أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمير بالعربي - أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (10)















المزيد.....

أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (10)


أمير بالعربي

الحوار المتمدن-العدد: 6287 - 2019 / 7 / 11 - 03:40
المحور: الادب والفن
    


عادت ماما , وما إن دخلت حتى سألتها ...
- تحبيّن ماما إيناس ؟
- عزيز قلبي ... في سنتك الأولى ستدرس كيمياء , بيو كيمياء , فيزياء , بيو فيزياء , أمبريولوجي , هيستولوجي , فيزيولوجي إلخ , وكلها نسميها علوما أساسية أي حجر الأساس الذي عليه ستُبنى السنوات القادمة التي فيها ستفهم كيف يعمل كل جهاز في الجسم وكيف يحصل الخلل وكيف يكون العلاج ... هل فهمت ؟
- ليس كل قصدك .
- عزيزي , لا تستطيع أن تصبح طبيبا دون الإلمام بالعلوم الأساسية ... ولا تستطيع قيادة سيارة دون معرفة الأساسيات أيضا ... قل لي ما رأيك لو تبدأ في الأيام القادمة ؟ أريد أن تحصل على رخصتك قبل نهاية الصيف ... وأمينة كذلك ... بلغتما الثماني عشرة ...
- سنحصل عليها بسرعة لا تقلقي .
- لا أريد أن تستعملا النقل العمومي السنة القادمة ....
- ماما , لا تقولي أنكم ستشترون لأمينة سيارة ؟
- ولك ...
- ماما , أمينة يلزمها سنوات لتستطيع القيادة دون تهور ...
- قالت أنها تقود أحسن منك .
- تستطيع القيادة صحيح , لكنها متهورة ولا تعرف الحذر .
- هل تحبها ؟
- ما هذا السؤال ماما ؟ أكيد أحبها وأخاف عليها من تهورها في القيادة !
- سؤال غريب , عندك حق ... من نوعية الأسئلة التي لا يجب أن تُطرح ... مثل سؤالك .
- آه ... نعم ... فهمتُ .
- أنت ذكي عزيزي , وأختك أيضا ... فعلنا كل ما بوسعنا لتكونا الأفضل ولا نزال ... وقد كبرتما اليوم .
- أعلم ماما ...
- لا شيء سيتغير في أسرتنا , كل العوالم يمكن أن تتغير وتضعف فتسقط إلا عالمنا ... نحن أقوياء بنيّ , أقوياء جدا ولا شيء يمكن أن يقف أمام إرادتنا ... قد تحصل بعض الكبوات , لكنها لن تؤثر , وهي للأسف لازمة ولا نستطيع تجنّبها لأنك وأختك لا تزالان تتعلمان وستكبران وتصيران كل يوم أقوى وستفهمان أكثر الحظ العظيم الذي عند كل فرد منا في الانتماء لهذه الأسرة ...
- أعدك ألا أخذلك ماما ...
- أعرف أنك لن تفعل , وستكون فخرنا أنت وأمينة ...
دخلت أمينة في اللحظة التي احتضتني فيها ماما ... وبسرعة , قفزت فوق السرير بجانب ماما , وبقت على ركبتيها ...
- وأنا أيضا !
- ليس قبل أن تعتذري من أخيك ...
- قد فعلت ماما واعتذرت منه ... بعد إذنكِ ... ابتعدي قليلا هنا ... أريد أن آخذ مكاني ... وأنتَ إلى الخلف قليلا ... هكذا ...
كانت ماما على يساري فوق السرير , وكانت أمينة في حجري تحيط رقبتي بيدها اليسرى وباليمنى ظهر ماما عندما عادت ماما إيناس ...
- البيتزا حاضرة ومعها البيرة عزيزي , مثلما طلبت ... آه أمينة ... أنت هنا .... عزيزتي , أخوكِ جائع , لندعه يأكل ...
وقفت ماما إيناس عن يميني تحمل الطبق , وأرادت أن تمرره بيني وبين أمينة لتضعه في حجري , فأخذته أمينة من يدها ووضعته عن يمينها على السرير ثم أحاطت ماما إيناس بيدها اليسرى وجذبتها بقوة لها ولي ...
شعرت بحركات أجسادهن , ثلاثتهن :
عن يساري , جسد ماما لم يصدر منه أي تشنج .
في حجري , جسد أمينة التي ضغطت بقوة برقبتها على كتفي اليمنى وبصدرها على صدري لتستطيع إرغام جسد ماما إيناس على الالتصاق بالسرير وبجهة جسدي اليمنى من مستوى فخذي حتى كتفي .
عن يميني , جسد ماما إيناس الذي حاول الافلات من قبضة أمينة لكنه لم يستطع , فاستسلم لرغبتها لحظات ....
ماما إيناس : جميل ... جميل ... أمينة لندع أخاك الآن يأكل ...
أمينة : ينقصنا بابا جمال الآن , بجانبكِ ... وبابا بجانب ماما .
ماما إيناس : لا ينقصنا أحد , هما دائما حاضران معنا ...
أمينة : غير صحيح ... بابا دائما يعمل , وبابا جمال في القبر .
ماما إيناس : ما هذا الكلام صغيرتي ؟ تعالي ... أنتِ أيضا أحضرت لكِ بيتزا ... أعلم أنكِ لم تأكلي ... هيا ... ستعجبكِ سترين ...
بعد خروجهما ... وضعت ماما الطبق في حجري ... وفتحت علبة البيرة ...
- رائحتها لذيذة , هيا كل عزيزي ...
- ما بها ؟
- ستكون بخير ... لا تهتم لها ...
- وأنتِ , هل تغديتِ ؟
- أأأأأأكلنا قليلا ... عزيزي أريدك أن تأكل هيا , لم تأكل من البارحة ...
- أكيد ماما إيناس لم تأكل هي أيضا ... نأكل معا إذن ... لكن قبل ذلك أريد الذهاب للحمام ...
- حاضر ... تعال سأرافقك ... لكن البيتزا ستأكلها كلها وحدكَ ...
- لا أشعر بجوع كبير ماما ... سنقتسمها ثلاثتنا ...
اتكأت عليها ومشينا ببطء حتى توقفت قبل وصولنا للحمام ... عبر باب الصالة المفتوح , رأيت أمينة واقفة تنظر إلى أسفل محركة ساقها اليمنى , وماما إيناس تنظر إليها وتكلمها بصوت لم يصل إلى مكاني ... ومع أن ماما دفعتني بذراعها لأستمر في السير , إلا أني طلبت منها أن تنتظر لأواصل النظر إليهما ... مشهد جميل أن أرى أمينة تسمع لأحد دون أن تثور عليه ... تلك المشاهد البسيطة رأيتها آلاف المرات طيلة حياتي لكني لم أفطن يوما لتميزها ولتفردها , كنت كمن عاد من الموت بعد أن وعى حقيقة الحياة التي يجب أن تُفهم أحداثها لتُعاش دون إضاعة أي متعة , وأي متعة أعظم من أن أرى كل هذا الحب الفريد الذي يجمع كل أفراد أسرتنا ؟
ما إن تفطنت ماما إيناس لوقوفنا حتى قبّلت أمينة وأسرعت في اتجاهنا .
- أميرة , ما به ؟ ما الذي حصل ؟
- لا شيء , لا شيء , لم يحصل أي شيء , فقط سنذهب للحمام ...
بقيت أنظر لأمينة التي قدمت والحزن باد على وجهها ولم أعرف السبب ...
- بالمناسبة , هذه لم تأكل أي شيء من البارحة , وهذه مثلها ... تصرّف معهما ...
- وأنتِ ؟
- لا أريد ...
- نأكل أربعتنا معا ...
- سأذهب إلى غرفتي ...
- سنلحق بك .
- أريد أن أبقى وحدي ...
في الحمام , وقفت طويلا ... "اللعنة أين كان كل هذا وكأني شربت برميل بيرة !" , قلت ... وضحكتُ , عندما تذكّرت كيف كنت أسخر من أمينة : "انظري حبلي طويل كحبل بابا" , فتحاول أمينة لكنها لا تستطيع , فأضحك عليها , فتسرع لماما وتطلب منها أن تستحم وأن تغير لها ملابسها , وتسألها : "ماما , لماذا ليس عندي حبل طويل كأمين ؟!" , فتجيبها ماما : "لأنه ولد وأنت بنت والبنات ليس لهن حبال" , لكن أمينة لم تكن تقبل وكانت تصر على أن يكون عندها حبل وتسأل ماما : "وأنت ليس عندك حبل ؟" فتجيبها ماما أن عندها أحسن من الحبل وتشير إلى بطنها وصدرها : "نحن البنات أقوى من الأولاد لأننا نستطيع أن نحمل جنينا في بطوننا حتى يكبر ثم نرضعه ولا يستطيع ذلك الأولاد" فتجيب أمينة أنها تريد أن تحمل جنينا ثم ترضعه لتغيظني وعندما تقول لها ماما أن ذلك عندما تكبر تغضب أمينة وتقول : "سيبقى أحسن مني حتى أكبر ! أريد أن يكون عندي حبل الآن وعندما أكبر جنين ! أريد أن أغلبه دائما !" ... تذكرت ذلك وقلت "كم أحببببـ ... " وسكتُّ ... لم أكمل "كِ أمينة" لأني تذكرتُ أيضا كل ما بدر منها , وقلت في نفسي : "ويلي من أمينة مستقبلا ومن كل ما ستفعله !" ... وخرجتُ ...
أمام الباب ماما إيناس من جهتي اليمنى وماما من اليسرى , يد ماما إيناس اليمنى تمسك بيد ماما اليسرى ... تقدمتا نحوي ... بذراعها اليسرى أمسكت ماما إيناس ذراعي اليمنى , وبذراعها اليمنى أمسكت ماما بذراعي اليسرى واستدارتا دون أن تترك كل منهما يد الأخرى ... ثم مشينا حتى غرفتي ...
لم أكن أركز مع تلك التفاصيل قبل ذلك اليوم , لم أرها غريبة لأني تربّيت على رؤيتها حتى كبرت , لكن نظرتي لها تغيّرت , وكل الفضل يعود لأمينة ولأقوالها وأفعالها ! لا أعلم هل لم يرقني ذلك أم لا وقتها لكني لم أشعر أني كالريشة في مهب الريح أو مفعولا فيّ ولا حرية عندي لأن الواقع المحيط بي لم يتغير لكن الذي تغير كان نظرتي له وبسبب أمينة ... استثنيت من كل أحكامي وتساؤلاتي الليلة الأولى بعد أن عدت من منزل ماما إيناس , وقسمت تاريخي إلى مرحلتين كانت اللحظة الفاصلة بينهما ما فعلته وقالته أمينة في ذلك اليوم ... عندما كان عمري وعمر أمينة ثماني عشرة سنة ويوم . فهمت جيدا كيف أن بابا جمال وماما وبابا وماما إيناس لم يكذبوا عليّ , لأنهم كانوا نفس الواقع الموجود قبل ولادتنا أنا وأمينة , ذلك الواقع الذي لم يتغير ولن يتغير , وما عليّ إلا فهمه أنا الحدث الطارئ عليه , وقد صدقت ماما عندما قالت أني وأمينة لا نزال نتعلم وسنكبر ونصير كل يوم أقوى ... ولن يكون ذلك إلا بفهم حقيقة أسرتنا التي لم تتغيّر , لذلك اعتذرت منهم ورددت كلام بابا أن لا شيء سيتغير في أسرتنا وسنبقى متحدين دائما ... ولذلك أيضا حيّرني كلام أمينة , كوني أجهل دعائم أسرتنا وحدودها التي يجب أن تحترم وأن يُدافع عنها , وعجزت عن جوابها ... لا يزال أمامي الكثير لأعرف قلت , وقررت فتح كل الأبواب لأتعلم وإن كان بعضها مخيفا مرعبا ...
وصلنا غرفتي ...
- لنذهب لغرفة أمينة ...
ماما : البيتزا بدأت تبرد .
- ولكني وعدتها ؟
ماما إيناس : وعدتها ؟ وعدتها بماذا ؟ لم نسمع شيئا ! ثم ... أنسيت غرفة أمينة في الصيف ؟
- أريد أن نأكل معا ... هي أيضا لم تأكل ...
ماما إيناس : سنبقى ننتظر ساعة عند الباب ! اجلس وكل هنا عزيزي ...
- لا أريد إذن !
ماما : حاضر ! انتظر هنا , سأذهب لإعلامها ثم أعود ...
عند عودتها , وعند الباب اتصلوا بها , قالت أنها نامت ثم ردّت على الاتصال فتغيرت ملامح وجهها وقالت أنها ستصل في أقل من ربع ساعة ... قالت أن أمل ابنة سليم في طريقها للمصحة , عندها حالة ولادة مبكرة وخطرة ...
تبعتها ماما إيناس حتى غيرت ملابسها بسرعة ورافقتها حتى غادرت ثم عادت لغرفتي ...
كان سليم من الأطباء القلائل الذين كانت ماما تذكرهم بخير , مختص في الجراحة العامة وعنده مصحة صغيرة لا يتعامل فيها إلا مع عدد محدود من الأطباء منهم ماما التي كانت هي وزميل لها المكلفين الوحيدين بطب النساء . أما أمل فكانت ابنته البكر , تزوجت حديثا وكانت في الخامسة والعشرين في تلك الصائفة ... لم ينجب ذكورا , كان عنده فقط أمل وآية ... صديقة أمينة .
حاولت ماما إيناس أن تخفي قلقها لكنه كان واضحا على وجهها , ومنه فهمت أن حياة أمل في خطر , وفكرت في تبعات ذلك على أمينة ...
كانت الساعة تقريبا السادسة والنصف عندما خرجت ماما ... مع الثامنة اتصل بي بابا ليعتذر عن عدم عودته ثم اتصل بماما إيناس التي كانت بجانبي ...
- أبوك في المصحة ... قال أنها في قاعة العمليات منذ أكثر من ساعة وأن نجاتها صعبة حسب ما قال له أحد الأطباء ...
- يجب أن نوقظ أمينة ماما ...
عندما استيقظت أمينة , وجدت أن آية اتصلت بها مرات كثيرة وأرسلت لها عدة رسائل ... راقبت هلع أمينة , حركاتها , صوتها ,علامات وجهها , فوجدت أن قولها أن آية مجرد وحش من الوحوش لا يتفق مع كل ما رأيت .
غضبت أمينة عندما قالت لها ماما إيناس أن تتصل بصديقتها وأن تنتظر في المنزل أحسن , وقالت أن آية تحتاجها ويجب أن تذهب إليها ... فأذعنت ماما إيناس وتوجهنا ثلاثتنا للمصحة .
تبعنا ماما إيناس عندما وصلنا , كانت تمشي بسرعة وبجانبها أمينة ولم أستطع مسايرتهما ... حتى وصلنا قاعة انتظار كبيرة قريبة من قسم العمليات .
لم أر إلا الحيرة على كل الوجوه الموجودة وأولها وجه بابا الذي كان واقفا بجانب آية وأمها وأفراد كثر من عائلتها ... لم أقترب , عكس أمينة التي احتضنت آية ومشت معها إلى أطرف القاعة , وماما إيناس التي وقفت أمام أم آية تواسيها ممسكة بيديها ... مشى بابا نحوي , وقف بجانبي وأحاطني بذراعه اليسرى فاتكأت عليه , وعندما سألته أجابني أن الأمور سيئة ... سيئة جدا والأمل ضعيف .
بقينا قرابة الساعة والنصف ننتظر , كنت جالسا بجانب ماما إيناس عندما خرج أب آية من قسم العمليات ... كان الموقف سيئا جدا , وزادته آية سوءا ... كان أبوها واقفا وهي تضربه على صدره وتصرخ في وجهه "أنت السبب ! أنت السبب !" حتى انهارت أمامه فأسرع إليها أحدهم وحملها بين ذراعيه وغادر فتبعته أمينة , أظنه كان من الطاقم الطبي للمصحة , أما أبوها فبقى في مكانه لم يتحرك ... أظنه انتظر زوجته لترتمي في حضنه وليبكيا معا كما في الأفلام , لكنها لم تفعل .
علمنا بعد ذلك أن ماما وزميلها استطاعا إنقاذ المولودة بأعجوبة , وأن كل الأطباء كانوا يعرفون منذ البداية أن أمل لن تنجُ . توفيت بعد نصف ساعة , أما الساعتان المتبقيتان فكانتا الوقت اللازم لإنقاذ المولودة ... أب آية كان حاضرا لكنه لم يخرج لإعلام زوجته وابنته قبل التأكد من إنقاذ حفيدته , ربما كان يريد أن يحمل خبرا مفرحا مع الخبر السيء ... ربما . لكن آية وأمها لم تهتما للخبر السار -إن كان سارا- , فآية اتهته بأنه هو السبب في وفاة أختها أي هو من قتلها ... هو المجرم , وأمها لم تقترب منه وفضلت البقاء بجانب أهلها وزوج ابنتها ومن حضر معه من أسرته ... كان ذميما عكس أمل وآية , كنت أنظر إليه وأرجو ألا تكون المولودة قبيحة مثله ... سمعت إحداهن تقول "ماتت شهيدة" , فابتسمت محتقرا لعالم الوحوش ذاك , الذي وعيت جيدا كيفية التعامل معه منذ صغري . وعندما فكرت في مواقفنا خمستنا وجدت أن أمينة لم تلتزم بمبادئ أسرتنا . ماما كانت تمارس عملها , بابا حضر لأنه يعرف عائلة آية وماما تتعامل مع تلك المصحة , الموقف المميز كان لماما إيناس التي لم تر أن حضورنا أنا هي وأمينة ضروري , أنا كنت أنظر للناس ! أما أمينة فقد تجاوزت الحدود ... أمينة قالت لي بالحرف أنه لا يوجد استثناءات في أسرتنا أي لا أحد له الحق أن يدخلها , وقالت أن آية مجرد وحش عندها لكن سلوكها قال عكس كل ذلك ... وتذكرت أنه من المؤكد أن آية ستدرس معي في السنة القادمة , فتساءلت وحدي : "هل يا ترى أمينة تقوم بتحضيرها لتتجسس عليّ كل السنين القادمة ؟!" ...
نظري للناس لم يكن نقيا بل شوهته أمينة ! نعم ! لم يعجبني أني شعرت بأشياء ... كلها مرّت عبر أمينة أكيد , لكن كان فيها وحش اسمه آية ! عندما انهارت آية شعرت بأشياء , لم تكن قوية لكنها وُجدت وما كان لها أن توجد ... وكل أولئك الذين كانوا يبكون , شعرت بأشياء عندما نظرت لهم وما كان ينبغي لي ... قطيع أسود يبكي أسدا صغيرا , وبجانبه قطعان نمور وفهود وضباع وذئاب وكلاب برية : المراقبة من بعيد جائزة لكن الاقتراب نتيجته الحتمية أن يفتك بي أي قطيع من تلك القطعان وأولها قطيع الأسود ! وحتى لو كانت آية استثناء أي حبيبة أمينة -وقد نفت أمينة ذلك- , القليل الذي كان يُفترض أن يخرج مني كان يجب أن يخص آية وحدها لا بقية عائلتها وكل أولئك الحاضرين ! ما شعرت به كان شيئا من الحب , والحب كما تعلمت طيلة حياتي لا يمكن له أن يوجد إلا داخل أسرتنا ! بين ستّتنا فقط ! ومرة أخرى كانت أمينة السبب !
من بين الحاضرين , زوجة زميل ماما , وقفت قليلا بجانب ماما إيناس ولعنت اليوم الذي قبلت فيه الزواج منه ... ذلك اليوم غابت ماما عن عيادتها فطلبت منه تعويضها فقبل , المسكين أمضى طيلة اليوم بين عيادة ماما وعيادته دون انقطاع وكنا في بداية يوليوز , ثم أعلموه بحالة أمل ... قالت أنه اتصل بها وقال أنه يجب أن يبقى أحدهما في المصحة طوال الليل لمراقبة المولودة وأنه سيرى مع ماما إن كانت تستطيع البقاء ليعود للمنزل فيرتاح قليلا ... كانت غاضبة تلك الزوجة المسكينة وقالت لماما إيناس أن ماما دائما ما تستغل طبعه الطيب والخدوم ويجب أن تكف عن ذلك , وطلبت من ماما إيناس أن تكلمها ... فردت عليها ماما إيناس أن أمل في الأصل هو طبيبها المباشر وليست ماما وبرغم ذلك فقد حضرت معه ... عندما خرج زوجها من قسم العمليات لم يجدها , وقد غادرت غاضبة . لم تهتم تلك المرأة لمن مات ولمن عاش , بل كان اهتمامها الوحيد راحة زوجها , وربما ذلك الوقت بعد الظهيرة الذي ربما كانت تريد إمضاءه في نزل أو على ضفاف البحر رفقة زوجها ولم تستطع لالتزامه بتعويض ماما .
بعد زميلها بدقائق , دخلت ماما غرفة الانتظار تلك , واتجهت مباشرة نحوي وسألتني هل أنا بخير فأجبتها أني أشعر ببعض الدوار , فسألت عن البيتزا فقلت أننا خرجنا قبل أن نأكل ... أخرجت من أحد جيوبها شكولاتة ووضعتها في فمي : "بنيّ , ماما ستبقى في المصحة الليلة , الآن تخرج وتتعشّى , لا تجعلني أنشغل عليك ! هل تستطيع أن تعدني بذلك ؟" ... ففعلتُ ... آخر مرة أكلت فيها كانت منذ أكثر من يوم وليلة , وأحسست بتحسن كبير بعد وقت قصير من تلك الشكولاتة ... عادت ماما بسرعة للداخل بعد أن تكلمت قليلا مع بابا وماما إيناس وقالت لهما أن أمينة لا يجب أن تنام خارجا ... وددت لو سألتها : "هل يعطونهم شكولاتة في غرفة العمليات ؟ وهل ذلك للأطباء فقط أم للممرضين أيضا ؟" .
سررت كثيرا بتذكيرها للجميع أن أمينة يجب أن تعود للمنزل , أكيد قد رأتها في المكان الذي أخذوا له آية قبل أن تحضر لقاعة الانتظار التي كنا فيها , وأكيد قالت في نفسها أن أمينة ربما قد تكون جرفتها الأحداث وقد تفكر في مرافقة صديقتها وربما النوم عندها , وذلك ما لم نعرفه في أسرتنا , فلا أحد ينام عندنا ولا أحد منا ينام بين الوحوش . تلك هي ماما النيكالية التي أعرف والتي أحب ! وقد كانت على حق , لأن أمينة أرادت مرافقة آية بعد أن رأت أختها أمل قبل مغادرة المصحة , لكن سرعان ما عاد لها رشدها بعد أن ذكّرها بابا أن لا سبيل لذلك وأنها تستطيع زيارة صديقتها في الغد لو أرادت ... وعلى كل حال كلنا سنراها يوم مراسم الدفن العجيبة , والذي سيكون إما في الغد أو بعده .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,419,357,083
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (9)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (8)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (7)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (6)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (5)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (4)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (3)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (2)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (1)
- -أخي ومن بعده !-
- طبيبُ عيونٍ حسيرُ بصر
- -ابن حرام- ؟ إله ؟ أم نبي أرسلته السماء ؟
- خُصْيات حداثية في خدمة المثلية
- كفريات في هيكل الحب (2)
- كفريات في هيكل الحب (1)
- - أريد إتيان ماما - , قالت (طبيبة النفس) : مذكرات جيروفايل ( ...
- - أريد إتيان ماما - , قالت (طبيبة النفس) : مذكرات جيروفايل ( ...
- - أريد إتيان ماما - , قالت (طبيبة النفس) : مذكرات جيروفايل ( ...
- قصص قصيرة عن مواضيع يُظن أنها خيالية (2)
- قصص قصيرة عن مواضيع يُظن أنها خيالية (1)


المزيد.....




- اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي يعقد اجت ...
- كارول سماحة تقاوم الوجع بالموسيقى في “ليالي قلعة دمشق”
- جدل بين بووانو والطاهري حول المنطقة الصناعية سيدي بوزكري
- لماذا يعد -عندما التقي هاري بسالي- أفضل فيلم كوميدي رومانسي؟ ...
- مصر تفتتح متحفا لمنارة الأدب و الإبداع نجيب محفوظ
- مصر تفتتح متحفا لمنارة الأدب و الإبداع نجيب محفوظ
- صيانة خط غاز حقل الشاعر وعودته للخدمة بعد استهدافه من قبل إر ...
- استياء في المملكة بسبب حجب صورة للفنانة السعودية داليا مبارك ...
- تعلم الخط العربي في موسكو: قصة أستاذ وطلابه
- الرواية الإنجليزية -فرسان الجزيرة العربية: قصة اليمن في القر ...


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمير بالعربي - أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (10)