|
|
بعد أفول الإسلام السياسي- 2
حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)
الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 16:09
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أي مواجهة "قومية إيرانية مستعلية" تتطلب أدوات تختلف تماماً عن أدوات مواجهة "الثورة الإسلامية". فبينما كانت المواجهة الراهنة تدور في فلك العقيدة والمذاهب، ستدور المواجهة القادمة في فلك الجغرافيا السياسية، التفوق التكنولوجي، والشرعية التاريخية.
الخطأ الأكبر الذي قد تقع فيه دول الجوار هو الاستمرار في مخاطبة إيران بلغة "السنة والشيعة" بينما هي تخاطب العالم بلغة "سيروس وداريوس". تعزيز "العروبة الحديثة" (Neo-Arabism) التي لا تقوم على الشعارات القومية القديمة، بل على نموذج الدولة الناجحة والمزدهرة. الهدف هو تقديم بديل حضاري عربي (مثل نموذج دبي أو نيوم) يتفوق على "الماضوية الفارسية"، مما يجعل "الاستعلاء الإيراني" يبدو مجرد "شوفينية" فارغة أمام واقع خليجي متطور.
على مر التاريخ، ينظر العديد من القوميين الإيرانيين إلى دخول الإسلام إلى بلاد فارس على أنه "غزو" أفضى إلى فقدان أمجاد الدولة الساسانية العظيمة. وفي حالة انهيار النموذج الديني القائم، قد يعتبر القوميون الجدد أن كافة الروابط بالمحيط العربي، سواء كانت في اللغة أو الدين أو العادات، هي نوع من "التلوث الثقافي" الذي يجدر التخلص منه. هذا التوجه يُمكن أن يقود إلى سياسة خارجية لا تُركز على "القواسم المشتركة"، بل تُبرز "الاختلافات"، مما يؤدي إلى تعميق الفجوة النفسية والسياسية مع الجيران.
العودة إلى مفهوم "إيران-شهر" (Iranshahr) يعكس رؤية لإيران كحضارة مركزية تمارس هيمنة طبيعية على محيطها، والذي يشمل العراق وأفغانستان وأجزاء من القوقاز والخليج. إذ لا يُنظر إلى إيران كدولة ذات حدود عام 1979 فقط، بل ككيان حضاري متفوق في محيطه.
في الحقبة الملكية البهلوية، كانت إيران تُصور نفسها على أنها "شرطي الخليج"، المتمدن وسط محيط تعتبره "متخلفاً". أما في العهد القومي المتوقع، فمن المحتمل التحول من التدخل من خلال "الميليشيات العقائدية" إلى التدخل المستند إلى "الاستعلاء العرقي". ويُعد هذا النوع من الاستعمار الثقافي أكثر استفزازاً وربما إثارة للحساسيات القومية العربية والتركية.
يكمن الخطر الأكبر في هذا التحول في كونه يصطدم مع قوميات أخرى صاعدة وقوية في المنطقة، مثل القومية العربية المتجددة في الخليج والقومية التركية. وبدلاً من صراع يستند إلى الجوانب المذهبية والدينية، فإننا قد نشهد مواجهة هويات قومية صلبة ومتنافسة.
لغة السياسة في هذا السياق ستتغير؛ فبدلاً من الخطاب الذي يدعو إلى "نصرة المستضعفين"، قد تتحول إلى خطاب يركز على "تأمين المجال الحيوي للإمبراطورية". ذلك النوع من اللغة قد يدفع باتجاه سباقات تسلح أكثر شراسة لأنها تنطلق من دوافع "وجودية" غير قابلة للتسوية أو التنازل، بعيداً عن المبررات الدينية التقليدية مثل "التقية" أو "المصلحة الشرعية".
الحل الوحيد لكسر تلك الحلقة المفرغة يكمن في بناء عقود مدنية تقوم على المواطنة. فإذا تمكنت إيران من التحول إلى دولة ديمقراطية مدنية، فإن الضوابط الدستورية والمصالح المشتركة يمكنها كبح النزعات القومية المتطرفة. أما إذا انتهجت البلاد نموذجاً لديكتاتورية عسكرية قومية"، على غرار بعض التجارب في أمريكا اللاتينية أو روسيا المعاصرة، فإن النزعة الاستعلائية ستصبح وقوداً مستداماً لترسيخ الداخل. وهنا قد يتضح للعالم أن التعامل مع "إيران القومية" سيكون أكثر تعقيداً وصعوبة مقارنةً بـ "إيران الأيديولوجية"، إذ إن الثورات يمكن أن تخمد، لكن الأحلام الإمبراطورية تظل متجذرة في اللاوعي الجمعي لعقود طويلة.
القوميون، على عكس الأيديولوجيين، ينظرون إلى قوة الدولة واقتصادها كركائز أساسية لبناء الأمم وتعزيز حضورها في المشهد الدولي. فالاستراتيجية التي يتبناها هؤلاء تعتمد على تشكيل شبكة مصالح اقتصادية متينة، من خلال مشاريع كبرى مثل الربط الكهربائي، تحسين البنية التحتية للسكك الحديدية، ودفع عجلة الاستثمارات المشتركة. وتهدف هذه المشاريع إلى جعل أي تحرك سياسي أو عسكري من جانب إيران مخاطرة باهظة الثمن داخل حدودها، وهو ما يرمي إلى خلق توازن استراتيجي يحول دون تهور القرارات داخل الدولة الإيرانية.
المنظور القومي هنا ينطلق من فكرة أن الطريق نحو تحقيق العظمة الإيرانية ليس عبر إثارة التوترات أو التهديد المستمر لدول المنطقة، بل إن تحقيق تلك العظمة يمكن أن يتجسد من خلال التعاون الاقتصادي والاستفادة المتبادلة مع الموانئ والأسواق الخليجية. الفرضية تقول إنه كلما اندمجت المصالح الاقتصادية، أضحى التهديد أقل جدوى، وأصبحت المصلحة المشتركة هي المحرك الرئيسي للعلاقات بين الطرفين.
وعبر التاريخ، استغلت إيران الأيديولوجية ولاءاتها المذهبية لتوسيع نفوذها وإيجاد موطئ قدم في المنطقة. بالمقابل، يمكن أن تسعى إيران القومية لاستثمار ورقة "الأقليات العرقية" أو اللعب على التناقضات الداخلية لتحقيق أهدافها. لمواجهة هذه السيناريوهات، يصبح الاستعجال ضروريًا في بناء دولة مدنية قائمة على مبدأ المواطنة الكاملة والشاملة. عندما يشعر المواطن، بغض النظر عن خلفيته الطائفية أو انتمائه الثقافي، بأن كرامته ومستقبله مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بدولته الوطنية، تفقد المحاولات الإيرانية لاختراق الوحدة الوطنية قدرتها على زرع الانقسامات وتعزيز النفوذ.
التوجه نحو القومية الصاعدة غالبًا ما يدفع الدول لبناء جيش نظامي قوي بدلًا من الاعتماد على تكتيكات الميليشيات غير النظامية. ولهذا، فإن التركيز يجب أن يكون موجهًا نحو التفوق النوعي بدلًا من الكمي، عبر الاستثمار في المجالات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي العسكري، الدفاع الجوي المتقدم، وتعزيز الأمن السيبراني. الهدف يكمن في إيصال رسالة واضحة لإيران مفادها أن عمقها الجغرافي التقليدي لم يعد ضمانة كافية ضد القدرات العسكرية والتكنولوجية المتطورة لدول الخليج.
إيران القومية تتحدث لغة المصالح وتبحث عن تموضع جديد في ميزان القوى الإقليمي. أمام هذا الوضع الجديد، تتحتم على دول الخليج التخلي عن محاولات تغيير سلوك إيران من منطلق أخلاقي أو فرض أجندة خاصة عليها، بل عليها الدخول معها في معادلة تفاوضية تستند إلى مبدأ التعامل بين القوى الإقليمية المتكافئة. الأسلوب الأكثر فاعلية يتمثل في تحديد خطوط حمراء واضحة تحمي الأمن القومي العربي، بجانب السعي نحو بناء إطار للتعاون الإقليمي يحترم سيادة الجميع دون أن يترك مجالاً للتبعية لأي طرف على حساب الآخر.
في هذا العالم الذي يشهد تغييرات متسارعة، ستدور المنافسة حول السؤال المحوري: من يعبر عن صورة المستقبل؟ إذا واصلت دول الخليج التطور لتصبح مراكز عالمية للابتكار في مجالات الطاقة البديلة والسياحة المستدامة والتنمية الاقتصادية المتقدمة، ستتمكن من تحويل الادعاءات القومية الفارسية إلى مجرد أحلام قومية غارقة في العزلة والجمود.
تكمن القوة الحقيقية هنا في القدرة على تقديم نموذج جديد لصناعة المستقبل. وفي مواجهة الخطاب القومي الإيراني الذي يدعو إلى التفاخر بالإرث الإمبراطوري، الرد الخليجي الأنسب هو تعزيز هوية عربية ترتكز على الابتكار والطموح وتقديم رؤية تقدمية للمستقبل. إن القوة الناعمة للدول العربية، المدعومة بإنجازات ملموسة ونموذج متجدد للتنمية، هي السلاح الأكثر فعالية لتبديد أي تصاعد قومي يسعى إلى الهيمنة أو فرض النفوذ.
التحالفات الكلاسيكية الثابتة (مثل جامعة الدول العربية بصيغتها القديمة) أصبحت بطيئة الحركة أمام سرعة التحولات الإقليمية. المستقبل الآن لما يُسمى بـ "الميني-لاتيراليزم" (Minilateralism)؛ أي التحالفات الصغيرة، الرشيقة، والمركزة على أهداف محددة. بينما تمتلك دول الخليج القوة المالية والتكنولوجية، تمتلك مصر "الكتلة البشرية والمكانة العسكرية". لا يمكن لأي قومية إيرانية "مستعلية" أن تتجاهل مصر. مصر هي "مرساة" الهوية العربية؛ وبدونها، يبقى الصراع الخليجي-الإيراني صراعاً بين ضفتين، لكن بوجود مصر، يتحول إلى صراع بين مشروع إقليمي متكامل وبين دولة قومية معزولة. يلعب الأردن دوراً مزدوجاً يتمثل في كونه "الدولة العازلة" و"الجسر الدبلوماسي" في ذات الوقت. ومع تحول إيران نحو تبني نهج قومي متطرف، سيجد الأردن نفسه في واجهة الدفاع عن "العمق العربي" ضد أي تمدد جيوسياسي تدّعيه إيران تحت شعار "المجال الحيوي الفارسي". يمتاز الأردن بشرعية دينية وتاريخية تجسّدها الوصاية الهاشمية، إلى جانب خبرة أمنية تمكنه من التصدي لأي محاولات لاختراق المنطقة تحت مظلة قومية مغلفة بغطاء ديني.
تسعى إيران القومية باستمرار إلى السيطرة على "الهلال الخصيب" الذي يشمل العراق وسوريا ولبنان. ومن أجل مواجهة هذا التحدي، تبرز الحاجة إلى استراتيجية بديلة عبر إقامة تحالف مرن يضم دول الخليج ومصر والأردن، ليفتح أمام العراق تحديداً "بوابة عربية" قوية اقتصادياً وأمنياً. يركز هذا التحالف على تعزيز اقتناع العراق بأن مصالحه القومية الحقيقية تكمن في الانضمام إلى "المركز العربي" بدلاً من الارتماء في "الهامش الفارسي".
القومية الإيرانية تستمد قوتها من فكرة "التفوق الثقافي"، ولذا فإن تكاتف القوى الثقافية العربية، بقيادة مصر كقلب الثقافة العربية، يسهم في إعادة صياغة التوازن الرمزي. وعندما تتحد القاهرة مع الرياض وأبو ظبي وعمان، فإنها تشكّل "قطباً ثقافياً" مؤثراً لا يمكن تجاوزه، مما يقلل من فاعلية الاستعلاء الإيراني ويحصره في نطاق محلي محدود بعيداً عن كونه مشروعاً إقليمياً قائداً.
لكن لنجاح هذا التحالف المرن، من الضروري أن يرتكز على المصالح المشتركة وليس مجرد التخوف من إيران. قضايا استراتيجية مثل الربط الكهربائي بين مصر والسعودية، ومشاريع أنابيب الغاز عبر الأردن، والاستثمارات الخليجية في الصناعة المصرية يمكن أن تشكل دعائم ثابتة لهذا التحالف، حيث تمثل هذه الخطوات "أغلالاً ذهبية" تعزز استمرارية هذا التعاون وتحميه من أي تصدعات.
العالم اليوم يشهد تحولاً من "زمن الأيديولوجيا" إلى "زمن الجغرافيا السياسية الذكية". ومع اعتزام إيران القومية اللعب على التناقضات الإقليمية، يبقى الرد الأمثل هو تكوين "كتلة عربية صلبة" تجمع بين القوة الاقتصادية، والموقع الاستراتيجي، والعمق الديمغرافي، لتفرض نفسها كقوة إقليمية لا يُستهان بها. مفهوم التداخل العضوي يُبرز أن العراق ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو خيط يجمع الهوية العربية والفارسية، السنية والشيعية، في نسيج متشابك يُصعب معه فصل أي طرف دون الإضرار بالطرف الآخر.
أتفق تماماً على أن فكرة تحويل العراق إلى "سويسرا الشرق" تظل طموحاً بعيد المنال، كما أن اندلاع صراع شامل يُستبعد لأسباب عديدة. فالتاريخ والجغرافيا أنتجا حالة من الاعتماد القسري المتبادل. الأواصر الدينية، والأماكن المقدسة، والعلاقات الروحية التي تربط النجف وقم، تُكوّن شبكة متينة من الروابط العابرة للحدود يصعب على السياسة، حتى وإن كانت قومية، أن تفككها بسهولة.
إيران والعرب لن يتمكنوا من تغيير الجغرافيا أو الانعزال في مكانٍ آخر، فهذا التواجد الجغرافي الأبدي يفرض واقعية قاسية تحتم التعايش مهما تعمقت الخلافات أو تعاظمت النزاعات.
العراق يبدو بعيداً عن أن يكون "ساحة الصدام الأخيرة"، لكنه قد يظل "منظّم الحرارة" للمنطقة بأسرها. عدم قدرته على الانحياز الكامل لأي جهة يعكس طبيعته المعقّدة؛ ففي اللحظة التي يحدث فيها هذا الانحياز بشكل مطلق سينهار التوازن الداخلي، مما يعني تهديد وجود الدولة بحد ذاته. وبالتالي، يكمن استقرار العراق في حفاظه على هذا التوازن الهش. ليست محايداً تماماً كحال سويسرا، بل يمتلك تنوعاً في الولاءات يخلق حالة من الحذر لدى الجميع من دفعه إلى نقطة الانفجار.
في العصر الحالي ومع التطور في الاقتصاد الرقمي، وسلاسل التوريد العالمية، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، باتت احتمالات الحروب القومية الشاملة كما حدث في عصور مضت ضئيلة إلى حد كبير. فحتى مع تصاعد النزعات القومية لدى الأجيال الشابة في إيران والدول العربية، فإن هذه الأجيال تبحث بشكل أكبر عن الاستقرار والرفاهية بدلاً من الغوص في خنادق الصراعات الأيديولوجية أو العرقية.
إلى جانب ذلك، هناك تحديات وجودية كبرى مثل أزمة المياه والتغير المناخي التي تضغط على المنطقة من الهضبة الإيرانية إلى بلاد الرافدين والجزيرة العربية. هذه التحديات قد تفرض تعاوناً تقنياً يتجاوز الاعتبارات القومية ويضع المصالح المشتركة على الطاولة.
سلام بارد ومنافسة ناعمة
بدلاً من الحروب الكبيرة التي اعتادت أن ترسم ملامح السياسة الدولية، يبدو أننا أمام ما يمكن تسميته بـ "المنافسة الحضارية". إيران تسعى جاهدة لإثبات تفوق نموذجها، سواء كان هذا النموذج ثورياً أم قومياً، في حين أن الدول العربية، بقيادة دول الخليج ومصر، تقدم نموذجاً مغايراً يركز على التحديث والنمو الاقتصادي.
العراق سيظل بمثابة المقياس الذي يعكس حالة المنطقة. لن يتحول إلى سويسرا جديدة، ولن يصبح ساحة مفتوحة للفوضى، بل سيبقى مختبراً يُضطر فيه العرب والإيرانيون إلى ممارسة الواقعية السياسية وفن الإبقاء على الممكن.
هذه النظرة تنطوي على حنكة وواقعية لأنها تتجاوز الفهم التقليدي الذي يرى في "الولاءات العابرة للحدود" مجرد أداة لتمزيق الدول. هنا يتم طرح مفهوم جديد لما يمكن تسميته بـ "الولاءات الوظيفية". القوى الإقليمية كإيران، تركيا، والدول العربية تُظهر حرصاً ظاهرياً على الحفاظ على وحدة العراق، ليس بدافع عاطفي أو أخلاقي تجاه فكرة الوحدة، بل لأن انهيار الدولة العراقية وتحولها إلى كيانات متشرذمة يمثل كابوساً استراتيجياً لا يرغب أحد منهم في مواجهته.
إيران تحديداً لا تريد رؤية عراق يتحول إلى دويلات صغيرة وغير مستقرة قد تقض مضجعها أو تخلق تهديدات جديدة على حدودها، مثل احتمال قيام دولة كردية مستقلة يمكن أن تشعل فتيل الانفصال داخل إيران نفسها. من هذا المنطلق، تحرص طهران على دعم حلفائها للهيمنة على الدولة المركزية في بغداد. لكنها تدرك جيداً أنه لتحقيق ذلك، يجب أن تبقى هناك دولة موحدة وهوية وطنية جامعة يمكن من خلالها ممارسة هذه الهيمنة. وعليه، فإن الهدف الإيراني ليس القضاء على العراق كدولة، بل الدفع باتجاه ما يمكن تسميته بـ "العرقنة"؛ أي بناء دولة عراقية تحتفظ بهويتها الوطنية، ولكن تظل تدور في فلك التأثير الإيراني بدلاً من التفكك.
بالنسبة لتركيا، يُعتبر الحفاظ على العراق الموحد ضمانة أساسية لمنع تمدد المشروع الكردي مثل حزب العمال الكردستاني وغيره. فهي تدعم التركمان والقوى السنية إضافة إلى الأكراد (الحزب الديمقراطي الكردستاني) لضمان اندماجهم في العملية السياسية في بغداد، بما يكفل حقوقهم ويعزز مفهوم "الدولة التعددية". تُظهِر تركيا تفضيلها للتعامل مع حكومة مركزية في بغداد يمكن التعاون معها تجارياً وأمنياً بدلاً من مواجهة فوضى الميليشيات.
في الداخل العراقي، تعمل القوى الإقليمية كعوائق متبادلة تمنع بعضها البعض من تحقيق هيمنة مطلقة. فإذا تجاوز النفوذ الإيراني حدوده، تتحرك تركيا والدول العربية لدعم الأطراف الأخرى والتوازن بينها. هذا التوازن الدقيق بين القوى يمنع أي طرف داخلي من امتلاك قوة مفرطة قد تؤدي إلى الانفصال أو التفرد بالحكم، مما يفرض على الجميع القبول بالبقاء ضمن إطار الهوية الوطنية العراقية بوصفه الفضاء الوحيد الذي يمكن للجميع التحرك ضمنه.
الهوية الوطنية الاضطرارية تعد ظاهرة فريدة في السياق العراقي، حيث تظهر لدينا ما يمكن تسميته "هوية وطنية براغماتية"، وهي إحدى نتائج الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه المواطن العراقي بتنوع مكوناته. هذا الفرد العراقي أصبح واعياً بأن الارتباط بالخارج يمكن أن يشكل ورقة قوة مؤثرة لتحسين أوضاعه داخل الوطن، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى إلغاء الدور المحلي أو التقليل من أهميته.
الهوية العراقية اليوم تحمل في طياتها عوامل قوة تتجاوز مجرد الاعتماد على التاريخ المشترك للمكونات المختلفة، بل نجد أنها تتمثل كمنصة تجمع المصالح الإقليمية. فعلى الرغم من التفاوتات السياسية والجغرافية، ثمة توافق عام بين الأطراف الإقليمية على أهمية الحفاظ على وحدة العراق. الجميع لديه هدف مشترك يتمثل في رؤية العراق كدولة موحدة، لكن وفق شروطهم الخاصة، وهذا الإجماع الإقليمي حول ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية يعزز الممانعة ضد السيناريوهات المدمرة مثل التقسيم الذي شهدته دول أخرى في المنطقة.
في الوقت نفسه، يبرز عامل "تعدد الولاءات" الذي يُنظر إليه عادةً كعامل تقويض للدولة. إلا أن هذا التعدد في السياق العراقي لا يبدو دائماً مسبباً للحروب الأهلية والانقسام العنيف، بل يمكن أن يؤدي إلى خلق حالة من الجمود المستقر، حيث يدور جميع الأطراف حول فكرة التشاركية، إذ يمتلك الجميع حصتهم في كيان الدولة ولا يجرؤ أحد على محاولة كسره أو إزالة ذلك التوازن المشترك.
المسار الذي يبدو أن العراق يتجه نحوه هو نموذج متميز لدولة محورية عازلة، تجمع بين الاستفادة من علاقاتها مع القوى الخارجية وبين الحفاظ على نوع محدد من الاستقلال الذي لا ينكمش على نفسه. لكي يتمكن العراق فعلياً من استيعاب الولاءات الخارجية ويحولها إلى علاقات طبيعية ومثمرة، فإنه بحاجة إلى المضي قدماً نحو تحويل الولاءات ذات الطابع العاطفي أو المذهبي أو العرقي إلى علاقات تنطلق من أرضية المصالح الاقتصادية المشتركة والنفع المتبادل.
عندما تصل الأمور إلى مرحلة يصبح فيها الاستثمار الخليجي في مشاريع البصرة الاقتصادية جزءاً من الاستراتيجية الوطنية للعراق، ويشكل الربط التجاري مع تركيا في الموصل عنصراً استراتيجياً يسهم في تعزيز الاقتصاد العام للدولة، إضافة لوجود شراكات صناعية مستدامة مع إيران تخدم مناطق الوسط العراقي بشكل فعال، ستكون تلك التحركات دافعاً قوياً لتحقيق الاستقرار وتعزيز قوة الدولة المركزية. عندها سيتم العمل تلقائياً على توزيع الثروات بطريقة عادلة بين جميع المكونات، مما يخلق بيئة مناسبة تنتقل فيها الولاءات الخارجية من كونها روابط عاطفية أو مذهبية إلى علاقات اقتصادية تتم عبر التنسيق المدروس والمتبادل.
في هذه الحالة الجديدة، يتحول مفهوم الولاء للمراجع الخارجية إلى شراكة استراتيجية واقتصادية مرتكزة على التعاون لا التبعية. المواطن أو الفصيل السياسي الذي يرى في جهةٍ ما حليفاً استراتيجياً قد يتحول تدريجياً ليعتبر تلك الجهة شريكاً اقتصادياً وتنموياً في السياق الوطني العام. حينها تصبح السيادة الوطنية أكثر نضجاً واستقراراً، وهي لا تتطلب الانفصال عن الآخرين بقدر ما تحتاج إلى تعزيز القدرة على ممارسة حق الفيتو الوطني في العلاقات المتبادلة بما يحقق مصالح جميع الأطراف. إذا استمرت مؤسسات الدولة العراقية في ضعفها واستنزافها تحت وطأة الفساد، فإن مفهوم السيادة سيظل حبيساً لهذا التوازن الهش الذي يحدد المشهد العام. في هذا الوضع، يتحول العراق من دولة ذات سيادة فاعلة إلى مجرد مسرح تصفية حسابات إقليمية أو صندوق بريد لتبادل الرسائل السياسية والأمنية، كما حدث في الماضي خلال سنوات من الأزمات والمعاناة.
في هكذا ظروف، تبقى القوى الإقليمية، وليست العراق، صاحبة الكلمة العليا في تحديد حدود الاستقرار الداخلي، مما يجعل السيادة العراقية تقتصر على مظاهر رمزية مثل العلم والنشيد والعضوية في الأمم المتحدة. بينما يكون التحكم الحقيقي بالقرارات المصيرية والسياسات الاستراتيجية يتم في عواصم دول الجوار، حيث يتم تخطيط ملامح المستقبل العراقي دون مشاركة فعّالة من أبنائه.
من جهة أخرى، نجد أن الأجيال الجديدة في العراق وإيران ودول الخليج تعكس توجهات مختلفة عن سابقاتها. هذا الجيل الذي وُلد ونشأ في عصر التكنولوجيا والانفتاح على العالم عبر الإنترنت، بدأ يدرك ثقل الصراعات القديمة التي ورثها عن أجيال سبقته وبدأ يشعر بالضيق من تداعيات تلك الموروثات. تحديداً في العراق، شهدنا مقاومة مدنية جديدة من خلال حراك تشرين وما تبعه من تحركات مجتمعية أظهرت بوضوح ملامح هوية وطنية تسعى لتجاوز الأطر الطائفية والمذهبية. فإن شعار "نريد وطن" الذي رفع في هذه الحركات قد أصبح رمزاً للبحث عن كيان يمثل العراقيين جميعاً دون استثناء أو انقسام. لا شك في أن هذا الشعار يمثل أكبر تهديد للولاءات الإقليمية العابرة للحدود التي ما زالت مكبلة لمسار السيادة العراقية.
إذا تمكن هذا الجيل من التسلل إلى مواقع صناعة القرار في الدولة، فقد نشهد تحولاً ملحوظاً من مرحلة السيادة المحدودة أو المرهونة للسياسات الإقليمية إلى سيادة أكثر براغماتية، حيث تُقدّم بغداد ومصالحها الوطنية على أي اعتبار آخر. إلا أنه وبالنظر إلى الطبيعة الجغرافية المميزة للعراق وتاريخه الطويل المرتبط بالمنطقة، فإن الخروج التام من دائرة تأثير القوى الإقليمية مثل طهران وأنقرة والرياض يبدو أمراً بعيد المنال. مع ذلك، يمكن للعراق أن يرسم لنفسه دوراً جديداً يقوم على البقاء كلاعب مركزي لا يمكن لأي قوى إقليمية الاستغناء عنه.
لعل نموذج السيادة الممكنة للعراق في المستقبل يشبه بشكل كبير وضع النمسا خلال فترة الحرب الباردة؛ دولة تقع في نقطة تقاطع مصالح القوى الكبرى، لكنها استطاعت بحنكتها السياسية أن تجعل من استقرارها ضرورة لضمان استقرار محيطها بالكامل. كذلك يمكن للعراق أن يتبنى هذا النهج لتحقيق توازن يضمن مصالحه الوطنية الداخلية وينأى به عن أن يكون ضحية للصراعات الإقليمية والدولية مرة أخرى. بهذا الشكل، يمكن أن تتجسد السيادة العراقية على أساس متين يعكس القوة الداخلية والاعتماد المتبادل بدلاً من التبعية أو الانسياق وراء مصالح الآخرين. مالمو 2026-02-22
#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)
Hamid_Koorachi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بعد أفول الإسلام السياسي- 1
-
طيف القنب.. وابتسامة الزمان
-
حرية الإبداع بين مطرقة الاستبداد الحاكم وسلطة الشارع الثقافي
...
-
برزخ الكينونة
-
ديمومة الروح: الذاكرة والحواس بين تنظير برغسون وتجسيد بروست
-
من -لوليتا- نابوكوف إلى -لوليتا- إبستين
-
أوهام -التحضر- الليبرالي ومأزق اليسار العربي: رد على أطروحات
...
-
إيران 2026: الانفجار الكبير.. صراع -الديناصورات- وسراب الرمو
...
-
خريف الأيديولوجيا وبزوغ -المواطن الرقمي-
-
سيولة الهوية وفلسفة الهجانة
-
إيران بين مطرقة الاستبداد وسندان -الهندسة- الدولية-
-
من -بروسيا- إلى -وادي السيليكون-
-
بين -رطل اللحم- و-زرّ الموافقة-: هل تغيرت أنياب القانون؟
-
أوروبا العجوز: نهاية زمن التبعية
-
صنبور الطاقة وحق -الفيتو- العالمي
-
انسداد الاقتصاد الإيراني وآفاق انهياره
-
مسرحية: تراتيل الغبار والحرير
-
القومية أفيوناً
-
لوح القَدَر الرقمي
-
تعديل الماركسيين الجدد لرؤية انجلز للزواج
المزيد.....
-
هل تمثل تصريحات هاكابي سياسة واشنطن الرسمية تجاه المنطقة الع
...
-
أخبار اليوم: واشنطن توضح خلفية تصريحات سفيرها في إسرائيل
-
حاول دخول إقامة ترامب.. شرطة فلوريدا تقتل شخصا مسلحا بالرصاص
...
-
بيزشكيان: إيران لن ترضخ للضغوط وسط محادثات نووية مع أمريكا
-
ويتكوف: ترامب يتساءل عن سبب عدم -استسلام- إيران
-
كيف توازن الطاقة والمغذيات في رمضان؟ نصائح غذائية وطبية
-
ما السبيل إلى العصمة من طوفان المفاسد؟
-
مقديشو اليمن.. حكاية لجوء معلَّقة في حي البساتين بعدن
-
انفجارات في غرب أوكرانيا والسلطات تعتبرها -هجوما إرهابيا-
-
عودة الاحتجاجات المعارضة بجامعات طهران والنظام يحشد أنصاره
المزيد.....
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
المزيد.....
|