أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - حديث عن عائشة: بقية الفصل السادس















المزيد.....

حديث عن عائشة: بقية الفصل السادس


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6485 - 2020 / 2 / 7 - 21:13
المحور: الادب والفن
    


4
عامُ جلاء العثمانيين عن سورية، كأنما شاء أن ينتهي بطريقة كرنفالية، وذلك مع تساقط الثلوج بشكل كثيف، وفي الآن نفسه، انطلاق الأسهم النارية من لدُن نصارى المدينة. في خلال أعوام الحرب، المنقضية، كان منظرُ الثلج يوحي بصورة الكفن لكثير من أهالي البلاد، الذين أنهكتهم ويلات المجاعة والوباء. انتهت كل تلك الويلات تقريباً، لكن الوضع السياسيّ لم يكن مستقراً بحال. هذا المصطلح، " السياسة "، أضحى متداولاً بكثرة في كل مكان على لسان الرجال؛ ولو أن قلة منهم كانت تدرك حقيقة معناه. الزعيم، من ناحيته، كان على صلة بالوضع، نظراً لوظيفته، ويحاول دوماً نقل ما يستجد إلى أعضاء المجلس بشكل خاص. أيضاً دأبَ على مناقشة الأمور العامة مع مرتادي المضافة ليلاً، وجلّهم من الأقارب والجيران. قراءاته، في المقابل، كانت تميل إلى المجادلات الفكرية والفقهية، المتخمة بها عادةً المجلات المصرية والتي صار في الوسع تأمينها على أثر انتهاء الحرب وطرد الأتراك. بالتالي، عليه كان أن يبتهج بنتيجة الحرب. بيد أن قراءاته بالذات، جعلته موسوساً من إمكانية فسح المجال لما يعتقد أنها آراءٌ مضادة للدين، مزدهرة في مصر في ظل الهيمنة الإنكليزية.
المناقشات السياسية، كانت تتداخل في تلك الفترة مع أحاديث شلة الأصدقاء، الملتفين حول خلّو؛ وهم قريبه عبده خالد، وعمر كُرّي عيشة وهرّك، فضلاً عن القادم الجديد، آكو. أحياناً، كانوا يجتمعون في بيت هذا الأخير، الذي أكتمل بناؤه الأساسيّ في نهاية ذلك العام. بابا البيت والدكان، فتحا على ساحة مترامية الأطراف، وكان يحدها شرقاً طلعة وادي صفيرة ومقبرة الآله رشية، وجنوباً رأسا زقاقيّ الكيكان وحاج حسين، أما الشمال والغرب فبداية طلعة حارة الدروز، المتفرعة إلى دربين بحسب سير أخدود السيل، المتصل مع صخور الجبل. لكن المكان لم يعُد موحشاً، كما في عهدٍ مضى، لما خلا إلا من الحيوانات المفترسة والكلاب الشاردة مع نعيق البوم ليلاً، الآتي من المقبرة القريبة. ففي جوار بيت آكو من الناحية السفلى، سبقَ أن سكنَ فرعٌ صغير من العشيرة الآله رشية، عُرف باسم الجدّة؛ " بلكة ". في مقابلهم على الطرف الآخر من الساحة، شمخَ منزلُ أسرة موسرة من آل النقشبندي، وكان يظهر في موقعه العالي مثل قلعة حصينة.

***
إلى الجنوب من بيت آكو، حيث الدرب المُشَكل من أخدود السيل والمنتهي بمصبّه في النهر، كان يقوم ثمة منزل المرحوم أبي علي كَوشتو. لقد ورثه الابنُ الوحيد، فأقام فيه بعيد زواجه. علاوة على وجود منزل آل " مستو مخلوطو "؛ وهم من عشيرة البرازي. بين المنزلين الأخيرين، كان في الوسع ملاحظة عددٍ آخر من الأبنية، شغلتها عائلات من الملّية. هنا، سيظهر إلى العلن في المستقبل زقاقٌ جديد ( عُرف باسم علي كَوشتو نفسه )، ممتدٌ حتى مشارف التل الصغير؛ أين قامَ منزل حمّوكي قبل اندثاره على يد الناس، الغاضبين من أفعال ابنتيه. لكن منزلاً جديداً أرتفع إلى الشرق من التل، وكان صاحبه من آل النقشبنديّ. إلى جنوبه، ثمة منزل عائد لرجل كان في حياته صديقاً لعليكي آغا الكبير: إنه الضابط المعرَّف بلقبه، " الدياربكرلي "، الذي كان له الفضل في زواج صديقه من حبيبته الصالحانية بالضد من إرادة والدها.
مع انتهاء الحرب، صار الشاب علي كّوشتو حراً، ففكّرَ هوَ الآخرُ بفتح دكان بدعم من زوج أمه. ارتأى عليكي آغا الكبير عندئذٍ أن يكون دكانَ خضرة، بالنظر لجهل علي بأمور التجارة برغم استلامه محل الماشية في خلال فترة الحرب. وهذا ما كان، عندما استأجروا حجرة من منزل نورا هلّو وجعلوا لها واجهة على الجادة. بعد وقت قصير، سعت والدة علي إلى إحدى زبوناتها، وكانت من حي الصالحية المجاور، كي تخطب له ابنتها. زوج الأم، من ناحية أخرى، لم يستطع منعها من مزاولة أعمال الشعوذة. وكان محبطاً أيضاً لانضمام ابنه الوحيد، معمو، لسلك الفرسان ( الدرك ). كذلك لم يمنع ابنَ أخيه، آكو، من فتح دكان سمانة كي يرتزق منه. ثم ما لبثَ عليكي آغا الكبير أن أضحى وحيداً في إدارة محل الماشية، وذلك على أثر ترك سلو العمل واتجاهه لتجريب حظه في مشغل النول ـ كالعديدين من شبان الحارة في تلك الأيام.

***
الليلة الأخيرة من ذلك العام الحافل، استدل عليها أغلبُ أهالي الحارة من حفلة ألعاب نارية، انطلقت من ناحية حي النصارى. مع أنه لم يكن عامٌ يوبيليّ، شأن ذاك المفتتح القرن الجديد، فإن النصارى على ما يظهر قد اعتبروه بدايةَ مستقبلٍ جديد، خال من مظاهر الإقصاء والاضطهاد، المميزة للعهد العثمانيّ.
بينما الكثير من أهالي الحارة يتابعون ذلك العرض المبهج من على أسطح منازلهم، كان شيخي في فراش مرضه الأخير يستعيدُ ذكرياتٍ متواشجة مع نفس المناسبة: وقوفه جنباً لجنب مع نازو، ابنة معلّمه عليكي آغا الصغير، يتفرجان على الألعاب النارية مع غيرهم من فتيَة العائلة. برغم أنها كانت آنذاك في العاشرة من ربيع عُمرها، بدت ناضجة مثل تفاحة الفردوس، المستحيلة. ولم يكن ليحلم حينئذٍ بأن فتاة بمثل جمالها ومركز والدها، يُمكن أن تقبل به بعلاً في المستقبل. ذلك صار حقيقة في آخر المطاف، وضمن ملابسات أقل ما يقال عنها أنها مخزية ولا تليق برجل شريف: لكن اسمه شيخي، ومنزله المُشترى بمال الزعيم، كان عنواناً معروفاً في الحارة بأسرها لكل من يبغي شراء الحشيش أو مزاولة القمار!

5
ارتفع صوتُ مؤذن مسجد سعيد باشا لينعي منذ الصباح جارَ الحاج حسن، العجوز بدوي. فما أن أقبل العصر، إلا وعاد المؤذنُ نفسه ليعلن وفاة شيخي، صهر الحاج. قلة من المشيعين ساروا في جنازة العجوز، الذي أمضى حياته معفراً بالفقر بصفته ناطوراً لبساتين الحارة. جنازة الصهر، وبرغم أنها أقيمت على عجل، شهدت حضوراً لافتاً لسببٍ وحيد، معلوم. الغريب، أن النسوة قاطعن تقريباً جنازة الرجل وكذلك تعزيته. ليسَ ذلك لأنهن قللن من احترام زعيم الحي، بل وفاءً على الأغلب لذكرى الجميلة، نازو. علاوة على استذكارهن حال الشهيدة الحيّة، زَري، أرملة الرجل الراحل.
لفتة كريمة، في المقابل، أظهرها أصدقاءُ عمر كُرّي عيشة، وقتما بادروا إلى حمل نعش أبيه طوال الطريق إلى المقبرة القريبة، المعتلية هضبةً صغيرة تشرف على الحارة. ثمة أيضاً، ثوى جثمان شيخي بالقرب من مدافن آل حاج حسين. على أثر عودة الأصدقاء من تشييع والد عمر، دعاهم آكو إلى منزله القريب من المقبرة، وهناك عاقروا العرَقَ سكّاً. ما لم يخطر لبالهم حينئذٍ، بطبيعة الحال، أنهم سيضطرون بعد ظهر اليوم ذاته إلى الخروج في تشييع شيخي وكانوا في حالةٍ أقرب إلى السُكر. بعد التشييع، انفصل خلّو عن أصدقائه، قائلاً لهم أنه سينال قيلولة قصيرة استعداداً لحضور الأمسيتين الحزينتين: الزعيم بدَوره، وإكراماً لجيرانه آل كُرّي عيشة، كان قد أعلن على الملأ إقامة تعزية العجوز بدوي في منزله جنباً لجنب مع تعزية الصهر.

***
النشأة الأولى لابنة خلّو البكر، كَوليستان، كانت في منزل جدها لأمها وذلك بسبب الحرب؛ وهناك أيضاً رأت نورَ الحياة. هكذا ترعرعت قريبة من الجدّة سارة، وأيضاً السيدة أديبة. هذه الأخيرة، كانت آنذاك متفرغة لحفيدتها الأثيرة، رابعة، المعد جمالها نادراً على مستوى الحارة. فارق السن الضئيل بين مَن ينادونها اختصاراً، كَولي، وبين عمتها تلك، أججَ شعورَ الغيرة بينهما. بمجيء أخت لكَولي فيما بعد، أخذ ذلك الشعورُ اتجاهاً آخر ولا غرو. لكن مع عودة عيشو إلى منزل حميها، الكائن على الجادة، أضحت الابنة قريبة من جدتها لأبيها. وجدت هذه المرة منافساً على قلب الجدة، وهو الكلب الأحمر الشعر، المدعو " جمال باشا ". لكن مع مرور الأيام، صار بينهما نوعٌ من الإلفة، ثم تطور الحال حتى أخذا أحياناً بالنوم في فراش واحد. كان " جمال باشا " معها في ليلة رأس السنة، لما وقفت امرأتا الأسرة ونساء الجيران ليتطلعن إلى ناحية حي النصارى، أين انطلقت الأسهم النارية.
كانت كَولي أثيرة خصوصاً على قلب أبيها، تحظى منه بمزيد من الرعاية والحنان والدلال. أيام الدفء، كان في بعض الليالي يأخذها معه إلى البستان وكانت عندما تنعس تنام في حضنه متدثرة بعباءته السميكة، المبطنة بالفراء الصوفيّ والمظهّرة بجلد الجمل. مع اقترابها من بلوغ سنّ الخامسة، فاتح خلّو جدها الزعيمَ في أمر إلحاقها بالخوجة لتعلم القراءة. كان الحاج حسن في المضافة ذلك المساء، بينما الآخرُ كان يتأهب لبدء نوبة عمله الليليّ. ضيّق الحاجُ عينيه، متسائلاً: " ما حاجتها إلى القراءة؟ نساؤنا عاشوا وماتوا دونَ أن يفكّوا حرفاً، لكنهن حفظن سوَر الصلاة القصيرة وبعضهن تجاوزن ذلك إلى بصم سوَر أكبر من القرآن الكريم "
" الدنيا تغيّرت، عمي الحاج، وكثيرات في عمرها ينلن هذا القسط من التعليم "، رد خلّو ببساطة. الحاج كان يعرف مسبقاً آراءَ صهره الحرة، وأنه استمدها في الجبل من أحد الصحفيين من أبناء الحي. لكن الزعيم، في المقابل، لم يكن متعنتاً في هذه المسألة. فهوَ أيضاً وقع تحت تأثير دعاة وكتّاب يجلهم كثيراً، مثل الأفغاني ومحمد عبده والطهطاوي والمنفلوطي، وكانوا يشجعون تعليم المرأة ويربطون بذلك تطور المجتمع المسلم وقوته ومنعته. فكّرَ قليلاً، ثم قال لصهره: " لدينا الخوجة ‘ وسيلة ‘، امرأة الشيخ البوطانيّ، ومنزلها في زقاق متفرّع عن حارة الكيكان. لو شئتَ، سأحدث الشيخ الليلة بالأمر حينَ يحضر اجتماع المجلس؟ ". في اليوم التالي، تم إلحاق كَولي بحلقة الخوجة تلك، بغيَةَ نيل قسطٍ من المعرفة بالقراءة عن طريق حفظ " جزء عم "؛ أي مقتطفات من سوَر كتاب الله.
كَولي، كانت أول بنت من آل حاج حسين تبدأ بنيل العلم، ولو كان بصورة بدائية. قبِلَ كبيرُ آلها الأمرَ على مضض، وبالطبع دونَ أن يخطر لعقله المحافظ أن الزمنَ سيتغيّر لدرجة أن يظهر في سلالته نساءٌ ينلن أعلى درجات التعليم ومنهن من تابعن دراساتهن العليا في خارج البلد. عدا عمن سيمارسن في زمن لاحق شؤونَ السياسة والعمل الحزبيّ، فينتسب بعضهن لذلك التنظيم الغامض، الذي جاء عليكي آغا الكبير على ذكره عقبَ عودته من الجبهة: البولشفيك، مَن سيطروا على السلطة في روسيا قبيل نهاية الحرب العظمى بعام واحد!




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,757,362,574
- حديث عن عائشة: مستهل الفصل السادس
- حديث عن عائشة: بقية الفصل الخامس
- حديث عن عائشة: الفصل الخامس/ 2
- حديث عن عائشة: الفصل الخامس/ 1
- حديث عن عائشة: الفصل الرابع/ 5
- حديث عن عائشة: الفصل الرابع/ 4
- حديث عن عائشة: مستهل الفصل الرابع
- حديث عن عائشة: بقية الفصل الثالث
- حديث عن عائشة: مستهل الفصل الثالث
- حديث عن عائشة: بقية الفصل الثاني
- حديث عن عائشة: مستهل الفصل الثاني
- حديث عن عائشة: بقية الفصل الأول
- حديث عن عائشة: مستهل الفصل الأول
- سارة في توراة السفح: الخاتمة
- سارة في توراة السفح: الفصل الرابع عشر/ 5
- سارة في توراة السفح: الفصل الرابع عشر/ 4
- سارة في توراة السفح: الفصل الرابع عشر/ 3
- سارة في توراة السفح: مستهل الفصل الرابع عشر
- سارة في توراة السفح: بقية الفصل الثالث عشر
- سارة في توراة السفح: مستهل الفصل الثالث عشر


المزيد.....




- برلماني فرنسي من أصل مغربي يلجأ للقضاء بشأن عنصرية طبيبين ض ...
- أوبئة نفسية في الأساس.. كيف تغذي جائحة كورونا الكراهية بأمير ...
- فيلم -كونتيجن- يحظى بمشاهدة عالية مع تفشي كورونا... ما رأي م ...
- من -بيلا تشاو- إلى -بحبك يا لبنان-.. الموسيقى تخترق قيود الح ...
- الممثل الإيطالي لدى منظمة الصحة العالمية: عدد المصابين بكورو ...
- محمود دوير يكتب :على الحجار … القابض على جمر الغناء الجاد
- عالم الكتب: الأوبئة في التاريخ والأدب
- في ذكرى وفاته.. هل تنبأ العرّاب بجائحة كورونا؟
- النجمة الأمريكية ليندسي لوهان تطلق أول أغنية جديدة بعد شائعا ...
- “مناجاة”.. الفنان محمد ثروت وثلاثة من كبار المنشدين يحيون لي ...


المزيد.....

- مأساة يغود الجزء الأول : القبيلة، الدولة والثورة / امال الحسين
- البحث المسرحي بين دراماتورجيا الكتابة والنقد المقارن / أبو الحسن سلام
- رواية الملكة ودمعة الجب كاملة / بلال مقبل الهيتي
- قصة قصيرة الناس و التمثال / احمد دسوقى مرسى
- قصة قصيرة الناس و التمثال / احمد دسوقى مرسى
- الأسلوبية في السينما الغربية / جواد بشارة
- مقالات في الرواية والقصة / محمود شاهين
- مسرحية الطماطم و الغلال (مسرحية للأطفال) / زياد بن عبد الجليل
- أناشيد القهر والحداد / Aissa HADDAD
- ماتريوشكا / علي مراد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - حديث عن عائشة: بقية الفصل السادس