أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي أحماد - طقس الشاي وقدسيته















المزيد.....

طقس الشاي وقدسيته


علي أحماد

الحوار المتمدن-العدد: 6111 - 2019 / 1 / 11 - 17:35
المحور: الادب والفن
    


لم يفضل من الخبز للعشاء ولو كسرة واحدة ، ولا يوجد بالقرية فرن يعده لنبتاع منه حاجتنا وقد فاض من مؤونة حفلة عيد العرش اللحم والخضر ما يكفي لطبخ مأدبة عشاء تسد جوع الجميع ، لذا استقر الرأي بين الحاضرين على أن نطلبه من أحد أعيان القرية ( أكوينس ) رئيس الجماعة القروية ( إزناكن ) الحاج كاكا . أنتدبت للمهمة ، ، بحجة أن الحاج يكن لي حبا لا أستطيع تفسيره ، وإن كان البعض يعزوه الى رغبة الحاج في أن أصبح عريسا لابنته الوحيدة ، ولكن الرجل لم يخض أبدا في هذه السيرة ولو تلميحا فما بالك تصريحا وهو لن يعدم عريسا لها من أغنياء المنطقة فلست ذلك الزوج المثالي فأجرتي الشهرية لا تساوي ثمن زربية واوزكيتية صغيرة الحجم . الأكيد أنه لن يردني خائبا وما علي سوى المحاولـــة رغم أنها شاقة . سرت الى منزله الكبير بمحاذاة مسجد القرية أمام الجبل تحت أعين بعض الفضوليين. استقبلني بحفاوة ودعاني الى كأس شاي مما شجعني على أن ألقي عليه طلبي دون تردد أو استحياء . أجابني الرجل وهو ربع القامة تزين وجهه المدور الكبير لحية كثة تزيده وقارا وهيبة ، وعلى رأسه عمامة ناصعة البياض ويرتدي جلبابا صوفيا متقن الصنع ( من منطقة بزو ) :
الليلة عندي ضيوف من أهل القرية . مرحبا بكم أنتم أيضا وموعدنا بعد صلاة العشاء . ولكن عددنا كبير ، كما تعلم يا حاج ، قلت له . لا عليك ، فالخير كثير وهذه مناسبة لن تتكرر ، رد علي بكل ثقة وأريحية ونبل .
حملت ما دار بيني وبين الحاج كاكا الى الأصدقاء الذين لم يتوقعوا قبول الرجل استضافتهم ، ولكن الخبر أفرحهم وأسعدهم اهتمام رجل ثري . تفرق الجمع لكل وجهة هو موليها للترويح عن النفس ، في حين لزم البعض مكانه من الذين يدمنون شرب السجائر المحشوة بالحشيش أو تدخين الكيف أو احتساء الخمرة ولا يضيره أن يثمل وسط مجتمع محافظ ينبذ شارب الخمر...
حل الظلام والتأم السرب وسرنا نحو منزل مضيفنا ومعنا مدير المجموعة المدرسية أصديف ( أيت الحيان ايدير ) . دخلنا من باب خشبي كبير ومزخرف الى فناء الدار والجو ربيعي ( شهر مارس ) . وجدنا خلقا كثيرين يفترشون زرابي منقوشة ومزركشة ( الزربية الوزكيتية ) ويتكئون على وسائد وأمام أحدهم عدة إعداد الشاي . تتوسط الفناء حديقة صغيرة تنمو بها أشجار رمان ونباتات متسلقة وأريج الريحان يملأ المكان . تفتح الى الفناء غرف كثيرة على أبوابها أقفال . في إحدى الغرف اختلى ضيوف من طينة أخرى يظهر أنهم من علية القوم وحكمائها اعتزلوا الرعاع والغوغاء يبثون في أمر مصيري طارئ . في لحظة تهور هم المعلم بن بوية أن يدخل الى الغرفة المعلومة لكن رجلا من القرية فارع الطول ، عريض المنكبين اعترض طريقه بكيفية فجة وسوقية وكاد أن يطرحه أرضا . استهجنت تصرف الرجل ، فقررت الرجوع من حيث أتيت ، فلا حاجة لي الى طعام مذلة وإهانة ، لكن الحاج كاكا أرغمني على البقاء بحجة أننا ضيوفه وأنه حصل سوء تفاهم . تنحى بي الحاج جانبا وهمس في أذني ( بالغرفة بعض أفراد القبيلة يناقشون أمرا حساسا يمس شرف القبيلة ولا يصح أن يطلع عليه الأغراب ) .
تقضي العادات والأعراف بالقبيلة أن تلبس الفتاة التي فقدت عذريتها في علاقة جنسية غير شرعية كيسا وتركب حمارا بالمقلوب يطوف بها أرجاء القرية لتكون عبرة لسواها ، ولكن الزمن تبدل ولم تعد الممارسة مقبولة . يا له من طقس تعزيري يمس الأنثى ويستثني الذكر ! تخيلت هذا المنظر المبالغ في السادية اتجاه إنسان ضعيف استغل ضعفه العاطفي ذئب بشري أفلت من العقاب ، أهون عليها أن تموت على أن تذل بهذه البشاعة . أي إنسان يقبل لإبنته هذا المصير/ الحكم . أكيد لن يجتمع القوم على ضلالة ولا على باطل فمنهم أغنياء اتخذوا الدارالبيضاء مستقرا لهم ومقرا لتجارتهم وأعمالهم ، تعايشوا مع المدينة وتكيفوا مع تقاليدها وتمدنها .
أعدوا لنا مجلسا بفناء الدار بعد أن هدأت العاصفة وأجبرت الخواطر احتراما لصاحب الدار/ المضيف . ارتأى البعض أن نختار من بيننا من يعد لنا الشاي ، هذا المشروب السحري الذي لا يستقيم حفل عزاء أو عرس بدونه ، مشروب للأفراح والأحزان . اخترنا العون كوزوض للمهمة وهو أهل لها لأنه من أبناء المنطقة ويتناغم وجوده مع طقس إعداد الشاي ، ولاشك أن الحاج قد وفر لذلك أجمل الأواني وأفخرها وأشهى الأطباق من الحلوى والمكسرات . ظل الحاج محور الجلسة ويخيل لك أنه رجل يخرج للتو من تاريخ المقاومة عند قبائل زيان . تأخر البعض في الإلتحاق بدار الضيافة لأنهم تاهوا في الحقول يطاردون فتيات القرية النزقات الشبقات ...
اتخذت مكانا بين معد الشاي كوزوض والمعلم المتهور بن بوية - من مراكش - ورائحة الراح تفوح منه وتفضح سلوكه ، لهذا يتجنبه الكثيرون ولكني حافظت على علاقة ود بني وبينه لأني أجده طيب الخلق نقي السريرة وصاحب نكتة وعيبه أن الوسواس ينخر عقله فالجميع عنده يريدون إذايته ويتآمرون عليه ، لهذا تجده دائما متيقظ الحواس ومحترسا . ملأ كوزوض الكؤوس بالمشروب وتكفلت طواعية بتوزيعها على الحاضرين المصطفين جلوسا الى يمين " الصينية " الخاصة بالمعلمين . لست أدري أي فكرة راودت الرجل الذي اقترح أن يتكفل كل فريق بإعداد الشاي ؟ هل كثرة الضيوف أم هي تفرقة بغيضة ؟ لم يؤثر في الأمر ، مادام يجمعنا المجلس ذاته . ما أن رشف بن بوية من الكأس التي منحتها له حتى اتجه نحو الصينية الأخرى وأخذ منها كاسا ولما استعذبه قام على الفور بتغيير الصينيات . كان مذاق الشاي الذي أعده كوزوض سيئ المذاق ، ولما سألته عن السبب عزاه الى الإبريق الذي لم يستعمل منذ مدة طويلة . ثارت ثائرة الأهالي وماج الجمع بعد الهدوء واستحال التعايش الى ملاسنات بين رجل انتدب نفسه مدافعا عن بني جلدته ضد حماقة المعلم ووصفنا بالأفاعي موجها كلامه الى المدير بالأمازيغية ( تضوفت ابنكالن ) ما معناه ( أنت تحرس الأفاعي ) متهما المعلم بأنه بتصرفه الأرعن هذا قد دنس قدسية طقوس الشاي . إن المعلم في الحقيقة تصرف بعفوية ولم يدرك عواقب فعلته التي أساءت الى أفراد القبيلة . كادت الليلة تنتهي بمأساة لولا تدخل البعض بحكمة حفاظا على حرمة المنزل وصاحبه .
وقفت وتهيأت لمغادرة المكان للمرة الثانية في هذه الليلة ، ومن سوء حظ الأهالي أني أعرف لسانهم وسمعت كل الشتائم التي كالها لنا الرجل . هدأت النفوس مرة أخرى وعاتبني البعض على دفاعي عن المعلم الأحمق واستمر السمر الى وقت متأخر من الليل وغادرنا المكان بعد العشاء الفاخر الذي خصنا به مضيفنا الذي يحافظ على الإبتسامة وصفاء السريرة بشكل يثير الإعجاب . بقي بن بوية يردد ( مع الأسف لم يتحقق الهدف التربوي ) .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,154,759,913
- الحل بين عناد رحل أيت مرغاد وتأويل النادل لسداد ثمن البراد
- تسبيح وحصى ..أمداح وقرآن يتلى
- من ذكريات التتلمذة / قصعة الكسكس
- من ذكريات التتلمذة بمدرسة تاشويت / التلاميذ وقصعة الطعام
- هوامش على هامش الحكم على زعماء حراك أحراش الريف
- جرادة....أنشودة الرغيف الأسود
- من ذكرى أبي عشق الراديو/ المذياع
- يوم بقرية بالجنوب الشرقي / أريج القهوة ولواعج العذرية
- من ذكرى أبي / ديك - تاحمدجوت -
- يوم بقرية بالجنوب الشرقي ( المغرب )
- الخطوة الأولى نحو المدرسة
- اللقاء الأخير
- الجمرة الخبيثة عراب موسم الخطوبة بإملشيل
- من ذكرى أبي الدراجة الهوائية
- من مذكرات معلم / وريث حمل ثقيل
- التزيين في قضية تعنيف الأساتذة المتدربين
- وشاية كاذبة تستنفر الإذاعة و نيابة التعليم بميدلت .
- مدارس بدون تدفئة في ذروة القر والصقيع
- كلمة في حق صديق
- يوميات معلم بدكالة / أكتوبر 1991 الشيخ والوليمة


المزيد.....




- نائب أوروبي: المصادقة على الاتفاق الفلاحي رسالة سياسية قوية ...
- بوريطة: المصادقة على الاتفاق الفلاحي يبرهن على مكانة المملكة ...
- أحمد حلمى يروج لليوبيل الذهبى لمعرض القاهرة الدولى للكتاب بد ...
- تلفزيون إيراني: توقيف الأمريكيين للصحفية هاشمي يعود لمشاركته ...
- يصدر حديثا رواية -الملاك الحارس- للكاتب حسن عز الدين
- انتقادات لصحيفة سعودية بسبب كاريكاتير
- عاجل.. ماي تنجو من حجب الثقة عن حكومتها
- قانون قطري لحماية العربية وتغريم من ينتهك قواعدها
- عمرو دياب يستعرض -سيارته- الجديدة في دبي (صورة)
- فيلم عذرا عن الازعاج: تقاسيم على مقام الصراع الطبقي


المزيد.....

- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور
- القضايا الفكرية في مسرحيات مصطفى محمود / سماح خميس أبو الخير
- دراسات في شعر جواد الحطاب - اكليل موسيقى نموذجا / د. خالدة خليل
- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي أحماد - طقس الشاي وقدسيته