانية، ويساهم بصورة حقيقية في التنمية والاستقرار الاجتماعي.
الاقتصاد الرقمي والعمل الحر كأدوات لكسر الحصار الجغرافي والسياسي
بناءً على معايير الضرورة والتعافي، تبرز التكنولوجيا، والعمل عن بُعد، والعمل الحر، واقتصاد المنصات الرقمية، في سياق ما بعد الاحتلال كأدوات حاسمة لـ "فك الارتباط بالجغرافيا السياسية الاستعمارية" المفروضة قسراً على قطاع غزة وفلسطين. إنها آليات لمواجهة تحديات انغلاق السوق المحلية والسيطرة على المعابر، عبر الانفتاح على فضاء العمل الافتراضي العابر للحدود.
إن تمكين الخريجين والعمال من أدوات الاقتصاد الرقمي هو استراتيجية نقابية واعية لخلق "ممرات اقتصادية رقمية آمنة وسيادية" تعبر الحدود المصطنعة، وتساهم بشكل مباشر في إحياء سوق العمل عبر محورين:
• أنسنة العمل الرقمي وإدماج النوع الاجتماعي التمكيني: تحويل "النوع الاجتماعي (الجندر) من مجرد تصنيف بيولوجي أو شعار تمويلي، إلى تفاعل اجتماعي وإنتاجي عادل، يتيح للمرأة والشباب الانخراط في سوق العمل الافتراضي بأمان، وبما يضمن تكافؤ الفرص، والاستقلال المالي، والتحصين من الهشاشة الاقتصادية.
• إعادة التأهيل السريع والمرن: تكييف برامج التدريب النقابي والمهني لتصبح برامج "تأهيل تقني عاجل وموجه" تخدم عمال الطوارئ، وعمال المنصات الرقمية، والمستقلين، بما يضمن تحسين مستويات دخلهم وتحقيق استقرارهم المهني في أوقات الأزمات الكبرى والصدمات المركبة.
نحو أدوار نقابية مرنة استجابةً لمتغيرات الحرب والصمود
إن ما يفسر التنمية والتعافي في مجتمعات الأزمات الوجودية هم البشر أنفسهم؛ فالعمال هم طاقة الفعل الحقيقية والفاعلون الاجتماعيون الأساسيون. لذلك، لا يمكن للحركة النقابية الفلسطينية أن تقف عند أدبيات العمل النقابي النمطية والمطالبة التقليدية التي صِيغت لمجتمعات مستقرة في بيئات غربية أو في حقب ما قبل عصر الاقتصاد الرقمي العابر للقارات، وما قبل أهوال الحرب الراهنة.
إن الاستنتاج الأساسي الذي نخرج به من قراءتنا السوسيولوجية لواقعنا المعيش هو: أن المرونة والاستجابة السريعة هما معيار بقاء المؤسسة النقابية وجدواها النضالية والمؤسساتية. على النقابات العمالية أن تبني استراتيجيات تدخل مرنة وتكاملية؛ تجمع فيها بين بالضغط لتقديم الإغاثة العاجلة لحماية الحياة في الميدان كأولوية قصوى، وبين التأسيس لمرحلة الإنقاذ والتعافي من خلال تنمية مَلكات العمال المعرفية والتكنولوجية العصرية التي تمكنهم من الإنتاج والاعتماد على الذات وكسر التبعية الاقتصاديّة.
خلاصة القول: إن تحويل العمال إلى طاقة عمل فاعلة وقادرة على دفع المجتمع للأمام، يتطلب منا نقابيين وأكاديميين أن ننظر إلى المعرفة والتكنولوجيا الرقمية لا كأدوات "تحديث وحداثة" مجردة، بل كـ أدوات مقاومة اقتصادية وبديل تنموي فرضه واقع الصدمات ومقارعة الحصار والعدوان للتحرر من قيد الارتهان والتعطيل. إن الاستثمار في رأس المال الاجتماعي الفلسطيني — بمعايير تنموية صامدة لإنقاذ الإنسان — هو الرهان الحقيقي تحقيق التعافي والنهوض من وسط الركام، وللتعويض عن الخسائر المادية الجسيمة، ليبقى العامل الفلسطيني، كما كان دوماً، طليعة الصمود، البناء، ومحرك التحرر والتنمية المستدامة.