أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عدي حاتم - تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب السيادة















المزيد.....

تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب السيادة


عدي حاتم

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 00:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إذا كان مقياس احترام الشعوب يُقاس بمدى وفائها لضحاياها، فإن الحديث عن تشييع جثمان علي خامنئي في العراق يمثّل، في نظر الغالبية العظمى من العراقيين، إساءة أخلاقية ووطنية بالغة. فهو يصطدم مباشرة بذاكرة جماعية تنزف جراح أربعة عقود من حروب وصراعات وإرهاب، ويُقرأ كإهانة صريحة لكرامة الشهداء وللسيادة الوطنية التي ما زالت ترزح تحت وطأة النفوذ الخارجي.
منذ الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، تلك الملحمة الدامية التي كانت الأكثر تكلفةً في تاريخ الشرق الأوسط، ترسّخت في الوعي العراقي قناعة راسخة بأن القيادة الإيرانية، بدءاً بالخميني وصولاً إلى خامنئي، كانت شريكاً أساسياً في معادلة الاستنزاف والدموية. فخامنئي، الذي كان إلى جانب الخميني في قلب صناعة القرار، حمل جزءاً كبيراً من مسؤولية إراقة دماء مئات الآلاف من العراقيين، تحت شعارٍ خدّاع رفعه الخميني في ثمانينيات القرن الماضي: "طريق تحرير القدس يمر من كربلاء". شعارٌ براقٌ أخفى خلفه واقعاً موجعاً من القتل والتشريد، وحوّل أرض العراق إلى ساحة اختبار لمشروع إقليمي طموح.
ولم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة؛ بل تركت في النفوس جراحاً غائرة لا تزال تنزف في الذاكرة الجمعية، وتتوارثها الأجيال حكاياتٍ من لهيب النيران ودماء الشهداء. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحدّ، بل امتدّ إلى عقود تالية أكثر تعقيداً. ففي التسعينيات، يُوجّه الاتهام إلى خامنئي بالتواطؤ مع نظام صدام حسين ونجليه عدي وقصي في تهريب النفط العراقي، وإيداع عوائده في حسابات خارجية موزعة بين روسيا وفنزويلا والبرازيل والأرجنتين ودول أخرى. وتشير رواياتٌ متواترة إلى أن مجتبى خامنئي، نجله ووليّ الفقيه الإيراني الحالي، كان يشرف على عمليات نهب وبيع هذا النفط بأسعار متدنية، على أن تقسّم الأرباح بنسبة الثلث له والثلثين لعائلة صدام. أفعالٌ من شأنها أن تعزّز صورة خامنئي كطرفٍ ساهم في إذلال العراق اقتصادياً وتفكيكه سياسياً، وكأنه كان يلعب على الحبلين معاً.
وبعد عام 2003، ورغم أن إيران فتحت أجواءها للطائرات الأمريكية لتسهيل إسقاط نظام صدام، إلا أن طهران بادرت، مباشرة وبشكل ممنهج، إلى تأسيس مليشيات وجماعات مسلحة عزّزت نفوذها الإيراني وجعلته يتعاظم داخل الدولة العراقية الناشئة. وقاد النظام الإيراني بقيادة خامنئي، بالتنسيق مع نظام بشار الأسد، جهوداً حثيثة لتقديم الدعم والتدريب والتمويل لخلايا القاعدة، وتنسب إليه اتهامات خطيرة تتعلق بدعم تأسيس تنظيم القاعدة في العراق بزعامة أبو مصعب الزرقاوي، بالتناغم مع بن لادن والظواهري، وتحويل الأراضي الإيرانية إلى ممرٍ آمن لعناصر القاعدة القادمين من أفغانستان، وتدريبهم في معسكرات كرمنشاه قبل إرسالهم إلى العراق.
كما أُوكل إلى الجنرال قاسم سليماني مهمة بناء المليشيات وإشعال الفتنة الطائفية، فتحوّل العراق إلى قطعة من الجحيم، وراح ضحيتها مئات الآلاف، وغرق البلاد في دوامة عنفٍ طائفي وإرهابي لا تزال تداعياتها تعصف بالنسيج الاجتماعي العراقي. ولا تقتصر الاتهامات على ذلك، بل تشمل حملات اغتيال ممنهجة طالت آلاف العلماء والطيارين والأطباء والكفاءات العراقية، بفتاوى ولائية وأوامر مباشرة.
وأكذب ما روّجته الأحزاب والمليشيات الموالية لولاية الفقيه الإيرانية في العراق، هو الادعاء بأن طهران هي من ساعدت العراق في التحرّر من تنظيم داعش، الذي نشأ أصلاً من رحم "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" بزعامة أبو مصعب الزرقاوي، الذي كان مدعوماً من طهران؛ فعندما كان يشتد عليه ضغط القوات العراقية والأمريكية، كان يلوذ بالاختباء في إيران فتراتٍ من الزمن. وتؤكد وثائق وزارة الدفاع الأمريكية أن الزرقاوي تلقى العلاج مرتين في مستشفيات خاصة تابعة للحرس الثوري الإيراني، وهو ما يفضح زيف الرواية الإيرانية ويكشف التناقض الصارخ في سلوك طهران.
وكان نوري المالكي، رجل إيران الوفي، يشغل منصب رئيس الوزراء حين اجتاح تنظيم داعش الموصل عام 2014، في مشهدٍ مهين أظهر هشاشة الدولة وانكشافها. أما أهم قائدين في الحرس الثوري، الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، فكانا يديران بحكم الأمر الواقع وزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة الأمنية الحساسة الأخرى، كالأمن الوطني والمخابرات، وكأن العراق أصبح محافظةً إيرانيةً بامتياز. واستغلت إيران الحدث لترسيخ نفوذها على كامل الجغرافيا العراقية، ونجحت في فرض سيطرتها على المحافظات الغربية التي لم تصلها قبلاً، وكأن داعش كان مجرد ذريعة لتوسيع النفوذ، لا عدواً يجب القضاء عليه.
والحقيقة الناصعة أن النصر على داعش هو نصر عراقي خالص، والدماء التي سقطت هي دماء عراقية زكية من القوات الأمنية والمتطوعين الذين هبّوا للدفاع عن وطنهم، أما دور إيران وميلشياتها فلم يكن إلا الوصول إلى المناطق بعد تحريرها، والادعاء كذباً بأنهم من حرّرها، وتم الترويج لهذه الأكذوبة عبر القنوات ووسائل الإعلام التابعة للمليشيات والأحزاب الموالية لطهران، في تضليلٍ مقصود للرأي العام، وطمسٍ للحقيقة، وسرقةٍ للتضحيات العراقية.
ولن ينس الشعب العراقي، وشيعته على وجه الخصوص، دماء الآلاف من أبنائه الذين قتلوا بفتوى من خامنئي نفسه، حين أفتى بالقضاء على ثورة تشرين عام 2019 وإخمادها بقوة السلاح وعمليات الإبادة المنظمة، رغم أن غالبية الشباب الذين أشعلوا الثورة هم ممن شاركوا في الحرب ضد داعش، أي أنهم نفس الأيدي التي قاتلت الإرهاب، فوجئت بأن من يفتي بقتلها هو من ادّعى نصرتها! إنها مفارقة مرة تكشف حجم التلاعب بمصائر البشر، وتجعل الدم العراقي رخيصاً في ميزان المشروع الإيراني.
ويرى الغالبية الساحقة من العراقيين أن كل قطرة دم عراقية سالت منذ 2003 تعود بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى سياسات خامنئي ونفوذ إيران الموسع. هذا النفوذ أنتج دولةً ضعيفة السيادة، ومؤسساتٍ منقسمة، ومجتمعاً منهكاً، وأحال القرار العراقي رهينةً لضغوط خارجية، وخلق واقعاً يُفسر فيه تكريم شخصية مثل خامنئي على أرض العراق دليلاً على غياب الكرامة الوطنية وسقوط هيبة الدولة.
فالدولة التي تحترم نفسها لا ترفع شعارات السيادة فقط، بل تجسّدها في قراراتها وأفعالها؛ فالسيادة ليست خطاباً، بل موقفاً، وليست شعاراً، بل سلوكاً، واحترامها يبدأ باحترام ذاكرة الوطن وتضحيات أبنائه. أي خطوة تُفسر كتكريم لرمز يحمّله كثير من العراقيين مسؤولية دماء الشهداء ستثير انقساماً عميقاً، وستُهين مشاعر ذوي الضحايا، وستفتح جراحاً ظنّ كثيرون أنها اندملت.
على القضاء العراقي، إن أراد إثبات استقلاله ونزاهته، أن يعامل الداعين لتشييع هذا الجثمان بنفس المعيار الذي يُطبق على من بايع تنظيم داعش، خاصة أن حجم الضحايا المنسوب إلى سياسات خامنئي يفوق بكثير ما ارتكبه التنظيم الإرهابي من جرائم، وإن اختلفت التسميات وتباينت الأساليب. العدالة لا تقبل الانتقائية، والسيادة لا تتحقق بانتقائية التطبيق، ومحاسبة الرموز التي سببت الألم ليست انتقاماً، بل هي حقٌ للتاريخ وواجبٌ تجاه الضحايا.
العراق اليوم بحاجة ماسة إلى ترسيخ دولةٍ مستقلةٍ قوية، تبني علاقاتها على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، لا على ولاءاتٍ عابرة للحدود، ولا على تبعيةٍ تكرس الضعف وتُدمّر الإرادة الوطنية. كما ان الوفاء للشهداء يقتضي أن تبقى كرامتهم فوق أي حساب سياسي. إن القضية لا تتعلق بشخص علي خامنئي بقدر ما تتعلق بمكانة الدولة العراقية واحترام ذاكرتها الوطنية، فالدول التي تحترم نفسها لا تسمح بأن تُهان تضحيات أبنائها، ولا تقايض دماء ضحاياها بحسابات سياسية أو مجاملات دبلوماسية. والسيادة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل موقفًا يُقاس عند اللحظات الفاصلة. فإذا كان العراق يسعى إلى استعادة مكانته بين الأمم، فإن البداية تكون باحترام دماء العراقيين وصون كرامتهم، لأن الأوطان التي تنسى شهداءها، تُفرّط، من حيث لا تشعر، في مستقبلها.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟
- إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا
- أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية
- الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة ...
- أثر الشعر في اتخاذ القرار السياسي
- بنيان
- تراتيل الهزيمة / نص أول (طرائد بلا ذخيرة)
- ما أهمل حمله
- فرار/هزيمة
- الاهمية تتجلى بعد السكون!
- العظام اليابسة لا تؤذي أحداً
- هل قلت انه يساعد ؟
- راية المجاز في حقيبة الظهر
- المالكي زعلان!!
- آسياد الدوحة - المنتخب العراقي يفوز على نظيره الايراني 2-1


المزيد.....




- روسيا تشن هجوما صاروخيا باليستيا على كييف عشية قمة الناتو
- إعلام أوكراني: دوي انفجارات قوية تهز كييف
- كاتب إسرائيلي: المؤشرات الآتية من تركيا لا تبشر بالخير بالنس ...
- الخارجية الروسية: لن يكون هناك حوار مع أوروبا ما لم تأخذ مصا ...
- -ذا سبيكتيتور-: حظر RT في بريطانيا شعور بعدم الأمان وحظر -ما ...
- أزمة -سلطة البث- ليست -سوى البداية-.. معركة دستورية مقبلة في ...
- الدفاع الجوي الروسي يسقط 7 مسيرات كانت متجهة إلى موسكو
- هل اقترب -الزلزال الكبير-؟ دراسة تدق ناقوس الخطر في ولاية كا ...
- مندوب روسيا: لا توجد آلية لاستبعاد روسيا من منظمة الأمن والت ...
- الناتو في عهد ترمب.. من تحالف دفاعي إلى -صفقة تجارية-


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عدي حاتم - تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب السيادة