أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - رفة عين اسمها الاستيقاظ














المزيد.....

رفة عين اسمها الاستيقاظ


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6211 - 2019 / 4 / 25 - 18:39
المحور: الادب والفن
    


قد يبدو من الطريف أنني كنت أستسلم مراراً، وأنا في سنوات سجني المديد، لبزوغ أمل طارئ بأن ما أنا فيه ليس إلا حلم ثقيل. وكنت أبدأ، بكل قدراتي الواعية، في التحقق من كوني يقظ بالفعل، وأن ما أنا فيه هو حياتي الحقيقية، وليست إحدى ضلالات النفس وخداعاتها أو إحدى مشتقات الأماني المعكوسة، على ما تذهب إليه نظريات الأحلام.
تنتهي عملية التحقق بلحظة واحدة من خض العقل وتركيز النظر لاكتشاف حدود الحلم والخروج إلى اليقظة. لحظة واحدة من بحث كثيف عن الحافة التي تفصل عالمين، عن الشق الذي يسمح للنفس الحبيسة أن تتبخر رويداً رويداً خارجةً من مضيق الكابوس. هذه اللحظة الواحدة تجعلك تعيد التأكد من أن هذا الباب الحديدي ثابت لا يزول، كما هذه الحيطان ذات البقع المصفرة الكريهة بفعل الرطوبة، وكما تلك الشبابيك المقضبّة العالية. بلحظة واحدة تتأكد أن هؤلاء الأشخاص الساعين في أرجاء المهجع لا يتبدلون، ولا تتماوج المسافات الفاصلة بينهم، كما لا تبدو عليهم الخفة وانعدام الثبات الذي يميز شخوص المنامات عادة، إنهم على المستوى نفسه من الواقعية الذي أنت عليه. خلال هذا التحقق الخاطف تتسرب مرارة ارتدادك المهزوم إلى قسوة المحيط الثابتة، الارتداد اللين الذي تفوح منه رائحة كسولة شبيهة بالسخرية الذاتية التي هي الترميم الأنسب لما تسببه هذه الآلية الطريفة، ولكنها القاسية، من تشققات عميقة. السخرية الذاتية في المتناول دائماً، جاهزة للخدمة كما تكون سيارات الإطفاء في المطارات.
تكرار بزوغ أمل أخرق، ثم خفوته العاجل وانطفاؤه، وهزيمة النفس المطرودة من عالم بديل قبل أن تدخله، المطرودة قبل أن يتاح لها الوقت الكافي لطرق الباب. أقول في نفسي، إنها حيوية اليأس، أو هو نبض اليأس الذي يبقيه حياً فلا يتحول إلى جثة منتهية. ما قيمة يأس ميت أو منته؟ الأمل الأخرق البازغ الذي لا يفتأ أن يموت، ليبزغ وينطفئ من جديد في هذه البركة البليدة الراكدة، هو ما يبقي اليأس حياً. ثم أسأل نفسي وقد فاجأني قولي السابق: هل الأمل هو حياة اليأس؟ هل ينبض قلب اليأس بالأمل؟ وحين أدرك ذلك أقول: لا يأس إذن بلا أمل.
إلى الحلم يهرب المرء من يقظته القاسية، لأن الحلم يبقى عجينة دافئة طيعة لنفوس المعذبين. لكني وأنا المعذب كغيري، أبتكر أو تبتكر نفسي طريقة أخرى، فتحول اليقظة إلى حلم تريد أن تصحو منه إلى يقظة أخرى هي بمثابة حلم.
يكتب "أبو المجد" لمراسلة صحفية تعرف عليها حين كُلف بمرافقة صحفيين يقومون بجولة في تدمر قبل أشهر من استيلاء داعش عليها: "أتمنى أن أستيقظ في بيتنا القديم، لأجد أن الحرب كانت مجرد حلم". أبو المجد هو اسم وهمي لعسكري سوري من جنوب البلاد، سوف يضطر إلى ترك بيت العائلة التدمرية التي لجأ إليها واحتضنته أيام عديدة كي لا يتسبب لها بأذى، بعد تهديدات عناصر داعش لكل من يؤوي أحداً من عساكر النظام. وسوف يلقى حتفه ذبحاً في اليوم نفسه أمام جمع من رواد المسجد الذي سُحب منه وهو يصلي باللباس التدمري التقليدي الذي أعطته إياه العائلة التي حمته.
كان أبو المجد قد كتب للمراسلة قبل ذلك إنهم في البرد وتحت المطر ومحاطون بالجهاديين من كل جهة، ينتظرون تعزيزات لا تأتي منذ خمسة أيام، "إذا متّ، هل ستقولون رحمه الله؟" يختم بسخرية حارقة.
ويكشف في حديث آخر مع المراسلة إن ما يدفعه للكتابة لها هو مجرد شعوره بأن هناك من يسمعه: "أنا بحكيلك لأنو حدا يسمع صوتي". وكان قد حكى لها إنه لاعب كرة قدم وإنه يحب فريق ريال مدريد، "بس إلي 4 سنين ما حضرت رياضة"، كما تظهر صور رسائله التي تنشرها لمراسلة. لا غرابة إذن أن يصيبه عارض الأمل بأن ما هو فيه إنما هو محض حلم سوف تطويه اليقظة دون تبعات.
في السجون والحروب وفي البؤس اليومي وأشكال الانتهاكات غير المحصورة، يحاول الضحايا رمي الواقع عن كاهلهم بآلية متشابهة، آلية التمسك بفكرة رحيمة تقول بأن واقعهم مجرد حلم وأن ثمة لحظة خاطفة تمحو الواقع المأساوي هذا برفة عين، اسمها الاستيقاظ. ولكنهم لا يستيقظون سوى على الأسوأ.



شباط 2016





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,357,300,486
- خيانات مضمرة
- براميل على الذاكرة
- -المقامر- على أضواء سورية
- الموت تحت التعذيب
- بيت في المخيم
- إرهاب ضد الإرهاب
- البلد العابر للسياسة
- النساء في الثورة السورية
- من الذي قلع عين الرئيس؟
- حزب السيارة الزرقاء
- عميد مغلق وباب مفتوح
- الطبيب المسكين وفخامة الجريح
- يا حيوان ليش ما قلت انك -منهم-؟
- تموت وتاكل غيرها
- موت الرواية
- أرض الألغام
- عزلة المنكوبين
- الاغتصاب
- العلويون والثورة السورية
- سلعة العداء للامبريالية في سوق العالم الثالث


المزيد.....




- عراك واشتباك بالأيدي في حفل توزيع جوائز مهرجان بارز للموسيقى ...
- أمسية ثقافية لنادى الأدب بقصر الثقافة الفيوم
- زوجة فنان مصري تعلن معاناتها مع المرض وخوفها من فراق أولادها ...
- هل تفكر في استئجار حافلة فيلم “Spice World”؟
- عاجل.. الحموتي والمنصوري ينقلبان على بنشماس.. أزمة البام تتف ...
- قبل منحه جائزة شرفية في كان.. ألان ديلون يقول مسيرتي الفنية ...
- قبل منحه جائزة شرفية في كان.. ألان ديلون يقول مسيرتي الفنية ...
- بسبب نظام “إمتحان التابلت “.. غضب وإستياء طلاب الثانوية العا ...
- الأولى عربيا.. جائزة الدوحة للكتابة الدرامية تبدأ المشوار
- الفن التشكيلي سلاح فعال لدى الاستخبارات الروسية في القرن الـ ...


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - رفة عين اسمها الاستيقاظ