عن اليمن أكتب


إلهام مانع
الحوار المتمدن - العدد: 6589 - 2020 / 6 / 10 - 13:45
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية     



أعكف هذه الأيام على كتاب جديد. وتحديداً عن الحرب الأهلية اليمنية، جذورها الداخلية واطرافها الإقليمية.
لعل الجائحة هي التي دفعتني إلى التفكير في البدء في هذا الكتاب. ومعها طلابي وطالباتي في مادة أدرسها عن اليمن.
كففت عن السفر، فأتسع الأفق للتفكير. فسحة للتنفس. دون عجلة.
ماذا تريدين فعله الان؟
وجدت نفسي افكر في اليمن. وطني الأول. ذاك الذي احبه، متيمة به، رغم انه يخنقني.
وتذكرت إحساسي بالعجز أمام ما يحدث في اليمن. حرب أهلية طاحنة. وشعب اليمن وقودها. والإنسان فيها يذوب ويتلاشى.
ورغم ذلك الخير في اليمن باق. الإنسان فيها يصر على البقاء رغم الطوفان.
هل تعرف عزيزي القارئ ان العاملين والعاملات في جامعة صنعاء لم يستملوا/ن راتباً منذ اكثر من أربعة سنوات؟ ورغم ذلك تستيقظ أستاذة مثل انطلاق المتوكل كل يوم عمل، تعد نفسها، وتذهب لأداء واجبها التعليمي. دون أجر! وغيرها مثلها. الأسبوع الماضي قامت حملة لتسليط الضوء على هذه المشكلة، تطالب بدفع رواتب من يعمل بلا راتب!
كم من من طبيب وطبيبة واجها الموت في هذه الجائحة؟ مِنهمُا القادرُ على السفر. لكنها تبقى. لكنه يبقى. يصران على البقاء في اليمن.
وغيرهما كثر. يعملون ويعملن بصمت.
وإذا كان الفساد وتناحر الفرقاء هو ما نراه ونسمعه في الأخبار يوميا، فإن التلاحم بين أهالي الحارات، من لديه اللقمة يقسمها مع من حوله، هذا التلاحم، هذا الخير يغيب عنا في متاهات الأخبار.
لم تغب اليمن يوما عني. لكن الحرب قتلتني رغم بعُدي.
جاءت الجائحة، ومعه السؤال من جديد. ماذا تريدين فعله الآن؟
خلال هذه الفترة، وتحديداً في فترة الإغلاق، بدأت اقرأ كل ما كتب باللغة الإنجليزية والألمانية عن اليمن في الفترة الأخيرة. استخدم بعض منها في تدريس مادتي عن اليمن. من باحثات وباحثين أحبوا اليمن وكتبن عنها في وقت يشيح المجتمع الدولي عن أزمتها.
في كل محاضرة كنت اسأل طلابي وطالباتي عن المادة المحددة للقراءة. عن تقييمهم وهن لها. صعب أن تُّدرس عن اليمن وتُوصل التعقيد الذي فيها. والاصعب أن تجد مرجعاً يتناول بين دفتيه الجانبين الداخلي والإقليمي معاً، بصورة متوازنة وبحثية موضوعية.
أسئلة طلابي وطالباتي دفعتني إلى التفكير في ذلك المرجع.
في بداية الحرب، جاءت لي فرصة للكتابة عن اليمن. دعوة من دار نشر بريطانية اكاديمية معروفة. وتراجعت. التأني افضل في هذه الحالات. مرت علي أوقات تسألت فيها إن كنت أخطأت في تراجعي. فالكتب كثرت في هذه المرحلة. لكن الوقت اظهر لي ان التأني افضل فعلاً في هذه الحالات. اليمن في بداية الحرب غيرها اليوم. جذورها الداخلية لا زالت قائمة مع تشرذمها، لكن إطارها الإقليمي تغير.
ومع الصمت الذي حط مع الوباء، وأسئلة طلابي وطالباتي، اتضحت الصورة.
الحرب لا محالة ستتوقف. وعندما يتوقف الرصاص عن الحديث سيكون علينا أن نبحث عن مخرج.
نبني الجسور التي هدمناها بالكراهية، نخلق الثقة بعد أن دمرناها. نبني الإنسان بعد أن مزقناها اشلاءاً.
والتحدي هو السلام. يتطلب تخطيطاً ودراسة وتنفيذاً كي يكون مستديماً.
يتطلب سيناريوهات للمستقبل.
وفي هذا المجال، يمكنني أن اساهم.
بالقلم ، بالبحث، بالدراسة.
خرجت من الجائحة وانا مدركة لما سأفعله.
لن أقول يا حسرة الاحلام.
لن أقول يا حسرة الآمل.
لن أقول يا حسرة الوطن.
بل سـأخلق الحلم، أبنيه، بالبحث والدراسة.
سأجرؤ على الأمل رغم اليأس المستشري.
وسأكتب.
سأكتب عن اليمن.