أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نادية خلوف - سجن الرّوح-7-















المزيد.....

سجن الرّوح-7-


نادية خلوف
الحوار المتمدن-العدد: 5832 - 2018 / 3 / 31 - 10:26
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تشدّني الصباحات إليها دون وعيّ، يلامس نسيمها خديّ، فأمتلئ بالحياة. أنسى ليلة سابقة حضنت فيها وسادتي. ليلة أحاول أن تكون مثل ليالي طفولتي البعيدة. هروب واحتماء بالليل يعقبه احتفاء بالنّهار.
ليس الليل بطويل كما يدّعي العشّاق. إنّه قصير لا يتسّع لكلّ ما أرغب أن أسّجله على صفحته، لكنّه كاف لخلاصي من التّهم. اخترت الليل على مدار حياتي عن وعي كامل منّي بأنّه قادر على الاحتواء.
يسحبني الليل من يدي ونجري في متاهات الحياة، نجلس في ركن منه نتحاور بهدوء إلى ما قبل الصّباح. سألني مرّة: لماذا تلجئين إليّ ؟
لا أعرف لماذا أهرب إلى الليل، ولا أعرف لماذا يدعوني بعد أن ينتصف لزيارة الأماكن الممنوعة في النّهار.
في الليل عانقتني الأشباح
عادت إلي أحلام الطفولة
غرقت في الفيضان
حلمت أن يكون هذا حلماً
استُجيب الدعاء
في حلم آخر
لعبت مع عصافير حقل أخضر
لم لا؟ ولدت مراراً من الطّوفان
. . .
لولم يرغمني شريكي على حضور الاحتفالات في أوّل أيّار-يوم العمال العالمي- لما ذهبت، فأنا لست احتفاليّة، وليس لدّي أدوات الاحتفال. ربما خصّصت نفسي لصنع التبولة، وورق العنب، وتطبيق أدوات الجلوس في مناطحة الشّمس عند الظّهيرة حيث يحترق وجهي ويذوب بعض مخّي بفعل الحرارة.
الاحتفالات هنا تعني أن الرّجال يشربون ويأكلون، والنساء يقمن على خدمتهم، لكن الشباب يجدون فرصتهم لبناء علاقات حبّ وسرقة بعض القبلات.
في آخر مرّة ذهبت فيها إلى تلك الاحتفالات بين أحضان الطبيعة الجميلة التي لم تصادقني. طلبت أن نحتفل بعد ذلك اليوم في مطعم ما لعدة ساعات وليس ليوم كامل، فهو أقلّ كلفة، وأقلّ تراباً وحرّاً. جميعهم يحبّون الاحتفال في الطبيعة إلا أنا. أحبّ الطبيعة عندما أكون وحيدة أمشي في ظلال الأشجار، وأحدّث الأطيار، وأقضي ساعة يمتلئ قلبي فيها بهواء البرّية، وبطبعي لا أحبّ أن أضيع بين جموع تصرخ، ولا أفهم عليها.
. . .
أحاول أن أعيد حساباتي. لا بدّ من حرق الدفاتر القديمة كي لا أعود لها ولا أعرف ما فيها. الدفاتر القديمة ليست تعبيراً رمزياً عندي. هي أوراق حقيقيّة كتبتها عندما كانت روحي تسجن مرّة بعد الأخرى، كان لديّ نية نشرها، لم أعرف الطريق إلى ذلك، وفيما بعد عندما سألتني ابنتي وكنت قد تجاوزت الخمسين: لماذا لا تنشرين ما تكتبين؟ أجبتها: لا أعرف كيف ، وأين، ويبدو أن الموضوع أكبر مني، وعرفت فيما بعد كيف يتبنى النّاشرون الكتّاب. هي تقريباً كما تتبنى الأنظمة الاستبدادية ضباط الأمن. يومها قرّرت أن أكتب على النت ومجاناً فليس لديّ خيار آخر.
خلال أيام وربما أسابيع، أو أشهر استطعت أن أجمع جميع الأوراق التي كتبتها سواء في دفاتر المذكرات، أو في مجلة صوت المرأة، أو مخطوط رواية اسميتها امرأة بعد منتصف الليل.
أحضرت كيساً من القنّب ووضعتهم فيه. حفرت في حديقة منزلي حفرة بحجم قبر. استمريت في حفرها لمدة أسبوع حتى أصبحت عميقة، وفي ليلة شتوية باردة أضرمت النّار بالمخطوطات، وجلست على كرسي أراقب اشتعالها. وضعت عليها الكاز عدّة مرّات ، وفي كلّ مرة كان اللهب يرتفع ويخبو، وعندما انطفأ اللهب ذهبت إلى النوم، وفي اليوم التالي زرت القبر، فرأيت النّار لا زالت تعطي بصيصاً. قلبت الأوراق بملقط حديدي. كانت ترفض الموت، ولم تتأثر كلّها بالنّار بل أطرافها فقط، لكنني وضعت التراب فوقها ، وزرعت وردة جورية بيضاء مكانها كي أتعرّف عليها.
جاء دور المكتبة التي تضمّ جميع الكتب التي لم نقرأها مثل المؤلفات الكاملة للينين، وبعض الكتب السياسية التي كنا نصفّها في واجهة المكتبة. تركت الكتب الأدبية، وقمت بتصريف تلك الكتب واحداً تلو الآخر، وكنت خائفة أن يسألني زوجي عنهم لكنّه بدا غير مهتمّ.
. . .
أتى إلى مكتبي أبو أحمد يطلب ثمن مازوت من أجل مدفأة الشّتاء، كنت ألبّي طلبه دائماً وهو من حواشي عائلة زوجي، لم يكن معي سوى خمسمئة ليرة سورية، وكانت أمورنا الماديّة تتدهور، نظرت في عينيه، ولم أحتمل ذلك البؤس. ناولته الخمسمئة ليرة. بقينا نحن بلا دفء. لقد مال الزّمان، فنحن نعيش تحت الحصار الآن، وعندما يميل الزّمان يكثر النّاصحون الذين يواجهون بالحقيقة صراحة، والحقيقة هي أنت من تسبّب في البلوى، والصراحة تعني التّشفي، وأنا خجولة ، ومع أنّني أعرف الرّد لكنّني لا أتجرأ. أكثر الذين تشفّوا بنا كعائلة كانوا ممن قدمت لهم الدّعم المادي والمعنوي، وأكثرهم على الإطلاق هم الأقارب، وكان لا يسرّهم تفوّق أولادي في الدراسة، وعندما مرض زوجي زارنا أخوه، وفي قلب بيتي، وأمام الجميع قال لي : أنت لا تهتمين بزوجك. أنت مهملة ، اتركي أولادك يأخذون درجات أقل. بينما قال لي زوجي بعد أن شفي: أخجل منك. لم أكن أصدّق أن أحداً يحمل تلك القيم مثلك. لولاك لما شفيت. طبعاً عندما كان مريضاً اضطررت أن أؤمن تكاليف المستشفى دون مساعدة الأقارب.
لا أعرف إن كان الكلام دقيقاً هنا. أم أنّني كنت حسّاسة أكثر مما يجب بسبب الأزمة التي نحن فيها، لكنّني ما قابلت أحداً إلا وخزني بكلمة، ولا زال مكانها يوجع.
قلت في نفسي يومها. كأنّ الاستبداد هو طبع، والشّر يغلب الخير، والدنيا غابة.
راجعت الماضي فرأيت أنّني كنت بسيطة ساذجة. صدّقت الكثير، وربما بعضهم استطاع خداعي أكثر من مرّة.
ناقشت نفسي: هل يمكن أن يكون جميع النّاس أشراراً. لا شكّ أن الخطأ ليس فيهم بل فيّ أنا، لكنّهم يبدون لي كأشرار إلا من يعيش تحت خط الفقر حيث لم يصل إلى مرحلة التمييز بين الخير والشّر.
كتبت في مذكرتي:" أعيش اليوم أشدّ حالات ضعفي، لا أعرف لمن أتوجه كي يدلّني على الطّريق. لو عمّت الفوضى هنا قد نكون ضحايا، والفوضى موجودة في المدارس، الوظائف. وفي المجازر مثل مجزرة سجن الحسكة، وأحداث متفرّقة. إلى متى أبقى مغفّلة، فالقانون لا يحمي المغفلين، لكنه يحمي الأشرار. عليّ أن أغادر المكان. عليّ أن أغادر المكان بسرعة. عليّ أن أغادر الآن"
لابد من نقاش الأمر مع الزوج، وقد كان يمرّ بأزمة اقتصادية وجميع توابعها النفسية، وشرحت له الأمر. أعجبته الفكرة، لكنّه قال لي:" أخشى من كلام المجتمع"، ولم لا؟ فقد قال أخوه ما قاله، وانتشر الخبر بين الناس بعكس ما هو تماماً. إلى أن استطعت أن أوصل نفسي إلى مستوى مادي أعلى من الصفر قليلاً، فعاد الأصدقاء أصدقاء، والأقارب أقارباً، وكانوا يتمنون لي ولأولادي من خلال آرائهم الصريحة الدّمار. بل إنّ البعض كان يحرّضني على أولادي، وقلت لهم يومها سوف تنتهي أمومتي عندما يبلغ أولادي سنّ الثمانين!
. . .
سوريّة سجنت روحي، وحبست الأشياء الجميلة في داخلي، وكلّما كنت ألتقي بصديق أو قريب أحاول أن أصمّ أذنيّ كي لا أسمع ما يقول. كنت أعمل نيابة عن سجّان في تعذيب نفسي، بينما كان النّقاش حامي الوطيس بين رجال السّياسة، وجميع من أعرفهم هم رجال سياسة، وكانوا مشغولين في ذلك الوقت بمقولة تافهة وهو تقسيم فكر المستبد بين فكر داخلي وخارجي، واختلف اثنان من الحزب الشيوعي حول حافظ الأسد فقد قال أحدهما وهو شاب: "كفالكم تستراً على الأسد" أجابه المسؤول الرّجل بلغة الإقناع : "أوافق على ما قلت حول الشّق الداخلي، هناك أخطاء لا علاقة للأسد بها في الموضوع الدّاخلي، لكن لا غبار عليه حول الشّق الخارجي، فهو وطني ،مع القضيّة الفلسطينية، ومع حق المظلومين، وعلاقاته مع الدّول الاشتراكية جيدة" طبعاً لم ينته النّقاش هنا. بل عندما ثمل الاثنان في نهاية السّهرة تشابكا بالأيدي.
كان مسؤولو البعث لا يحاولون أن يشرحوا شيئاً. هم يعرفون أنّهم مصفّقون، ولا تعنيهم السّياسة إلا بقدر ما تدر عليهم، وسيقومون بما يطلب منهم للمحافظة على منافعهم. لم تجر بينهم تلك النّقاشات العقيمة. كان حوارهم حول التنافس عل المناصب، وكانوا متصالحين مع أنفسهم ولا يشعرون بوخز الضَمير، وقد التقيت بالصّدفة مع فيصل رستم مسؤول في البعث في الرّيف، وكان صاحب الدّعوة صديق زوجي " كردي له مصالح عند فيصل هذا" وفوجئت بأن زوجته تعتزّ أنّ لها خادمة مسيحيّة في عمر أولادها لا تذهب إلى المدرسة، وربما كان مركبّ النقص عند المسؤولين الذي صدّرهم الأسد للجزيرة هو موضوع أن يكون النّاس خدماً لهم كما الطفلة التي تخدم هذا المسؤول، وقد اختارتها الزوجة مسيحيّة. خلال النّقاش كانت حصة الأسد من الكلام للمسؤول البعثي، وكان أخوه الشيوعي مع زوجته الحموية التي يهينها على الدّوام وربما لأنّها فقط من عقيدة أخرى. كان سقف المسؤول فيصل أعلى من الجميع في الوطنية. عدت إلى منزلي يومها، وبعد منتصف الليل بقليل نزلت من على درج منزلي حافية كي لا يستيقظ أحد، جلست قرب نبتات الفول في الحديقة، ولا أستطيع أن أمسك دموعي. عاتبت نفسي لماذا قبلت أن أذهب إلى دعوة على شرف شخص يستخدم طفلة، وكتبت في تلك اللحظة:" لا مستقبل لفئة تقبل أن تجعل بناتها خدماً، أين هو والد الفتاة؟ اعتقدت أنّك بلا أهل يا صغيرتي. كم أنا حزينة لأجلك. أنت أجمل منهم. خلقت لتكوني أميرة وليس خادمة"
في اليوم الثّاني مزّقت ما كتبت، وكتبت قصّة قصيرة عنوانها" أريد حياة، ولا أريد وطناً" تحدّثت في القصّة عن فتاة صغيرة تهرب من عند أسيادها ، ترغب أن تحيا.
كانت سوريّة سجناً حقيقياً لجسدي وروحي، وهي سجن للكثيرين مثلي، لكن لا زال البعض يقول أنّه عاش أجمل أيّامه فيها. ربما. لم يحدث هذا معي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,928,476,279
- حول غزو العراق
- سجن الرّوح-5-
- حول فضيحة ترامب مع الممثلة الإباحيّة
- حول الانتخابات المصرية
- سجن الرّوح -5-
- ماريا فرن
- حول وسائل التّواصل
- سجن الرّوح -4-
- حول فضيحة كامبريدج أناليتيكا
- سجن الرّوح-3-
- سجن الرّوح-2-
- سجن الرّوح-1-
- طريق العودة
- بمناسبة عيد المعلم العربي
- هل غيّر الغرب فكر المرأة السّورية؟
- قصة حقيقية عن العبودية
- سيرجي سكريبتال مرة أخرى
- رد على وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون حول حادث تسمم ال ...
- الفقر يخلق الظّلم
- من أمام المقبرة


المزيد.....




- حدث في 24 سبتمبر.. مقتل أكثر من 700 شخص بـ-حادثة منى- وافتتا ...
- الرئيس الكوبي الجديد يصل إلى الولايات المتحدة لأول مرة وسط ت ...
- بعد جدل -مهرجان قلق-.. كيف تصرف وزير الداخلية الأردني مع -ال ...
- إيران تحذر أمريكا وإسرائيل من رد"مدمر" وتعتقل شبكة ...
- إردوغان يتأسف من نيويورك على حال العالم الإسلامي ويعد بالمحا ...
- الحرب التجارية بين أمريكا والصين تبدأ بفرض واشنطن رسوما جمرك ...
- إيران تحذر أمريكا وإسرائيل من رد"مدمر" وتعتقل شبكة ...
- إردوغان يتأسف من نيويورك على حال العالم الإسلامي ويعد بالمحا ...
- بومبيو يدعو المعارضين بإدارة ترامب للبحث عن عمل آخر
- الإقامة الدائمة بأميركا.. قيود جديدة وحرمان من المعونات


المزيد.....

- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب
- جاليليو جاليلي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / محمد صديق أمون
- نفهم الحياة من ذكرياتنا وإنطباعاتنا البدئية العفوية / سامى لبيب
- أوهامنا البشرية - وهم الوعى وإشكالياته / سامى لبيب
- أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ناصر الحلواني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نادية خلوف - سجن الرّوح-7-