أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طارق حربي - الطريق إلى الناصرية 4















المزيد.....



الطريق إلى الناصرية 4


طارق حربي

الحوار المتمدن-العدد: 6116 - 2019 / 1 / 16 - 07:52
المحور: الادب والفن
    


3ـ الماء والكهرباء والغاز.

لا شك ان الماء والكهرباء والغاز ثلاثة عوامل تشكل عصب الحياة لأي مجتمع من المجتمعات الحديثة، فإذا شح الماء الصالح للشرب أصاب الإنسان والأرض العطش والجدب، وإذا تلوث أصبح وسطاً لنقل الأمراض، وإذا اختل تجهيز الكهرباء للسكان توقفت المصانع والمعامل عن الإنتاج وتأخرت مصالح الناس، وعاشوا الجحيم خلال ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، ويعتبر الغاز الطبيعي أهم المصادر في توليد الطاقة الكهربائية، أما البروبان والبيوتان منه فيستخدمان للأغراض المنزلية مثل الطبخ، حيث يعتمد الناس عليه في أرجاء مختلفة من العالم، وفي العراق لم تتم السيطرة على الغاز المصاحب لأنتاج النفط، ويقدر الخبراء هدر نحو 700 ألف متر مكعب منه يومياً.
ثلاث معضلات كبرى تضرب المجتمع العراقي في صميم حياته اليومية ومصالحه الحيوية!
ـ الماء
الماء هو المادة البدئية والعماء الأول، ويعتبر المصدر الأول للخلق في الأساطير العراقية القديمة، فهو عامل محوري للزراعة والاستقرار والعمران وكل الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية، لما له من قدرة فائقة على استقطاب المجموعات البشرية وتوطينها ونشوء وتطور المجتمعات والمدن، ولم تنشأ حضارة في التاريخ إلا على مساقط المياه ومجاري الأنهار وسواحل البحار، قامت الحضارة المصرية في وادي النيل والعراقية في وادي الرافدين، وحضارة العرب على بئر زمزم وسبأ ارتبطت بالمياه الموسمية وسد مأرب، والهندية على ضفاف اليانغ، والكنعانية على سواحل البحر الأبيض المتوسط وغيرها.

وجسدت إحدى الاساطير البابلية تصورها في الخلق إلى أنه (من المادة الأولى صنعت المياه وفيها خلقت كل الكائنات، فالمياه الأولى كانت مضطربة مشوشة مختلطة بصنفين من المياه، هما المياه العذبة وهي العنصر المذكر الذي عد الإله أبسو، والماء المالح العنصر المؤنث عد له الإلهة تيامت، ومنها ولدت باقي الآلهة، وعمد الإله مردوخ على شطر جسم الإلهة تيامت إلى نصفين خلق من نصفه الأول السماء، ومن نصفه الثاني خلق الأرض، ومن ثم خلق الكواكب والنجوم، وشارك أباه الإله أيا في خلق الإنسان من دم أحد الآلهة) (1)

وإذا كانت مصر هبة النيل كما أطلق عليها هيرودت أبو التاريخ، فإن بلاد الرافدين هبة دجلة والفرات حيث تطور نظام الري والسقي والزراعة وازدهرت الحياة، وحظي الماء فيها بقداسة لارتباطه بتأدية طقوس العبادة والاغتسال والتطهر من الذنوب، واعتقد العراقيون القدماء أن قداسة الماء تأتي من السماء سكن الآلهة التي تبعث بالمطر فتتجدد الأرض الموات وتنبت الزرع وتكثر الغلة، بما له من قوة خلاقة على تجديد الحياة (وعلى هذا الأساس فقد قدس العراقيون القدامى الماء والأنهار، وأن هذه القدسية لها علاقة بطقوس السكب والتطهير وارتباطها بالإله أنكي / أيا أحد أبرز آلهة التثليث ي حضارة بلاد الرافدين) (2)

إن العراقيين الذين أقسموا بالماء وألهوا الأنهار وكتبوا لها صلوات تتلى في المعابد، لما له من قداسة في تطهير البشر والمعابد والأرض والسقي والري والزراعة، فضلاً عن استخدامه في الطقوس الجنائزية بل حتى غسل أفواه آلهة المعابد على ضوء المشاعل، كانوا وضعوا للماء رمزاً في حقبة الحضارة السومرية وهو الكأس الفوارة بماء الحياة العذب، حيث يمسك به الإله أيا بكلتا يديه ويرمز إلى نهري دجلة والفرات، وقد وجد منقوشاً على الاختام الاسطوانية.

العراق وثروته المائية الوفيرة التي تحسده عليها الدول والحكومات لوجود نهرين عظيمين وروافدهما، عراق الحضارات هذا انتهى إلى أنهار ناضبة بعد توقف الكري فيها وإقامة السدود عليها، وجعلت تشكو الركود والشمبلان والقصب والبردي وأنواعاً كثيرة من الطفيليات، إن عراق اليوم يشتري لشعبه المياه المعبأة بالقناني من دول الجوار في حروب مياه غير معلنة، في الواقع إن هنالك مشكلة كبيرة في العراق إسمها مشكلة المياه ولها سببان، الأول هو الإدارة السيئة للموارد المائية، والثاني هي السدود التي أقامتها تركيا على النهرين، وهذه المشكلة ليست وليدة اليوم بين تركيا والعراق بل منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، أي بعد إقامة سد (كيبان) الضخم على نهر الفرات الذي بدأ العمل به سنة 1966 وافتتح في سنة 1974، وما تلاه من سدود بلغت 22 سداً أشهرها أليسو، ومحطات كهربائية بلغت 19 محطة، ما أدى إلى ازدياد معدلات تراكيز الاملاح وخاصة في نهر الفرات، في سياسة مائية خبيثة تكاملية، من توجهاتها رفض تقاسم الموارد مع الدول التي يمر بها الفرات وهي سوريا والعراق، وهكذا أخذت تتراجع سنوياً كمية المياه الواردة إلى العراق من تركيا حيث ينبع النهران، ومرد ذلك إلى قدرة السدود الاستيعابية على خزن كل واردات النهرين لفترة ثلاث سنوات تقريبا.

وفي إطار حروب المياه التي لا تنشأ إلا بسبب زيادة عدد السكان والنمو الاقتصادي، تسعى تركيا إلى أن تعادل ما لديها من ثروة المياه بالنفط الموجود في دول المنطقة وتفتقر إليه، فالميزة الجغرافية والاستراتيجية لها باعتبارها دولة المنبع، جعلتها تستخدم عامل المياه لفرض سياسة الأمر الواقع والهيمنة على المنطقة!

ولم تكن إيران منصفة مع العراق، فقد استغلت الحكومات الضعيفة في بغداد وقامت بتوسيع مجاري أنهارها، أو تغيير مجاريها المشتركة مثل الكارون والكرخة في البصرة والكلال في واسط، دون التشاور مع العراق أو العودة إلى الاتفاقيات الدولية!

وإذا كان للبعدين السياسي والأمني تأثير مباشر على المياه، فإن الأمن الغذائي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن المياه، فقد القت شحة مياه النهرين بظلالها على الزراعة فيبست الحقول والمزارع، وكما توجهت الحكومات المتعاقبة على حكم العراق بعد 2003 إلى استيراد قناني مياه الشرب من دول الجوار، جعلت تستورد منها معظم حاجتها من المنتجات الزراعية!
إن مياه الانهار ملوثة بنسبة كبيرة وكذلك مياه الشرب، وهنالك مصدران لتلوث المياه الأول طبيعي ويأتي من العوامل الجوية أما الثاني فمن صنع يد الإنسان بعدما تراجع دور الرقابة بعد سنة 2003، وأصبح مصير المخلفات الصناعية والكيمياوية بأنواعها المختلفة، وما تطرحه الاستخدامات المنزلية والنفايات وماتحمل من ملوثات يكون مصيرها الأنهار، ما يعني تلوث المياه السطحية أو الجوفية.
إن مياه الشرب الخارجة من محطات التصفية قد لا تكون صالحة للاستهلاك البشري بسبب عطل محطات دفع الشب في أحواض الترسيب، وساهم انقطاع التيار الكهربائي إلى توقف أجهزة الكلورين ما يعني بقاء المياه ملوثة، وكذلك اختلاط وتداخل المياه الجوفية والمياه الثقيلة مع مياه الشرب نظرا لقدم شبكات نقل المياه.

أما مرور أنابيب المياه الصالحة للشرب تحت المجاري، أو السواقي المفتوحة للمياه الثقيلة وما يمكن أن يسببه من الأمراض مثل التيفوئيد والكوليرا والاسهال الشديد وغيرها، فهو كفر بالمواطنة العراقية، حيثما تنعدم الرقابة الصحية وتسود اللامبالاة بالصحة العامة!
إن ما يلفت الانتباه انتشار الأمرض بين وقت وآخر بالتزامن مع اشتداد الأزمات السياسية!

وعدا سوء التخزين والسلامة الصحية، فإن تعرض قناني المياه الصحيحة والمغشوشة لأشعة الشمس الحارقة في فصل الصيف، مضر بصحة الإنسان لما ينتجه ذلك من تفاعل بين الماء والمادة البلاستيكية المصنعة اصلاً من البترول!

لقد تحولت قداسة الماء في بلاد ما بين النهرين والقسم به ببراءة، لا إلى هدره حسب بل إلى تلويثه والكفر بنعمته، حتى أن أمر تلويثه وصل إلى قيام الكثير من الدكاكين بتصفية المياه وتحليتها وخزنها في خزانات كبيرة وبيعها للمستهلكين!

وكان الكثير من العراقيين وما زالوا يجدون متعة في رش الماء من أنبوب مطاطي (الصونده) في باب البيت أو سقي الحدائق صباحاً، يجري الماء دافقاً بلا حساب، عذباً نظيفاً معقماً تسقى منه الحدائق والبساتين.

علمونا في المدارس أن خصائص الماء هي أنه عديم اللون والطعم والرائحة، لكن مآسي العراق البسته ثوباً خابطاً، وأدخلت عليه صروف الدهر طعم الملح والعسرة الدائمة، وتغير طعمه بعدما مزجت فيه نسبة عالية من الكلور بحساب المجرفة لإنعدام الرقابة وموت الضمير، أما أسوأ أنواع الروائح التي شممتها في الأنهار فكانت في الفرات المار بالناصرية قرب مبنى المحافظة الجديد، الذي شبع الفاسدون مما رصد له من أموال ولم يتم إنجازه حتى اليوم!، فتسربت روائح الفساد من تحت بنيانه إلى النهر!، وكذلك في مجرى النهر المار بسوق الشيوخ، مثله مثل شواطىء شط العرب في قلب البصرة، وكلا النهرين كانا مليئين بالنفايات وهما يمران بالمناطق المذكورة!

يقول أحد أصحاب الدكاكين في العاصمة بغداد (نظراً للطلبات المتزايدة وبالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة في الصيف إضافة إلى كثرة الفواتح والأعراس، فإننا نقوم بتصفية المياه وتحليتها وخزنها في خزانات موضوعة في باب الدكان!، أما عن مدة الصلاحية فيقول (نحن من يتحكم بها باتفاقنا مع أصحاب المطابع الأهلية، بوضع التاريخ المناسب على الورقة، التي يتم لصقها على القناني بمختلف الاحجام والماركات وحتى المواصفات الفنية للمياه المعبأة).

في الناصرية التي يشطرها الفرات إلى نصفين وتشرب من الغراف!، فإنك تشعر بمحنة النهر من بعيد وأنت تتوجه إليه عبر شارع بطول 100 متراً، وتنتشر على ضفتيه المقاهي بأرائكها المكسرة وأكوام النفايات وتصاعد عوادم السيارات مخلوطاً بالغبار!، وبما بينك وبين النهر من ألفة قديمة تمكنك من الشعور بتلوث المياه من نضوب النهر النازل إلى أقل من مستوى النظر، بعدما تصاغر وأصبح نهيراً مليئاً بالقصب والبردي والشمبلان!، أنت ابن المدينة الذي تعايشت مع النهر وهرعت إليه تشكو رحيل أبيك المفاجيء مراهقاً لم تعرف معنى الموت بعد، أو جلست على ضفته تشكو إليه حياة الفقر المدقع في بلد النفط وبيادر الحنطة والشعير، أو إحباط في الحب أو طول سنوات الحرب العراقية الإيرانية العبثية، وشربت على ضفافه كؤوس الخمر الباخوسية، ولطالما كانت لك معه مناجاة كما يتناجى أهل المدن الساحلية مع حبيب لا يقول شيئأ، فهو بعمق الأسرار الدفينة فيه وغموض الزمن السائر في أعماقه، لكن أمواجه تقول أشياء كثيرة في تكسرها على الشواطىء، وفي رهبة الليل هو صديق وإذا طلع الصباح سكتت أمواجه عن الكلام المباح، وإذا انخفض مستوى النهر زادت من عمر الزمن سنة كبيسة في حساب مآسي العراق وحروبه اللانهائية!
***
لا يصلح الماء في الناصرية حتى لغسل الموتى!
أستيقظ مبكراً على أصوات (ستوتات) بيع الماء الصالح للشرب، وهو في الحقيقة غير صالح للشرب!، ربما لغسل السيارات وسقي المزروعات ورش أبواب البيوت به طلباً للرزق، لكن ليس للاستهلاك البشري، أخرج إلى الشارع صباحاً حاملاً (الجليكان) البلاستيكي أبيض اللون، الذي ركدت في قاعه أوساخ سوداء اللون وطحالب لملئه من عربة المياه، أنا ابن البيئات المائية، عزت علي الحكومة بعد أكثر من عشر سنوات على الاطاحة بالنظام الوحشي، بشربة ماء عذبة تصل إلي عبر الأنابيب كما كانت منذ عشرات السنين!

يقف رجل ملثم وراء الستوتة ممسكا بأنبوب بلاستيكي، كما لو كان يستعد لهجوم بمدفع متوسط على البيت!، يضع الرشاش في فم الجليكان ويبادرني بالتحية
- صباح الخير حجي!
لكم كرهت مناداتي (حجي!) وهو أحد أسباب عدم بقائي في العراق أطول فترة ممكنة!
- صباح النور.
أنقده بعدما ينتهي من ملىء (الجليكان) مبلغ 500 ديناراً قبل أن ينطلق في الشوارع والأزقة.
***
يكفي للشراب وطهي الطعام ليومين فقط هذا (الجليكان)، الذي رافقني في البراري وجبهات حروب صدام ضد إيران، وفي غزو الكويت وكنت في تلك الفترة جنديأ إحتياطاً في ظاهر البصرة ولم أدخل الكويت على الاطلاق، وفي مخيم رفحاء، وأخيراً وبعد عشر سنوات من التغيير في الناصرية، أملأ (الجليكان) صباح كل يوم وأزيد عليه بشراء قناني الماء لأضمن شربة ماء صالحة، حرصت قبل ملئ (الجليكان) بالماء على إفراغه من ماء الأمس حتى لو كان ممتلئاً حد النصف، حفاظاً على صحة الأهل لا سيما الأطفال منهم!

وبعد انتشار الأوبئة ولا سيما وباء الكوليرا وهلع العراقيين منه وسط لا مبالاة الحكومة ومجلس النواب وأجهزتهما الرقابية، اضطر الكثيرون منهم إلى شراء جهاز التنقية المنزلي وسعره يتراوح بين 100- 200 دولار، يستهلك الجهاز تياراً كهربائياً قليلاً وتربط أنابيبه إلى أنابيب الماء المنزلي، وتدور المياه على ثلاثة فلاتر لتنقيته من الشوائب، قبل مروره بأنبوب العالجة بالأشعة فوق البنفسجية لقتل الجراثيم والمكروبات.

كم مرة تنقل المياه من الخزانات إلى الحوضيات، ثم إلى الباعة المتجولين أو الخزانات البلاستيكية الموجودة في أبواب الدكاكين، لتصب في نهاية المطاف في (الجليكانات)؟!
***
حملت في أحد الأيام أسئلتي الملحة إلى مديرية بيئة ذي قار، وأفادنا الاستاذ فاضل جواد فرج مدير شعبة النظم البيئية في المديرية مشكوراً بما يلي.

1- نوعية المياه
تشير المعلومات المستخلصة من النتائج المختبرية حول نوعية المياه في محافظة ذي قار، إلى أنها في أغلب المصادر المائية ذات نوعية متردية، وذلك لاحتوائها على تراكيز عالية من الأملاح والعسرة العالية والقاعدية العالية، إضافة إلى ارتفاع نسب تراكيز كل من (الصوديوم والكلوريدات والمغنيسيوم والبوتاسيوم)، حيث تعد هذه المياه غير صالحة للاستهلاك البشري وكذلك الحيواني.

الأسباب
أ- إلقاء مياه الصرف الصحي في النهر بدون وحدات معالجة.
ب- التصاريف الناتجة من المعامل والمنشآت الحكومية مثل الطاقة الحرارية التي تنتج الطاقة الكهربائية وما تلقيه من فضلات إلى النهر.
ج- مياه البزل التي تصل مباشرة إلى النهر، وما تحويه من ملوثات كيميائية من أسمدة ومبيدات، وخاصة في أعالي الفرات أي شمال العاصمة بغداد، مما يؤدي إلى وصول نوعيات ملوثة ومتردية إلى الجنوب.
2- نظراً لعدم وجود معالجات حديثة لتحسين نوعية المياه، يلجأ أكثر من 70-80 % من المستهلكين إلى شراء المياه المسماة (RO) من أماكن بيعها، وهي بطبيعة الحال عرضة للتلوث نتيجة لنقلها من الحوضيات إلى الخزانات الكبيرة ثم إلى الخزانات الأصغر، وبعد ذلك إلى خزانات الباعة المتجولين أو الخزانات الصغيرة في المحلات والدكاكين، ثم إلى الأصغر حجماً وهي (الجليكانات) التي يملأها المواطنون من خزانات تسحبها العربات و (الستوتات)، ويتراوح حجمها بين 20 و25 لتراً وتستخدم في الاستهلاك اليومي، ومازالت نسبة متبقية من المواطنين يستخدمون مياه الاسالة أو الآبار التي غالباً ماتكون عرضة للتلوث الجرثومي.

وبالرغم من الجهود التي تبذلها كل من وزارة الصحة والبيئة، لمراقبة نوعية المياه وتقييمهما لصلاحية الاستهلاك، لكن لا زال التنسيق ضعيفاً بين الوزارتين، إضافة إلى وزارة الموارد المائية للحد من الآثار السلبية على صحة المواطنين.
3- المعلومات المتوفرة بخصوص تلوث التربة والمياه إشعاعياً لا زالت غير معلنة، كونها تخص مركز الوقاية من الاشعاع ببغداد، بالرغم من إرسال نماذج كبيرة من المياه والتربة فصلياً ومنذ سقوط النظام حتى الآن، بالرغم من وجود مواقع ملوثة بالاشعاع في ذي قار وهذا الأمر يحتاج إلى إعادة نظر!
4- نتيجة لتردي نوعية المياه، فإن الفحوصات المختبرية تؤكد حدوث تلوث للمياه بالبكتيريا والفيروسات كالبكتيريا البرازية (Gscherishia coli + streptococeus faecalis Rota Virus)
5- انخفاض مناسيب المياه في أغلب الأنهار سبب تدهور نوعية المياه وارتفاع العسرة والقاعدية.

6- تحتاج محطات تصفية المياه في عموم محافظة ذي قار، إلى أجهزة تقنية حديثة وكادر ذي خبرة، ولوحظ أن من يقوم بتزويد المياه إلى المستهلكين هم الحراس وعدد من الفنيين قليلي الخبرة، حيث يتم رمي مادة الشب بدون حساب بالمجرفة (الكرك)، وبالرغم من توفر حاقنات الكلور فإن أغلبها عاطلة وتكون فارغة من أكثر الأحيان، وسبب الاهمال انفجار عدداً منها ووقوع حالات اختناق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طه باقر مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة القسم الأول تاريخ العراق القديم مطبوعات دار المعلمين العالية الطبعة الثانية بغداد 1955 ص 236
(2) قداسة الماء ورموزه في حضارة بلاد الرافدين، حكمت بشير الأسود.


ـ الكهرباء وإذا كان هذا هو حال الماء فإن واقع الكهرباء مأساوي حيث لا يؤطر المشهد الكئيب ليلاً ونهاراً، إلا مهزلة الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، وما يسببه الظلام الدامس من كآبة وحزن شديدين يتجددان إلى حد الكفر بالعراق!، ولم يأت ذلك عفواً بل على الأرجح إنه مخطط له في عقول ودوائر الأحزاب الحاكمة، لإذلال الشعب والتنكيل به، لينشغل بأزماته المعيشية فتطلق الأحزاب والشخصيات النافذة أيديها في السرقة المنظمة لثروات البلد!، وإلا ما معنى عدم قدرة الساسة الجدد، بعد 10 سنوات على التغيير، على استيراد محطات لإنتاج الطاقة الكهربائية، وإعادة تأهيل القديم منها؟!

في الواقع تقسم الطاقة إلى نوعين، الطاقة الساكنة وهي الوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط والغاز الطبيعي، ويمكن لهذه الطاقة أن تنفد يوماً ما، ولا سيما النفط الذي يتوقع له خبراء الطاقة بالنفاد خلال العقود القادمة، والطاقة المتجددة وهي الطاقة الشمسية والطاقة الكهربائية وتعد هذه الطاقة صديقة للبيئة.

لقد تطورت الحياة بالطاقة الكهربائية إلى أبعد مما لاحظ أحد العلماء، من انجذاب الريش لقطعة كهرمان دلكت في الصوف، فاكتشف الطاقة الكهربائية بالصدفة، ثم تطورت بها الحياة في أرجاء العالم المختلفة، وتأخرت في العراق بإرادة سياسية مجرمة!

وإذا كان الإنسان البدائي عرف الظواهر الطبيعية وعللها، ومن بينها ظاهرة البرق، لكنه لم يعرف الربط بينها وبين مفهوم الشحنات الكهربائية المتولدة عنه، فإن الإنسان العراقي مازال في الألفية الثالثة يجوس في ظلام عميق، لا يعرف متى يخرج إلى النور من حفرة رمته فيها المؤامرات الدولية والإقليمية والمحلية؟!

بعد أقل من 40 سنة على اختراعها على يد الأمريكي أديسون سنة 1879، وقبل وفاته سنة 1930 كانت الطاقة الكهربائية وصلت إلى كل المدن العراقية تقريبا، في الواقع دخلت الكهرباء إلى العراق بواسطة الاحتلال الانكليزي سنة 1914 بحوالي 6 أشهر، وذلك لحاجة قواته إليها ولتنوير الشوارع المهمة في بغداد، ولاسيما شارع السراي ومباني القشلة حيث يقع مقر الحكومة، والمستشفيات وبينها المستشفى المركزي البريطاني في باب المعظم، وقبل ذلك عرفت العاصمة التنوير بالفوانيس (اللمبات) في سنة 1889 على عهد الوالي العثماني عبد الله، وكانت بعض الشوارع تنار بالفوانيس المربوطة على أعمدة يملأها بالزيت وينظف زجاجها (اللمبجية) مساء ويطفئونها صباحا، بعد ذلك بحوالي 20 سنة كانت أول محاولة في عهد الوالي ناظم باشا سنة 1910ـ 1911 لاستخدام الطاقة الكهربائية لتشغيل ترامواي بغداد الكاظمية، وبعد حوالي 100 سنة على إنارة شارع (خليل باشا جادة سي) الذي هو اليوم شارع الرشيد، بدا الشارع كئيباً مليئاً بالنفايات مقفراً تجوس فيه القطط وتنبح الكلاب، وسط لا مبالاة سيطرات الجيش التي تقطع الشارع قرب استدارات الجسور.

خلال زياراتي المتعددة إلى بغداد كنت أجتاز في الشارع من بدايته حتى نهايته، وأرى أن الاحتلال الغاشم واحد لكن وضع الشارع سابقاً كان أفضل بكثير من وضعه الحالي بعد مضي حوالي قرن بين الاحتلالين البريطاني والأمريكي، وربما يتعلل البعض في أن الاحتلال الامريكي لا يسمح بانشاء وتطوير مشاريع الطاقة في العراق، وكذلك بعض دول الجوار التي لها أذرع في الاحزاب المتحاصصة على غنائم العراق، لكن الحقيقة هي فساد الحكومة وسكوت الشعب عن الدفاع عن مصالحه وحياته اليومية، إلا في تظاهرات هنا وهناك استطاعت الحكومة احتوائها، وأصبحت أحياناً ليست وسيلة للضغط عليها، بل مناسبة لالتقاط الصور ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي!

إن استمرار بناء المجمعات العشوائية ومعارضة أصحاب الأراضي الزراعية مد الخطوط الناقلة للطاقة، وتقادم معدات وخطوط التوزيع، من بين الأسباب التي جعلت العراقيين يتخبطون في الظلام، ناهيك بظهور طبقة فاسدة تاجرت باستيراد صفقات المولدات الكهربائية من مختلفة الاحجام، بما تدره عليها من أموال طائلة.

بعد تحريرها من الغزو الصدامي بأقل من ستة أشهر وبأضعاف ما كانت عليه، أعادت الكويت عمل وتأهيل محطات توليد الطاقة الكهربائية، وبعد الهجوم الاسرائيلي الغاشم على جنوب لبنان سنة 2006 وتدمير البنى التحتية فيه، استطاعت الحكومة اللبنانية إعادة المحطات بأقل من سنة، فلماذا لم تحترم الحكومات العراقية شعبها وتحذو حذو هاتين الدولتين؟

لا الماء الصالح للشرب ولا غاز الطبخ على أهميتهما، بل إن أول معضلة يواجهها الزائر في العراق هي معضلة الكهرباء، لما لها من أهمية في استمرار الحياة وديمومتها، فمنذ سنة 2003 حتى كتابة هذه السطور خصصت الحكومات العراقية، مليارات الدولارات سنوياً لتحسين إنتاج الطاقة الكهربائية، لكن لم يطرأ أي تقدم في هذا المجال، وفاحت روائح تزكم الأنوف من ملفات فساد، ووقعت وزارة الكهرباء بعد التغيير، عقوداً مع شركات أمريكية ويابانية وألمانية لبناء محطات توليد الطاقة الكهربائية، لكن شيئاً من هذا القبيل لم يتحقق على أرض الواقع، ولم تتحسن حياة المواطن لا سيما خلال فصل الصيف، الذي ترتفع فيه درجات الحرارة إلى مستويات قياسية!

وفيما يضرب الارهاب مصادر الطاقة الكهربائية والأعمدة الناقلة لها، تقف بغداد عاجزة عن الحل وتتفاقم الأزمة، ففيما تنحى وزارة الكهرباء باللائمة على وزارة النفط، التي تزعم بأنها لم تزودها بالوقود لتشغيل المحطات الكهربائية، تنفي وزارة النفط ذلك بقولها :إن وزارة الكهرباء لم تزودها بالطاقة لتشغيل المصافي!، وهناك صراع بين العاصمة والحكومات المحلية في المحافظات على توريد الطاقة، فالوزارتان المذكورتان تقولان إن حصة المحافظات أكبر من حصة بغداد، وترد المحافظات بأن حصة بغداد أكبر من حصتها!
وهكذا يقف المواطن العراقي بين الأطراف المتنازعة، عاجزاً في المعمعة!

وفي إطار المهزلة المستمرة، تتناوب الكهرباء الوطنية والمولدات المحلية على تجهيز الكهرباء للمواطنين، ساعتان من الوطنية ثم ينقطع التيار الكهربائي بانتظار رحمة المولد، الذي يجهز المئات من البيوت والمحال التجارية بثمن يسدده المواطنون من جيوبهم!

في حرم جامعة ذي قار والمدارس والشوارع والمقاهي وسوق الخضار ووسائط النقل ووسائل الإعلام المحلية، يتداول المواطنون أسباب لا مبالاة الحكومة المحلية بتجهيز المولدات الأهلية بالكاز لتشغيلها، تتقاعس عن ذلك أحياناً تحت ذرائع شتى ويبقى قاسمها المشترك، هو صراع الأحزاب وقصور نظرتها ولا مبالاتها بحياة العراقيين، إن معادلة البلد الذي (يصدر النفط إلى دول العالم لكن يستورد اللبن الرائب من إيران!) لا يمكن فهمها وتفسيرها إلا في ضوء سوء التخطيط والأدارة، بلد ينتج النفط لكن لا يستطيع تزويد المولدات بالكاز ماذا يمكن أن نقول عنه؟!، سوى أن حكومته تهزأ بمواطنيها وتذلهم وترغمهم على قبول الأمر الواقع!، فأي تغيير هذا الذي حصل بعد سنة 2003 إنه لا شك تغيير نحو الأسوأ!

في الناصرية يخيل إلي أن مشهد الموصلات الكهربائية (الوايرات)، المعلقة فوق تلال النفايات متشابكة في فضاءات الشوارع والأزقة، وكذلك على واجهات البيوت والمحال التجارية والدوائر الحكومية، يشبه إلى حد ما أعشاش غراب البين النائحة في شوارع المدينة، تتشابك (الوايرات) وتتدلى حتى تلامس الأرض، فيرفعها البعض بخشبة أو يركنها على أسيجة البيوت، ومما يؤسف له أن الكثيرين من الأبرياء قضوا صعقاً بالكهرباء في الناصرية وبقية المدن العراقية!

ومن سوء الحظ أنني لم أشاهد أكمام الورد تتفتح في موسم الربيع وتعبث بها الفراشات الملونة، أو أعشاش العصافير والبلابل والفخاتي في ذرى النخيل المنتشر حول المدينة، وتلك علامة على خراب الطبيعة وإهمالها وانشغال الإنسان بقوت يومه، لكني شاهدت أعشاش (الوايرات) السوداء القديمة وماحلة اللون والمربوطة إلى بعضها البعض كيفما اتفق بحيث أنها وفي أية لحظة تكون قابلة للتماس الكهربائي واندلاع الحرائق، وخاصة حينما ترتفع درجات الحرارة صيفاً أو خلال هطول الأمطار شتاء، حدث ذلك عدة مرات خلال وجودنا في الناصرية، احترقت ذات مساء في شهر آب مجموعة من (الوايرات) تبعثرت منها جمرات في الحال، وتناثرت أمامنا نحن الجالسين في مقهى الأدباء مما اضطرنا إلى الابتعاد، وفي إحدى الليالي حدث تماس ونشب حريق في ساحة الحبوبي، فهرع عشرات المارة إلى المكان بقناني المياه وحفنات التراب!

وتنتشر المولدات الخاصة فوق أسطح المباني وجوار البيوت، في الشوارع وواجهات المحال التجارية، في الأسواق والدوائر الحكومية، ويسمع لها ضجيج مدو، وبما تنفثه من أدخنة يتلوث هواء الناصرية، التي هي أصلاً مدينة مغبرة في فصل الصيف خاصة، إن تصاعد أعمدة دخان المولدات مختلفة الأحجام تجعل الإنسان يعيش بين ضجيجها ودخانها!
فأي حياة بائسة يعيشها البشر في الناصرية والعراق؟!

كما يقف خاشعاً صاحب الدكان الهندي أمام تمثاله الصغير المعبود، الموضوع في صندوق خشبي معلق على الحائط، يبخره ويقدم له النذور، يقف أحد أفراد العائلة كل ساعتين أمام صندوق حديدي بضلفة واحدة مشرعة على الدوام في الباحة الخارجية للبيت، صندوق في وسطه أزرار تغيير موزع الكهرباء من الوطنية إلى المولد وبالعكس، هنالك على باب الصندوق أربعة مصابيح حمر صغيرة وواحد أخضر، تضيىء كلها ما أن تعمل الوطنية لكن تخفت على طاقة المولد، أهل بيتي حفظوا مواعيد الوطنية والمولد فأصبحت بالنسبة إليهم عادة يومية! أو كما يقولون ساخرين على الطريقة العراقية صارت (زلاطة!) أي أنهم تعودوا على ذلك الشيء!

أسألهم ساخراً أيضاً
- أنا دخت!
- ليش؟!
- شنو هسه أجت كهرباء الوطنية لو المولدة وزرق الأبر؟!
يضحكون وأضحك على الحظ المنكود في العراق الجديد!

سألت نفسي مراراً
- لو كنت مقيماً في العراق هل أفعل مثلما يفعلون؟!
- هل أتكيف مع المعاناة نفسياً؟!
- أم إنني سأصاب بالملل جراء عمل يدوي رتيب؟، ربما يتطور بمرور الزمن إلى مرض نفسي؟!، الأرجح أن لذلك بالغ التأثير في نفوس معظم العراقيين، مما جعل الكثيرين منهم يقومون بأفعال تثير الشفقة، إن صياح أحد أفراد العائلة بعد انطفاء المولد فرحاً، ومناداة فرداً آخر بتغيير الموزع إلى الوطنية، ما يعني وصول التيار الكهربائي الذي يتحمل تشغيل الأجهزة الكهربائية (الثلاجة/ المجمدة/ المكيفات)، يشبه صياح الناجح - بعد طول سهر ومعاناة - في الأمتحان الوزاري!

ترتفع درجات الحراة في فصل الصيف، حيث تصل أحيانا إلى أكثر من 50 درجة مئوية، لا سيما في شهري تموز وآب، نغادر الصالة والمطبخ وتتجمع الأسرة كلها في غرفة واحدة تحت هواء المكيف البارد!، تقول أمي هواك ربي ويغفو شقيقي الأصغر، وسرعان ما يسمع شخير الأطفال الذين يغفون في أحضان الأمهات.

أما خلال الليل فيتحول البيت إلى قطعة من ظلام دامس، منقطع تماماً عما يدور في العالم الخارجي، يسبح في فلك فالت عن مداره، أو أشبه ما يكون بسفينة تائهة في عرض البحر فلا فنار ولا أضواء هادية!، ثمة أشباح يدعون (مواطنون) في دولة نفطية غنية ومنهوبة يجلسون متقابلين في الصالة، غالباً ما يتحدثون في السياسة وأقدارها، ويجتهدون في التحليل والسخرية من الحكومة وما يرد في نشرات الأخبار، لكن ولا شمعة في نهاية النفق، كما يردد الإعلام والساسة الفاسدون، مُنظّرينَ للشعب حول أوضاع العراق، فجأة ومع انطفاء الضوء بكبسة زر يتحكم به الحاكم بأمره في العاصمة لغرض تعذيب الشعب!، أو هكذا يخيل إلي دائماً بمجرد انقطاع التيار، يسدل الظلام أستاره وتجتاح الكآبة بيت الأشباح، ويبدو ضوء (الموبايل) وجيزاً وأنا أجوس في الظلام، متعثراً بشيء ما، مرتطماً بباب غرفتي، وشجت حافة الباب الحادة جبهتي ذات ظلام أو كادت!، ولولا الأهل والخلان فإن الظلام يجعلك تفكر ألف مرة بالعودة من حيث أتيت، وبالنسبة لملايين العراقيين بالهروب من الظلام الموحش إلى النور بالهجرة من العراق وإلى الأبد!

لا شك أن انقطاع التيار الكهربائي المستمر، يؤدي إلى التوتر الداخلي والقلق النفسي الذي يتراكم في أعماق الإنسان، فينفجر في شجار أو موقف متسرع في قضية ما غالباً ما تكون تافهة!، الظلام يخنق أيضاً، وتبحث الروح في زوايا البيت عن بقعة ضوء عزت في السديم!

انطفاء الضوء بشكل مفاجيء في البيت يعني ظهور الاشباح الآدمية، وسقوطنا في الثقوب السوداء بين مجرات الأوهام، بمجىء يوم قريب يأتي بساسة وطنيين، يجعلون العراق من شماله إلى جنوبه لؤلؤة مضيئة!

الاشباح التي كانت أرواحاً قبل انطفاء الضوء، هدأت في ليل العراق البهيم، وإذا كان أبسط تعريف للشبح أنه طاقة روحية لشخص ما فارق الحياة، فإن أشباح العراقيين في الظلام تبدو بلا روح بعدما فرغت طاقتها في الحروب والحصار والفقر والتجهيل والفساد! انطفاء ضوء البيت كله دفعة واحدة نذير شؤم، العتمة تملأ المساحات الملونة قبلما تفقد العين قدرتها على التمييز، حتى طرحة أمي بيضاء اللون التي تتوجه بها في الصلاة إلى بارئها أمست سوداء اللون، العين تخترق الظلام الكثيف لكن لا ترتطم بشيء ولا حتى شبح واحد، هيمنة الظلام على المكان تطلق أشباح الماضي من عقالها!

في الطفولة كان آباؤنا يحذروننا من الاقتراب من الخرائب وقت الغروب خاصة لأنها مسكونة بالاشباح!، دأب الشيعة في الجنوب على إخافة أبنائهم بحيوانات اسطورية لا وجود لها إلا في الشفاهيات، (السعلوة) التي لها قدرة على التحول إلى امرأة جميلة، لتغري الصغار قبل أن تأخذهم إلى النهر وتغرقهم وتأكلهم!، (الكرطة) و(الطنطل) وغيرها من صنع الخيال العراقي، كلها خرجت من قمقمها بعد 2003 مع استمرار انقطاع التيار الكهربائي وعموم الظلام!

بدل أن تلعن الظلام إشعل شمعة كما قال كونفوشيوس، في مكان جديد عليك تقصر أن تضيئه شمعة صغيرة يربكك انطفاء الضوء الفجائي، يربك حواسك وله بالغ التأثير على مزاجك الشخصي، يجتاحك خوف حتى وأنت بين أفراد عائلتك، الفرق بين الضوء والظلام كالفرق بين الحياة والموت، الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ) (1)

يأتي شبح بشمعة ويشعلها فتنكشف في النور الوجيز وجوه العائلة فرداً فرداً، مسترخية غافية بنظارات طبية تعكس الضوء، إن ابتسامات الأطفال في النور الخافت مما يبتشر لها القلب ويهتز الوجدان.

لا يمكن معرفة الظلام إلا بنقيضه النور ولكم أكره الثنائيات المانوية، أبيض وأسود خير وشر ضوء وظلام؟! ظلام وجهل وخرافة أو قل ساعد الظلام على انتشار الجهل والخرافة بواسطة الاحزاب الدينية، التي استلمت من عهد الطغيان راية تجهيل الشعب وسارت بها إلى أبعد ما يكون!

تعود الاشباح على الظلام منذ سنوات إلا شبحاً واحداً، فقد عاش الضوء ومهرجانات النور والعطور في عواصم الدول المتحضرة، من شدة الظلام الراكد على قلبه يختنق الشبح الجديد القادم من اسكندنافيا، فيخرج إلى الفناء رافعاً رأسه إلى السماء متوسلاً ضوء نجمة بعيدة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ( متي 4 : 16

ـ الغاز
ولئن كان العراقيون ما زالوا يعيشون أجواء التموين والحصار، الذي أصدرته الأمم المتحدة في قرارها المرقم 661 في 6 أغسطس سنة 1990 بعد غزو الكويت، فإن البطاقة الوقودية التي وزعتها وزارة النفط على المواطنين خلال فترة الحصار، للحصول على الحصة الشهرية من المحروقات، لا تكفي في فصل الشتاء، مما يضطر طوابيرهم الطويلة إلى الانتظار على أبواب محطات الوقود، وربما جلب البعض منهم أفرشة ليبيتوا الليل، بانتظار الفرج في صباح اليوم التالي!

إلا أن الكثير من العوائل ابتاعت قنينة غاز إضافية للأيام الصعبة، وربما اضطرت إحداها إلى استعارة قنينة من الجيران لأن الطهي لم يكتمل!

وكما في كل المدن العراقية المتساوية في المآسي، هنالك عدد من عربات (الستوتة) تجول بين الأحياء السكنية في الناصرية، منها عربة بيع الفواكه والخضروات، وعربة بيع الأسماك، وعربة بيع (المياه الصالحة للشرب)، وعربة بيع وشراء اللوازم البيتية المستعملة، وعربة بيع قناني الغاز، ولو كانت هناك عربة لبيع الكهرباء، لما تأخر العراقيون عن ابتكارها باستخدام الستوتة أو غيرها!

وفيطار تدني مستويات الذوق العام وانعدام الرقابة الحكومية، انطلقت عربة بيع الغاز منذ ما قبل التغيير بموسيقى تخدش الاسماع، فلغرض تنبيه السكان إلى وجود العربة، يقوم البائع بالضرب على القناني الفولاذية بقضيب حديدي فيصدر عن ذلك صوت مزعج!، لكن مع مرور الوقت تغيرت النغمة إلى بث موسيقى تركية حزينة، استعيرت من إحدى المسلسلات الدراماتيكية التركية التي غزت الفضائيات العراقية والعربية!، أو إلى بث أغنية الفنان سعدون جابر الشهيرة (عالهودلك عمي الهودلية .. والعشك من الله من الله شطايح بديه؟!)، من جهاز تسجيل صغير موضوع بجانب سائق الستوتة الذي يوصل قناني الغاز إلى البيوت، ومن الطبعي أن يكون سعر القنينة المطروحة في محطة توزيع الغاز 6 آلاف دينار، ضعف سعرها محمولة في ستوتة التوزيع، وإن شحة غاز الطبخ وارتفاع سعره في السوق السوداء، جعل الكثير من العوائل العراقية تستعين بالموقد النفطي البدائي (الجولة)، أو أغصان الاشجار اليابسة حطباً للطهي، بما يذكر بعصور الانحطاط، في بلد كان من المفروض أن يسير في ركب البلدان التي تجاوزت الماضي وأمراضه مثل الملاريا، واستخدم سكانه الطباخات الكهربائية كما تستخدمها الشعوب المتقدمة مثل الشعب النرويجي وغيره، وعدا أضحوكة قحط الماء الصالح للشرب وانقطاع التيار الكهربائي وشحة البصل والبطاطا والحلويات في شهر رمضان، فإن الناصرية تعاني شحة في الغاز وقتما يرى السياسيون ذلك مناسباً، لمزيد من إذلال الشعب كما يحصل في تجهيز الطاقة الكهربائية للمواطنين، يعزو الساسة سبب نفاد الغاز في العشرة الأولى من شهر محرم، لا إلى عدم إقرار قانون النفط والغاز، وضعف الأدارة وغياب التخطيط والرؤية الاستثمارية وانعدام التنسيق بين الوزارات المعنية، وهي النفط والصناعة والكهرباء، بل إلى كثرة المواكب في شهر محرم (عاشوراء)!، لكيلا يتفوه أحد بكلام أو شكوى حول الغاز، وبلوغ سعره في السوق السوداء إلى الضعف وأزيد!

وفي بلد صناعة الأزمات لا شك أن هنالك أياد خفية تقف وراء شحة الغاز، وإلا ما معنى شحة النفط ومشتقاته في بلد نفطي يغذي مصانع العالم الغربي، وما معنى أن أخبار أزمة الغاز تغطي على حين غفلة، على أخبار العمليات الارهابية والفساد، وتلال النفايات، وانقطاع التيار الكهربائي، والزحام في الشوارع، وكثرة سيطرات التفتيش وتأخير مصالح المواطنين وغيرها!

وبدت أكذوبة أن يكون العراق مُصدّراً للغاز في سنة 2019 ، كما صرح بذلك الناطق باسم وزارة النفط قبل فترة مثيرة للسخرية، ولعبت الاشاعة دورها في رفع سعر قنينة الغاز، مما اضطر السكان إلى شراء أكثر من واحدة تحسباً للطوارىء، حيث يحتكر الباعة قناني الغاز لبيعها في وقت اشتداد الأزمة بثمنها أضعافاً، بما يصب في مصلحة ضعفاء النفوس الذين يتحينون الفرص، لاستغلال الطبقات المسحوقة في المجتمع، لكسب المزيد من الأرباح!

ويعزو مسؤول في وزارة النفط إلى أن أحد أسباب شحة الغاز، هو استخدام داعش لقناني الغاز في التفخيخ!، واتهام تجاراً بتصدير آلاف القناني إلى أماكن تواجد الارهابيين في العراق، وغير ذلك من الأعذار الواهية!

يمكن دراسة سلوك الناس حينما يهرعون في أوقات الأزمة بالستوتات والسيارات إلى محطات الغاز، يتدافعون بالمناكب للحصول عليه، وربما ينشب شجار بين البعض منهم في الزحام، مع اشتداد حرارة الصيف اللاهب خاصة، وفي نهاية المطاف قد يظفر البعض منهم بقنينة غاز أو لا يظفر!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,216,394,523
- الطريق إلى الناصرية 3
- شارع النهر
- الطريق إلى الناصرية 2
- انهيار التعليم في العراق
- حي الأرامل
- بيان حول الاعتداء السافر ضد المتظاهرين في مدينة الناصرية.
- عقيل حبش .. بطل من الناصرية
- موعد في غوا (رحلة إلى العراق والهند) الفصل الأول : الناصرية ...
- موعد في غوا (رحلة إلى العراق والهند) الفصل الأول : الناصرية
- في الليل تسطع نجمتها!
- كم هو حزين هذا الصباح؟!
- مثل ام ولد غركان .. بالناصرية؟!
- يكون غدا أثرا
- 9 هلالية!
- مقطع من القصيدة النرويجية
- استمارة الصافي مرفوضة وسنقوم بتوكيل محامين دوليين!
- دعوة إلى محافظ ذي قار الجديد التنازل عن منصبه!
- قرب مكان الانفجار الثاني بالناصرية !
- هوامش حول حرية التعبير في العراق
- الأستاذ الجامعي السعودي سعد الدريهم .. إبن أي شارع أنت؟!!


المزيد.....




- بالصور... طائرة خاصة تنقل الفنانين العراقيين إلى حفل افتتاح ...
- آل باتشينو يعود إلى التمثيل من بوابة -النازي القاتل-
- تندوف.. غضب شعبي أمام مؤسسات البوليساريو للكشف عن مصير الخلي ...
- تنبأ بموته.. رحيل الفنان السوري فرحان خليل
- -الشيطان يعظ-.. فضيحة خالد يوسف بمزاد التعديلات الدستورية
- فرصة للمصورين الصحفيين.. مسابقة -أندريه ستينين- الدولية تقبل ...
- العثماني: «نتائج محاربة الفساد تسر لكنها لا تغر»
- صورة من عائلة -كارداشيان- تنال مليون إعجاب في ساعة (صورة)
- مظاهرات فى المغرب ضد حفل فنان داعم لإسرائيل
- فنانون عراقيون يحضرون افتتاح قناة -MBC عراق- في السعودية


المزيد.....

- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طارق حربي - الطريق إلى الناصرية 4