أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محمد مبروك أبو زيد - حضارة العرب من منظور التوسع الاستعماري (2)















المزيد.....



حضارة العرب من منظور التوسع الاستعماري (2)


محمد مبروك أبو زيد

الحوار المتمدن-العدد: 6257 - 2019 / 6 / 11 - 22:47
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


عرفنا في مقال الأمس أن الصحابة الكرام ذهبوا إلى العراق لاحتلالها بحجة نشر الدين، وعرفنا أنه لا يمكن استخدام الجيوش الحربية في نشر ‏الأديان لأن الأديان دعوة خير وسلام للبشرية، لكن الصحابة الكرام سلطوا سيوفهم على رقاب الناس الأبرياء في العراق وفارس لأن بلادهم كانت ‏حضارية وخيراتها كثيرة، بينما الصحابة العرب كانوا جائعين جداً لدرجة أنهم تزمروا حينما أمر الله بمنع طواف المشركين حول البيت لأنهم كانوا يطوفون ‏عرايا، لكن العرب المسلمين كانوا يسترزقون من بيع خدماتهم لهؤلاء الفسقة... المهم أننا أثبتنا أن علامات الجوع كانت لها حسابات في عقل كل عربي ‏، حتى أنهم فسروا قول الله تعالى "سيرزقكم من حيث لا تعلمون" بأنها تشير إلى الغنائم والجزيرة التي يفرضونها على الشعوب المجاورة لهم، وهذا ما قال به ‏المفسرون، وهذا ما يعبر عن التربة الخام للعقلية العربية أنها تقوم حياته على الإغارة والغصب ولا تأكل من عمل يدها ولا تعرف الكد والتعب والعرق ‏إنما فقط تعيش على الكر والفر والغصب كما الكائنات البرية.‏

‏... نعود إلى شبه جزيرة العرب، ففي موقعة حُنين، عمل مالك عوف النصري كميناً للمسلمين، ووضع جنده في رؤوس الجبال وتظاهر جيشه ‏بالانسحاب وترك الغنائم والمتاع طعمة ظاهرة للمسلمين.. فاغتر المسلمون بهذا المشهد.. لم يتريثوا وتدافع كثير منهم لحصد الغنائم، فانهالت عليهم ‏السهام من قمم الجبال، حيث أمطرهم جيش مالك عوف بوابل من السهام، ففروا هاربين وتركوا كل شيء، ولم يصمد حول رسول الله منهم سوى عشرة ‏فقط أو أحد عشر صحابي.. لم يكن الدين قد ترسخ في قلوبهم بالكامل وما زالت عادات السطو والنهب والسلب تغازل نفوسهم حتى أنهم تركوا الرسول ‏وتركوا الجيش والنظام المأمورين به في الصفوف وانفرطوا عشوائياً لحصد الغنائم وكأنهم إنما جاؤا من أجلها.. سبحان الله.. هذه طبيعة نفسية غريزية في ‏المجتمع العربي، وبرغم نزول الوحي كالفيضان المنهمر يوماً بعد يوم إلا أنه لم يتملك من قلوبهم المادية.. ‏

وحتى بعد انتصارهم في خيبر، يسرع أحدهم ليسرق عباءة ويخفيها.. يروي عُمَرُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ‏فَقَالُوا: فُلاَنٌ شَهِيدٌ. فُلاَنٌ شَهِيدٌ. حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا: فُلاَنٌ شَهِيدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ عليه السلام: «كَلاَّ. إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ. فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا. أَوْ ‏عَبَاءَةٍ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ عليه السلام: «يا ابْنَ الْخَطَّابِ! اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ» رواه مسلم؛ أي الذين جاؤا للجهاد ‏والتضحية بأموالهم وأنفسهم وليس من أجل المال.‏

وهذا لا يعني أن من شغلوا أنفسهم بالغنائم ليسوا مؤمنين، وأن من فسروا كلام الله بأن الرزق هو الجزية والغنائم ليسوا مؤمنين أيضاً، لكن هذه ‏السلوكيات الرديئة كانت مترسخة في عقلية العرب، وكان من الصعب تخليصهم منها، فهم قد اعتادوا الهجوم والإغارة على بعضهم البعض للسلب ‏والنهب والخطف، وهذه كانت طبيعة المجتمع العربي في الغالب الأعم.. لكن الجهاد في سبيل الله، قام على فلسفة عكسية، وهي التضحية في سبيله " ‏بالمال والنفس" فيبدأ بالمال والنفس لا طمعاً في المال، فيقول تعالي: إنما المؤمنون الذين أمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ‏الله أولئك هم الصادقون ) ‏

فالجهاد في سبيل الله كان ثقيلاً في عهد النبي، ولذلك نزلت سورة التوبة مخاطبة المؤمنين أنفسهم قبل المنافقين منهم بقوله تعالى: يا أيها الذين ‏آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ورضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل* إلا تنفروا...) ‏هنا يخاطب الله الصحابة بلفظ المؤمنين الذين كان أغلبهم يتهرب من القتال في جيش العسرة، لأن القتال " كُرهٌ للناس " هذا في عصر النبي، أما بعد ‏رحيل النبي انطلقت الفتوحات مثل الشرارة تجوب الأرض شرقاً وغرباً، بل إن بعض المسلمين كانوا يتحايلون على الخليفة ليسمح لهم بالانضمام إلى ‏الجيش، وكان يرفض بالسماح لمن يحتاجهم معه في المدينة.. ألا يعد ذلك الوضع غريباً ؟ وإذا قلنا أنهم تثاقلوا في الحركة وتعبئة جيش العسرة بسبب ‏ظروف الحر والجدب واقتراب الحصاد، وعدم القدرة على السيرة مسافة طويلة، فإننا سنجدهم بصحبة خالد الوليد يجوبون الأرض شرقاً وغرباً ويذهبون ‏لمقاتلة الروم على الحدود الشمالية للعراق والشام وليس فقط في ظروف الحر والجوع، بل طوال العام لدرجة أن خالد الوليد كان يفطر رمضان ويقاتل في ‏الأشهر الحرم التي حرم الله فيها القتال، ما يعني استمرار الحرب على مدار العام كما كان نهج العرب في الجاهلية قبل الإسلام، وهذا ما يؤكد أن الحرب ‏كانت مصدر دخل لهم وأمل وطموح في رغد العيش والغنى والسيادة، وليست أبداً جهاد في سبيل الله وتضحية بالمال والنفس.‏

غير أننا نستعجب كثيراً مما قاله الشيخ العلامة ابن باز بشأن القتال الذي حرمه الله في الأشهر الحرم في نص قرآني واضح وصريح، لكن ابن باز ‏جعله نسياً منسياً منسوخاً ورجح عليه أقوال الجمهور!، يقول ابن باز؛ الأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب؛ أربعة قال الله جل ‏وعلا‎): ‎إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) 36/التوبة ، هذه الأربعة؛ ثلاثة متوالية: ذو ‏القعدة، وذو الحجة، والمحرم عاشوراء، والرابع فرد وهو رجب بين جمادى وشعبان، هذه الأربعة الحرم، كان القتال فيها محرم، وكانت الجاهلية تحذر ذلك ‏أيضًا، ثم نسخ عند الجمهور القتال فيها وصار القتال فيها جائزًا، والصحابة قاتلوا الروم وغير الروم ولم يحفظ عنهم أنهم تركوا القتال في الأشهر الحرم ‏لعلمهم بأنه نسخ.." ! برغم أن الله كرر الحديث في القرآن حول تحريم القتال في الأشهر الحرم وذكر ذلك في معرض حديثه عن تلاعب العرب في ‏الجاهلية قبل الإسلام بالمخالفة للشرائع السماوية السابقة، وذلك بتحريك صفة التحريم زمنياً عن مواعيدها فيما يطلق عليه "النسيء" حيث كانت ‏الأشهر الحرم معظمة في شريعة إبراهيم، واستمر ذلك باقيًا، فكان العرب قبل الإسلام يعظمونها ويحرمون القتال فيها، وهي مواعيد دورية موسمية محددة ‏ومعرفة في كل سنة، ثم بدأ العرب باستخدام النسيء في تقويمهم، بهدف تأجيل الأشهر الحرام في بعض السنوات أو تعجيلها حسب ما يناسب حاجاتهم ‏لأن حياتهم كانت قائمة على الحرب والإغارة، وهي مصدر دخلهم. وقد ذُكر هذا التلاعب في القرآن بصيغة الاستنكار والتحريم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ‏النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي ‏الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ�/ التوبة... ألا يعتبر ذلك عودة من العرب إلى ما هو أسوأ مما كان قبل الإسلام؟ فالله تعالى وصف النسيء بأنه زيادة في الكفر، ‏وكان النسيء هو تأجيل أو تعجيل الأشهر الحرم الموقوف فيها القتال، وجاء الإسلام وحكم بالكفر على مجرد التلاعب بهذه المواعيد، فهل هناك منطق ‏يقول بأن الله رجع في كلامه ونسخ ما قاله وأحل للعرب كل الشهور وألغى فكرة الأشهر الحرم ؟ إذ كان النص القرآني جاء لتأكيد تحريمها وتجريم مخالفة ‏هذا التحريم ! هل لمجرد أن الصحابة لم يلتزموا بهذا التحريم فيصبح كلام الله لاغياً ؟ !!‏

فالعرب جعلوا مهمتهم هي الإغارة كما كانت قبل الإسلام، جعلوها جهاد، وإذا كان كفار قريش قد خالفوا الأشهر الحرم بالنسيء فقد جاء ‏الصحابة الكبار بنسيءٍ جيد هو نسخ كتاب الله بآرائهم الشخصية، فأزالوا الحدود الزمنية للقتال وجعلوه مفتوحاً مطلقاً، وأزالوا الحدود الشرعية للحرب ‏وجعلوها دورهم في الحياة لنهب الشعوب والسطو عليها.. لم يشغلهم من لقاء ربهم شيء بقدر انشغالهم بالنهب والسلب والعدوان.. بينما كان أجدادنا ‏المصريين قبل أن يصلهم الدين يتفكرون دائماً في "كيف سنقابل الرب؟ وكيف سيكون حسابنا؟ .. فها هو الملك «خيتي» يقدم لابنه «مري كا رع» ‏نصائح ثمينة؛ يدعوه فيها بأن يعمل لآخرته ولا يغتر بدنياه، فيقول: لا تجعل عقيدتك في طول الحياة الدنيا ولا تغتر بها؛ فإن وقت الحياة الدنيا قصير ‏كساعة واحدة على الأرض، ولا يبقَ للإنسان في آخرته إلا عمله فهو كالكنز الثمين‎.‎‏ ويحذره من طول الأمل ونسيان الآخرة؛ فيقول: لا تثق بطول ‏السنين، فإن الحياة كأنها ساعة، وإن الإنسان ليبقى بعد الموت وستكون أعماله إلى جانبه، وأما من يأتِ إلى قضاة الموتى مبرأً من كل ذنب فسيكن مثل ‏الرب، ويسير حرًا طليقًا سيدًا في الدار الآخرة‎.‎

وقالوا: ومن يك على وجه الأرض خيرًا يجد في العالم السفلي خيرًا، ومن يك شريرًا يلق شرًا‎.‎‏.. أما الحكيم «آني» فيُذكر ابنه بالموت ووجوب ‏الاستعداد له؛ فيقول: أقم لنفسك قبرًا يرقد فيه جسمانك، فذاك أمر هام، لأن رسول الموت سيأتيك، وإذا أتاك؛ فإنك لن تستطيع أن تقول له: أنا ما ‏زلت صغيرًا، فإنك لا تدري متى تحين ساعة رحيلك عن هذه الدنيا، فالموت يأتي على حين غفلة، وهو يختطف الطفل الذى يرقد بين ذراعي أمه، كما ‏يختطف الرجل الذي بلغ من العمر عتيًّا‎.‎‏.. ويتخيل الحكيم «آني» ما سوف يقوله أمام رب العدالة في الدار الآخرة، فيقول: لقد أحسنت عملي في ‏بلدي، ولم أسئ في حق الرب، وما صدر أمر مسيء إزائي من ملك زمانه‎.‎‏.(1). هذا كان سلوك وفكر المصريين قبل أن ينزل الإسلام، فماذا فعل العرب ‏في إسلامهم؟

بالطبع ما فعله العرب غريباً على الإسلام لكنه ليس غريباً على العرب بل من طبعهم.. وسنتبين سبب هذا الاغتراب إذا عرفنا أن الحرب في ‏عهد الرسول كانت لها قواعد محددة، بينما بعد رحيله وضعت لها قواعدها الجديدة من ثقافة العرب وجلبت محفزات كانت موجودة في قلب المجتمع ‏العربي بالفطرة قبل ظهور الإسلام. فالحرب في الإسلام (كما طبقها رسول الله) دفاعية فقط ومكلفة جداً، مكلفة من المال والنفس، أما في عهد ‏الصحابة كانت الحرب مربحة جداً، وكانت هجومية، بينما الحرب في الإسلام دفاعية، أي لا يسمح الله لأي أحد بالهجوم على قومٍ آمنين أياً كان ‏السبب، ولذلك نجد أن جميع المعارك التي خاضها الرسول كانت حروب دفاعية، ولم تقع بينها حرب هجومية واحدة، أما الشرط الثاني، فأن تكون ‏الحرب في الصحارى الخالية بعيداً عن السكان والمدن المأهولة حتى لا يحدث تخريب للعمار وتشريد للأهالي، وقد أوصى رسول الله أصحابه عند التحرك ‏للحرب، فمن هذه القواعد الأخلاقيَّة العظيمة قاعدة: "عدم قتال مَن لم يُقاتِل"، وهي تابعةٌ في الأساس لقاعدةٍ عُظمى؛ وهي قاعدة تحريم الاعتداء على ‏الآخرين بغير حقٍّ، أو التَّعدِّي على الأبرياء بغير ذنب اقترفوه.‏

إنَّ شريعة الإسلام هي شريعةُ الرَّحمة للعالَمين، وهي شِرعة العدل والسَّماحة في كلِّ الميادين؛ من أجل ذلك لم يكن عجيبًا أن تجدَ هذه الشريعةَ ‏تأتي في مسائل القتال والجهاد بقواعدَ أخلاقيَّة، ومبادئَ أدبيَّة لا يملك أيُّ مُنصِف إلَّا أن يعبِّر عن شدة احترامه وإجلاله لهذه الشريعة. من أجل ذلك ‏قرَّرت الشريعةُ الإسلاميَّة: أنَّ قتال الذين لا يشتركون في القِتال ولا يَقدرون عليه هو نوعٌ من العدوان الذي نهى الإسلام عنه، وذَمَّه وحرَّمه، وعدَّه من ‏الجرائم الحربيَّة. ومن الأدلة على ذلك: قوله الله تعالى :﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ 190/البقرة. ‏روى النسائي: قال رسول الله: ((لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضُكم رِقابَ بعض، ولا يُؤخذ الرَّجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه)). وحتى في الحرب إذا ‏قامت، فلا يُقتل أحدٌ بذنب غيره، ولا يُؤخذ ابنٌ بجريرة أبيه، أو امرأة بجريرة زوجها، ولا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى، وهذا أسمى معاني العدالة والرَّحمة.. وعلى ‏هذه الأسس قام النبي بصد الحملات العسكرية التي شنها العرب ضد مجتمعه، ولم يقم هو بحربٍ هجومية أبداً.‏

لكن العرب بعد رحيل الرسول عنهم، وبما فيهم أقرب الصحابة، انقلبوا عن المسار كما ينفلت القطار عن القضيب فيخرق الأرض ويهدم البناء ‏ويعدم الأخضر واليابس، وانحرفت أخلاقهم وفهمهم للدين واختلفوا وتصارعوا واقتتلوا وقتلوا بعضهم في نهاية الأمر.. بدؤوا بقتل المخالفين لهم في ‏السياسة، كما حال السعودية اليوم، ثم قتل المخالفين لهم في الدين (كما حال الرومان في عصرهم)، ثم انتقلوا إلى قتل كل من اختلف عن دينهم في ‏البلاد المجاورة، لم يفكروا في بناء نهضة حضارية علمية، لم يستصلحوا أراضي جديدة ويزرعوها، لم ينشئوا السدود لحجز مياه الأمطار، لم ينشئوا مزارع، لم ‏ينشئوا مصانع ولا عمارة ولا هندسة كما فعل الرومان قبلهم بألفي عام.. تفرغوا تماماً للقتل وكأن مهمة المؤمن في الحياة هي أن يتقرب إلى الله بقتل من ‏لا يعبد الله.. لكن هذه المهنة (قتل من لا يعبد الله) لن توفر لهم رغد العيش ولا المال الوفير، غير أنها عرضة للهلاك.. ولهذا أضافوا ما يجعلها محببةً ‏لنفوسهم، فإذا كانت الحرب حملاً ثقيلاً في عهد النبي لأنه لا مال حولها ولا غنيمة تجزي، لأن الجهاد في عهد الرسول كان (يا أيها اللذين آمنوا جاهدوا ‏في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) أما بعد رحيله، فكان الجهاد من أجل توفير مصدر دخل ثري وغزير، ولذلك ظهرت من جديد عادات العرب في سبي ‏النساء من المدن وخطف الأطفال والبنات، وراجت معارض وأسواق النخاسة أكثر من معارض السيارات في عصرنا. ثم يقولون للناس أن تجارة الخمر ‏حرام !‏

وقد ظهرت بوادر ذلك الانحراف في الخطاب الحربي الذي وجهه خالد إلى أمراء فارس أيضاً يساومهم على الإسلام أو الجزية أو القتل، فقد ‏نقل ابن كثير رسالته التي يقول فيها:" من خالد ابن الوليد إلى مرازبة أهل فارس، سلامٌ على من اتبع الهدى أما بعد، فالحمد لله الذي فَضّ خَدَمَتَكم ‏وسَلَب مُلككم، ووهّن كيدكم، وإنه من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ما لنا وعليه ما علينا، أما بعد، فإذا جاءكم ‏كتابي فابعثوا إليّ بالرُّهُنِ، واعتقدوا مني الذمة، وإلا فوالذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوماً يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة " (ابن كثير – كتاب ‏البداية والنهاية ص 514/9) ‏
بالطبع إذا وصل هذا الخطاب من قائد الأسطول السادس الأمريكي إلى خادم الحرمين الشريفين، يطالبه بدفع الجزية، فلن يفهم خادم الحرمين ‏أبداً أن قائد الأسطول هذا جاء لينشر دين السلام ويعلم الناس عبادة الله.. سيفهم تلقائياً أنه إعلان لحالة الحرب.. وبالفعل، ولم تمر أيام حتى هاجم ‏خالد وجيشه بلاد فارس وبعث إلى الصديق بالبشري والخُمس من الغنائم.‏

يقول ابن كثير: "ثم كانت‎ ‎وقعة أُلَّيْس‎ ‎في صفر أيضاً، وذلك أن‎ ‎خالدًا‎ ‎كان قد قتل يوم‎ ‎الولجة‎ ‎طائفة من‎ ‎بكر وائل، من‎ ‎نصارى العرب‎ ‎ممن كان ‏مع‎ ‎الفرس،‎ ‎فاجتمع عشائرهم، وأشدهم حنقا‎ ‎عبد الأسود العجلي، وكان قد قتل له ابن بالأمس، فكاتبوا‎ ‎الأعاجم‎ ‎فأرسل إليهم‎ ‎أردشير‎ ‎جيشا مددا، ‏فاجتمعوا بمكان يقال له‎ : ‎أُلّيْس، فبينما هم قد نصبوا لهم سماطا فيه طعام يريدون أكله، إذ غافلهم‎ ‎خالد‎ ‎بجيشه، فلما رأوه أشار من أشار منهم بأكل ‏الطعام وعدم الاعتناء بخالد، وقال أمير‎ ‎كسرى، واسمه‎ ‎جابان:‏‎ ‎بل ننهض إليه، فلم يسمعوا منه، فلما نزل‎ ‎خالد‎ ‎تقدم بين يدي جيشه ونادى بأعلى ‏صوته لشجعان من هنالك‎ ‎الأعراب: أين فلان، أين فلان؟ فكلهم نكلوا عنه إلا رجلا يقال له‎ : ‎مالك بن قيس، من‎ ‎بني جذرة،‎ ‎فإنه برز إليه، فقال له ‏خالد:‏‎ ‎يا ابن الخبيثة، ما جرأك عليّ من بينهم وليس فيك وفاء ؟ ! فضربه فقتله، ونفرت‎ ‎الأعاجم‎ ‎عن الطعام، وقاموا إلى السلاح، فاقتتلوا قتالا شديدا ‏جداً، والمشركون يرقبون قدوم مددا من جهة الملك إليهم، فهم في قوة وشدة وكلب في القتال، وصبر المسلمون صبرا بليغا، وقال خالد‎: ‎اللهم لك عليّ ‏إن منحتنا أكتافهم أن لا أستبقي منهم أحدا أقدر عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم.‏‎"‎‏ (ص520/9)‏

وهنا يحضرنا التساؤل، لماذا هجم خالد على هؤلاء الناس بهذه الطريقة، هل كان ذلك ليعلمهم دينه؟ هذه الأحداث تؤكد أن الأمور كانت تسير ‏من أجل الحرب، ولا وجود فيها لفكرة الدين، بل إن خالد الذي أوصاه الخليفة بأن يتآلف الناس، بدأ خطابه مع أحدهم الذي خرج له: (قال له خالد:‏‎ ‎يا ابن الخبيثة، ما جرأك عليّ من بينهم وليس فيك وفاء ؟ ! ثم ضربه خالد فقتله، فنفر الناس عن طعامهم) ونتساءل ما علاقة الدين الإسلامي بهذه ‏الطريقة البشعة، ولماذا يهجم على الناس في بيوتهم ويبدأ بالسب والشتم والقتل؟ غير أن خالد الوليد كانت فلسفته في الحياة غريبة جداً، كان يرى أن ‏قتله الناس غير المسلمين يتقرب به إلى الله، ولذلك نجده يقسم بالله نذراً على نفسه ويقول: اللهم لك عليّ إن منحتنا أكتافهم أن لا أستبقي منهم ‏أحدا أقدر عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم" ! فقد عقد نذراً على نفسه إن انتصر عليهم أن يقتل ما تبقى منهم جميعاً ثم يصب دماءهم في النهر ! ‏لينتشر في البلاد .. فهل هكذا ينتشر الدين في البلاد؟ ‏

في الواقع فإن خالد الوليد خرق كل القواعد الإنسانية حتى المتعارف عليها في عصره، والغريب من خالد أنه حتى تجاوز أعراف العرب بعدما ‏تجاوز حدود الدين، كان خالد يفطر رمضان ويحارب في الأشهر الحرم التي حرم الله فيها القتال (ابن كثير). والعرب كانت تكره الزواج خلال فترة ‏الحروب، لكن خالد تزوج من فتاة كان يحارب أهلها.. وبعدما استسلموا وضع شرطاً في عقد الصلح والاستسلام هو أن يتزوج ابنتهم ! حدث ذلك ‏خلال الحرب الردة، بل إن خالد كلما أعطي أحد الأمان غدر به وقتله، ولم يثبت تاريخه أنه صان وعده ولو مرة واحدة، وهذا ليس من شيم العرب في ‏الجاهلية، فكيف يكون من شيم الإسلام؟ والإسلام وجميع الشعوب بالفطرة لا تميل لفكرة قتل الأسرى، أما خالد فقد قتل أسراه المدنيين غير المقاتلين ‏فقط من أجل إشباع غريزة القتل والشعور بنشوة الانتصار، والفقهاء يعتبرونه بطل قومي لمجرد أنه انتصر في 17 معركة متواصلة، وكأن الله نصره لأنه ‏مؤمن حقاً ! بينما النصر ليس له علاقة بالإيمان لأن خالد نفسه انتصر علي المسلمين أيما كان كافراً في معركة أُحد، فهل كان وقتها مؤمن متخفي؟ ‏فتحقيق النصر يرجع للأسباب القوة والظروف ومدي الإتقان في الحرب أيا كان دين المحارب.. غير أننا اعتدنا أن نحتفل بخالد باعتباره بطل قومي حقق ‏انتصارات على كثير من الشعوب، ولا ننظر في الجانب الإيماني تماماً، فهل كان خالد مؤمناً حقاً ؟ هل قرأ آية من كتاب الله؟ هل روى حديثاً عن رسول ‏الله؟ لا أحد يعرف، فقط جميعنا يعرف أنه قتل الأعداء وانتصر في الحروب، وطالما انتصر في الحروب فهو جزء من التاريخ وليس من الدين، بغض النظر ‏عن شرعية هذه الحروب، لأن الجيوش بوجه عام لا تحترم إلا الانتصارات أياً كانت مشروعية هذه الانتصارات، وبوجهٍ عام نحن نحتفل بكل نصر حتى ‏ولو كان المنتصر مجرماً.. فخالد الوليد انتصر في 17 معركة ولم يُهزم في أي معركة دخلها، لكنه ليس لديه أي رصيد معرفي من الدين ولا أي رصيد من ‏الإنسانية أو الرحمة، ومع ذلك بقي هو فخر الفقهاء ! ‏

فهناك بطولات كثيرة في التاريخ، لكنها لا تدعي كونها بطولات دينية.. فقط هي انتصارات عسكرية.. لكنها مع ذلك كانت أكثر نزاهة ‏وإنسانية من مذابح خالد الوليد.. دعونا نتعرف على قصة هذا الملك المصري القديم، جدنا العظيم تحتمس الثالث الذي حارب في ذات المنطقة التي ‏حارب فيها خالد الوليد، وخاض 17 معركة حربية كبرى أكبر من المعارك التي خاضها خالد، لم يهزم في أي معركة دخلها.. ويعتبر هو مؤسس ‏الإمبراطورية المصرية القديمة التي امتدت أطرافها من جنوب تركيا الحالية لثلث الجزيرة العربية، وشرقاً ضمت العراق وجنوباً ضمت السودان وغرباً وشمال ‏ليبيا.. فقد أسس تحتمس الثالث أول إمبراطورية في تاريخ البشر.. وما زالت خططه الحربية تدرس في أكبر الكليات العسكرية في العالم المتحضر.. ‏نابليون ومونتجمري وحتى الإسكندر الأكبر قلدوا خططه واستنسخوها لينتصروا علي أعدائهم..‏‎ ‎‏ ‏

تُحتمس باشا هو أول قائد حربي ينشئ مخابرات حربية تتقدم القوات وتستطلع الطريق بل مخابرات داخل مدن الأعداء نفسها.. وأول قائد حربي ‏في تاريخ البشر يشن هجوم متزامن من البحر والبر معاً في حربه علي ملوك سوريا. وقلده الإسكندر الأكبر وكل قادة الجيوش الحديثة .. وكان أول من ‏اختار الطريق المنحدر الصعب الوعر بدل من الطريق الواسع المنبسط لمفاجأة أعدائه، فعلها في معركة مجدو شمال فلسطين وهي أعظم انتصاراته، وفتحت ‏أمامه سوريا والعراق.. قلده فيها نابليون في معركة اوسترليتز علي النمسا، وقلده فيها الجنرال البريطاني اللنبي في الحرب العالمية الأولى، فاللنبي سلك ‏نفس الطريق الضيق الذي اختاره تحتمس في معركة مجدو وفاجأ الجيش التركي وانتصر عليه انتصاراً ساحقاً في شمال فلسطين في نفس مكان معركة مجدو ‏القديمة، وقال بالنص في مذكراته :" لقد قرأت ودرست معركة مجدو وقلدتها بالحرف.. وعندما سبب الأعداء لتحتمس المتاعب في غرب العراق الآن ‏وظنوا أنه لن يطولهم وهم معسكرون خلف نهر الفرات وليس معه سفن ليعبر بها صحراء الشام ونهر الفرات.. ‏

صمم تحتمس باشا مراكب يمكن تفكيكها وتركيبها ثانية مثل الميكانو وعبر بها جدودنا الصحراء وأجزاء المراكب علي ظهورهم وظهور الثيران ثم ‏أعادوا تركيبها علي ضفاف نهر الفرات و عبروا بها و فاجأ تحتمس غرماءه وهزمهم وضم العراق لمصر.. وفي العصر الحديث قلّد المارشال مونتجمري ‏خطة تحتمس الثالث حرفياً ليعبر نهر الراين بمراكب مفككة أجزاء ثم تجميعها علي ضفاف نهر الراين ليهزم ألمانيا النازية، وكتب في مذكراته:" لقد أتبعت ‏خطة الملك تحتمس التي درستها في الكلية الحربية بالنص.." ولأول مرة في تاريخ البشرية لم يقتل ملوك أعدائه المهزومين بل أحضر أولادهم لمصر ورباهم ‏وعلمهم بعلوم وحكمة وإنسانية مصر، ثم أعادهم لبلادهم ليحكموها تحت النفوذ المصري، واستمر ملوك سوريا والشام كله لقرون طويلة يرسلون ‏أولادهم للتعليم في المدارس المصرية، يتعلموا العلم والحكمة والحضارة من جدودنا ويرجعوا لبلادهم فيحكموها باسم مصر بعد أن أحبوها وعرفوا قيمتها ‏وحضارتها وعظمتها، فحل السلام والرفاهية في منطقة الشرق الأوسط لحوالي ألف عام بعد وفاة هذا الرجل العظيم لأول، ولم يكن سفاحاً في القتل ‏والذبح والسبي كما يفعل العرب.. بل إن الكارثة أن الصحابة العرب ارتكبوا أبشع الجرائم غير الإنسانية بحق الأبرياء الفارسيين والعراقيين وسبوا نسائهم ‏وبناتهم وأطفالهم وباعوهم في أسواق النخاسة، ثم أصبح هذا التاريخ النجس ديناً للشعوب يمكنك أن تتعلمه من صحيح البخاري على اعتبار أنه سُنة ‏نبوية !!‏

نعود إلى هولاكو العرب.. حيث يقول ابن كثير: ثم إن الله، منح المسلمين أكتافهم، فنادى منادي‎ ‎خالد‎ : ‎الأسر ، الأسر ، لا تقتلوا إلا من ‏امتنع من الأسر. فأقبلت الخيول بهم أفواجا يساقون سوقا، وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم‎ ‎خالد‎ ‎يوما وليلة، ويطلبهم في ‏الغد ومن بعد الغد، وكلما حضر منهم أحد ضربت عنقه في النهر، وقد صرف ماء النهر إلى موضع آخر، فقال له بعض الأمراء: إن النهر لا يجري ‏بدمائهم حتى ترسل الماء على الدم فيجري معه، فتبر يمينك (قتل الأسرى من أجل بر اليمين!!) . فأرسله فسال النهر دما عبيطا ، فلذلك سمي نهر الدم ‏إلى اليوم ، فدارت الطواحين بذلك الماء المختلط بالدم العبيط ما كفى العسكر بكماله ثلاثة أيام ، وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا". !‏

بينما في عام 1859م وقف الشاب السويسري "هنري دونان"، مُتأثراً بما خلفته معركة سولفرينو الدامية في إيطاليا بين جيش بلاده النمساوي ‏والاتحاد الفرنسي. حيث خلفت المعركة ما يقارب من 40 ألف ضحية في ميدان المعركة، بين قتيل وجريح، وعانى فيها الجرحى من نقص الرعاية الطبية‎.‎‏ ‏حاول هنري إسعاف الجرحى وتضميد جراحهم وآلامهم.. وقف عاجزاً بين صرخات الجنود وآلامهم.. حاول هنري الاستعانة بالسكان المحليين لتضميد ‏جراح الجنود، وإطعامهم، والعمل على راحتهم. لكنه عجز عن توفير الرعاية الصحية لهم.. فصرخ في العالم صرخته.. أن أغيثوا جرحى ومصابي الحروب.. ‏نادى بإنشاء جمعية وطنية للإغاثة تهدف لمساعدة جرحى الحروب.. كان هذا النداء هو البذرة التي بنيت على أساسها معاهدة جنيف لإغاثة جرحى ‏الحروب، بعدما انضم مجموعة من رجال الأعمال إلى اللجنة واتفقت 12حكومة على معاهدة جنيف الأولى؛ والتي تشكل علامة‎ ‎فارقة في تاريخ ‏الإنسانية.. وتحولت لجنة الإغاثة الدولية هذه فيما بعد إلى منظمة الصليب الأحمر، ونشأ نظيراً لها في الوطن العربي منظمة الهلال الأحمر.. ‏

رحل هنري وترك للإنسانية إرثاً عظيماً من الرحمة ساهم في الكثير من المواثيق الدولية لحفظ حقوق الإنسان، بينما ترك خالد الوليد للمسلمين ‏إرثاً غير إنساني بالمرة.. وما الفارق بين خالد وهنري إلا أن خالد نشأ في المجتمع العربي القرشي وتدرب على الفروسية والقتل والإغارة، بينما هنري علمته ‏والدته قيم الإنسانية، حيث كانت تعمل ووالده في خدمة المرضى والأيتام.‏

ونحن نتساءل هنا حول ما فعله خالد الوليد وما زال المسلمون يتفاخرون به باعتباره بطلاً قومياً أعز الإسلام والمسلمين، هل يكون بر اليمين ‏بقتل سبعين ألف إنسان وصب دمائهم في النهر بهذه الطريقة البشعة؟ فأين كانت الإنسانية وأين كان الدين الذي أباح لخالد أن يفعل بالناس هكذا؟ ‏ولماذا يقتل الأسري أصلاً؟ لماذا لم يجلس إليهم ويخطب فيهم أو يعلمهم شؤون دينه إذا كان قد ذهب لنشر دين أصلاً، فأين هو الدين الذي يقوم ‏بنشره؟.. إذا كان الله يقول في كتابه: فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ ‏أَوْزَارَهَا ... (4)/محمد. بما يعني أن أمر الله جاء مباشراً، في حال قيام حرب، بأن يضرب المسلمون على الكفار حتى إذا تمكنوا منهم يقومون بتقييد ‏الأسرى، وبعد ذلك يتم العفو عنهم منّا وفضلاً ، أو أن يأخذ منهم فدية لإطلاق صراحهم.. لكن خالد لم ينتبه إلى كتاب الله وتعامل مع شعوب ‏الأرض كما لو كانوا جميعاً أعداء لمجرد اختلافهم عنه في الدين، حتى لم يحترم تعاليم الدين بشأن معاملة الأسرى، بل أمر بذبحهم واحداً تلو الآخر وصب ‏دمائهم في النهر كي تختلط بالمياه وتدور الطواحين وينتشر الرعب بين سكان المدن والقرى لمنظر النهر بلون الدماء فيدفعهم ذلك لاعتناق الدين !.‏

من حق هؤلاء الدواعش أن يعيدوا تجسيد مشاهد التاريخ العربي مرة أخرى عملياً ليسترجعوا أيام المجد الإسلامي القرشي، ويستعيدوا مجد جدهم ‏الداعشي الأكبر خالد ابن الوليد، ومن حق الفقهاء أن ينظّروا لذلك ويبحثوا في الأدلة، حتى أننا نقرأ للسيد أبي البراء النجدي-أحد جنود داعش- ‏رسالة سماها "إسعاد الأخيار في إحياء سنة نحر الكفار" حاول فيها أن يثبت مشروعية ذبح الإنسان. ! والغريب أنهم يحتجون بحديث روي عن عمرو ‏العاص أن النبي (ص) قال لقريش: " والذي نفس محمّدٍ بيده، جئتكم بالذبح ". فهل نفهم أن النبي قال لهم " اذهبوا فأنتم الطلقاء" ؟ استناداً بقوله ‏تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ).؟ أو إلى ما قيل له ص : يا رسول الله، ادع على المشركين، فقال: إنّي لم أبعث لعّاناً، وإنّما بعثت رحمةً" ؟ أو ‏إلى دعاءه الدائم لهم " اللهم اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون." ؟. أم نفهم من العرب أن النبي قال لهم : " والذي نفس محمّدٍ بيده، جئتكم بالذبح ". ‏والمشكلة كلها أمامه في هذه الرسالة العلمية، ليست في مشروعية القتل من عدمه، وإنما هل يكون القتل فقط كافٍ، أم فيها حزّ الرأس؟ ‏

أذكر واقعة تفسر لنا معنى الإنسانية والإسلام بمفهوم المصريين لا العرب، حيث كان لاعب الجودو المصري محمد رشوان يلعب في أولمبياد لوس ‏أنجلوس 1984وفاز باكتساح في الأدوار التمهيدية وفوجئ الجميع وفرحوا أن ابن مصر سيلعب المباراة النهائية، وكانت مصر لأول مرة في التاريخ تتأهل ‏للحصول على ميدالية أوليمبية، إما ذهباً أو فضة وبدأت الصحف تكتب والإذاعات تتحدث والتليفزيون يهلل باسم البطل، وبسرعة البرق عرفه كل ‏المصريين وتم نقل المباراة على الهواء مباشرة وسهر الشعب المصري يتابع ويدعى للبطل، أن يكسب الذهب، برغم أنه كان يلاعب بطل أبطال العالم ‏الياباني الرهيب ياماشتا.‏

لكن مع بداية المباراة لوحظ شيئاً غريبة جداً.. فمحمد رشوان كان أثناء الالتحام مع خصمه الياباني يمتنع عن ضرب خصمه في القدم، وهذا ‏شيء عجيب في الجودو.. خسر أكثر من نقطة، وهنا سمع العالم كله صراخ مدرب رشوان وهو يقول له:" اضربه في رجله الشمال وهات الذهب ‏لمصر".. لكن رفض رشوان أن يضربه ولم يحاول حتى تسجيل نقطة واحدة بهذه الطريقة، وفازت اليابان بالميدالية الذهبية، في هذا العام.. بالطبع كان ‏الجمهور المصري حزيناً جداً على ضياع الذهب، ويتعجبون أكثر لماذا لم يلعب رشوان بقوته المعتادة، وكان متراخيًا ورفض تنفيذ تعليمات مدربه.. لكن ‏سرعان ما أقيم المؤتمر الصحفي لتسليم الميداليات ووقف صحفي أجنبي يسأل محمد: لماذا لم تنفذ تعليمات مدربك كي تفوز بالذهبية؟ ‏

فرد رشوان قائلاً: "وصلتني معلومة مؤكدة بأن البطل الياباني مصابًا بقطع في الرباط الداخلي للركبة اليسرى، وأن أي ركلة قوية فيها يمكن أن ‏تدمرها تمامًا، ولكنه أخفى الخبر، وقرر اللعب والتضحية لأنه يمثل وطنه..".‏
فسأله الصحفي: لكن هذه كانت فرصة عظيمة، وكان أولى أن تستغلها وتحقق الفوز بالذهبية.. لماذا لم تستغل هذه الفرصة وتحصل الميدالية ؟ ‏وهنا كان الرد التاريخي لمحمد رشوان عندما قال: ديني يمنعني أن أضرب مصابًا وأهدد مستقبله من أجل ميدالية! لكن خالد ابن شبه الجزيرة العربية لم ‏يمنعه دينه من قتل سبعين ألف إنسان وصب دمائهم في النهر ليرهب به الباقين فيجعلهم يدخلون في دينه أفواجا !‏

وفى هذه اللحظة وقف الجميع يصفقون طويلًا للبطل المصري المسلم، وكرمته اليونسكو على تلك الأخلاق العظيمة، واختير كصاحب أفضل ‏أخلاق رياضية بالعالم، ومنحته اللجنة المنظمة ذهبية فخرية لكونه يستحقها فعلًا، وذاع صيته في العالم كله، وكرمه «اليابانيين» بشكل خاص واستقبلوه ‏كملك متوج.. لأنه عرف معنى الإنسانية، رفع دينه وأخلاقه فوق اعتبارات النصر الزائفة.. فحقق شهرة عالمية لدينه وأخلاقه، وصار الإسلام حديث ‏الدنيا.. ظل اسمه موسوماً بوسام الشرف في سجلات الأمم المتحدة، بينما خالد ابن الوليد تصفه ذات المنظمة ومواثيق حقوق الإنسان بأنه "مجرم ‏حرب".. برغم أننا نعتبره صحابي جليل، سعى لنشر دينه بالسيوف والدم برغم أنه عاش في عهد النبي محمد عليه السلام، لكن ذات السجلات بالأمم ‏المتحدة تصف النبي محمد بأنه أعظم الشخصيات في التاريخ ! بينما تضع خالد ابن الوليد وهتلر في خانة "مجرمي الحرب" فنحن نجعل من خالد صحابي ‏قرين رفيق للنبي محمد، بينما خالد قتل نصف مليون إنسان في سنة أي ضعف ضحايا القنبلة النووية في هيروشيما اليابان، بينما النبي لم يقتل ولم يؤذ ‏إنسان حتى في مشاعره !! فكيف يقترن هذا بذاك !! إلا إذا كان هناك خلل جمعي فقهي عقلي ما ... (بتصرف من كتابنا ؛ غُبار الاحتلال العربي)‏

الهوامش:‏
‏1-‏ د. حسين دقيل – أستاذ الآثار وكاتب وباحث في الأدب – مقال بعنوان " من أخلاق المصريين القدماء (1) الصدق – منشور على موقع ساسة بوست بتاريخ 1 فبراير ‏‏2018 على الرابط التالي : ‏https://www.sasapost.com/opinion/pharaohs‏/‏
2- ابن كثير - كتاب البداية والنهاية - الجزء التاسع من ص 400 إلى 600





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,388,292,038
- حضارة العرب من منظور التوسع الاستعماري (1)
- كيف أصبح تاريخ العرب ديناً للشعوب ! (3)
- كيف أصبح تاريخ العرب ديناً للشعوب ! (2)
- كيف أصبح تاريخ العرب ديناً للشعوب !‏ (1)
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (6)‏
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (5)‏
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (4)‏
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (2)‏
- بيت المال الحرام... يؤسس دولة المؤمنين (1)‏
- الخليفة الذي زحف على بطنه داخل الهرم
- جلالة الملك المظلوم
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (2)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (3)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (4)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (1)
- غبار الاحتلال العربي (7)
- غبار الاحتلال العربي (6)
- غبار الاحتلال العربي (5)
- غبار الاحتلال العربي (4)
- غبار الاحتلال العربي (3)


المزيد.....




- مهرجان -يوم الشهيد الشيوعي-
- بيان صادر عن قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي اللبناني
- مسيرة طلّابيّة من وزارة التّربية لمبنى الرّابطة
- اعتقال متظاهرين في موريتانيا احتجوا على ظروف وفاة مرسي
- الحراك الشعبي والديموقراطية في الجزائر.. بين سندان السلطة وم ...
- الحراك الشعبي والديموقراطية في الجزائر.. بين سندان السلطة وم ...
- هونغ كونغ.. سيارة إسعاف تشق حشدا من المتظاهرين
- كيف حول السوفييت معارضيهم إلى مرضى عقليين؟
- النصر لنضال طلاب الطب وطالباته، وضد إجراءات الدولة القمعية
- طائرة استطلاع أمريكية تحلق على حدود منطقة كالينينغراد الروسي ...


المزيد.....

- الجزائر الأزمة ورهان الحرية / نورالدين خنيش
- الحراك الشعبي في اليمن / عدلي عبد القوي العبسي
- أخي تشي / خوان مارتين جيفارا
- الرد على تحديات المستقبل من خلال قراءة غرامشي لماركس / زهير الخويلدي
- الشيعة العراقية السكانية وعرقنةُ الصراع السياسي: مقاربة لدين ... / فارس كمال نظمي
- أزمة اليسار المصرى و البحث عن إستراتيجية / عمرو إمام عمر
- في الجدل الاجتماعي والقانوني بين عقل الدولة وضمير الشعب / زهير الخويلدي
- توطيد دولة الحق، سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان - م ... / امال الحسين
- الماركسية هل مازالت تصلح ؟ ( 2 ) / عمرو إمام عمر
- حوار مع نزار بوجلال الناطق الرسمي باسم النقابيون الراديكاليو ... / النقابيون الراديكاليون


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - محمد مبروك أبو زيد - حضارة العرب من منظور التوسع الاستعماري (2)