إلهام مانع في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: افاق التغير الديمقراطي في اليمن, مساواة المرأة والمجتمع المدني العلماني


إلهام مانع
الحوار المتمدن - العدد: 3380 - 2011 / 5 / 29 - 13:38
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

أجرت الحوار: هيفاء حيدر
من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا – 53 - سيكون مع الأستاذة د..إلهام مانع  حول: افاق التغير الديمقراطي في اليمن, مساواة المرأة والمجتمع المدني العلماني.

1- مقومات الثورة – الرئيس صالح رفض التوقيع على المبادرة الخليجية، والإشتباكات إندلعت بين القوات الموالية لصالح وأنصار الشيخ صادق الأحمر. كيف تقرأين الوضع في اليمن اليوم؟

اليمن دخلت إلى منعطف خطير جداً. فالحديث هنا ليس عن حرب أهلية كتلك التي اندلعت في ليبيا بين الثوار من مناطق وجماعات وقبائل مستبعدة من السلطة وأنصار الرئيس القذافي. هنا نتحدث عن إشتباكات بين أطراف في النخبة الحاكمة فعلاً في اليمن. الرئيس صالح لم يتمكن من الوصول إلى السلطة في اليمن الشمالي عام 1978 إلا بدعم من شيخ مشايح قبائل حاشد الشيخ عبدالله الأحمر (والد الشيخ صادق الأحمر)، والذي توفي عام 2007. هذا الدعم كان حاسماً في معظم الأزمات التي مر بها الرئيس صالح، على سبيل المثال خلال الحرب الأهلية عام 1994، والتي تمكن صالح من حسمها لصالحه بفضل تحالف قبائل حاشد مع التيار السلفي الجهادي، الذي تزعمه الشيخ عبدالمجيد الزنداني.
لذلك أقول أن الوضع اصبح خطير جداً. نظام الرئيس على عبدالله صالح تمكن من التغلب على كافة الأزمات التي مر بها على مدى الثلاثة والثلاثين عاماً الماضية بسبب تماسك تلك النخبة الحاكمة ودعمها له. هذا التماسك تماماً كالدعم تلاشى مع إنشقاق صادق الأحمر ومعه الأخ غير الشقيق للرئيس على محسن الأحمر والشيخ السلفي عبدالمجيد الزنداني. ومع غياب هذا التماسك يمكن القول أن أركان النظام قد تخلخلت. ولأن الأزمة القائمة لا تقتصر على هذا الشق، بل تتعداه إلى قضية الجنوب (وإختلاف الأطراف الجنوبية في كيفية توصيف وعلاج القضية الجنوبية) ومأساة صعدة وقضية الحوثيين، إضافة إلى إستغلال تنظم القاعدة الإرهابي لغياب الدولة. فإن إمكانيات تمزق اليمن وإنهيار الدولة قائمة بشكل جدي.

2-عن أي دور لتحالف القبائل والتيار الديني بإمكاننا أن نتحدث في مسعى لقيادة مسار الثورة وتغيير أهدافها ,هل هناك خوف يمكن أن تحدثينا عن تفرعاته ضمن مجمل الأطياف المتفاعلة في ميادين وشوارع اليمن المنتفض اليوم؟
أنا في الواقع لا أنظر إلى القبائل من منطلق سلبي. القبيلة في اليمن قديمة قدم اليمن نفسها. لكن غياب الدولة (والعوامل كثيرة) هو الذي مكن القبائل من تولى أدوار سياسية ما كان يجب لها أن تتولاها. بل زاد الأمر واصبحت القبيلة هي الدولة. وأنا على قناعة أن سياسات الرئيس صالح تحديداً وإبتعاده عن مفهوم الحكم الرشيد هي التي أدت إلى تزايد وتعاظم دور القبيلة السياسية، وإلى إضعاف الدولة ومؤسساتها. ومثل هذا الواقع ليس قدراً لا يمكن تغييره. يكفي النظر إلى تجربة سلطنة عمان وقبائلها حتى ندرك أن هناك إمكانيات للتعامل مع القبيلة بطرق أخرى. هذه ملاحظة أولية.
ما يثير القلق في التطورات الجارية يتعلق تحديداً بإعلان رموز قبلية وعسكرية كانت من دعائم وركائز نظام صالح إنشقاقها عنه ودعمها لثورة شباب وشابات اليمن. وزاد الطين بلة هو إنسلاخ الشيخ السلفي عبدالمجيد الزنداني، وهو الذي لم ينكر يوماً علاقته بل وحبه لزعيم تنظم القاعدة الإرهابي إسامة بن لادن، إنسلاخه عن النظام ودعمه للثورة. فجأة أصبحوا كلهم "كارهين للفساد"، "محبين للشفافية"، "داعين إلى الديمقراطية"، "ومؤمنين بمفاهيم حقوق الإنسان". مثل هذا "الإنقلاب الفكري" يمكن أن نتوقعه خاصة وأن المسألة عندما تتعلق بهم تبدو كعملية "تصفية حساب" بين نخب حاكمة. لكن المشكلة أن انضمام هذه العناصر ودعمها لشباب وشابات الثورة غير من الدينامكية الخاصة بالثورة، أفقدها مقدرتها على المبادرة، واثار مخاوف الكثيرين في الخارج والداخل.


3-العمق الخليجي لليمن مر بمراحل جزر ومد وقضايا حسن الجوار لم تكن بأفضل حالاتها مع الرئيس اليمني ,ما نشهده اليوم من مبادرات خليجية معظمها لا يكتب لها النجاح ؟هل اسقط شباب الثورة من يد الرئيس الورقة الخليجية والدور الذي كان من الممكن ان يراهن الرئيس عليه وباتت خياراته تكاد تكون معدومة؟

شباب وشابات الثورة لم يقبلوا/ن بالمبادرات الخليجية في أشكالها المتعددة. هن/م يريدن تغييراً جوهرياً وخروج الرئيس الصالح وحمايته من المسائلة لم تكن مقبولة بالنسبة لهن/م. لكن عدم نجاح هذه المبادرات في رأيي لا يرتبط بشباب وشابات الثورة، بقدر ماهو مرتبط بالرئيس صالح نفسه ومناوراته. فالمتابع لسلوك الرئيس صالح السياسي في أوقات الازمات على مدى الثلاثة والثلاثين عاماً الماضية يدرك أنه يمارس لعبة البقاء بمهارة. التوقيع على المبادرة والخروج من اليمن لم ولن يكون هدفاً له. الفترة الماضية كانت ضرورية لتهيئة الأرضية للمواجهة مع خصومة. والتصعيد من قبل الرئيس صالح كان متعمداً. هو على قناعة أنه قادر على حسم هذه "المواجهة" لصالحه. لكني اخشى أنه قد تسرع في قراءة أوراقه.
 

4-كيف تقيمين تأثير الثورات والانتفاضات التي تعم العالم العربي على تعزيز قيم الديمقراطية والعلمانية وبناء المجتمع المدني الديمقراطي؟ ووفقا ذلك كيف ترين مكانة ودور القوى الديمقراطية و العلمانية فيها؟

على القوى الديمقراطية والعلمانية أن تستيقظ من سباتها وان تبدأ في الإعداد للمرحلة القادمة. فالمرحلة القادمة خطيرة وستحدد مصير مستقبل مجتمعاتنا ودولنا القادمة. الثورات والإنتفاضات التي تعم دول المنطقة أظهرت للعالم بأسره أن شعوب المنطقة تتطلع إلى أنظمة ديمقراطية، تتمتع بالشفافية ، وتوفر مستقبلاً وحياة كريمة لأبناءها وبناتها. وقد أجمع المراقبون في المرحلة الأولى من بعد إسقاط نظام الرئيس زين العابدين والرئيس حسني مبارك على أن القوى الإسلامية لم يكن لها دور في هذه الثورات. إسقاط الرئيسين تم. لكن تغيير النظام لم يحدث بعد. وإقامة نظام ديمقراطي هو عملية معقدة ستأخذ سنيناً طويلة. والمحك هو في نهوض القوى الديمقراطية والعلمانية في كل دولة والتنسيق فيما بينها كي تتمكن من توجيه مدار الأحداث بصورة تحترم مفاهيم المواطنة المتساوية، وحقوق الإنسان والمرأة، ومدنية وعلمانية الدولة. الشيء المؤكد أن القوى الإسلامية في المنطقة بسبب تجربتها في العمل الحزبي هي الأكثر تنظيماً حالياً، وهذا ما نراه الآن تحديداً في تونس و مصر. والمشكلة أن هذه القوى لم تحدد موقفاً واضحاً من مفهوم المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان والمرأة، هذا عدا أنها ترفض علمانية الدولة. ومادامت هذه هي مواقفها فإن مقدرتها على التنظيم قد تعكس نفسها على طبيعة الأنظمة القادمة. من هنا تأتي أهمية إستيقاظ القوى الديمقراطية والعلمانية وإداركها أن المرحلة القادمة تتطلب منها تظافر جهودها والتنسيق فيما بينها، كي لا تترك الساحة خالية.

5-غيرت ثورات اليوم نمط السؤال عن دور المرأة كونها فرضت نفسها كجزء من حركة التغيير الاجتماعي ,هل ثمة نهوض نوعي ستشهده منطقتنا العربية في المستقبل على صعيد المرأة ومكانتها ومساواتها الكاملة؟

لست متفائلة. بالطبع المرأة كانت شريكاً اساسياً في الثورات التي حدثت في المنطقة، وخروجها للمطالبة بالتغيير غير كثيراً من الصور النمطية السائدة في الخارج. المرأة كانت دوماً فاعلة في مجتمعاتنا، حتى ولوكان التمييز ضدها ممأسساً في قوانين أحوال شخصية وغيرها. بيد أن التاريخ يظهر أن مشاركة المرأة في الثورات لا تعني حتماً إنعكاس ذلك بصورة إيجابية على واقعها فيما بعد. رأينا ذلك في مشاركة المرأة المصرية في ثورة 1919 ثم تراجع القوى الوطنية (من الذكور) عن منح المرأة حقها في التصويت في دستور 1923. رأينا ذلك ايضاً في الكويت بعد مشاركة المرأة في مقاومة الإحتلال العراقي عام 1990، وعدم منح المرأة حق التصويت إلا بضغوط تكللت بقرار اميري عام 1999 ثم بتصديق من البرلمان لم يحدث إلا عام 2005. وإذا ما عدنا إلى المرحلة الراهنة هناك مؤشرات عديدة تظهر ان الطريق سيكون شاقاً. على سبيل المثال ماحدث في الثامن من مارس الماضي في مصر عندما خرجت من المصريات مع رائدات نسائيات للمطالبة بالحقوق المتساوية للمرأة، وما تعرضن له من ضرب وإهانة، واتهامهن بأنهن يدافعن عن مبادي "غربية"، إضافة إلى الهجمة الشرسة التي تتعرض لها مجلة الأحوال الشخصية في تونس، وهي من أفضل القوانين الأسرية المتواجدة في المنطقة بأسرها، كل هذا يظهر أن المرحلة القادمة ستكون صعبة. وان على القوى العلمانية والديمقراطية أن تقف صفاً واحداً للدفاع عن مباديء المساواة، وترجمتها في قوانين تحترم الإنسان، ذكراً كان أو أنثى، في الأنظمة القادمة.