|
|
من تفكيك سينما-موبيوس- إلى تشريح أزمة الوعي الشرقي
كفاح الزهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 11:59
المحور:
الادب والفن
"صمت السينما وصراخ المأساة": في صمت السينما يصرخ الجسد، وفي غياب الحوار يتعرى الوعي الشرقي من أقنعته. شاهدتُ فيلماً كورياً دراماتيكياً يجسد عبقرية المخرج "كيم كي-دوك" في أبهى صورها؛ وهو فيلم "موبيوس" (Moebius). إنه عمل سريالي صادم، يتخلى فيه المخرج عن الحوار تماماً ليجعل من لغة الجسد والعنف الصامت أداة لتفكيك العقد النفسية والأسريّة. تدور أحداث الفيلم في حلقة مفرغة (تجسيداً لشريط موبيوس الرياضي) تنتهي بفناء العائلة انتحاراً، لكن لفهم هذه المأساة، يجب العودة إلى الخطيئة الأولى واللحظة الصادمة التي أسست للذنب المشترك ودمرت هذا الكيان بالكامل.
تبدأ المشكلة الأساسية من خيانة الأب لزوجته مع عشيقة، لكن الحبكة النفسية الأعمق تتجلى في حضور الأم والإبن معاً في مسرح هذه الجريمة الأخلاقية. فالأم لم تكتشف الخيانة مصادفة، بل كانت حاضرة في الطرف الآخر تشاهد الحادثة بعينها ومن مسافة صفر. وتتخذ المأساة بعداً نفسياً شديد التعقيد عقب انتهاء العملية الجنسية بينهما؛ حيث تقرر الأم الانتقام. لكن قبل أن تهاجم زوجها الخائن، تنظر وعيناها مملوءتان بالدموع وخيبة الأمل من شق الباب لتجد ابنها المراهق متأثراً بالمشهد ويمارس العادة السرية. تلك الحركة أورثت الأم يأساً قاتلاً وصدمة في امتدادها ونسلها؛ إذ أوعزت إليها أن ابنها يشبه والده تماماً، وأنه ورث ذات الشهوة وبدأ يشرعن الخيانة ويتلذذ بها بدلاً من الانتصار لمظلومية والدته. هذا التداخل المرضي فجّر غضباً سادياً لا يمكن كبحه؛ وحين توجهت لزوجها وفشلت في النيل منه بسبب مقاومته العنيفة لها، نقلت جام غضبها فوراً إلى الابن؛ إذ رأت فيه "النسخة البديلة" المتاحة لرجولة الأب الخائن، فقامت بقطع عضوه التناسلي فيما كان يغطّ في نومٍ عميق كعقاب بيولوجي ونفسي يبتر سلالة الأب وغريزة الابن التي ولدت مشوهة خلف الباب. هذا يوضح كيف يتحول عجز الكبار عن مواجهة خطاياهم إلى رغبة عمياء في تدمير أقرب الناس وهم في حالة استسلام تام.
يتصاعد التوتر الدرامي من خلال تتابع متقن للمشاهد يكشف حجم المعاناة الجسدية والنفسية للشاب؛ حيث يظهر لأول مرة بالسيارة برفقة والده، ويطلب منه الذهاب إلى مرحاض عام. بينما ينتظر والده في السيارة. هناك، وأثناء محاولته التبول، يصاب شخص آخر بالدهشة والذهول حين يرى الشاب المخصي يتبول على بنطاله عاجزاً عن التحكم بجسده المبتور. يخرج الابن إلى الشارع مذعوراً ليتفاجأ بقدوم زملائه في المدرسة حين يحاولون نزع بنطاله قسراً لتوثيق عاهته والشهادة على أنه خصي.، وهنا يتدخل والده لانتزاعه وحمايته من تنمرهم بضربهم في أول الأمر، تعود مجموعة الأطفال لتركل الأب وتهينه أمام ابنه، في سحق تام لرمزية "الأب الحامي"
يأتي بعد ذلك مشهد الإغواء المحوري؛ حيث يلتقي الابن بعشيقة الأب في متجرها، وهي تحاول التودد إليه وجذبه نحوها بفتح أزرار فستانها كاشفة عن صدرها، فيتقدم الابن ويلامسها بغريزته المراهقة. لكن الحبكة تتعقد في المشهد التالي؛ حين يعود الابن لمتجر العشيقة ويقف بالداخل لبرهة، ليظهر التلاميذ مجدداً ويقوم أحدهم بالنقر على زجاج الباب. يخرج الابن مسرعاً من المتجر خشية أن يفضح الزملاء سره وعاهته أمام العشيقة التي بدأت تتودد إليه. وفي الشارع، يلاحقه زملاؤه ويحاولون نزع بنطاله قسراً مرة اخرى للشهادة على أنه خصي، وفي هذا الوقت، تتدخل عصابة من المجرمين لإنقاذ الابن من نفس المجموعة، وهي لفتة سيكولوجية بالغة الذكاء من المخرج؛ فالعصابة لا تتحرك بشهامة، بل لفرض سيطرتها واستقطاب الضحية الأضعف.
هذا الموقف جعل الابن سيكولوجياً أقرب إلى العصابة وأبعد عن الأب؛ فالعصابة مكنته من الحماية التي عجز عنها والده والمجتمع. وهنا يطرح المخرج قانوناً اجتماعياً خطيراً: حين يفتقر المجتمع إلى الأدوات المتاحة لحماية الأفراد، يُدفع هؤلاء قسراً إلى اللجوء لأشخاص خارج إطار القانون بحثاً عن الأمان. هذا الإنقاذ البديل كان فخاً وتمهيداً درامياً غرضه دمج الابن في وكرهم، ليتحول "المنقذ" لاحقاً إلى "جلاد" يجر الشاب إلى مستنقع الجريمة (الاغتصاب).
المحطة التالية التي عمّقت الكارثة هي لحظة الاعتداء الوحشي الأصلي على عشيقة الأب. فبينما كان الشاب المراهق يتواجد في مسرح الجريمة مع تلك العصابة التي أنقذته سابقاً، أُجبر على المشاركة في الاعتداء الجماعي على العشيقة. لم يكن دافع الشاب هنا هو "الشهوة"، بل كانت محاولة بائسة ومذعورة منه لإخفاء عاهته (أنه خصي) والمحاكاة الجسدية أمام الآخرين الذين حموّه بالأمس، خشية أن ينفضح أمره أمامهم. لكن العشيقة –بسبب صدمة الاعتداء والذعر الأعمى– لم تدرك هذا النقص، بل اعتبرته شريكاً كاملاً في الجريمة وبلغت عنه الشرطة. هنا يتدخل الأب مجدداً لإنقاذ ابنه من السجن، لكنه "يجعل الطين بلة" حين يؤكد للشرطة علناً أن ابنه خصي ولا يمكنه القيام بذلك، ليتسبب في فضح سر ابنه الطبي والنفسي ويسحق كبريائه تماماً أمام المجتمع.
إن الضحية الحقيقية في الفيلم هو الابن؛ مراهق بسيط وهادئ بالفطرة، يكتشف غريزته الطبيعية تجاه الجنس الآخر، لكنه يقع ضحية لـ "شيطنة" الكبار وتصفية حساباتهم المريضة. وتتجلى قسوة المجتمع في مشهدين جوهريين: تفرج السلطة: عندما يحاول الأب تبرئة ابنه بكشف عورته ونقصه أمام رجال الشرطة، تثور أعماق الابن دفاعاً عن كرامته المهدورة عبر ركلات يائسة لوالده، بينما يقف رجال الأمن متفرجين، في إشارة لإدانة بلادة المجتمع واستعراضه للفضائح. عجز المنظومة الإصلاحية: يظهر ذلك في مشهد إطلاق سراح المغتصب الحقيقي (فرد العصابة) وعودته لمزاولة جرائمه، وهو نقد لاذع للقوانين التي تفشل في إعادة تأهيل الجناة، بل تعيد تصديرهم ليفترسوا ضحايا جُدد
المحطة التالية في كسر القوى تظهر عقب خروج رئيس العصابة من السجن وازدرائه السابق للابن. هنا، يبرز تحول درامي عميق عندما تستدرج العشيقة رئيس العصابة إلى مهجعها، ليس استسلاماً، بل بغية الانتقام لنفسها وللابن معاً. وفي خطوة تماثل صدمة البداية، تقوم بقطع عضوه التناسلي لتجريده من غطرسته وقوته الذكورية السامة، وتشرع في السيطرة عليه بالكامل وتحديد الطريقة التي ينال بها شهوته تحت شروطها. في الأمس كانت ضحية مستسلمة، واليوم يدفع الجلاد المتغطرس ثمن تصرفه اللاأخلاقي وتتحول هي إلى متحكم بمسار الألم واللذة.
عقب هذا القطع، يتدخل الابن المراهق في مشهد بالغ الرمزية؛ حيث يخطف العضو المقطوع ويفر به مسرعاً في محاولة يائسة وبائسة لامتلاكه واستعادة رجولته ونقصه الجسدي. يلاحقه رئيس العصابة دون جدوى، لتكون الكلمة الأخيرة لـ "عجلات السيارات المادية" في الشارع والتي تسحق تلك القطعة تحتها مبددة أحلام الشفاء، ومؤكدة على أن العنف لا يولد إلا عدماً وفناءً كاملاً.
يتردد رئيس العصابة على متجرها خاضعًا ذليلًا، راغبًا في الحصول على اللذة الجنسية. حال دخوله، تغرس السكين في كتفه اليسرى، وتهزها من قبضته بينما يقف المراهق خلفه ممسكًا به لتثبيته، فيما تتصاعد نشوته الوهمية بتنهدات ممزوجة بالألم. أثناء هذا الطعن، يقوم المخرج بتركيب مشهد غاية في الرمزية السيكولوجية؛ إذ تحضن العشيقة رئيس العصابة المخصي، وتضاعف الألم بتحريك السكين في كتفه، ثم تضع حنكها على كتفه ليصبح وجهها مقابل وجه الابن الذي يقف خلفه. هنا تلتقي عيون الابن والعشيقة، وتتلامس أنوفهم وشفاههم بلمسة خفيفة، في لقطة تعلن بوضوح أن معاناتهم باتت متداخلة ومتلاحمة، وأنهم حققوا انتصارًا مشتركًا وسحقوا الطاغية الذي انتهك كرامتهم بالأمس، ليدفع المتغطرس ثمن تصرفه اللاأخلاقي ويتحول من جلاد إلى ضحية خاضعة لشروطها السادية.”
استخدم المخرج بذكاء شديد نفس الممثلة لتقوم بدوري "الأم" و"العشيقة" في آن واحد، وهي لفتة سيكولوجية عميقة ترمز لتداخل أدوار الرغبة والعقاب. فمن ناحية، يبرز مظهر الانتقام والمحاكاة عندما تقوم الأم بممارسة الخيانة كنوع من الرد بالمثل على زوجها، حيث عرضت نفسها على ابنها تحت الغطاء ممرغة كبرياء الأب في التراب. هذا التشابه الجسدي جعل الابن يعيش في حالة تشتت وضياع كامل بين الأم التي عاقبته بقطع رجولته، وبين العشيقة التي ينجذب إليها. وهنا تبرز الفكرة الأكثر عمقاً في الفيلم؛ حيث يتجلى الابن كضحية مطلقة لصراع مرير بين والدين عاجزين تماماً عن مواجهة أخطائهما الشخصية والاعتراف بفشلهما، وبدلاً من مواجهة الذات، يصبان جام غضبهما وساديتهما على ابنهما الأعزل. هجوم الأب الهستيري بالسكين في النهاية لم يكن سوى محاولة لـ "إبادة" هذا الشاهد البريء الذي تجسدت فيه كل خطايا الكبار.
يطرح الفيلم سؤالاً فلسفياً: هل قطع الأعضاء أو ممارسات التشويه والتعذيب الجسدية تحرر الإنسان من خطيئته؟ الإجابة هي (لا) قاطعة، فالخطيئة تكمن في الوعي لا في الجسد. وفي المشهد الأخير، يحمل الابن السكين ويتوجه نحو تمثال بوذا، ليرمي السكين في النهاية معلناً نبذ العنف الذي لا يجر إلا الدمار النفسي والجسدي. وهنا تبرز رمزية مادية عميقة؛ فالشاب يبحث عن التمثال في الظلام ولا يجده إلا بعد إسقاط ضوء المصباح المادي. هذا يثبت أن الأفراد عندما يعجزون عن حل معضلاتهم الواقعية يهربون نحو الروحانيات الغيبية التي لا تملك حلولاً ملموسة، فالنور الحقيقي الذي يكشف الحقائق ويقشع الظلام هو نور العلم والمعرفة المادية، الذي اخترعه عالم مادي وليس فكراً صوفياً. ينعكس هذا التحليل السينمائي بشكل مباشر على واقعنا الشرقي والعربي؛ حيث يعاني المجتمع من غياب التفكير النقدي وسيطرة "الوعي العاطفي والروحاني الجاهز". يتجلى هذا التسطيح في الاستهانة بالبحث والتمحيص، حيث ينساق العقل الجمعي فوراً خلف الأخبار الزائفة والصور المفبركة لمجرد أنها تثير مشاعره، لتتحول منصات التواصل إلى ساحات لتفريغ الإحباطات عبر سيل من الانتقادات اللاذعة دون التثبت من الحقيقة. ويتقاطع هذا تماماً مع مأساة الفيلم؛ فعندما تتقاعس مؤسسات الوعي والدعم عن حماية "البسطاء"، يقع المجتمع في شباك سلطات الجهل والجريمة البديلة.
إن النجاة من هذه الدوائر المفرغة من الجهل والعنف والتبعية تكمن في إعادة بناء الإنسان من الجذور. يبدأ الإصلاح الحقيقي بتأهيل المجتمع بدءاً من الروضة والمدرسة، وتغيير المناهج التعليمية لترسيخ الفكر النقدي والمنهج العلمي التجريبي. يترافق ذلك مع إلغاء كافة أشكال الضغط والترهيب النفسي في المدرسة والبيت؛ فالعائلة السليمة والصالحة المبنية على الحوار والأمان هي النواة الوحيدة القادرة على إنتاج مجتمع صالح، نقي، ومستنير بنور الوعي الحقيقي.
"ما لم نكسر حلقة العنف والجهل، سنظل ندور في دائرة موبيوس بلا نهاية"
#كفاح_الزهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أقفاص الكلمات
-
جذور الحقيقة
-
دمعة في مطر
-
حين يتنفس الصمت
-
انفاس في زمن الصدأ
-
سقوط الورقة الأخيرة
-
سقوت الورقة الاخيرة
-
امتحان الحقيقة
-
حين يصبح الوهم يقينًا
-
بيت لا نافذة له
-
زنزانة الذاكرة
-
اللحاف المنسوج
-
السفهاء يحكمون
-
نداء الخلايا
-
وميض في العتمة
-
وهج لا ينطفئ
-
حين يهمس الموت
-
الوميض الذي أطلق الجرح
-
نبض على حافة الغياب
-
مرآة الغروب
المزيد.....
-
مختبر الأفكار.. كيف تصنع الكتابة التفكير وتكشف حقائق ذواتنا؟
...
-
ديمة قندلفت تخوض -كواليس-.. حكاية غامضة بين الصحافة وعالم ال
...
-
طرابيش ومكابس ورق.. فنان فلسطيني يوظّف أدوات يومية في صورغير
...
-
حكايات شعوب روسيا تتحول إلى مسلسل رسوم متحركة جديد
-
-موسكونسيرت- تختتم احتفالاتها بالذكرى الـ95 بحفل في قصر الكر
...
-
من الخرافة إلى رمز الأولمبياد.. كيف أصبح الدب وجها لروسيا؟
-
-وقال (ت) نسوة في المدينة- تقتنص جائزة يحيى الطاهر عبد الله
...
-
-النورس- يحلّق من جديد.. تشيخوف برؤية مسرحية مختلفة في بطرسب
...
-
لإضافة اسم ترمب.. مجلس إدارة مركز كينيدي يلتف على القضاء ويع
...
-
غدا السبت .. افتتاح مهرجان القلعة الدولى للموسيقى
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|