أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نادية خلوف - سجن الرّوح-3-














المزيد.....

سجن الرّوح-3-


نادية خلوف
(Nadia Khaloof)


الحوار المتمدن-العدد: 5820 - 2018 / 3 / 19 - 12:21
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


سجن الرّوح -3-
على ذلك الطّريق كنا نسير جميعاً. على عيوننا غشاوة. نحارب الفقر بالفقر. كنت في الصّف الثامن قبل أن يرحل عبد الناصر، وكان معلمي العلوم والفن من المصريين، والحقيقة أنهم كانوا رائعين فلأول مرة أسمع أغنية القمح الليلة الليلة عيدو، وغيرها من الأغنيات مع عزف مباشر، وكنت أحظى بعلامة جيدة في المواد التي يدرسونها، وكانت مديرة مدرستنا امرأة شامية اسمها أميمة تللو، وهي التي تدرّسنا اللغة العربية، وكونها مديرة شغلها ذلك عن الدخول إلى الصّف، ولم نتلق من كتاب القواعد حسب ما أذكر إلا درساً واحداً، ولا زلت أعاني من قواعد اللغة العربية فأرجع إلى المراجع.
كانت صديقتي من إدلب وهي أخت الموجهة، وكانت قد قالت لي أن أصدقاءها لا يحبّون عبد الناصر، فكتبت شعراً أذّم عبد الناصر فيه، وأهديتها إياه، وكان عنوانه "سوف نحيا"، وحتى أكون أمينة لا أعرف ماذا كان يعني ذلك العنوان.
أعطت صديقتي" القصيدة" الخرندعية لأختها، وأعطت أختها القصيدة للمديرة فأرسلت المديرة خلفي، وعندما عرفت أنّ الموضوع يتعلق بالقصيدة كدت أموت من الرّعب. ليس من العقوبة. بل من أن تعرف أختي الكبرى بالموضوع، وبعد أن أنّبتني المديرة. قالت ضاحكة: " سوف تؤلّفين لنا شعراً من خلف جدار السّجن" ورغم أنها كانت من أنصار عبد النّاصر إلا أنها كانت تقدّر العمل الجيد. لم يكن ذلك اللؤم الذي نراه اليوم، ولم تكن العقوبة تشغل بال بعض المدرسين، وفي إحدى المرات كنت قد نسيت دفتر التعبير في المنزل، وهي بالعادة تخرجني لأقرأ موضوعي، وشعرت أنني لم أرفع إصبعي، فعرفت أنني لم أجلب الوظيفة، وأخرجتني لأقرأ، ففتحت الدّفتر وبدأت أقرأ من ذاكرتي، وكلما أتت خلفي أميل بالدفتر إلى الجهة المعاكسة، ولم تتمالك نفسها من الضّحك هي والتلميذات، وقالت لي بالحرف:" لك مستقبل واعد" وفي هذه المرة لم تصدق رؤيتها. لكنها صدقت عندما قالت سوف تكتبين لنا من خلف جدار السّجن.
بعد سنوات عديدة. عدت بذاكرتي إلى الأساتذة المصريين وافتقدتهم، فقد كانوا غير معنيين بعبد الناصر حتى لو أيدوه. هم معنيّون بالحياة. كانوا مختلفين، وحتى أنّهم عندما حشرونا في الشّاحنات لاستقبال عبد النّاصر في حمص لم يرافقونا.
كانت لبنان مختلفة في ذلك الوقت، وكانت دور النشر في بيروت، ولم يكن فيها حرب، وجميع السوريين الذين هربوا إلى لبنان، أو ذهبوا إلى العمل يستطيعون تأمين معيشتهم وإعالة أهاليهم، كانت من النواحي الاقتصادية تشبه الخليج قبل عدة سنوات، وقد استقبل الشيوعيون الأرمن العائلات الشيوعية ، والكثير من السّوريين، ولأوّل مرة يدخل إلى بيوتنا بعض الثّقافة التي تتعلّق بحبّ الحياة، لكنّنا لم نكسر دائرة الفقر، والجهل، وأغلب من انتسب للحزب الشيوعي كان سببه الوحيد أن شعارهم هو شعار العمال والفلاحين.
كان هناك طبقة " واعية" لقيمة أن يعيش الإنسان الحياة، لكنّنا لا نعرفهم. ربما أبناء الإقطاعيين الذين ذهبوا للدّراسة في الغرب ، أو أبناء الأثرياء ممّن استلموا مناصباً في الطائفة، وبنوا بيوتاً من الإسمنت ، وهذا أيضاً كنا لا نعرفه. نشبه من يتخبّط في الظلام ثم يجثو بانتظار النّور، وبقينا على هذا النّهج بينما المتنفذين في الأنظمة المتعاقبة يحصّلون العلم والمعرفة في الغرب، ويسخرون من قيمنا، وبعد رحيل عبد الناصر تنبّه الشّيوعيون أيضاً لذلك، وبدأت المنح الدّراسية تغزو الحزب، وفي أغلب الحالات كانت تذهب المنحة إلى شخص لم يدخل معترك النضال، وهي تباع، وتبادل، وبهذا أصبح نظام جديد داخل الحزب الشيوعي له جميع مكونات الدولة الموازية حيث يمكنك أن تكسب لو عملت لحساب هذا المسؤول أو ذاك، وسوف آتي على تفصيل ذلك لا حقاً.
لا بدّ لي من الوقوف على وضع المرأة، وباعتبار أنّني أكتب من الذّاكرة، فلم أكن أعرف وضع المرأة في ذلك الحين إلا في منطقتي التي أعيش فيها، وقد كان وضع الرّجل ليس أقلّ صعوبة حيث كان يعمل بصف الحجارة على الطريق يوماً كاملاً كي يستطيع إعالة أسرته، ومع ذلك فالمرأة هي العار بعينه، ومن كثرة ما نبهتنا أمهاتنا إلى الحذر من هذا الكائن الأسطوري" الرّجل" كنا من الممكن أن نقع ضحيّة اغتصاب لأنّنا لا نستطيع ان نقاوم أسطورة تحدثت عنها أمهاتنا، والكثيرات من بنات جيلي تعرضن لاعتداءات جنسية من أقاربهنّ، وهناك حالات حمل، وقتل للضّحية، وفي إحدى المرّات. كنت ألعب مع صديقتي في الشّارع، فقالت خبئيني في بيتك. ابن عمي قادم سوف يمسكني من شعري كي يأخذني إلى بيتي لأن أمي فوضته بأن يأتي بي كلّما رآني ألعب، وهو يأخذني إلى قرب باب بيته ويدفعني إلى الحائط. . . وإلخ، ولم يكن الأمر يمرّ عليّ مرور الكرام، فطالما خفت أن أحمل بالصدفة دون أن يمسني أحد حيث لا أعرف كيف يمسّ ذلك الأحد، وتكون نتيجة ذلك القتل. كنت في ذلك الوقت أحبّ أن أموت بشكل طبيعي، ولكن ليس طعناً بالسّكين كما حصل لصديقتي التي طعنها أخوها في قبّة قريبة من القرية، وسارت عدة خطوات قبل أن تموت، وعادة يكون القاتل دون الثامنة عشرة من عمره كي لا تحكم المحكمة عليه، ولا أعتقد أن القاتل ولا الأهل يشعرون بالنّدم. بل يستمرون في الحقد، ويتمنون أن تعود الضحية ليقتلوها مرّة أخرى. قضيت تلك الفترة من عمري وأنا خائفة من القتل، وقد كنا أنا وصديقاتي نتحدّث عن الفتيات اللواتي قتلن، ومن يدري فقد يكون للموت أشكال، لكنّ الغفلة تجعلنا لا ندرك أنّنا أموات.
قد نكون نادينا بالحريّة فيما بعد، لكنّ الخوف، والرضوخ لمشيئة الرّجل، والنظر إلى أنفسنا كعار اجتماعي دون ان نعرف، فعقلنا الباطن هو الذي يسيّرنا، لذا لم نستطع تربية بناتنا على مفهوم الحرية الحقيقية، وكان وضعهن أصعب من وضعنا، فقد حاولنا نحن كسر القيد. أما هنّ فقد ولدن في جيل النّعم. نعم لدكتاتورية العائلة. نعم لظلم المدرسة. نعم للرئيس القائد. . . .



#نادية_خلوف (هاشتاغ)       Nadia_Khaloof#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سجن الرّوح-2-
- سجن الرّوح-1-
- طريق العودة
- بمناسبة عيد المعلم العربي
- هل غيّر الغرب فكر المرأة السّورية؟
- قصة حقيقية عن العبودية
- سيرجي سكريبتال مرة أخرى
- رد على وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون حول حادث تسمم ال ...
- الفقر يخلق الظّلم
- من أمام المقبرة
- تحرّر المرأة مرهون بالسّلام
- يوم الإنسان السّوري بدلاً من يوم المرأة
- الجنس الثالث
- اضحك، فليس في الضحك عار
- تماهى مع النّظام، واشتم العرب السّنة
- العجز عن الكلام
- آسفة على الكذب
- طواحين النّار
- أبطال الديجتال
- مفردات اللغة، والاكتئاب


المزيد.....




- بسبب قطعة أثرية دينية.. الشرطة الأمريكية تحتجز سيخيًا وجامعت ...
- شعارها -الله الوطن العائلة- وتريد حماية بلادها من -الأسلمة-. ...
- -الأناضول-: الاستخبارات التركية تحيد قياديا في -بي كي كي- كا ...
- بالفيديو: إطلاق نار في مدرسة روسية
- انتخابات إيطاليا: من هي زعيمة -إخوان إيطاليا- التي ستصبح رئي ...
- في الذكرى الـ 200 لفك رموزه.. حملة مصرية لاستعادة حجر رشيد
- المقداد من نيويورك: أي وجود عسكري غير شرعي على الأراضي السور ...
- أنقرة تستدعي السفير اليوناني وتبعث مذكرة احتجاج إلى واشنطن
- روسيا.. استدعاء أكثر من ألفي شخص من مقاطعة فولوغدا للتعبئة ا ...
- الصومال: مقتل أكثر من 30 من مسلحي-حركة الشباب-


المزيد.....

- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- إشكالية الصورة والخيال / سعود سالم
- الإنسان المتعثر في مثاليته . / سامى لبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نادية خلوف - سجن الرّوح-3-