أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد موسى - مكابدات الرحّال / الجزء الأخير















المزيد.....

مكابدات الرحّال / الجزء الأخير


سعد محمد موسى

الحوار المتمدن-العدد: 6633 - 2020 / 8 / 1 - 02:13
المحور: الادب والفن
    


لقاء فوق ثرى قبر الغريبة
على مقربة من بقايا كرفانات مجمع "درومكس" المهجور في منطقة "تل اللحم" الذي غادرته الشركة مع عمالها وجميع كوادرها الى بولونيا في نهاية الثمانينات وبعد إتمام عملها في تبليط الطريق العام.
كان هنالك قبر منسيّ ووحيد مغطى بقطعة حجر رمادية ملساء،
يقع ما بين المجمع والطريق العام الرابط ما بين مدينتي الناصرية والبصرة حيث دفنت فيه العاشقة المسكينة " تالا" في رمال الغربة بعد أن قادها حظها العاثر وقدرها المأساوي لمغادرة العاصمة "وارسو" الى مدينة الناصرية حين فاض بقلبها الحنين والاشتياق كيّ تهدي مفاجأة لحبيبها الذي كان يعمل في شركة درومكس بمناسبة عيد راس السنة في بواكير عام 1982
كانت تالا في كل سنوات الفراق تعتق برحيق لوعتها ولهفتها وعشقها في روحها الهائمة للقاء الحبيب وهي تحاول أن تدخر من عملها تكاليف السفر وثمن تذكرة الطائرة.
ودعت الشقراء ثلوج الشتاء وترانيم الكنائس وأناشيد الاطفال مع "بابا نويل" وكرنفالات المصابيح المضيئة التي ترسم البهجة في الساحات والشوارع، بعد أن حضرت حقائبها، ثم إنطلقت بسيارة الاجرة مودعةَ مدينتها نحو مطار "شوبان" وبعدها على متن طائرة الركاب المتوجهة الى مطار "بغداد".
لدى وصول تالا الى مطار بغداد ساعدها عنوان الشركة الذي أرسل لها بحروف اللغة العربية ثم أقلتها سيارة التاكسي الى مرآب النهضة لنقل المسافرين.
كان وجودها مثيراً للاستغراب والفضول لا سيما وجود فتاة أوربية بين المسافرين تسأل عن الباص الذي يتجه الى مدينة البصرة، وكان أغلب المسافرين هم من الجنود المكتظين في ساحة النهضة كي يلتحقوا بجبهات الحرب الى قواطع الجنوب.
ساعدها بعض المسافرين في حجز مقعد لها في الباص.
تطلعت تالا من وراء زجاج نافذتها أثناء الرحلة الى مدن وأرياف مختلفة تماماً عن مدن وأرياف بولندا، لا سيما ان رحلتها تلك كانت هي الاولى الى العراق.
ولكن على مقربة 300 متر من مجمع الشركة تعرض الباص الذي كان يقلها الى حادث سير أودى بحياتها قبل أن تلتقي بحبيبها "جاكوب" وتشاهد ردة فعله بالمفاجأة.. ماتت تالا العاشقة الشابة الجميلة وهي تحتضن هدايا أعياد الكريسماس ودمية بابا نويل.
تحولت أعياد الميلاد الى سرادق أحزان بعد أن وصل الخبر الصادم الى العامل البولوني فهب مسرعاً نحو مكان الحادث شاهد تالا التي فارقت الحياة توا.. مثل حمامة مذبوحة مازالت تنزف فوق رمال الفجيعة.. فانحنى المكلوم يعانق الرحيل مفجوعاً بالنهاية المأساوية.
قرر جاكوب أن تدفن تالا في مكان الحادث قرب عمله وسكنه في المجمع .. ثم حفر رفاقه العمال قبراً والقوا بجسد شهيدة الحب في الجوف، ثم أغلقوا الحفرة بصخرة نقش فوقها علامة الصليب كشاهد لقبرها.
أقيمت مراسيم العزاء حول القبر وفقدت أشجار أعياد الميلاد بهجتها.
بقيّ جاكوب يزور قبر تالا باستمرار حتى نهاية عقد عمل الشركة بعد أن شد الجميع الرحال لمغادرة مجمع درومكس.
برح جاكوب إقامة سكنه في آخر ليلة كي يودع القبر وحمل معه شموعاً وجمع الرسائل التي كانت تصله من تالا منذ وصوله الى الناصرية في مقتبل عام 1980 وحتى نهاية الثمانينات والتي كان يحتفظ بها طيلة تلك السنين.
أوقد جاكوب الشموع ثم أفرغ زجاجة العطر التي جلبتها تالا من وارسو فوق صخرة القبر.
ثم تلا بصوت حزين قصائد وكتابات اللوعة والحنين المبللة بدموع الجوى وكأن البوح تحت القمر كانت تسمعه الحبيبة الراقدة فوق سرير الرمل في ليلة الوحشة الاخيرة.
في الصباح غادر جاكوب مع الشركة الى وارسو وبرح القبر والى الابد بينما بقيّ قبر تالا وحيداً وغريباً في القفار.
حين غادر جاكوب كانت تدرك روح تالا بانها ستبقى وحيدة ولن يزورها الحبيب مرة أخرى ولا حتى أهلها .. لكن قبرها البسيط بقيّ رمزاً لشهادة الحب وإيقونة الاخلاص يمر عليه العابرين ويترحموا على روحها، بينما بعض العشاق في جنوب العراق اعتبروه مزاراً يحضروه لا سيما في مناسبة "الفلنتاين" يوم الحب.
...
في غروب ربيعي برحت مجمع درومكس وكنت أسير بإتجاه القبر، فترآى هنالك ثمة شخص حسبته في الوهلة الاولى من الباحثين عن "الكمأ" في فصوله الأخيرة.. وحين دنوت لمحت شبحاً محنياً يدلق الماء من قنينة على القبر بينما كان إفول الغسق الناعس يرسم إرتحالات وحشة الغروب فوق سطح صخرة القبر.
لدى إقترابي أكثر من قبر الغريبة أستوقفتني زهرة برية وحيدة كانت تختبأ بين صخرتين .. لكن المفاجأة التي لم أصدقها.. حين رفع الشبح رأسه بينما وجودي قطع تأملاته الغارقة في حضرة صلاته الصوفية!!
-يا إلهي.. أنه بدر الرحال ما الذي جاء به الى قبر الغريبة كان يرتدي أسمالاً ممزقة وبشعر طويل ولحية كثة وجسد ضئيل،
مثل درويش يبحث عن ترياق يُهدأ من أوجاع روحه بين ذاكرة القبور أما ملامحه وبريق عينيه فكانا مثل معبد أحزان هجرته الآلهة!!
ترك الرحال قنينة الماء بجانب القبر ونهض يتفرس باستغرب ثم صرخ: أهذا أنت !!!؟؟
عانقني وأجهش بالبكاء .. شعرت أن في أعماق صديقي براكين قهر وشكوى يريد أن يبوح بها!!
نزف الرحال إنثيالات الوجع حين أخبرني بموت زوجته فرات التي قتلت أثناء قصف طائرت التحالف، فباتت الدار بعدها موحشة ومسكونة بالاحزان والذكريات.
كانت فراتي تهيم فوق الضفاف تحاول الوصول الى أي خبر ينبأها عن وجودي أو فنائي!!
لكنيّ رجعت للدار بمشقة وبإعجوبة جريحاً من الحرب وحين قدمت الى عتبة الدار التي كانت تنتظرني فوقها فرات شعرت بوخزة في قلبي فعلمت حينها إنها لن تفتح الباب لقدومي مرة أخرى.
كم تمنيت لو أن الشظية التي إخترقت ذراعي إستهدفت قلبي مثلما اخترقت الشظية قلب فرات.. كي لا أدرك رحيلها وأعيش بدوامة عذاب الفقدان : رددها الرحّال أكثر من مرة بصوت أشبه بالنواح!!
جلسنا قرب قبر الغريبة ندخن السجائر بحضور القمر الذي كنا نشاهده وهو يتهاوى نحو الافق وكأنه هو الاخر كان يستمع الى أشجان رفيقه الرحال بعد أن رافق جميع رحلاته السابقة.
في بواكير الصباح قرر الرحال أن يعود الى داره الحزينة بعد أن عدل عن فكرة الهروب من ذاته وحتى من أسوار الوطن وللابد.
ودعني الرحال وودع قبر الغريبة بعد أن تفاقم شجنه واشتياقه لزيارة قبر زوجته فرات في مقبرة السلام وصديقه السالمي أيضاً في عزلة الجبال.
وعلى مقربة من الطريق العام لوح الرحال الى عجلة حوضية كانت محملة بصناديق الطماطة القادمة من مزارع الزبير، أوقف المزارع عجلته وأشار للرحال أن يصعد الى الخلف بين صناديق الطماطة المتجهة الى البصرة.
انتهت




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,893,511,196
- مكابدات الرحّال / الجزء السابع عشر
- مكابدات الرحال / الجزء السادس عشر
- مكابدات الرحال / الجزء الخامس عشر
- مكابدات الرحال / الجزء الرابع عشر
- مكابدات الرحال/ الجزء الثالث عشر
- مكابدات الرحّال/ الجزء الثاني عشر
- مكابدات الرحّال/ الجزء الحادي عشر
- مكابدات الرحّال/ الجزء العاشر
- مكابدات الرحّال / الجزء التاسع
- مكابدات الرحال/ الفصل الثامن
- مكابدات الرحّال ظ
- مكابدات الرحّال/ الجزء السابع
- مكابدات الرحّال / الجزء السادس
- مكابدات الرحّال - الجزء الخامس
- مكابدات الرحّال القمر ورحلة البغّال الجزء الرابع
- مكابدات الرحّال الرحلة الشاقة الجزء الثالث
- مكابدات الرحّال
- مكابدات الرحال
- حقائب مهجورة في قطار قديم
- بائع الثلج


المزيد.....




- وفاة الممثلة المصرية شويكار عن عمر يناهز 82 عاماً
- فنانان فقط يشاركان في جنازة سمير الإسكندراني... صور وفيديو
- محترف دانيال الخطيب المسرحي... فسحة أمل في العالم الفوضوي
- -وداعا سيدتي الجميلة-... فنانون ينعون شويكار
- وفاة الممثلة المصرية شويكار عن عمر يناهز 82 عامًا
- وفاة فنان مصري ساهم في الكشف عن شبكة جواسيس إسرائيلية
- وفاة فنان مصري ساهم في الكشف عن شبكة جواسيس إسرائيلية
- وفاة الفنانة شويكار بعد صراع مع المرض
- وزير الثقافة البيلاروسي ينفي وجود إضراب عام
- وفاة الفنانة شويكار عن عمر 85 عاما بعد صراع مع المرض


المزيد.....

- أستقبل راقصات شهيرات مثل الجوكندة / مبارك وساط
- على دَرَج المياه العميقة / مبارك وساط
- فقهاء القاف والصاد _ مجموعة قصصية / سجاد حسن عواد
- أستقبل راقصات شهيرات مثل الجوكندة / مبارك وساط
- فنّ إرسال المثل في ديوان الإمام الشافعي (ت204ه) / همسة خليفة
- رواية اقطاعية القايد الدانكي / الحسان عشاق
- المسرح الشعبي المغربي الإرهاصات والتأسيس: الحلقة والأشكال ما ... / محمد الرحالي
- الترجمة تقنياتها ودورها في المثاقفة. / محمد الرحالي
- ( قراءات في شعر الفصحى في أسيوط ) من 2007- 2017م ، دراسة نقد ... / ممدوح مكرم
- دراسات فنية في الأدب العربب / عبد الكريم اليافي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد موسى - مكابدات الرحّال / الجزء الأخير