أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - فولتير على القومي… يحاربُ العنفَ بالبهجة والتفاؤل














المزيد.....

فولتير على القومي… يحاربُ العنفَ بالبهجة والتفاؤل


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 6331 - 2019 / 8 / 25 - 09:29
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الشابُّ النحيلُ الذي طاف بين رغَد القصور، وجَدْب الصحارى، وتِيْه البحار والجزر المنعزلة، يجادلُ الملوكَ ويُحاججُ القراصنة ويُعلّم المشردين كيف ينبذون الحروب والجهالة، أمضى حياته يُحطِّمُ أصنام التغييب ويُسقطُ الطواغيتَ بالمرح والسخرية من كل مظاهر الشر لدى الإنسان. ذاك هو الفتى الفرنسي ابن القرن 18. ويحملُ تقريبًا نفس سمات شخصية العظيم «ڤولتير»، التي سكبها على وجه (سامح حسين)، في قُدس أقداس هرم مصر الرابع: (المسرح القومي).
وكأننى أرى شخصية ڤولتير ذاتها. العنيد المشاكس الذي دوّخ العالمَ بأفكاره، وجعل ملوك فرنسا يرهبون جانبه، رغم أنه لم يحمل سيفًا ولا سوطًا. ليس إلا قلمٌ حادٌّ وعقلٌ نيّر، وقلبٌ يرفضُ التغييبَ، ولسانٌ لا يقول إلا الحقّ. دفعَ من عمره شهورًا في سجن «الباستيل»، ثمنًا لنكتة قاسية سخر فيها من وريث عرش فرنسا حين باع نصفَ جياد القصر لسداد ديون الملك لويس 14. فعلّق ڤولتير ساخرًا: (أنفع لفرنسا لو باع نصفَ حمير القصر، بدلا من جياده!)، وكان يقصد حاشية الملك. وخلال اعتقاله بالباستيل، أنجز كتابه الأول، ليبزغ اسمُه في عالم الأدب والفلسفة والنقد المجتمعى، حتى اعتُبر أعظمَ عقل أنجبته فرنسا عبر تاريخها. ثم أنجز كتابه الأشهر (القاموس الفلسفي)، أهمَّ مؤلفات عصر التنوير، الذي انتقد جميع مظاهر الطغيان والتعصب العقدي والحروب، والميتافيزيقا والتغييب والخرافات، ورفض كلَّ ما يعارض العقل والأخلاق. ثم دفع ثمنَ كلِّ ذاك ثلاثين عامًا منفيًا خارج فرنسا، عاش آخرها في چنيف. وحين تجاوز الثمانين، أصدر الملك لويس 16 بيانًا قال فيه: (نحن لا نرحِّب بعودة مسيو ڤولتير لفرنسا. ولكننا لن نقبض عليه إذا عاد). وقرر ڤولتير العودة إثر البيان. وعلى الحدود أمعن الحراسُ في تفتيش عربته، فهمس ساخرًا: (لا شىء في العربة مخالفًا لقوانينكم، إلا أنا!) ضحك الضابطُ قائلًا: (أهلا مسيو ڤولتير. باريس كلها بانتظارك)، وبالفعل كان الشعبُ الفرنسي محتشدًا في الميادين لاستقبال فيلسوفهم الأشهر رافعين صوره فوق أعناقهم. وبعد شهور ثلاثة من الاستقبال الأسطوري، طرق الموتُ باب ڤولتير عام 1778، وكانت آخر كلماته: (أموتُ الآن وأنا أحبُّ أصدقائي ولا أكره أعدائي. وأعلنُ رفضي المطلق للمعتقدات الباطلة). وعلى قبره نُقشت هذه الكلمات: (أعِدّوا الناسَ لكي يكونوا أحرارًا).
على خشبة (المسرح القومي) يُعرض الآن عملٌ عظيم. إبهارٌ في الإنتاج والإخراج والديكور والملابس والإضاءة والموسيقى والاستعراض والتمثيل. الحوار بارعٌ معجون بالكوميديا الراقية، وهو عن مسرحية (كنديد) التي كتبها ڤولتير عام 1759، وكأنه يكتبُ حياته. ورغم تعقيد النص وإسقاطاته السياسية، إلا أن الحوار بالدارجة المرحة وتطعيمه بومضات من الفصحى جعله يخترقُ القلب. تحيةً للمخرج (إسلام إمام) الذي أعدّ النص وأخرجه على نحو فائق الجمال والإتقان.
الفنان الرائع (سامح حسين) قدّم كوميديًّا مبهجة من خارج الصندوق. وأبهرنا في قدرته على إضحاكنا ووخز قلوبنا بالوجع في لحظات الجوع والفقد والضياع التي تعرّض لها على مدى ربع قرن، في رحلات أوديسيوسية شاقّة حاشدة بالأهوال والإجبار على ارتكاب الخطايا، ثم مقاومة كل ألوان الشرور بالتفاؤل ونقاء القلب.
الفنانة (سهر الصايغ) مبهرة في أدائها الكوميدي والاستعراضات الراقصة، والغناء. الفنان المبهج (أمجد الحجار) تفوق كوميديانًا حتى أنسانا الصورة النمطية عن القراصنة الأشرار، فاتخذناه صديقًا طيبًا من فرط خفة ظله.
الفنان الكبير (يوسف إسماعيل) كان عظيمًا في الأداء الكوميدي مثلما عوّدنا في الدراما الجادة. الديكور بطلٌ رئيسي في العرض. سخيٌّ وثريٌّ وموحٍ، صمّمه (حازم شبل). الإضاءة الأخاذة، تصميم (أبوبكر الشريف). الرقصات والاستعراضات متقنة ومتعوبٌ عليها صمّمها (ضياء شفيق). الملابس تنقلك فورًا إلى بلاط ق 18، تصميم المبدعة (نعيمة عجمى). الأغنيات الجميلة كتبها ( طارق على)، ووضع موسيقاها الفاتنة (هشام جبر).
جزيل الاحترام لمدير المسرح القومي، الفنان الموهوب (أحمد شاكر عبد اللطيف)، لاهتمامه الدائم بدعوة أبطال السرطان من أطفال ( المركز القومي للأورام)، في معظم العروض للترفيه عنهم، ومنحهم طاقة كبرى من (التفاؤل).
والشكر الأبدي للمسرح القومي العظيم، ولجميع العاملين على رفعته وشموخه، ليظلَّ لنا معلّمًا أبديًّا. اذهبوا واملأوا مقاعدَ القومي واستمتعوا بهذا العمل الخالد.
"الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن”.


***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,758,482
- بناءُ الإنسان في مصر
- المهرجان القومي لأبي العظماء السبعة
- مصرُ يليقُ بكِ الفرح … الوزيراتُ يليقُ بكنّ الأبيض
- الجرذان
- زمن جابر عصفور
- من ذكريات القناة … صمتَ الرئيسُ لتتكلَّمَ السفينة
- مَن هم الأقليّة في مصر؟ (2)
- الفلاتر الثلاثة … والأخلاق
- مَن هم الأقليّة في مصر؟ (1)
- الإخوان السفاحون…. لم يرحموا المرضى
- فيلم: الوباء الصامت … احذروا
- نزار قباني … نهرٌ دافقٌ وشركٌ صعب
- في مديح الضعف والضعفاء
- صُهَيْبَة
- صمتي صلاة
- المنهزمون!
- سمير الإسكندراني … يا غُصنَ نقا مكلّلاً بالذهب!
- سيادة الرئيس … انقذْ لنا مجمعَ مسارح العتبة!
- إمام مسجد … يدعو لنُصرة الأقباط
- موعدنا 30 يونيو!


المزيد.....




- منظمة التعاون الاسلامي: رفضٌ وإدانةٌ لخطة نتنياهو ضم أجزاء م ...
- منظمة التعاون الاسلامي: رفضٌ وإدانةٌ لخطة نتنياهو ضم أجزاء م ...
- -الجمهورية الصينية- أو دار الإسلام بالنسبة لمسلميها.. رسائل ...
- وزراء خارجية «التعاون الإسلامي» يؤكدون على مركزية القضية الف ...
- البطريرك كيريل: مأساة انفصال الكنيسة الروسية في الخارج انتهت ...
- كان الوريث المحتمل للقاعدة.. كيف كانت حياة حمزة بن لادن؟
- -ليست أكذوبة-... الحكومة السودانية تتحدث عن -دولة الإخوان ال ...
- تحالف المعارضة الماليزية يتعهد بحماية الملايو ومكانة الإسلام ...
- ترامب يؤكد مقتل حمزة بن لادن في عملية عسكرية
- بعد تسريبات صحفية.. ترامب يؤكد مقتل حمزة بن لادن نجل زعيم ال ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - فولتير على القومي… يحاربُ العنفَ بالبهجة والتفاؤل