أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي أحماد - من ذكريات التتلمذة بمدرسة تاشويت / التلاميذ وقصعة الطعام














المزيد.....

من ذكريات التتلمذة بمدرسة تاشويت / التلاميذ وقصعة الطعام


علي أحماد
الحوار المتمدن-العدد: 5931 - 2018 / 7 / 12 - 21:41
المحور: الادب والفن
    


عند نهاية دروس الحصة المسائية من يوم الخميس والتلاميذ على أهبة الإستعداد لمغادرة حجرة الدرس المتربة يقف المعلم وظهره الى اللوح الأسود . يصمت الجميع وتهدأ الحركة ويعم السكون . وتشرئب الأعناق في فضول . يعلن بصوته الجهوري ( يا أطفالي أخبروا أهلكم أنكم غدا ستأكلون الكسكس في منزلي حتى لا يقلقوا عليكم ) . تنطلق بعض الحناجر بصرخات تعبير عن الفرحة العارمة قبل أن يطلق الأطفال سيقانهم للريح أملا في معانقة الفضاء الرحب انعتاقا من هم الدراسة الذي يجثم على الصدر . ليس لكلام المعلم حينها أن يراجع أو يناقش ، وأوامره تسري على الجميع الإناث والذكور ، الأغنياء والفقراء . لا أخفيكم سرا أني أفرح كثيرا لهذه العزومة لأني أمني النفس بوجبة تختلف طعما وشكلا عما ألفت أن تعده أمي ويقينا أمهات كثير من أقراني بالفصل . لقد اعتادت الأسر الفقيرة أن تعد الكسكس ( الطعام ) ب ( الكرشة ) أو قطع من الشحم الأصفر المملح والذي يباع بالسويقة أوعند بعض الجزارة محفوظا داخل صناديق خشبية ملفوفا بقطع القنب ورائحته نفاذة تزكم الأنوف وصالح لمقاومة برد الشتاء وقد يضيفه البعض الى الحساء أو عصيدة البطاطا أو بقطع من الركوة في القرى بعد أن تنتهي صلاحيتها وقد اكتنزت دسما او بما فضل من قديد العيد .
يجعلنا المعلم وقد تميز بسحنته السمراء وشعره الأشعث طابورا طويلا من إثنين كالعسكر مشيا في خط مستقيم ويسير غارقا في الصمت بجلبابه الأبيض وطربوشه الأسود تارة وراءنا وتارة قدامنا وعينه لا تغفل عن شارد أو مثير شغب بالغ في ازعاج الغير فتكفي منه نظرة شرز حتى يستقيم الصف كالقضبان ويخيم على الكل الوجوم وكأن الطير فوق رؤسهم . نعبر البيادر الصخرية الناتئة تحت نظرات السكان وننزل جانب القصر/ القصبة عبر الأدراج حتى نبلغ الحقول مرورا بالقنطرة الفاصلة بين سوق الأحد وتاشويت وفوق رؤوسنا تظهر المقبرة معلقة على جرف حاد تطل على وادي أوطاط الذي تحف جنباته أشجار صفصاف عملاقة تكون غابة تسحر العين وتبهج النفس تحفها عين / ينبوع لا ينضب ماؤها ولا يغيض ويجري سلسبيلا يشرب منها الأهالي ويغسلون فرشهم . البرد يكاد يفتت منا العظام جراء ما نلبسه من ثياب مهلهلة حالت ألوانها والريح الذي يهب عاصفا يقتلعنا من أماكننا فنضطر أن يتشبث بعضنا بتلابيب بعض لنقاوم فعل الريح في أجسادنا النحيلة . نصل الدار بعد مشقة وعنت ونقف أمام بابها الكبير صفا صفا ولا نلجه إلا بعد إذن صاحبه / معلمنا .
يبدو المنزل كبيرا تفتح أبواب غرفه الكثيرة على بهو واسع يزين الزليج الأخضر أرضيتها ويشي المكان أن أهله يعيشون سعة في الرزق ، أو لعلها المقارنة بينه وبين بيتنا المترب والبسيط حذو غابة ( بوعاري ) بحي ميملال . يبدأ لغط الأطفال بعدما يغادر المعلم البهو ليعلم أهل الدار بقدومنا ويتهيأوا لضيافتنا واكرامنا . لم يظهر لنا أي شخص من قاطني المكان ، فديدن أهل الراشدية / فيلالة أن تحتجب النساء عن الغرباء ولو كانوا أطفالا ولما يبلغوا سن الحلم . نتحلق حول أواني الكسكس حسب العدد المحدد سلفا حيث تتسارع الأيادي الدقيقة لصنع اللقمة ، ففي الأكل باليد بركة ، وباليد تعلم كم هي حارة وكم ترسخ في عقولنا أن الطعام الحار لا بركة فيه ! أو كما تردد أمي أن الفقراء إذا حل عليهم الضيف وقدموا له طعاما ، وحرصا على نصيب الأطفال الذي يبعدون عنوة عن مجالسة الضيف يلقون على سمعه مرارا هذا القول ( كم هو حار طعام الأطفال ) فيفهم الضيف ويكتفي من الأكل ... يتناهى الى سمعنا أن هذه صدقة فقد جرى المغاربة على دعوة الأطفال الى الكسكس ليتقبل الله الأجر ويذهب عنهم البلاء . عندما نفرغ من الأكل يطلب منا أن نلعق اصابعنا كعربون على أدب الأكل ونحمد الله بعد قول باسم الله في أوله . نردد الدعاء وراء المعلم بصوت واحد ويمسح لحيته الفاحمة عند الإنتهاء منه ..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,845,186,705
- هوامش على هامش الحكم على زعماء حراك أحراش الريف
- جرادة....أنشودة الرغيف الأسود
- من ذكرى أبي عشق الراديو/ المذياع
- يوم بقرية بالجنوب الشرقي / أريج القهوة ولواعج العذرية
- من ذكرى أبي / ديك - تاحمدجوت -
- يوم بقرية بالجنوب الشرقي ( المغرب )
- الخطوة الأولى نحو المدرسة
- اللقاء الأخير
- الجمرة الخبيثة عراب موسم الخطوبة بإملشيل
- من ذكرى أبي الدراجة الهوائية
- من مذكرات معلم / وريث حمل ثقيل
- التزيين في قضية تعنيف الأساتذة المتدربين
- وشاية كاذبة تستنفر الإذاعة و نيابة التعليم بميدلت .
- مدارس بدون تدفئة في ذروة القر والصقيع
- كلمة في حق صديق
- يوميات معلم بدكالة / أكتوبر 1991 الشيخ والوليمة
- من ذكرى أبي / الجزء الرابع الكفن
- لحظة عشق
- الأستاذة وحجرة الدرس
- صلاة فوق أريكة خشبية على الرصيف


المزيد.....




- الفلكلور الشركسي.. تراث تتناقله الأجيال
- برلماني -بامي- يهدد بالاستقالة بسبب معاشات البرلمانيين
- شرطيون مغاربة في باريس للتعرف على هويات قاصرين
- منشد الفاتحة المصري على ألحان الموسيقى يرد على منتقديه
- الشعر في الاحتجاجات العراقية يسجّل وقائع الفقر والعنف
- رحيل احمد مطلوب... الشاعر والعاشق ورئيس المجمع العلمي العراق ...
- الإمبراطورية العثمانية... ستة قرون في أقاليم تجاوزت 3 قارات ...
- صدور رواية -طلب صداقة- للكاتب محمد عبد الحكم
- تسعة ممثلين رفضوا أدوارا مهمة في أفلام بارزة
- صدر حديثًا ترجمة كتاب بعنوان -لاثاريللو دى تورمس-


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي أحماد - من ذكريات التتلمذة بمدرسة تاشويت / التلاميذ وقصعة الطعام